حروب كلامية

قصة إيران مستمرة، والإمارات وقطر تجسان النبض، واتفاقيات أوسلو “انتهت”

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

ورقة أولى: مناوشات خليجية

مساء الإثنين ١٥ يناير/ كانون ثاني، ضجت وسائل الإعلام في الإمارات ومجمل وسائل التواصل الاجتماعي بخبر مفاده أن مقاتلات حربية قطرية كانت قد اعترضت طائرة ركاب مدنية إماراتية خلال رحلة اعتيادية إلى البحرين.

وقامت البحرين بإصدار بيان تنديد واستنكار للخطوة التصعيدية التي قامت بها قطر والتي من شأنها تهديد سلامة الملاحة الجوية في المنطقة، مؤكدة في الوقت عينه أن هذا العمل هو ”خرق واضح للاتفاقيات والقوانين الدولية ذات الصلة…“.

من جهتها نفت الدوحة اعتراض مقاتلات تابعة لها لطائرة إماراتية مدنية كانت في طريقها للبحرين؛ وحمل النفي مدير مكتب الاتصال الحكومي القطري سيف بن أحمد آل ثاني على حسابه على موقع تويتر قائلاً إن الخبر ”هو خبر عارٍ عن الصحة تماماً“.

وبين التأكيد الإماراتي والإدانة البحرينية والنقل الإخباري السعودي المؤازر والنفي القطري تقبع أكثر القصص سخونة وبرودة في منطقة الخليج، والتي كانت تركة العام ٢٠١٧ لسنة ٢٠١٨.

فالدوحة تواجه تحالفاً خليجياً ثُلاثياً (الإمارات والبحرين والسعودية) منذ العام الماضي، تمتد جذوره للعام ١٩٩٥، أي منذ الأزمة مع الأمير القطري السابق حمد، وبقيت جمراً تم دفنه تحت الرماد إلى أن تفجرت مجدداً في العام ٢٠١٤ وعادت لِتُدفن في العام ٢٠١٥ بعد توقيع اتفاقية شرف، تقول الدول الثلاث إن الدوحة لم تلتزم بها… ومن ضمنها، بحسب الدول الثلاث، استمرار الدوحة بدعم الإرهاب واستضافة رموز منظمة الإخوان المسلمين الموضوعة على لائحة الإرهاب في الخليج، ومن ضمنهم قيادي الإخوان الشيخ يوسف القرضاوي، الذي يحمل الجنسيتين القطرية والمصرية؛ مع التنويه بأن قطر تستمر بنفي دعمها للإرهاب وتتغاضى عن التطرق لموضوع الإخوان المسلمين.

ثلاث محطات للأزمة الخليجية ويبدو أن الثالثة التي انفجرت في العام ٢٠١٧ هي الثابتة بعدما قطعت الدول الخليجية المذكورة علاقتها بالدوحة، مع حياد شبه كامل لسلطنة عمان والكويت اللتان تدخلتا في مجال المساعي الحسنة لتقريب وجهات النظر دون طائل، خاصة أن الدول الثلاث (وهي تحيط بقطر من ثلاث جوانب) قد فرضت حظراً على الدوحة يمنعها من استخدام مجالاتهم الجوية والمائية والبرية، مما دفع بهذه الأخيرة لتسميته بـ ”الحصار“.

الرئيس التركي رجب أردوغان مع أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني

وهنا ترتسم في مخيلتي صورة كوميديا سوداء للوضع، وهي أن الأزمة الخليجية هذه هي مسيح الأزمات في العالم العربي لناحية عدد قيامها بعد دفنها في إثر كل اتفاق.

ولربما تتأزم المشكلة أكثر من الحرب الكلامية والاتهامات المتبادلة بين الطرفين المتناحرين على صفحات الجرائد ووسائل التواصل الاجتماعي، لدرجة أن العالم الخارجي بات يرى الموضوع مثيراً للملل ويتراهن حول نهاية الموضوع: حرب أم اتفاق.

ومع إنني أستبعد حدوث حرب في ظل وجود قوى عسكرية أجنبية على الأراضي القطرية ولديها اتفاقيات دفاع ثنائية مع قطر وهي في الوقت عينه حليفة للدول الثلاث، وأعني بذلك الولايات المتحدة الأميركية، إلا إنني لا أستطيع أن أجزم شيء في هذا الشرق الأوسط العظيم حيث التحالفات المتغيرة والفوضى الخلّاقة هي المسيطرة. واللهم إلا إذا كانت القوى العالمية تُحضّر لطبخة خاصة تجرّ بها إيران (أو العكس أيضاً) نحو عمل عدائي لتفجير الوضع.

بالتالي من المهم أن نتابع تصرفات الدول التي أنشأت قواعد عسكرية لها في قطر كتركيا والولايات المتحدة (وهما على غير وفاق حالياً في ظل الأزمة الباردة بين أنقرة وواشنطن)، ومتابعة التصريحات الإيرانية في الأيام الآتية لنعرف إذا ما كانت الحروب الإعلامية ستبقى هي عنوان هذه المرحلة، أم أنها ستتحول لمناوشات من نوع آخر.

