حياة أخرى… غاسلو جثث الأموات في الهند

 بقلم طابيش خان

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

في صيف عام 1992، اندلعت احتجاجات واسعة النطاق في سورا، بمدينة سريناغار-العاصمة الصيفية للشطر الهندي من إقليم كشمير، حيث خرج آلاف المتظاهرين إلى الشوارع. تجمع المتظاهرون حول جثة مجهولة الهُويّة لطفلٍ يبلغ من العمر 16 عاماً، يرقد في شارع يبعد بضعة أمتار عن مركز الشرطة المحليّة. لم يكن من بين المتظاهرين من هو على استعداد لأداء الغُسل للجثة (غسل جسم الشخص بالكامل قبل الدفن) حتى وقف عبد الأحد ويتشكو البالغ من العمر 18 عاماً وصاح من الخلف أنه سيقوم بذلك.

شق ويتشكو طريقه بين الحشود حتى وصل إلى المتوفى وطلب من الناس أن ينصبوا خيمة. بعدما شاهد الناس شجاعته، تقدم بعض المتطوعين لمساعدته وقاموا برفع الجسد على أكتافهم ووضعوه على منضدة خشبية صفراء أمام ويتشكو.

إن ويتشكو قد مارس الغُسل من قبل، فاستدعي من ذاكرته درسٌ موجز ذكّرته والدته عن هذا الموضوع. قام في البداية بنزع الكورتا المُشبعة بالدم عن جسد المتوفى ثم نشر قطعة من القماش الأسود فوق الجسم، من السرة إلى الركبة، قبل أن يخلع البنطلون عن الجسم. ثم ارتدي قفازاً أبيض في يده اليمني واتبع الإجراءات الإسلامية المناسبة لأداء الغُسل، وقد استغرق الأمر أكثر من 30 دقيقة للانتهاء منه. ثم قام بعد ذلك بتغطية الجسم بالكفن. ثم قاد ويتشكو ناماز -إي -جنازة (صلاة الجنازة) على المتوفى، حيث قام مجموعة من السكان المحليين بحمل الجثة في تابوت نحو المقبرة في موكب تقدمه ويتشكو. وفي المساء بعد انتهاء الاحتجاجات، عاد ويتشكو إلى المنزل ونام على الفور، ثم استيقظ وهو يرتجف. وبعد بضع دقائق، حاول النوم مرة أخرى لكنه لم يتمكن من النوم بسبب خوفه الشديد.

بعد مرور أربعة وعشرين عاماً على ذلك الحادث، ذهب هذا المراسل للقاء ويتشكو في مقر إقامته-وهو منزل مكوّن من طابق واحد مطليّ بالجص يقع في آنشار، سريناغار. استقبلتني سيدة، ربما كانت زوجة أخيه، تضع فارين (pharen) بلون الحناء الصافية، وقادتني إلى غرفة الضيوف. كانت الغرفة ذات جدران بيضاء تميلُ إلى الصُفرة. يوجد في إحدى زواياها فراش مطويّ مُغطى بغطاء سرير مُزخرف متعدد الألوان، بينما تستقر خزانة صغيرة من الصفيح الرمادي الفضي في الزاوية الأخرى. تركتني السيدة بمفردي في الغرفة فجلست انتظر ويتشكو.

بعد نصف ساعة، وصل ويتشكو من المسجد المحليّ، كان يرتدي ثوباً طويلاً (Khandress) رماديّ اللون وطاقية بيضاء. إنه رجلٌ طويل القامة متين البنيان ذو لحية رمادية بطول قبضة اليد، جلس ويتشكو متربعاً بالقرب من خزانة الملابس. وبدأ يتذكّر الحادث قائلاً “في كل مرة كنت أنام، كانت جثة الشاب تظهر في أحلامي. وبدا أنني كنت أُعيد موقف الغسل”، ثم أضاف ” لقد ظل ضمور الجسد إلى جانب الغرز العشرة في جبهته شديدة الوضوح. واستمر هذا الشيء لأكثر من أسبوع”.

