حروب كلامية… موقعة الجامعة العربية!

 ماذا يحدث في المنطقة؟ -رأي

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

ورقة أولى: التكرار الممل

«شكراً وعذراً.. الشكر لله. وعذراً أننا في لبنان قاتلنا إسرائيل».

بهذه الكلمات توّج رئيس مجلس النواب اللبناني، الأستاذ نبيه برّي، صفحته على تويتر بُعَيد صدور البيان الختامي غير المُلزِم لوزراء الخارجية العرب في اجتماعهم الطارئ الذي انعقد يوم الأحد 19 نوفمبر/ تشرين الثاني في القاهرة.

وكانت المملكة العربية السعودية قد دعت إلى هذا الإجتماع الطارىء لمناقشة مسألة تدخل إيران في شؤون الدول العربية.

وحزب الله لمن لا يعرفه، لديه وزراء مُعينين عنه في الحكومة اللبنانية وأعضاء مُنتخبين في مجلس النواب اللبناني، ويمثل شريحة واسعة من الشعب اللبناني، بخاصة أولئك الذين استضعفهم الإحتلال الإسرائيلي على مدى عقود وتجاهلتهم الدولة (عن قصد بسبب التركيبة الطائفية والمحاصصة في خدمات السلطة في لبنان… أو عن غير قصد بسبب قلة حيلة الدولة التي عانت من ثلاث احتلالات و15 سنة حرباً أهلية، وعقود من الإنهاك الإقتصادي بسبب احتواء هذا البلد لأكبر نسبة لاجئين في العالم على الرغم من صغر مساحته).

فكيف تتوقعون من شعب قدّم إليه تنظيم الحزب في لبنان خدمات مستفيدا من غياب الدولة، ودون مطالبة الشعب بالثمن (حتى وصلنا إلى اليوم الذي أصبح ذلك الجزء من الشعب مُطَالباً فيه بالثمن، وأعني بذلك الدعم وإعلان الولاء) أن يُسقِطَ من ساهم في مساعدته مادياً وخدماتياً وحتى عسكرياً في دحر الإحتلال الإسرائيلي من معظم المناطق اللبنانية في وقت عجزت جيوش المنطقة النظامية أن تُحقق لشعوبها ذلك في وقت من الأوقات؟

ولا أكتب ذلك شماتة بأحد أو تنويهاً بالحزب، بل لتبيان أن مجابهة الواقع تحتاج لأدوات واقعية لإحداث نتيجة.

وعلى الرغم من معرفة الدول بهذه الأمور (لأن جهلهم بها يعني أن التخطيط العربي لكف «التدخل الإيراني» في لبنان سيفشل حتماً)، توجّه العرب يوم الأحد للاقتصاص من إيران في لبنان.

أدان البيان الختامي «التدخلات الإيرانية السافرة في شؤون الدول العربية… وقيام الحوثيين بإطلاق صاروخ باليستي إيراني الصنع تجاه السعودية…».

كما وصنف حزب الله في لبنان كمنظمة إرهابية وسط اعتراض كل من لبنان والعراق على ذلك. كما تم التأكيد على «تأييد كل ما تتّخذه (السعودية) من إجراءات لحماية أمنها القومي».

وإذا أحسستم أنكم قد سمعتم بهذا الكلام من قبل، فذلك لأن التاريخ يُعيد نفسه أكثر من مرة في الشرق الأوسط.

فمنذ سنة وبضعة أشهر، وفي أوج تأزم العلاقات بين السعودية وإيران، حاولت الرياض من خلال القمتين العربيتين اللتين انعقدتا في نواكشوط وعمّان، دفع الدول العربية لتصنيف “حزب الله” وحتى الحكومة اللبنانية في خانة الإرهاب، الأمر الذي لم يُقَيّض لها آنذاك.

فما الذي استدعى اجتماع الأحد الطارىء؟

لربما هو الصاروخ «الإيراني المنشأ» بحسب كلام نيكي هايلي، سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نقلاً عن السعوديين أن الحوثيين هم من أطلق الصاروخ على الرياض من اليمن في 5 نوفمبر.

