جينات التوحد

جسيكا فيرغر

نيوزويك

منذ أكثر من عقد من الزمان، قررت جودي فان دي ووتر، وهي أخصائية في علم المناعة العصبية، اتباع فطرتها وبحث حالة لم تكن تعرف عنها شيئا قط.
وكانت فان دي ووتر، التي أصبحت الآن عالمة رائدة في جامعة كاليفورنيا، معهد ديفيس مايند، وهو مركز أبحاث دولي مختص في دراسة اضطرابات النمو العصبية – قد قضت حياتها المهنية في دراسة جهاز المناعة.
ولكن في عام 2000 اكتشفت مجال بحثي مُلح، ألا وهو: البيولوجيا المناعية للتوحد.
من خلال دراسات أُجريت على الفئران والجرذان والقرود من فصيلة ريسوس ماكوس، وفي نهاية المطاف، التحليلات المنظورة بأثر رجعي للأطفال الذين يعانون من التوحد وأمهاتهم – حددت فان دي ووتر ثمانية أجسام مضادة ينتجها الجهاز المناعي في جسم الأم، والتي يبدو أنها ترتبط بخطر التوحد إذا تجاوزت المشيمة.
وتشير فان دي ووتر، الباحثة أيضا في قسم الطب الباطني، إلى اكتشافها بأنه حالة مرتبطة بالأجسام المضادة لدى الأم (MAR). ويبدو هذا المفهوم مثيراً للجدل.
وسرعان ما أصبح أكثر إثارةً للجدل عندما بدأت فان دي ووتر في تطوير اختبارٍ لقياس هذه المؤشرات الحيوية عند امرأة  تحاول أن تحمل، وبالتالي التنبؤ بمدى احتمالية خطورة أن تلد طفلاً يعاني التوحد.
وبعد أن نشرت فان دي ووتر بحثاً في العام 2013 حددت من خلاله هذه الأجسام المضادة، أعربت إحدى الشركات عن رغبتها في استصدار براءة اختراع للاختبار من جامعة كاليفورنيا ديفيس، ومن ثم تسويقه.
وتذكر فان دي ووتر أن الاختبار لم يكن جاهزا في حينها، أما الآن، أصبح الاختبار القائم على الدم دقيق بنسبة 99% عند تحديد مجموعة علامات مناعية تسهم في الإصابة بخطر التوحد.
وهي تأمل في جعلها متاحةً للأسر بعد بضع سنواتٍ من الآن.
وقالت موضحةً الأمر: «ليست مجرد جسم مضاد يتسبب في [الحالة]؛ نحن مازلنا نحاول معرفة أيّا منها مرضي، وأيّ منها مجرد علامة حيوية».
وأضافت: «يجب أن يكون لديك مزيجٌ منهما معًا».
إن ما لاحظته خلال بحثها هو أن الأطفال الذين يكون لدى أمهاتهم النمطين الرئيسيين من أنماط العلامات الحيوية، يكونون أكثر عرضة للإصابة بأشد حالات التوحد.
وشرحت: «عادةً لا يكون لديهم اتصالٌ لفظي، ويكون لديهم سلوكٌ أكثر نمطية… كما أنهم يسجلون نقاط أعلى على القائمة المرجعية لتقييم معالجة التوحد، وهي أداة تقييمية يديرها الآباء والمعلمون ومقدمو الرعاية لتقييم الطفل وتحديد شدة حالته».
ويحذر العديد من الخبراء من أن التنبؤ بخطر التوحد لا يعد مسعى منهجي.
كما أن بحثا مثل بحث فان دي ووتر يؤدي إلى إقناع عامة الناس بأمر يحتاج لمزيد من الدراسة.
ويعد مفهوم الاختبار التشخيصي المبكر مفهوماً جذاباً لبعض الآباء.
ولكن بعض النقاد يرون أن مثل هذا الاختبار سيكون غير أخلاقي لأنه يتضمن احتمال أن يؤدي إلى أطفالٍ مختارين ومصممين وراثيّا. يقول استيفان ساندرز، أستاذ مساعد في قسم الطب النفسي بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو: «لا نريد أن نقوم بعمليات لتحسين النسل، ولا نريد أن نُهَمّش مجموعةً من الأشخاص المختلفين الذين نريد أن نحتضنهم في المجتمع».
ويخشى خبراء آخرون من أن الاختبار التشخيصي المبكر من شأنه أن يزيد فقط من الخوف والشعور بالوصمة الاجتماعية، الذي يحيط بالفعل بالحالة.
إذا تقرر طرح اختبار فان دي ووتر في السوق، يمكن للمرأة أن تختار إجرائه قبل أن تقرر الحمل.
