خطايا الآباء

كان محقق فيلاديلفيا الشهير 

جو والش محط إعجاب نظرائه والمدّعين العامين، وكان مثار فخره أنه لم يسجن بريئاً قَط. لكن سرعان ما تغير الأمر عندما تم سحبه لدوامة تغطية جرائم استغلال جنسي قام بها رجال الكهنوت

بقلم رالف سيبريانو

نيوزويك

تطلب منه الأمر أن يمر بتجربة يكون فيها على وشك الموت حتى يقتنع جو والش، المحقق المتقاعد في شرطة فيلادلفيا، أنه لم يعد هناك مجال بعد الآن لتجاهل الأمر الذي يعرفه.

كان ذلك في 11 يونيو/ حزيران 2015، خلال أحد الأيام المشمسة التي تغمر منطقة شاطىء جيرسي، عندما شعر والش فجأة بألم شديد في فكه.

لاحظ أحد رفاقه القدامى في الجيش شحوب وجهه، فقال له “اجلس!” واستدعى الإسعاف.

وفي سيارة الإسعاف، سأل المسعف والش إذا كان يحب القميص الذي كان يرتديه. فرد والش “ليس بالضبط”، فقال المسعف “هذا جيد”، قبل أن يشقه بالمقص. يقول والش: “كل ما أتذكره هو أنه أوصل جسدي [بجهاز رصد إلكتروني]، وبعدها تحول كل شيء إلى اللون الأبيض”.

وعندما استعاد وعيه بعد عدة دقائق، سمع صوت أحد الأخصائيين الطبيين في قسم الطوارئ يقول: “هيا، استمر في التنفس”، ثم سمع المسعف يقول عنه إنه عندما يستيقظ سوف يعتقد أن حصاناً قد ركله في صدره.

في أثناء وجوده داخل سيارة الإسعاف، توقف قلب والش عن الخفقان لمدة دقيقتين ونصف. واستلزم الأمر إستخدام آلة الصدم الكهربائي الخاص بإنعاش القلب حتى عاد قلبه لينبض مرة أخرى.

وسارت سيارة الاسعاف إلى مستودع كايب مايكورت هاوس، ليتسنى للمسعفين نقل والش على متن مروحية إلى مستشفى قريب لإجراء جراحة طارئة.

وهناك قام الأطباء بزرع دعامتين في الشريان التاجي الأيسر وحقن والش بمخدر المورفين لتسكين الألم في صدره.

وبينما كان لا يزال يتعافى من آثار هذه النوبة القلبية، خضع والش لعمليتين جراحيتين مؤلمتين في الظهر.

وفي خضم كل هذه الآلام الجسدية التي كان يعاني منها، أدرك والش أنَّ ثمة شيئاً آخر يزعجه، ألا وهو ضميره.

والش معروف في محيطه بعمليات تعقب قتلة رجال الشرطة، وقتلة الأطفال، والكهنة المعتدين.

سيخبرك أعضاء النيابة العامة بأنه كان خارج تشكيلة الطاقم المركزي تماماً قبل أن ينتبهوا إلى أنهم بحاجة إلى وجود محقق على منصة الشهود ليربحوا قضاياهم.

ولكن إذا سألت والش عن مسيرته الممتازة هذه، فسيخبرك أنه كان فقط يؤدي عمله.

ولكن هناك شيئاً يفخر به بشكل خاص، فعلى مدى 35 عاماً من عمله في الشرطة، يعتقد والش أنه لم يسجن أبداً أي رجل أو امرأة بريئة.

إلى أن جاءت قضيته الأخيرة، عندما كُلف بالتحقيق في عمليات الاغتصاب المتعددة المزعومة لصبي مذبح الكنيسة سابقا أسمته هيئة المحلفين الكبرى “بيلي دو”  من أجل إخفاء هويته الحقيقية.

شهادة صبي المذبح السابق هذا أدخلت ثلاثة رجال إلى السجن -وهم كاهنان ومُدرّس كاثوليكي- بتهمة الاغتصاب.