وبحسب مؤتمر صحفي حضرته نيوزويك الشرق الأوسط منذ أقل من شهر، فإن الجنرال الأميركي جيفري هاريغيان، قال بأن «العلامات على الصاروخ تُشير إلى أنه إيراني المنشأ».

وفي وقت ارتكن فيه الحوثيون إلى الصمت بدلاً من التهليل كعادتهم، فإن إيران نفت وبشدة، أي دور لها في حادثة 5 نوفمبر، التي قدّر الله ولطف أنه تم اعتراض الصاروخ آنذاك قبل سقوطه وقبل أن يُسقِط ضحايا.

ولربما الأمر يتعلق أيضاً بدور حزب الله في تدريب الحوثيين الذين تُحاربهم السعودية عبر الحدود، في ظل عدة تأكيدات سعودية أن للحزب دور في حرب اليمن يتخطى التدريب إلى القتال.

ولربما هذا البيان يشفي غليل بعد فشل متكرر في استصدار قرار أممي مُلزم لردع إيران، أو إقناع العرب لبعضهم البعض بوقف التجارة مع طهران، أو حتى مجابهتها بشكل مباشر على كل جرائمها التي ينددون بها من دعم ميليشيات مسلحة في العالم العربي والتدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية ومحاولة زرع الفتنة في المنطقة وتمويل الإرهاب واحتلال الجزر الثلاث المتنازع عليها مع دولة الإمارات العربية المتحدة.

يعاني معظم سكان اليمن من الفقر والجوع والبطالة، وهي حالة مستمرة منذ عقود. وسمحت سياسات الحكومات المتعاقبة في اليمن والتغاضي العربي عنها، في تفاقم تهميش بعض فئات المجتمع مما سمح لإيران بالاستفادة من هذه الثغرات وبخاصة ثغرة الفقر والتهميش للوصول للحوثيين وغيرهم.

ورقة ثانية: عائلة غير سعيدة

في كلامه لموقع «مصدر دبلوماسي»، قال مندوب لبنان الدائم لدى جامعة الدول العربية السفير أنطوان عزّام الى أنه تفاجأ بأن الإجتماع الطارئ الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية لمناقشة التدخلات الإيرانية في الشؤون العربية وهو بند مدرج منذ اشتداد التأزم بين الرياض وطهران وتحديدا في قمتي نواكشوط وعمان قد تضمن في الفقرات 4 و6 و9 تصنيف “حزب الله” والحكومة اللبنانية إرهابيين.

وعَمِلَ لبنان على وجه السرعة لمجابهة هذه البنود وبخاصة تلك التي تصف الحكومة اللبنانية بالإرهاب، والتي لم يتم ذكرها من قبل.

وبحسب عزّام، فإن وزير الخارجية المصري سامح شكري كان “عرّاب تلطيف البيان الختامي، الذي لم يأتِ على ذكر الحكومة اللبنانية وإن أبقى الحزب في خانة التوصيف الإرهابي والتي تحفظ ويتحفظ عليها لبنان باعتبار أنه «لا يتوافق مع تعريف الإرهاب الذي وضعته الأمم المتحدة… كما أكد لبنان دوما على نأيه بنفسه عن الصراعات في المنطقة مدينا التدخل من اي جهة كانت في شؤون اي دولة عربية» والكلام نقلاً عن موقع مصدر دبلوماسي الذي تحدث مع عزّام.

مع العلم أن لبنان هو من ساهم في تأسيس جامعة الدول العربية، ودعمها في المحافل الدولية في وقت لم تدعمه أي دولة بشكل فعّال، على الصعيد الرسمي، في مسألة مجابهته ضغوط اللاجئين المتزايدة والاحتلالات المتعاقبة.

في المقابل، قال الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط، إنه «لن يتم إعلان الحرب على إيران في المرحلة الحالية ونتخذ خطوات متدرجة تجاه تدخلاتها فى شؤون الدول العربية».