مبدئياً، فإن ضبط النفس في هذه المرحلة هو الأهم، لأن دول المنطقة هي الوحيدة التي لم تلحقها حروب واضطرابات الثورات والحروب والمشاكل التي لحقت بأهم الدول العربية خلال السنوات السبع الماضية كتونس ومصر وسوريا، كما وإنها غارقة في غنى عن مزيد من المناوشات في ظل مشاركتها في الحرب ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفي العمليات العسكرية ”الجوية“ التي شاركت أو تشارك فيها في العراق وليبيا تحت مظلة ما يُسمى بـ ”الحرب على الإرهاب“ التي تتزعمها أميركا.

ورقة ثانية: أين فلسطين؟
طالعني تصريح الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) الذي كان قد أعلن يوم الأحد ١٤ يناير، أن إسرائيل ”قد أنهت” اتفاقات أوسلو للسلام وملحقاتها التي كانت قد وقعتها مع الفلسطينيين في العام ١٩٩٣ و١٩٩٥، تحت وعد إعادة أراضي الضفة الغربية المحتلة للفلسطينيين بحلول مايو من العام ١٩٩٩، والتي بنتيجتها نشأت السلطة الفلسطينية.

وطبعاً لا أراضي الضفة الغربية عادت للفلسطينيين، ولا المبادرة العربية بقبول القدس الشرقية عاصمة لفلسطين بدلاً من القدس كاملة تم تحقيقه لاحقاً. فإسرائيل، التي لا ترضى بالمقاسمة التي كان يرفضها العرب أصلاً، قد انتزعت من الرجل البرتقالي في البيت الأبيض اعترافاً بالقدس كاملة عاصمة خالصة لإسرائيل إزاء استنكار على الورق وشاشات التلفزة للدول العربية وحتى عالمياً.

كالعادة، الحروب الكلامية في ساحات وسائل التواصل الاجتماعي تنجح في تسجيل بطولات وهمية في هذا الجزء من الكرة الأرضية. لربما لأن ساحات المعارك التي تغطي عدة دول عربية تضيق بمزيد من القتال الدموي، وبالتالي فإن نزيف بضع كرامات على شاشات زجاجية بأسلحة الكيبورد والأقلام، غير المحرمة دولياً، تبقى الأسلم.

وفي الوقت عينه، تعيش فلسطين حالة انقسام حاد مستمرة بين أقوى الفصائل التي تمسك بالقرار الفلسطيني، وأعني بذلك حماس وفتح.

ولا أعرف كيف يتوقع الفلسطينيون أن يحققوا أموراً تفيدهم فيما هم منقسمون على ذاتهم، فلا البيت الفلسطيني موحّد ولا كلمتهم موحدة، وقضيتهم كقضية الطفلة الفلسطينية التي باتت اليوم امرأة كل العصور في صورة مراهقة وأعني بها عهد التميمي. يجتمع المسؤولون الفلسطينيون حول مظلوميتها لكنهم لم يعملوا على إخراجها من السجن عبر الضغط على الدول القوية، لا هي ولا جعابيص ولا غيرها من النساء والفتيات والأطفال الفلسطينيين الذين تعج بهم سجون إسرائيل في خرق فاضح للقانون الدولي وحقوق الإنسان والمواثيق الدولية.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس.

ورقة ثالثة: إيران في الداخل والخارج

ما زالت الأوضاع في إيران تغلي، على الرغم من تطمينات الحرس الثوري بأن الأمور استتبت بعد أسبوعين من المظاهرات العنيفة التي لجأ إليها الشعب في ظل أزمة اقتصادية خانقة تجلّت بارتفاع الأسعار وإفلاس بعض المصارف مقابل صمت حكومي لم يُدافع عن الفقراء ممن خسروا مدخراتهم.

حصيلة هذه التظاهرات كانت، بحسب المصادر، قد انتهت إلى مئات المعتقلين تم إطلاق سراح نحو ٤٥٠ منهم خلال الأسبوع الماضي، ووفاة العشرات في مجابهات مع الشرطة في أكثر من ٧٠ إقليماً داخل البلاد.

ووسط ترغيبات الرئيس الإيراني حسن روحاني للشعب وترهيبه لهم، يظل المواطن الإيراني يسأل نفسه عن جدوى الحروب بالتبعية التي تشنها إيران في المنطقة وتستنزف ميزانيتها فيما الشعب يعاني العوز.

فيما يبدو أن الحكومة الإيرانية مقتنعة أن حروب الوكالة التي تُديرها بمواجهة السعودية، تُساهم في إعطائها ورقة ضغط تلعب بها على طاولة القمار العالمية مع الدول الكبرى، علّها تنجح في تحقيق ربح جديد كذاك الذي حققته يوم توقيع الاتفاقية النووية، والتي يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترمب جاهداً تعديلها أو حتى إلغاؤها.

وما بين الوضع الخارجي المُقلق، والوضع الداخلي المضطرب، يبقى السؤال: إلى متى ستستمر المواجهة الإيرانية-السعودية قبل أن تجلس الدولتان إلى طاولة حوار لتهدئة أوضاع المنطقة كلها؟ أم أن الطبخة التي ذكرتها في الورقة الثانية ستحرق تلك الطاولة؟

Facebook Comments

Leave a Reply