عبد الأحد ويتشكو, الذي طلب إبقاء صورته خارج التداول, يقول إنه يغسل جثث الأموات منذ عقود وهو ما جعل الناس تبتعد عن التخاطب معه -فيما ندر- لأنهم يؤمنون أن تعامله مع الأموات جعله منحوسا. -محيط الإسلام لنيوزويك الشرق الأوسط

عندما شعر ويتشكو بالتوتر العصبي بسبب الظهور المستمر للفتى في أحلامه، جعلته أمه يفهم أنه ربما لم يقم بأداء الغسل بالطريقة الصحيحة ولكنه لا يجب أن يقلق لأن ذلك يحدث عادةً في البداية.

ولأن ويتشكو نشأ في عائلة من المُغسّلين، فقد استقر في ممارسة مهنة أجداده منذ ذلك الحين. فتعلم هذه المهارة من والدته التي كانت تقوم بتوجيهه من خلال إعطاءه دروس صغيرة. ولكنه لم يعتاد الأمر إلا بعدما قام بتغسيل المزيد من الأجساد. لقد قام ويتشكو البالغ من العمر أربعون عاماً بتغسيل أكثر من 5,000 جثة. يقول ويتشكو “عندما أتلقى مكالمة هاتفية في منتصف الليل، أذهب لأداء واجبي وأترك أسرتي وحدها”.

في الإسلام، يُعدّ غسل الجثة قبل دفنها أمراً حتمياً، ولكن أولئك الذين يؤدون هذا العمل يُعاملون كمواطنين من الدرجة الثالثة في مجتمع كشمير الذي يغلب عليه الطابع الديني.

يتذكّر ويتشكو أيامه الأولى بعد أن أصبح معروفاً كمغسل، فيقول إن الأشخاص الذين يستدعونه لأداء الغسل للمتوفي من أفراد عائلاتهم لا يُكلّفون أنفسهم عناء الدفع له. ويضيف أن الناس في كشمير يُنفقون آلاف الروبيات على الوظائف والزواج والبناء وغير ذلك، ولكن عندما يتعلق الأمر بدفع أجر المُغسّل مقابل ما يُؤديه من عمل، فإن أسرة المُتوفى تضطره أن يظل يُلاحقها مقابل الحصول على 500- 600 روبية فقط.

يقول ويتشكو إن أقارب وجيران المتوفى يُديرون له ظهورهم كلما اقترب منهم. والسبب كما يعتقد أنهم يُفضلون تجاهله بسبب بعض المعتقدات الخرافية. فالناس يعتقدون أن المُغسّلون مثله يجلبون الحظ السيء، وأنهم إذا قاموا بإنشاء نوع من الروابط الاجتماعية مع هؤلاء المُغسّلين، سيروهم في المرة القادمة في منزلهم وهم يقومون بتغسيل بعض أفراد أسرهم.

يتذكّر ويتشكو جميع أيام تشهروم (اليوم الشعائري الرابع من الحداد)، عندما تقوم الأسرة المكلومة بدعوته لتناول الطعام. حيث لا يُقدم له الطعام مع الضيوف الآخرين باعتباره المُغسّل، وتطلب منه أسرة المتوفي الجلوس بالقرب من باب الغرفة التي يُقام فيها التجمع، كما يقول إنه يتلقى وجبات الطعام على لوح صغير من القصدير على عكس الآخرين، الذين يجلسون معاً ويتمتعون بتناول الوجبة التي تُقدّم لهم في ترامي (trami). ويضيف “يتعامل الناس معنا وكأننا ملاك الموت”.

ولأستكشف كيف يعيش المُغسّلون في كشمير، ذهبت للبحث عن آخرين. وفي طريقي إلى باشبورا، أبر سورا، سألت الكثير من الناس لمساعدتي في العثور على مُغسّل في هذه المنطقة. بدا معظم من سألتهم مشمئزين جداً، حتى أنهم تركوني من دون أن ينطقوا كلمة واحدة بعد سماعهم لكلمة سراون-غور، وهي اللفظة المحلية لكلمة مُغسّل.

