حروب كلامية

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

متفرقات: الإتهامات المتبادلة

إتهمت السعودية لبنان بإعلان الحرب عليها من بوّابة أن حزب الله اللبناني يدرّب الحوثيين الذين كانوا قد أطلقوا صاروخاً باليستياً على الرياض. والاتهام جاء على لسان الوزير السعودي ثامر السبهان المولج على ما يبدو بالملف اللبناني.

وجاء الرد من حزب الله، على لسان أمينه العام السيّد حسن نصرالله، متهماً السعودية بإعلان الحرب على لبنان.

واللبنانيون طابة تتقاذفها اتهامات الإثنين بين الخوف من حرب إسرائيلية بضوء أخضر مدعوم بغضب سعودي، وبين انقسام داخلي وحرب أهلية جديدة لا يريدها أحد، لكنها ليست صعبة الحدوث في حال قررت الزعامات السياسية الدخول فيها.

ومازالت الذكرى الماضية المريرة حاضرة في أذهان اللبنانيين، لكن من يردّ مثيلتها عندما يُطلق نفيرها؟

الأميركيون قالوا إن الصاروخ إيراني الصنع. وانتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي لقطات لما قيل إنهم عناصر من حزب الله يدربون الحوثيين على إطلاق الصواريخ.

وحزب الله وإيران من ورائه يتهمون السعودية بشن حرب إبادة ضد الحوثيين ومحاولة السيطرة على اليمن.

ولا يمكن أن نفهم ما علاقة حزب الله في اليمن التي تبعد آلاف الأميال عن لبنان ولا تشاركه حدودها بعكس سوريا مثلاً، إذا لم نكن نعرف أن تمويل الحزب، والكلام أقتبسه من كلام نصرالله حيث ذكر مرة بما معناه أن ”أكلاتنا وشرباتنا وسلاحنا وتمويلنا كله من إيران“.

واليمن هي ساحة الصراع البديلة لقطبي المنطقة، حيث يمكن لمن يريد تعلّم أمور الحروب بالوكالة مراقبة الوضع هناك. على أن السعودية تتشارك مع حوثيو اليمن حدوداً مشتركة ومخاوفها من التمدد الإيراني عبر تلك الجبهة يمكن فهمه من حجة حزب الله في دخول الحرب في سوريا، على أساس أن الحدود المشتركة تُفسح المجال للإرهابيين بدخول لبنان، والحزب يدافع عن لبنان في سوريا. ورغم أنني من المعارضين لأي حرب لأنها لا تُنهي أي صراع وتخلق مآسي كثيرة، لكن لا يسعني إلا أن أطرح السؤال التالي: لماذا هذه الحجة (الدفاع عن أمن الوطن عبر الحدود المشتركة) هو حلال لحزب الله في سوريا وحرام على السعودية في اليمن؟

ما علينا، إلتقى رئيس وزراء لبنان، سعد الحريري علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران علي خامنئي، ومن ثم تلقى اتصالاً سعودياً (يأمره أو يطلب منه) التوجه نحو المملكة سريعاً.

لم يتوانَ الحريري من التوجه إلى موطنه الثاني، حيث أنه يحمل الجنسية السعودية، ليُفاجأ لبنان بالاستماع لرئيس حكومته يستقيل على شاشة تلفزيون سعودي-إقليمي، ومن الديوان الملكي (كما قيل) في كلمةٍ لم يستسغ نصّها ونظمها اللبنانيون.

رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري في إطلالته الأولى مساء الأحد ١٢ نوفمبر. وعلى الرغم من أن الحريري طمأن محبيه أنه سيعود قريباً إلى لبنان، إلا أنه لم يفلح في إقناع السواد الأعظم من اللبنانيين أنه حر في تحركاته وأن السعودية لا تحتجزه.

كادت استقالة الحريري أن تُحدث شرخاً في مجتمع، أقل ما يمكن توصيفه حتى لحظة الإستقالة، بالممزق والمشرذم. فكل مجموعة دينية وطائفية وسياسية تتناحر فيما بينها لنيل سلطة في وطن مُحاط بدول احتلته، والشعب يتبع الفريق السياسي الذي يلبي خدماته، وليس الدولة المغيّبة.