وبغض النظر عن نتائج الاختبار، فإن اختيار المضي قدما في الحمل سيكون قرارا شخصيا.
ويمكن استخدام نفس الاختبار بعد الولادة لتقييم الطفل الذي يعاني من التأخر في النمو.
وبالفعل، فقد استرشد النموذج الأولي الحالي من اختبارها ببعض قرارات تنظيم الأسرة.
فقبل بضع سنوات، اختار زوجان مسجلان في إحدى دراساتها أن يكون لهما طفل من خلال أم بديلة، بعد أن أظهرت السيدة نتائج اختبار إيجابية لهذا النمط من المؤشرات الحيوية عالية الخطورة.
وكان للزوجين بالفعل طفلٌ يعاني من التوحد، وخطر وجود ذرية مصابة بالتوحد أعلى بنسبة من 18-20% لأكثر الآباء الذين هم في نفس الظروف.
ومن خلال الأم البديلة ، استطاع الزوجان أن يكون لديهما طفلٌ لا يعاني من التوحد.
وتقول فان دي ووتر بأن هذه الحالة بالذات تُظهر مدى توفير اختبارها لمستوى من الضمان عند اتخاذ قرارات صعبة ومُغيّرة للحياة بشأن تكوين أسرة.
معدلات التوحد في ارتفاع
وفقا لتقدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، فإن 1 من أصل 68 طفلًا في الولايات المتحدة يتم تشخيصهم بالتوحد. وفي عام 2008، تم تشخيص ما يقرب من 1 من أصل 88 بالتوحد. هذا الاتجاه يجعل الكثير من الناس في انتظار التوصل لطريقةٍ أكثر دقة لتقييم مدى احتمالية إصابة الطفل بخطر التوحد، أو على الأقل الإعداد المبكر لتقديم الخدمة التي سيحتاجها الطفل الذي يعاني من مشاكل النمو العصبي.
ومع ذلك، يُعد اضطراب التوحد حالةً معقدةً تتأثر بالعوامل المتعلقة بعلم الأحياء، وعلم الوراثة، والتعرض البيئي.
وقد حددت أبحاث علم الوراثة نحو 50 جينا يبدو مرتبطا بمخاطر التوحد.
وهناك العديد من الجينات الأخرى المحتملة، إلا أن الطفرات لا تعني بالضرورة أن الطفل سوف يعاني من الحالة.
ويتفق العديد من الخبراء على أنه سيكون من الخطورة بمكانٍ الاعتماد على نتائج أي اختبار – بغض النظر عن المؤشرات الحيوية التي تكون قادرةً على القياس – من أجل اتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالحمل، أو تحديد مستوى رعاية الطفل.
ويقول ساندرز: «أعتقد أن السؤال الأول الذي يجب أن تسأله هو: لماذا تقومون بذلك؟ وما هي الفائدة التي تعود على الأسرة والطفل؟».
إذا كان الجواب أن لديكِ علاجا، وأنه سوف يُحدث فرقا، حتى ولو بنسبة ضئيلة، فإنني أعتقد أن هذه الأمور تُعد فكرةً جيدةً ومفيدة. أما إذا كان الجواب هو نشر أخبار سيئة، فإنه من الصعب أن نعرف من الذي سيستفيد من ذلك.
إن الأطفال الذين يعانون من التوحد عادةً ما يتم تشخيصهم بين سن الثالثة والرابعة، وعندها يبدأون في تلقي الرعاية.
وفي الكثير من الحالات، لا يُظهر الطفل أعراضا (أو لا يلاحظها أحد) حتى بعد مرور السنوات الأولى من الحياة. إلا أن بعض الخبراء يدركون أن تشخيص الطفل وعلاجه حتى في وقتٍ مبكر، يمكن أن يخفف العديد من الأعراض الشائعة.
ويُعد هذا سببا كافيا لدى بعض الناس، لتطوير طريقةٍ دقيقةٍ يمكن من خلالها تقييم خطر التوحد.
ويمكن استخدام اختبارات مثل اختبار فان دي ووتر لتقييم الأطفال الذين لا يصلون إلى مراحل تطور رئيسية خلال السنة الأولى أو الثانية من العمر، خاصةً أن مجموعةً متزايدةً من الأبحاث لا تزال تُظهر أن التدخل المبكر يُحدث كل الفرق.
وتوصلت دراسةٌ نُشرت في العام 2014 في مجلة التوحد واضطرابات النمو، إلى أن الأطفال الذين تلقوا تدخلات من خلال برنامج العلاج لمدة 12 أسبوعًا خلال السنة الأولى من العمر، كان لديهم تأخيرٌ أقل في اللغة والمشاكل التطورية المرتبطة بالتوحد.