قال لي شخص مُسن يرتدي ثوب رمادي طويل (Khandress) يستلقي على مقعد في متجره للبقالة الموجود في أحد الحارات الضيقة في باشبورا، أنه علّي عبور الطريق والمشي على طول مستعمرة Umerhair حيث يوجد مُغسّلة سيدة. وأعطاني وصفاً دقيقاً لمنزلها. مشيت عبر المستعمرة الضيقة، وظللت أبحث عن المنازل على الجانبين.

ظهرت امرأة ممتلئة في أوائل الأربعينات من عمرها تحمل في يدها وعاء أرز من النحاس المطلّي بالزنك، ويبدو أنها كانت قد خرجت فقط لرمي الطعام المُتبقي في الشارع، إذ كانت على وشك أن تُغلق بوابة منزلها عندما اقتربت منها وسألت عن المغسلة. سألت “هل تحتاج مغسلة لتقوم بالغسل لإحدى قريباتك؟”. وبمجرد أن قلت “لا، ولكن أريد أن أتحدث معها” قالت فجأة: “هذه المستعمرة مملوكة لأشخاص متحضرين. قد تجدها في المستعمرة المقابلة” ثم أغلقت البوابة.

بعد أن استفسرت عن الأمر من المارة، تمكنت أخيراً من الوصول إليها. طرقت بوابة منزلها الطيني المكوّن من طابق واحد، فخرجت لي فاطمة بيجوم التي تبلغ من العمر 65 عاما وتلبس ثوبا تقليديا يدعى باللغة المحلية /كميز شالفار/  أبيض منقوش بالأزهار، و /دوباتا/ أي طرحة بيضاء على رأسها. بدت فاطمة امرأة شديدة التديّن تمتلك جميع الصفات التي ينبغي أن تكون لدى المُغسّلة طبقاً للإسلام. رحبت بي بحرارة وأخذتني إلى داخل مطبخها. كان المطبخ مُظلماً والضوء يتسرب من ثلاثة نوافذ صغيرة هي المصدر الوحيد للرؤية. لم يكن لدى فاطمة أي خزائن، فقط بعض الأواني المزخرفة تستقر على بضعة رفوف رخامية متعددة الألوان.

أصبحت حياة فاطمة بائسة بعد وفاة زوجها العامل منذ 42 عاماً إثر أزمة قلبية، إذ رحل وترك لها ابنة عمرها عامين وابن عمره 4 أعوام. وقد اختارت أن تمتهن مهنة أسلافها لكي تعيش هي وأبنائها. تقول

إنها ربت أولادها من ممارسة عملها في الغسل، بيد أنها تأسف لعدم تمكُّنها من توفير التعليم لأطفالها بسبب الفقر. تقول فاطمة “تمكّنت من توفير كامل تكلفة زواج ابنتي من خلال عملي في هذه المهنة فقط. لم يأتِ أحد لمساعدتنا. لقد كنت الداعم الوحيد لعائلتي”. ثم أضافت “لو كنت أحصل على مقابل ماديّ جيد، لكنت بالتأكيد أرسلت أولادي إلى المدرسة. ولم يكن ابني ليصبح بائع فاكهة، بل موظفاً حكومياً”.

تتذكّر فاطمة الصعوبات التي واجهتها أثناء البحث عن زوجٍ مناسبٍ لابنتها. لقد وافقت العديد من الأسر الفقيرة وأسر الطبقة الوسطى على الزواج، ولكن بمجرد أن عرفوا مهنة فاطمة، رفضوا العرض. كما أن وسطاء الزواج الذين كانوا يجلبون الأشخاص المناسبين إلى ابنة فاطمة لم يدخروا أي جهد. ومع ذلك، واصلوا أخذ النقود بعد كل زيارة.

وأضافت فاطمة: “في كل مرة كان يزورنا فيها وسيط الزواج كان يقول إنك مُغسّلة، ولن تجدي خطيب لابنتك بسهولة، استغرق الأمر مني ثلاث سنوات لترتيب زواج لابنتي. ويعلم الله كيف تمكّنا من ترتيب ذلك”.