أقول كادت أن تُحدث شرخاً، لأن اجتماع قطبين سياسيين منعا حدوث هذا الشرخ. هي معجزة العصر الحديث في لبنان.

فلربما، ولأول مرة في تاريخ هذين الرجلين -رئيس الجمهورية الرئيس العماد ميشال عون، ورئيس مجلس النواب الأستاذ نبيه برّي- يجتمعان سويةً وهما مُتفقين على أمر واحد: حماية لبنان.

ويُسجّل موقف الرئيس عون التاريخي بعدم تركه ”أي لبناني“، في الضغط على القوى الدولية.

ووقوف الرئيسين اللدودين، اللذين ليسا على وفاق أو علاقة ود منذ الحرب الأهلية -التي خاضها الأول بصفته قائدا للجيش والثاني بصفته رئيساً لحركة أمل- معاً في المطالبة بعودة الحريري، ساهمت في تجميع الرأي العام وتكتله وراءهما ومنع تمزق البلد بين مُتهِم ومُدافِع.

رئيس الجمهورية اللبنانية (يسار) ميشال عون مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برّي في صورة تعود لاجتماعهما الشهير هذا الشهر للتأكيد على عدم تخليهما عن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري اللذين اعتبراه محتجز قسراً في السعودية. -رويترز عبر دالاتي ونهرا

ولربما كان المقصود من تغييب الحريري تشكيل هذا الشرخ لدفع اللبنانيين للتناحر ووضع ضغوط مباشرة على حزب الله هو بغنى عنها في وقت قد تمددت فيه قواته العسكرية على أكثر من جبهة، وهو في العرف العسكري -وإن نفاه الحزب- يعني استنفاذ قوى على المدى المتوسط إلى الطويل، ولدرجة التمزق بين سوريا والعراق واليمن في وقت الجبهة اللبنانية-السورية الجنوبية تلوح بتباشير الغليان من الجولان في سوريا، التي تود إسرائيل ضمّها خلافاً للقرارات الدولية، إلى مزارع شبعا وكفرشوبا والعرقوب والجزء اللبناني من الغجر وبركة النقّار وغيرها من المناطق الجنوبية اللبنانية المُثبتة والمتنازع عليها. وليس آخر تلك التباشير قيام الجيش الإسرائيلي برمي قنابل دخانية على دورية تابعة لمخابرات الجيش اللبناني داخل الأراضي اللبنانية منذ نحو أسبوع.

لكنّ هذا الشرخ لم يحدث، والسبب، عدا عن وقوف اللبنانيين وراء الحريري، هو توافق الإرادات السياسية الأساسية والمؤثرة على الساحة اللبنانية في وأد محاولة الضغط على لبنان عبر رئاسة حكومته.

يقول مراقبون أن السعوديين لم يجدوا حلّاً إزاء تنامي الضغوط الدولية إلا بإعلان أن الحريري سيقوم بمقابلة يبرر فيها أنه غير محتجز، بعدما شكك الفرنسيون في صحة حرّيته، حيث قال جان-إيف لو دريان، وزير خارجية فرنسا ”إننا نعتقد أنه حر في تحركاته“، والاعتقاد ذاك مبني على تقارير صحفية عن زيارة خاطفة لساعة يتيمة إلى حليف المملكة، الإمارات، ليعود بعدها إلى الرياض، وإلى لقائه بالملك.

طالب به الرئيس الفرنسي فرانسوا ماكرون، وأخبرني ديبلوماسيون غربيون أنهم لم يتمكنوا من رؤية الحريري، ومن تمكن من زيارته لم يره وحيداً، وهو ما شدد على مخاوف اللبنانيين وشكوكهم.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان، وذلك في إطار زيارة ماكرون الخاطفة للمملكة الأسبوع الماضي للوقوف على وضع الرئيس سعد الحريري والمطالبة بالإفراج عنه إن كان محتجزاً.