بالإضافة إلى ذلك، وللمرة الأولى في تاريخ الدولة، أدت شهادة صبي المذبح أيضاً إلى سجن مسؤول كاثوليكي كبير في أبرشية فيلادلفيا. فقد تم إرسال مونسينيور ويليام لين إلى السجن ليس بتهمة لمس الطفل، وإنما لأنه تسبب في تعريض سلامة الطفل للخطر، من خلال تقصيره في منع كاهن معروف بسلوكه المسيء من اغتصاب طفل.

ولكن من خلال القيام ببعض أعمال التحري على الطريقة التقليدية، توصل والش إلى اعتقاد بأن صبي المذبح كان يكذب وأن اثنين من الرجال اللذين حكم عليهما القاضي وهيئة المحلفين بالسجن هما في الواقع بريئان.

ولكن كان الأوان قد فات لمساعدة أحد هؤلاء الرجال – إذ توفى القس شارل إنجلهارت في السجن في العام 2014، بعد أن أمضى ساعاته الأخيرة مكبل اليدين إلى سرير في المستشفى، بينما كان لا يزال مُصراً على براءته في حديث احتضار أفضى به لزميله في السجن. فيما المتهم الآخر برنارد شيرو، وهو مدرس كاثوليكي سابق، كان يقضي فترة عقوبة تتراوح بين ثمانية أعوام وستة عشر عاماً، في حين كانت أسرته على وشك الإفلاس بينما تحاول استئناف دعواه.

وبعد النوبة القلبية التي تعرض لها، قرر والش مقابلة جيفري أوغرين، محامي شيرو، وتعهد له ببذل كل ما في وسعه لمساعدة موكله على الخروج من السجن. وعندما سأله أوغرين عن السبب، رد الشرطي المتقاعد قائلاً، “أعرف أنني لا زلت على قيد الحياة لسبب ما”، وكان ذلك السبب هو “تصحيح هذا الخطأ”.

الكاردينال المتقاعد آنثوني بيفيلاكوا، راعي أبرشية فيلادلفيا السابق في صورة أرشيفية، والذي تم اتهامه في قضية تحرّش جنسي

حجب الحقائق لمدة 40 عاماً

قبل البدء في مطاردة الكهنة المعتدين، كان والش يلاحق قتلة رجال الشرطة.

وعندما قُتل ضابط شرطة فيلادلفيا فريدي دوكيس بالرصاص خارج ساعات عمله بينما كان يحاول إيقاف عملية سطو مسلح على أحد الحانات في عشية عيد الميلاد. كان والش هو من دفع القاتل إلى الاعتراف بجريمته.

وعندما قُتل ضابط الشرطة المبتدئ دانيال بويل بعد توقيفه لمشتبه به يقود سيارة مسروقة مسرعة، كان والش هو الذي حصل على اعتراف القاتل وهو يرقد في سرير المستشفى (بعد أن حاول القاتل الانتحار بإضرام النار في نفسه).

وكانت القضية الأكثر شهرة في مسيرة والش هي التحقيق في اختفاء الرضيع زاكري داكري البالغ من العمر شهرين.

إذ تقدمت تانيا والدة الطفلة ببلاغ إلى الشرطة ذكرت فيه أن نشالي الحقائب قد اختطفوا طفلها الرضيع، وعلى الفور بدأت الشرطة في إجراء بحث مكثف عن الرضيع. ولكن والش وشريكه مايكل دافي، لم يصدقوا الأم.

وفي نهاية المطاف اعترفت الأم بأنها أغرقت رضيعها في حوض الاستحمام، ومزقت جثته بسكين نحت، وبعثرت أشلاءَه في مجرى نيشاميني كريك ونهر ليهاي. وبررت الأم ذلك للمحققين بقولها: “كان يزعجني”.

يقول أوغرين، وهو مساعد المدعي العام السابق في مدينة فيلادلفيا “إن هذا الرجل هو أسطورة بالنسبة لقسم الشرطة ومكتب المدعي العام في مدينة فيلادلفيا”.