فاطمة لا تفهم لماذا يُعاملهم الأشخاص الآخرين في المجتمع في كشمير كأشخاص من الدرجة الثالثة. وهي تعتقد أن عدم احترام الأشخاص مثلها أصبح أمراً شائعاً. فتقول إنه حتى جيرانها الذين تواجههم كل يوم يفضلون أيضاً تجاهلها.

وتعتبر فاطمة مهنتها هي مهنة نبيلة، فهي تؤمن أن المُغسّلين “يخدمون” الموتى. وتقول إن مهنتها جعلتها متواضعة لأنها تتذكّر الموت في كل مرة. وتقول فاطمة أيضاً أنها لم تخف أبداً من القيام بالغسل للآلاف من النساء حتى الآن، لكنها تتذكّر حادثة لشابة انتحرت بإشعال النيران في نفسها. وبحسب ما قالته فاطمة فإن المرأة الشابة أقدمت على الانتحار بعدما تعرضت للمضايقة من أقارب زوجها لعدم حصولهم على المهر الكافي.

تتذكّر فاطمة قائلةً “كان جسدها كله محترقاً تماماً. وأغلقت عيني بضع مرات حتى لا أراها. كنت أفكر في أنها ماتت لعدم جلبها للمهر. ماذا لو قام أقارب زوج ابنتي غداً بفعل الشيء نفسه مع ابنتي؟ وبعد انتهائي من غسلها عدت إلى المنزل وبكيت. كان السؤال المُتعلق بما سيحدث لابنتي إذا ما طالب أهل زوجها بالمهر، يحتل ذهني. إنني أحصل على ما بين 500 و600 روبية لكل غسل. فكيف لي الوفاء بمطالبهم؟”. كانت تتذكّر وكأنها تستعيد تلك اللحظة.

فاطمة بيجوم تبلغ من العمر 65 عاما, وتقول إنهاانخرطت في مهنة غسل جثث الأموات بسبب الحاجة للمال بعدما توفي زوجها. وترفض فاطمة إظهار وجهها بسبب خوفها من أن يقصيها المجتمع ذاته الذي يعاملها كشخص دون المستوى. -محيط الإسلام لنيوزويك الشرق الأوسط

خلال التحقيق الذي كنت أجريه حول الوصمة الاجتماعية التي ترتبط بالمُغسّلين، اخترت بلدة ملخا في سريناغار، وهي مركز للمُغسّلين. عندما وصلت إلى هناك اقتربت من العديد من الأسر المرتبطة بالغسل.

لم يرغب أي منهم في الكشف عن هويته بسبب الوصمة الاجتماعية المرتبطة بمهنتهم. كل من اقتربت منه كان يقول: “نحن لسنا مُغسّلين. يمكنك المشي في هذا الاتجاه وسوف تجدهم. ظللت أبحث عنهم حتى وصلت إلى نهاية المستعمرة حيث يقيم المُغسّلين.

قال لي أحد الأشخاص أن هذه المستعمرة “تخص المُغسّلين ولكن أياً منهم لن يتكلم معك. قبل بضع سنوات، جاء شخص إعلامي وأجرى مقابلة مع أحد المُغسّلين. كما نشر صورته في الصحيفة، ومنذ ذلك الحين واجه هو وأسرته صعوبات عدّة”. وأضاف “لم يرغب أي شخص في الزواج من بناته. وقد قام في وقت لاحق بتزويج ابنته لابن اخيه”.

ذكّرني ذلك بحديث ويتشكو. لقد ذكر ويتشكو أن المُغسّلين وحفاري القبور يتزوجون من عشائرهم. قال ويتشكو “أختي متزوجة من حفار قبور. في البداية، شعرت بالإحباط من كراهية الناس لنا، واعتبرت ذلك سلوكاً سخيفاً منهم. ولكن مع مرور الوقت، يعتاد الإنسان على الظروف، والحياة تستمر”.

Facebook Comments

Post a comment