لم يرَ السعوديون بُدّاً من الإعلان عن المقابلة التي قال فيها الحريري إنّه عائد وإنه هو من كتب خطاب الإستقالة الشديد اللهجة والبعيد كل البُعد عنه. فما زالت أخطاء الحريري في تلاوة الخطابات حاضرة في الأذهان منذ اليوم الأول لكلمته أمام النواب اللبنانيون، إلى الأمس القريب، مما ينفي أن تكون تلك كلماته، ولعلّها أفكاره. وأعتذر عن التذكير فهو ليس بهدف التجريح. كما لا تستقيم فكرة أن الحريري استقال من الديوان الملكي بدلاً من بيته مثلاً. هل الوحي في كتابة الإستقالة أفضل في الديوان مثلاً؟ هذا ما لا ولن يقبل اللبنانيون فهمه.

والإعلان عن عودة الحريري للبنان ساهم بشكل كبير في حفظ ماء وجه السعودية التي لم تدرِ أنها تستند لتحليلات وتأويلات أشخاص هم بيعدون كل البُعد عن الواقع اللبناني، أو تدفعهم أحقاد أو قلة تبصُّر عند إسداء النُصح للملك سلمان وولي عهده. فاللبنانيون، مهما اختلفوا وشتموا بعضهم البعض، وانتقدوا الدولة والحكومة والزعماء والسياسيين واتهموا بعضهم بالتخوين والسرقات، لا يقبلون أبداً أن يقوم غريب (بمعني غير لبناني) بمحاولة إهانة دولتهم أو رموزها. أعتقد فقط اللبنانيون من من يستطيعوا إهانة اللبنانيين ”وبيمشي الحال ولا كأنه في شي“.

سيعود الحريري إلى لبنان عاجلاً أم آجلاً.

وعند عودته إلى لبنان والرجوع عن استقالته أو تقديم استقالته وإعادة تعيينه رئيساً للحكومة، تكون المملكة مُطالبة بالحفاظ عليه لأنه أحد أقوى حلفاءها في الداخل اللبناني، ولأن المساس بمقام رئاسة الحكومة اللبنانية هو أمر لا يقبله اللبنانيون ولا يرون فيه سوى تدخل في شؤونهم وإهانتهم على غرار ما تتهم السعودية إيران بالقيام به في لبنان عبر حزب الله.

والجميع مُطالب في هذه المرحلة بحماية أمن رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري.

فلا أحد من مصلحته أن يتم اغتياله لأن الكل مُتهم بتدبير ذلك. السعودية ستتهم الحزب وسوريا وإيران. وفي المقابل ستتهم إيران وسوريا والحزب السعودية باغتياله لإلقاء اللوم عليهم. على الأقل هذا ما تزخر به التحليلات المنطقية واللامنطقية التي نراها هذه الأيام.

المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية على خامئي في لقاء مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مطلع هذا الشهر. إن التجاذب الروسي-الأميركي المُترجم في الصراع الإيراني-السعودي يحمل في طيّاته بذور توتر قديمة العهد تتهدد المنطقة العربية والشرق الأوسط بصراعات طويلة الأمد.

في المقابل لا أحد يستفيد من ”توليع“ جبهة لبنان لأنه قد أثبت مراراً أنه خط الدفاع الأول للعالم العربي والعالم في فلترة الإرهابيين وإيقافهم. منذ فترة شكرت دول غربية لبنان على ايصاله معلومات عن عمليات إرهابية قد تم التخطيط لها في عقر دارهم.

الأمن اللبناني بخير وهو يعمل على مدار الساعة في بلد هو ثاني أصغر مساحة بين الدول العربية وأكثرها اكتظاظاً باللاجئين المسلحين والمدنيين.

لذلك، التهويل بمنع سفر الرعايا العرب والأجانب إلى لبنان أو التهديد بطرد لبنانيين، او الانتقاص من اللبنانيين الذين ساحوا في بقاع الأرض طلباً للقمة عيشهم بسبب تدمير وطنهم في الماضي في لعبة شد الحبال الدولية والإقليمية، أمر لا يخدم لبنان ولا الدول العربية ولا حتى الغربية.