ويضيف “إذا فكرنا يوماً ما في إنشاء قاعة لأعظم رموز سلطة إنفاذ القانون في مدينة فيلادلفيا، فإن والش سيحتل مكانة مميزة بداخلها”.

وكان والش هو الرجل الذي كُلف من قبل مكتب المدعي العام بتعقب عشرات الكهنة في أبرشية فيلادلفيا الذين اعتدوا جنسياً على مئات الأطفال.

ولكن والش لم يتمكن من اعتقال سوى واحد فقط من هؤلاء الكهنة؛ لأن مئات الجرائم الجنسية التي ساعد في كشفها كانت قديمة جداً وسقطت بموجب قانون التقادم.

وهناك أيضاً سبب مظلم وراء عدم سجن البقية، وهو أن اثنين من الأساقفة الكاثوليك نظما تغطية منهجية لهذا الأمر وقد امتدت لأربعة عقود من الزمن.

في العام 2011، تمكن مكتب المدعي العام في ولاية فيلادلفيا أخيراً من العثور على  قضية اعتداء جنسي تورط فيها عدد من الكهنة الذين نجوا سابقاً لكون أفعالهم السابقة تقع في إطار قانون التقادم، وهي قضية بيلي دو.

وسرعان ما انتشرت الإشادة بهذه الملاحقة القضائية في جميع أنحاء البلاد، باعتبارها انتصاراً ضخماً في الحرب على الاعتداء الجنسي من قبل رجال الدين.

وكانت مورين دود من صحيفة نيويورك تايمز قد مجّدت المدعي العام روفوس سيث وليامز الذي أصدر قراراً اتهامياً بحق لين، حيث وصفته دود بأنه “المنتقم لطفل المذبح”.

كما أفردت سابرينا روبين إردلي حديثاً طويلاً في مجلة رولينغ ستون للطفل بيلي دو، الشاهد النجم للمدعي العام، ووصفته بأنه “طفل جميل ولطيف يتمتع بمظهر صبياني وسيم “تناوب عليه” المتوحشون “لانتهاكه” بلا رحمة.

لكن والش كان يعلم أن الدعوى القضائية التي أقامها المدعي العام كانت مبنية على أكاذيب ساخرة ومشينة، بل وفي الأغلب أكاذيب وضيعة؛ لذلك قرر فعل شيء ما حيال ذلك الأمر.

عندما يبكي المدعي العام الأكثر صلابة 

في العام 2002، كان والش واحداً من أربعة محققين مكلفين من قبل المدعي العام لين أبراهام بفتح تحقيقات هيئة المحلفين الكبرى في الاعتداء الجنسي على الأطفال في أبرشية فيلادلفيا.

وقد أرادت أبراهام أن يقوم المحققون وممثلو الادعاء بتمزيق حجاب السرية الذي لطالما أحاطت الأبرشية نفسها به منذ عقود، مما أتاح لها إيواء المتحرشين بالأطفال.

ومع ذلك، فإنها لم تكن بالمهمة اليسيرة، ذلك أنه بخلاف الوضع مع الفرع المحلي من المافيا، الذي كان متخماً بحالات الانشقاق عنه والوشاية، كان رمز السرية أو ما يُعرف بحالة أومرتا، لا يزال سارياً بقوة في أبرشية فيلادلفيا. وكان مسؤولو الكنيسة يتصرفون بشكل روتيني كما لو أن قوانين الدولة لا تنطبق عليهم.

عاش الكاردينال أنثوني بيفيلاكوا، رئيس أساقفة فيلادلفيا، كعاهل في قصر كبير مساحته 12600 قدم مربع حيث كان الخدم يقفون بين يدي “نيافته”، كما كان مصراً أن يدعوه الجميع، بينما كان يسلّي ضيوفه من كبار الشخصيات، في حين اعتادت النساء الانحناء أمام الكاردينال وتقبيل خاتمه.

أشرف بيفيلاكوا على خطة تقليص نفقات مؤلمة للأبرشية، إلا أنه قلّما كان يظهر ضبط النفس عينه في حياته الشخصية.