وفي إشارته إلى عدم إعلان الحرب على إيران، أكد أبو الغيط على أمر من إثنين:

إمّا حكمة متناهية في تجنيب المنطقة بكاملها حرب ضروس لا تُفيد إلا بائعي الأسلحة والدول البعيدة العاملة خلف الكواليس.

أو إعادة إعطاء العالم درساً مُكرراً في التاريخ أن دول المنطقة لن تُحرك ساكنا لمجابهة أي خطر حقيقي بقدر كلامها عنه. ولربما التشفي ببعضهم البعض من منطلق أن ما جناه أخي عليّ، يوجع أكثر مما يجنيه عليّ الغريب.

ما الحكمة وراء إهانة موقع رئاسة الحكومة في لبنان؟

ورقة أخيرة

إن سياسة قطع الإصبع بدلاً من مجابهة أساس المشكلة التي تقبع عبر مياه الخليج هي سياسة غير ناجعة. فاللبنانيون والحوثيون لم ولن يتحولوا إلى فُرس مهما حاولت إيران تغييرهم.

رأس الهايدرا ينبت مكانه عدة رؤوس، ففكروا بحل نهائي بدل الإقتتال الداخلي الذي يُساهم في تفكك العرب وتكتلهم ضد بعضهم البعض، بدلا من مساعدة أحدهم الآخر في تقوية البيت الواحد ودعم الحكومات والجيوش الشرعية التي لا تُغني الأحزاب عنها.

ساهموا بتقوية الحكومة اليمنية وجيشها لتدعم الخدمات المطلوبة منها في المجتمع وساهموا في تقوية الحكومة اللبنانية لتقدم الخدمات على الأرض، وتقوية الجيش اللبناني بالعتاد اللازم، وأنا أؤكد لكم أن الشعب في أي من البلدين سيلتف حول جيشه والحكومة التي تخدمه.

لكن السياسة العربية الحالية، وبخاصة الخليجية، لم تُساهم البتة في دعم هذه الحكومات.

والمثال على ذلك، أنه عندما تقبل السعودية مثلاً، أن يُعلن رئيس حكومة لبنان سعد الحريري استقالته من على أراضيها (لكي لا نقع في فخ القول إنها أجبرته) وبطريقة مُهينة للحكومة والدولة اللبنانية، فهي فتحت الباب على مصراعيه –ليس فقط لحزب الله—للجميع في التطاول على الحكومة اللبنانية.

وهي عندما يصعد وزرائها للنيل من الجيش اللبناني الذي صمد حتى اليوم بوجه إرهابيون اكتسحوا دولاً عربية أخرى، على الرغم من فقر عتاده، وتخوينه ومحاولة إهانته عبر تصويره في إعلامهم أنه تابع، فهذا سيؤسس لردة فعل عكسية عند الشعب في أفضل الأحوال، وفي أسوأ الأحوال سيؤدي لمناوشات ضد الجيش مما يعني إضعاف الدولة اللبنانية بشكل أكبر.

لا يستطيع أي حزب أن يُقنع الناس بأن يتبعوه إلا إذا استطاع تقديم خدمات ومساعدات لهم لا يجدونها في مكان آخر. إن غياب الدولة أو ضعفها يؤسس لثغرات تسمح لمن يملؤها بأن يحل مكان الحكومة. والحل يكمن في تقوية الدولة وأجهزتها وخدماتها.

وطالما أن الأحزاب تقوم بدور الحكومات بسبب ضعف أو غياب هذه الأخيرة، فإن الشعوب ستتجه لمن يملأ هذه الثغرات، التي تسربت منها إيران إلى مجتمعاتنا العربية لتقرنها بالحجة الطائفية التي لا تُساهم إلا في المزيد من الشرذمة. فهل هذا ما يريده العرب؟

كثير من الصبر والحكمة، قليل من الإنفعال، وبعض من الصلاة قد تنفع من لم تنفعه أي وسيلة أخرى.

Facebook Comments

Post a comment