كما كان التدخل المبكر فعالًا للغاية؛ حيث إن ستة من أصل سبعة أطفال تشابهوا بأقرانهم غير المصابين بالتوحد، في معالم تطويرية خلال عمر الثالثة والرابعة.
وقد حاول بعض الباحثين الآخرين وضع الاختبارات التي يمكن أن تساعد في تشخيص الأطفال في وقتٍ مبكر.
بين عامي 2010 و2015، عملت تيريزا تريبل من خلال عملها كرئيس لقسم الاستراتيجية التجارية لشركة سينابدكس، وهي شركة خدمات مختبرية توقف نشاطها الآن – واستطاعت أن تضع اختبارات تشخيصية للكشف المبكر عن اضطراب التوحد.
ومن خلال  رأس مال استثماري يُقدر بتسعة ملايين دولار، طورت الشركة اختبار دم يمكنه أن يحدد مجموعةً معينةً من المؤشرات الحيوية المرتبطة بالتوحد.
وكانت سينابدكس تأمل في أن يتم استخدام الاختبار كأداة تقييم للرضع والأطفال الصغار الذين يظهرون علامات تأخر في النمو؛ حتى يتمكنوا من التدخل المبكر والعلاج.
وقد وضعت سينابدكس دراسةً واسعة النطاق شملت 800 طفل يعانون من التوحد، في 19 موقعا في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية وكندا.
وقامت الشركة بتجربة الاختبارات التي حللت حمض الـ دي إن إيه (الحمض النووي)، وحمض الـ آر إن إيه (الحمض النووي الريبي) والأيض، وغيرها من المؤشرات الحيوية لتحديد تلك التي ترتبط بالتوحد. إلا أن تريبل تقول بأن الدراسة فشلت في إثبات موثوقيتها ودقتها ، وتم إغلاق الشركة.
وتذكر لورين فليكر، المديرة المساعدة في مركز مونتيفيور أينشتاين لأخلاقيات علم الاحياء، والأستاذة المساعدة في قسم علم الأوبئة والصحة السكانية في كلية ألبرت أينشتاين للطب في نيويورك – أن أي اختبار تشخيصي لن يوفر الصورة الكاملة.
وتقول: «يبدو في بعض النواحي، أن الآباء يجب أن يحصلوا على جميع المعلومات التي يمكنهم الحصول عليها، أو على الأقل يكون لديهم الحق في الحصول على جميع المعلومات التي يمكنهم الحصول عليها».
وتضيف «قد يعاني الطفل أو لا يعاني من التوحد كما يمكن للطفل أن يظهر أعراض كاذبة فيما يتعلق بطيف التوحد». في حين أن معظم الأطفال والبالغين الذين يعانون من التوحد يُظهرون على الأقل عددًا قليلًا من العلامات التقليدية؛ مثل السلوك المتكرر، وصعوبة التواصل والتفاعل الاجتماعي، والاهتمامات الوسواسية – فإن كثيرا من الأشخاص الذين يعانون من التوحد يُعدون من ذوي الأداء الوظيفي العالي. ويرى فليكر أنه إذا كان هناك اختبارٌ تشخيصيٌّ يُعتمد عليه، فيمكن أن يُستخدم نظريّا للتخصيب في الأنابيب الموجودة في المختبر. ففي عملية التلقيح الصناعي، قامت عيادات الخصوبة بالفعل بإجراء عدد من الاختبارات على الأجنة؛ لتحديد أصحها، واستبعاد الأمراض الوراثية النادرة مثل مرض تاي زاكس، والتليف الكيسي؛ واضطرابات الدم مثل فقر الدم المنجلي، والضمور العضلي النخاعي المنشأ، ومتلازمة فراجيل إكس – وهي حالة تسبب الإعاقة الذهنية (والتي كثيرا ما تسير جنبا إلى جنبٍ مع اضطراب طيف التوحد). وقد يكون أحد الاختبارات التي تتوقع خطر التوحد ببساطة، وسيلةً لاستبعاد حالاتٍ شاذةٍ شديدة.
وتقول فليكر: «من الرائع الحصول على معلومات، فنحن نقوم بالخيارات على أساس التفكير المدروس للمعلومات، ولكنها لا تُعد بيانات صعبة. إنها لا توضح لنا أي معلومات عن الحال الذي سيكون عليه الأطفال».

Facebook Comments

Post a comment