في أوائل التسعينات، وفي الوقت الذي كان يغلق فيه أكثر من اثنتي عشرة كنيسة ومدرسة إبرشية في المدينة الداخلية، مدعياً أن هذا بسبب نقص الإمكانيات المادية، كان رئيس الأساقفة يبني سراً قاعة مؤتمرات متعددة الوسائط بتكلفة قدرها 50,000 دولار، تحتوي على طاولة اجتماعات صُنعت حسب الطلب من خشب الكرز الأسود لتكون أكبر من طاولة رؤساء الأركان المشتركة في الولايات المتحدة التي صُنعت على يد صانع الأثاث نفسه. كان المشروع سرياً جداً، وقد تم بناؤه بشكل غير قانوني بدون تراخيص بناء. ولكن بعد أن كتبت عن ذلك في صحيفة فيلادلفيا إنكوايرر، أصبح الموقف محرجاً للكردينال وتم إيقاف العمل بالمشروع.

تجاهل بيفيلاكوا بذكاء القوانين المدنية وقوانين الكنيسة على حدٍ سواء. ومثال على ذلك: العزوبية.

ففي العام 1995، أقام موظف مخضرم في أبرشية فيلادلفيا دعوى ضد الكنيسة لتعويض العمال. وفيها قال الكاثوليكي المخلص الذي عمل مع  الكاردينال عن قرب إنَّه عانى “ضائقة نفسية وجسدية خطيرة” بسبب “عادة الكاردينال المتكررة من مقابلة النساء على الطائرات ودعوتهن لقضاء بعض الوقت في قصر الكاردينال”.

وقال الموظف إنه “منزعج من أن الكاردينال يركب في كثير من الأحيان مع النساء في الجزء الخلفي من السيارة الليموزين الخاصة بالكاردينال، ومن أن عدداً من تلك النساء بقين طوال الليل في قصر الكاردينال.

وأظهرت سجلات المحكمة أن الأبرشية قامت بتسوية الدعوى من خلال الدفع للموظف مبلغ 87,500 دولار.

وعندما كان الكاردينال يحتاج إلى استراحة من المدينة، كان في كثير من الأحيان يقيم في فيلا مملوكة للأبرشية مكونة من 19 غرفة وتطل على شاطئ البحر وقد احتلت مساحة كبيرة من الممشى. وقد أخبرني المحقق الذي كان مكلفاً بتقديم أوامر الاستدعاء للكاردينال أن بيفيلاكوا كان معتاداً على ارتداء ملابس مدنية حتى لا يتعرف عليه أحد عندما يقصد الكازينوهات في أتلانتيك سيتي بولاية نيو جيرسي. وقال المحقق إنَّه كان يحب المقامرة هناك، لكنه كان أيضاً معروفاً بالتقاط النساء.

وأشار إلى أن نيافته كان يميل جزئياً إلى الشقراوات ذوات القوام الممتلئ.

وبينما كان بيفيلاكا يحتفل في تلك الكازينوهات، كان العشرات من الكهنة المسجلين في كشوف الرواتب لديه يتصرفون كما لو كانوا قد حصلوا على ترخيص بالاغتصاب والتحرش بالأطفال.

لم يكن هؤلاء الكهنة قلقين بشأن الاعتقال؛ لأن الأساقفة قد اتبعوا على مدى عقود قانون الفاتيكان -وخرقوا القانون الجنائي الأمريكي- من خلال حفظ جميع سجلاتهم التي تضم أسماء الكهنة المتهمين بالاعتداءات الجنسية في خزائن الملفات داخل غرفة مجهولة في الطابق الثاني عشر من مقر الأبرشية.

كبار المسؤولين بالأبرشية فقط مثل بيفيلاكوا ولين، سكرتير الأبرشية لشؤون رجال الدين، كانوا يملكون رمز الدخول إلى تلك الغرفة.