إذا ما أراد العرب احتواء لبنان كفرد منهم عليهم البدء بمعاملته كفرد من العائلة وليس كورقة ضغط. وعليهم أن يتعلموا الصبر في التعاطي مع هذا الملف وغيرها من الملفات لأن أحداث المنطقة على مدى الـ٥٠ عاماً الماضية قد أثبتت أن الضغوط السياسية والحروب لم تأتِ بنتيجة بل ساهمت في خلق ثغرات إستفادت منها إيران وغيرها.

واللعب بلبنان وبقراراته تدفعه أكثر نحو أحضان من سيقول له ”خذ ولا تبالي فأنا أسندك“ والكلام لا يحتاج لمزيد من الإيضاح في هذا المجال.

وللتذكير، ماذا حدث في العام ١٩٦٧؟
منذ ٥٠ سنة، السعودية خلطت بين حياد لبنان كدولة وبين حرية الرأي واستقلال الصحافة داخلياً.

في العام ١٩٦٧ أرادت السعودية من لبنان أن يتبعها ”عالعمياني“ في كل خلافاتها وحتى لجم الصحافة. بعض الصحف اللبنانية وقتها كانت قد تبنّت بمقالات رأي ما يقف في صف دولة مصر.

والسعودية، التي كانت على خلاف مع مصر، قالت للدولة اللبنانية اذا لم تكونوا معنا فأنتم مع مصر. ورفض لبنان أن يأخذ طرفاً في هذا الصراع السياسي بين دولتين عربيتين. فقامت السعودية باتهامه بأنه يتّبع سياسة معادية لها وهددته “بعقوبات تأديبية منها طرد لبنانيين ومنع الحجاج اللبنانيين من السفر الى مكة وسحب أموال سعودية من البنوك اللبنانية… ولبنان التزم حياده. وقتها قال النائب رشيد الصلح: إن التهديد السعودي تدخل بشؤون لبنان والسعودية تحاول الضغط على لبنان لكي يسير في فلك سياستها.

بينما شدد وزير خارجية لبنان جورج حكيم: أن لبنان يلتزم الحياد ويجب على السلطات السعودية أن تحترم لبنان، وأن لا تجعله كبش فداء كلما ساءت علاقاتها بالدول العربية الأخرى.

ما أشبه الأمس باليوم.

البطريرك الماروني اللبناني مار بشارة الراعي (وسط) في لقائه مع الملك السعودي سلمان بن عبدالعزيز مطلع هذا الأسبوع حيث تم التباحث في التتوافق بين الأديان وأحوال المنطقة وأوضاع الجالية اللبنانية والعلاقة بين البلدين. وتأتي زيارة الراعي بُعَيْد مقابلة الرئيس سعد الحريري، التي وُصِفت بالغريبة نوعاً ما في إطارها العام.

اللاعبون، واللعبة… ما الحل؟

لا ضرورة لبحث ذرائع القطبين الإسلاميين في المنطقة، فالمياه تجمدت بينهما منذ بدء الصراع السعودي-الإيراني الثالث في إثر توقيع الاتفاقية النووية بين طهران والقوى الدولية في العام ٢٠١٥ (بعد مشاكل الثمانينات والمرحلة الأولى من القرن الماضي).

لا يُخفى على أحد العداء القائم بين البلدين الذين يتصارعان على زعامة العالم الإسلامي والمنطقة دون توقف منذ عقود.

ولا يمكن تلطيف هذا العداء بالقول إن تراجع أي من الطرفين من شأنه أن يحل المشكلة. فما في النفوس يحتاج لجلسات علاج طويلة، وأعني بالعلاج: حوار فوق الطاولة وتحتها وخلال الإستراحات إن أمكن ذلك، ولغاية أن يصلوا إلى حلّ مشترك. وإلا، فإن هذا التذبذب المتجدد الذي لا يزول يمكن بحق أن يدفع كامل هذه المنطقة نحو آتون حربٍ لن يسلم منها إلا أصحاب المناصب والطائرات الخاصة. من سيدفع ثمن هذه التجاذبات هم الشعوب بالدرجة الأولى ومستقبل الأجيال القادمة بدرجة ثانية.

Facebook Comments

Post a comment