يعتقد العديد من الأميركيين أن هناك تغطية لجرائم استغلال جنسي قام بها رجال الكهنوت

في أوائل التسعينات، عندما كنت أعمل كمراسل صحفي لمجلة إنكويرر، ساعدني مسؤول من نقابة النجارين المحليين في التسلل إلى مقر الأسقفية لرؤية مركز المؤتمرات الهزلي المتعدد الوسائط التابع للكاردينال. (نصحني بارتداء زي رجال الدين والمعطف الرياضي حتى نبدو مثل الكهنة.)

وفي الطابق الـ 12، بالقرب من مركز المؤتمرات المقفل، أشار مسؤول النقابة إلى غرفة مغلقة حيث يتم تخزين السجلات السرية. كنت قد سمعت شائعات، وكانت رؤية الباب قد جعلتني أشعر بالغثيان، لأنني اعتقدت أنه لا توجد وسيلة لكشف تلك الأسرار خلال أي وقت في حياتي.

ومع ذلك، في العام 2002 نشرت مجلة ذي بوسطن غلوب خبراً عن فضيحة الاعتداء الجنسي لرجال الدين الكاثوليك، وقد كان هذا الأمر بمثابة زلزال، وذكرت صحيفة “غلوب” أن سجلات المحكمة أظهرت أن أبرشية بوسطن قامت بشكل سري بتسوية دعاوى الاعتداء الجنسي التي شملت 70 كاهناً على مدى العقد الماضي. وقد هزت ارتدادات تلك الفضيحة مدينة فيلادلفيا بالكامل.

وعندما سأل الصحفيون عما إذا كانت أبرشية فيلادلفيا تأوي أي كهنة معتدين، قالت المتحدثة باسم بيفيلاكوا: “ليس لدينا مشاكل بولاية بوسطن”. وقالت: إنه على مدى السنوات الخمسين الماضية اتُهم فقط 35 كاهناً في فيلادلفيا بتهمة الاعتداء الجنسي، وأن الكاردينال قد تخلص بالفعل من ستة منهم.

كان بيفيلاكوا يعرف أنه كان لديه 35 كاهناً معتدياً مسجلين على كشوف الرواتب؛ لأن لين قد أخذ على عاتقه تمشيط ملفات الأرشيف السرية وتجميع قائمة.

وفي 22 مارس/ آذار 1994، خلال اجتماع سري شهري رفيع المستوى للأبرشية يُعرف باسم “اجتماع مناقشة المشكلات”، قدم لين القائمة إلى بيفيلاكوا، وربما كان يتوقع أن يشيد الأخير بمشروعه. لكن الكاردينال، وهو محامٍ كنسي ومحامٍ مدني كذلك، أدرك أنه إذا تورط أي من هؤلاء الكهنة في مشكلة مرة أخرى، فإن هذه القائمة ستكون دليلاً على مسؤوليته عن ذلك وعلى الإهمال من قبل نيافته ومن قبل الأبرشية عموماً؛ لذا طلب بيفيلاكوا من لين أن يحضر له كل النسخ الخمس من هذه القائمة.

ثم قام الكاردينال بطرد لين وأمر مساعده لشؤون الإدارة الأسقف جيمس مولوي، بتمزيق الوثائق.

بعد فضيحة بوسطن، طلبت أبراهام من فريقها من ممثلي الادعاء معرفة كيف علم بيفيلاكوا أنه كان لديه 35 كاهناً معتدياً.

هل كانت هناك قائمة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإنها تريد أن تطّلع عليها. عندما طالبت أبراهام الأبرشية بتسليم القائمة، رفضت الأبرشية ذلك. عندئذٍ وفي خضم حالة من الغضب أطلقت أبراهام تحقيق هيئة المحلفين الكبرى بشأن الكنيسة، وفي العام 2002 نجح ممثلو الادعاء في إقناع  قاضي هيئة المحلفين الكبرى بإصدار سلسلة من مذكرات الاستدعاء وهكذا تم كشف الستار عن السجلات السرية – أكثر من 300 ملف قضية يعود تاريخها إلى أربعينيات القرن الماضي.

وفي 45,000 صفحة من الوثائق، قامت الأبرشية بتصنيف خطايا 169 كاهناً متوحشاً تم اتهامهم باغتصاب وإساءة معاملة مئات الأطفال.

وبعد أن قام فريق من محاميي الأبرشيات بقراءة وتنقيح الملفات، تم نقلها إلى قاعة مؤتمرات كبيرة في مكتب المدعي العام.

وهناك، عكف والش، وغيره من المحققين وممثلي الادعاء المكلفين الذين اُطلق عليهم اسم فرقة الرب على دراسة هذه الملفات على مدى عدة أشهر.

وقد طلبت أبراهام أن يقوم محققوها باقتفاء أثر جميع الكهنة ال 169 المذكورين في السجلات السرية، فضلاً عن ضحاياهم الذين يعدون بالمئات.

يتذكر والش الأمر قائلاً: “لقد غرقنا في العمل حتى أذنينا”.

كانت مئات الجرائم المرتكبة ضد الأطفال والمذكورة بشكل تفصيلي في السجلات مروّعة جداً بحيث تكفي لجعل واحد على الأقل من أكثر محققين فرقة الرب صلابة ينهار باكياً.

يقول والش، وهو كاثوليكي، أن الملفات كانت مزعجة جداً بحيث دفعته للتوقف عن الذهاب إلى الكنيسة يقول: “لقد فقدت إيماني بديني”.

بعض القضايا ضد كهنة تبين لاحقاً أنها مُلفّقة

الأب المبتسم

كان هناك تقرير صادر عن هيئة المحلفين الكبرى في العام 2005 قد وصف الأب جيمس برزيسكي بأنه “أحد أكثر المعتدين وحشية” في أبرشية فيلادلفيا، حيث بلغ عدد ضحاياه المعروفين 11 ضحية ، أصغرهم صبي لم يتجاوز عمره 10 سنوات.

وعندما ظهر والش في منزل برزيسكي حاملاً معه أمر تفتيش، رفض الأخير الإدلاء بأي حديث.

قالت هيئة المحلفين الكبرى أن الأب ستانلي غانا، “كان من المعروف عنه أنه يقبل، ويداعب، ويضاجع الذكور شرجياً، كما أنه أجبر عدداً لا يحصى من الصبيان على ممارسة الجنس الفموي”. كان نيافته يتصرف كأنَّه “زير نساء عجوز ثري”، فكان يغري الضحايا بالمال والإجازات واستخدام منزل الشاطئ.

وعندما قام والش بتتبع جانا إلى منزل شقيقته في شمال شرق فيلادلفيا، بدأ الكاهن يتحدث إلى المحقق، ثم التزم الصمت.

أجرى والش ومعه محقق آخر، ماريا ديبلاسي، مقابلة مع الأب إدوارد أيفري، وهو كاهن اجتماعي يعرف باسم “الأب المبتسم”، حيث كان عادةً ما يشع بهاءً كأنه مقدم أغانٍ.

وعندما وضع لين قائمته التي تضم 35 كاهناً متهماً “بشكل موثوق” وفقاً لما ذكره المتحدث باسم الكنيسة، كان أيفري هو الاسم الأول في القائمة الأبجدية”.

ووفقاً لسجلات للشرطة وهيئة المحلفين الكبرى، اعترف أيفري أنه في العام 1978 كان قد اعتدى على صبي يبلغ من العمر 12 عاماً كان قد ساعده في إحدى حفلاته كمقدم أغانٍ، من خلال مداعبة الأعضاء التناسلية للصبي بعد أن شرب الكثير من البيرة.

واعترف الكاهن أيضاً بالاعتداء على الضحية نفسها بعد سبع سنوات خلال رحلة تزلج في فيرمونت عندما كان عمر الصبي 19 عاماً.

ولكن وقعت كلتا الجريمتين ضمن نطاق السقوط بالتقادم في ولاية بنسلفانيا، والذي يكون سارياً في حالة الطفل الضحية حتى عيد ميلاده الثلاثين.

وهذا يعني أن والش كان عليه  السماح لأيفري بالذهاب.

في مارس/ آذار 2004، اعتقل والش الكاهن جيمس بيهان.

وبعد عام، أقر الكاهن البالغ من العمر 60 عاماً بالاعتداء الجنسي على مراهق كان يدرس في مدرسة نورث إيست الكاثوليكية الثانوية للبنين في أواخر السبعينيات. تلك الجريمة كانت أيضاً قد سقطت بالتقادم، ولكن والش قبض على بيهان على أساس ثغرة فنية في القانون.

وقضى القاضي بأن حساب الساعة على قانون التقادم قد توقف في العام 1980، عندما أعيد تعيين بيهان في أبرشية رالي بولاية نورث كارولينا.

ولم يتم استئناف حساب الساعة مرة أخرى حتى تم القبض على بيهان وإعادته إلى فيلادلفيا في العام 2004.

ضحية بيهان، مارتن دونوهو (42 عاماً)، الذي نشأ في أسرة تبجل الكهنة؛ قال للقاضي إنه تعرض للتحرش مراراً وتكراراً، منذ أن كان عمره 15 عاماً.

كان دونوهو واحداً من عشرات ضحايا الاعتداء الجنسي على يد رجال دين ممن أجرى معهم والش مقابلات أثناء التحقيق التابع لهيئة المحلفين الكبرى.

ويذكر والش أن معظم هذه المقابلات كانت مع رجال في منتصف العمر وعادة ما كانوا يبدون هادئين في البداية. ولكن في مرحلة ما أثناء المقابلات، يُعرض على الضحايا صور لأنفسهم عندما كانوا صبية صغاراً بريئين.

وبحلول نهاية المقابلات، تراهم يبكون، إذ يتذكرون عندما كانوا أولئِك الأولاد الأبرياء الذين يظهرون في الصور.

يقول والش: “كانت أصعب المقابلات التي أجريتها على الإطلاق. ويضيف “كانت أسوأ من المقابلات في حالات جرائم القتل”.

الكاردينال المتقاعد آنثوني بيفيلاكوا، راعي أبرشية فيلادلفيا السابق في صورة أرشيفية تعود للعام ٢٠٠٢

 الكاردينال البارد المتغطرس

في 21 من سبتمبر/ أيلول 2005، وثق تقرير هيئة المحلفين الكبرى عن الاعتداء الجنسي في أبرشية فيلادلفيا – الذي تمت الإشادة به على الصعيد الوطني- خطايا 63 كاهناً كانوا قد اغتصبوا واعتدوا جنسياً على مئات الأطفال من الصبيان والبنات.

كان ذلك يعد انتصاراً، لكن كان الشعور بمثابة فشل أخلاقي ساحق؛ لأنه لم يتم اعتقال أيٍّ من هؤلاء الكهنة المعتدين.

وقال تقرير هيئة المحلفين الكبرى إن اثنين من الأساقفة وهما بيفيلاكوا والكردينال الراحل جون كرول قد “برروا ومكّنوا حدوث الإساءة” من خلال “دفن التقارير التي تلقوها وتغطية السلوك … لتجاوز أي قوانين تقادم.

“ما يجعل هذه الادعاءات أسوأ من ذلك، كما تعتقد هيئة المحلفين الكبرى، هو أن الانتهاكات التي سمح من خلالها بيفيلاكوا ومساعدوه للأطفال بأن يعانوا – الاعتداءات، والاغتصاب، والشعور بالعار واليأس مدى الحياة -قد تمت من خلال قرارات متعمدة وسياسات مُنفذة بعناية ولا مُبالاة محسوبة”.

تم استدعاء بيفيلاكوا 10 مرات للاستجواب من قبل هيئة المحلفين الكبرى. وقد شبهه أحد المحلفين لصحفي بأنه بارد ومتغطرس.

تم استجواب لين من قبل هيئة المحلفين الكبرى ما لا يقل عن عشر مرات وكان أكثر تجاوباً من الكاردينال.

حيث إنه لم يراوغ خلال الإجابة على الأسئلة واعترف بأنَّه ارتكب أخطاءً. وقد أرادت هيئة المحلفين الكبرى إدانة بيفيلاكوا ولين بتهمة تعريض سلامة الأطفال للخطر عن طريق تعريضهم عمداً للكهنة المعتدين. لكنها خلصت على مضض إلى أن قانون الولاية الخاص بتعريض الأطفال للخطر لا ينطبق إلا على الأشخاص الذين لديهم اتصال مباشر مع الأطفال، مثل الآباء والمعلمين وأولياء الأمور. كما وأشار التقرير إلى أنها لا تنطبق على المشرفين، مثل الكاردينال والمونسينيور.

وفي العام 2007، قامت الهيئة التشريعية لولاية بنسلفانيا، مدفوعة بحملة على مستوى الولاية بقيادة أبراهام، بتعديل قانون تعريض الأطفال للخطر ليشمل المشرفين، لكن بطبيعة الحال كان القانون بأثر مستقبلي وليس بأثر رجعي، وبالتالي لم يكن من الممكن ملاحقة الأساقفة المذكورين سابقاً.

ولكن لم يقدم هذا الأمر الكثير من العزاء للمحققين وممثلي الادعاء الذين عملوا وبكوا ضمن فرقة الرب.

وقد كشف مكتب “المدعي العام” عن أجواء الفساد الأخلاقي العميق داخل الأبرشية، فضلاً عن التستر، ولكن قال والش “لم يتم إنهاء الأمر”.

وأضاف “لم يُسمح لنا باعتقال أي شخص”.

كانت طريقة إنهاء والش لحياته المهنية مخيبةً للآمال.

وبحلول الوقت الذي صدر فيه تقرير هيئة المحلفين الكبرى عام 2005، كان قد تقاعد بالفعل.

القائمة غير الممزقة

في العام 2006، كانت لويز سوليفان، مديرة العمليات في مكتب رجال الدين في الأسقفية، تقوم ببعض أعمال التنظيف عندما اكتشفت خزنة مقفلة فوق خزانة الملفات في الطابق العاشر من مقر الأسقفية. فاستأجرت نجاراً لفتح القفل.

وفي الداخل، وفقاً لشهادة المحكمة، قالت إنها وجدت قائمة لين التي تضم اسم 35 كاهناً، والتي كانت مفقودة لمدة 12 عاماً.

ما وجدته هو تلك النسخة من القائمة التي كان بيفيلاكوا  قد أمر مولوي، الذي توفي قبل بضعة أشهر، بتمزيقها في العام 1994. ولكن في مذكرة مكتوبة بخط اليد وجدت مع القائمة، كتب مولوي أنه بدلاً من الامتثال الكامل لأوامر الكاردينال، فإنه قرر الاحتفاظ بنسخة واحدة من القائمة. ولكنه لم يذكر السبب.

ومن خلال التسلح بقائمة الكهنة المعتدين التي كانت مفقودة لمدة طويلة، نظم مكتب المدعي العام فصلاً ثانياً من فضيحة الاعتداء الجنسي في أبرشية فيلادلفيا.

ووجد طريقة أخرى لكتابة مأساة.

فبينما قدم الفصل الأول صورة زائفة عن العدالة تم فيها السماح للمذنب بالذهاب. إلا أنَّه في هذا الفصل، الأبرياء هم من سيدخلون السجن.

تفوّق الفرد على رئيسه

كان روفوس سيث وليامز مساعد المدعي العام في فيلادلفيا تحت إمرة أبراهام، وكانت قدوة له.

ولكن في العام 2005، خان وليامز معلمته عن طريق الترشح ضدها في الانتخابات التقسيمية الديمقراطية الأولية.

وخسر وليامز ذلك السباق، ولكن بعد أربع سنوات، بعد تقاعد أبراهام، خاض سباق المدعي العام مرة أخرى وفاز.

عندما تولى منصبه، جعل ويليامز من أولوياته التفوق على مدربته القديمة عن طريق فعل شيء لم تكن قادرة على القيام به.

كان عازماً على سجن شخص ما في الأبرشية جزاءً لتستره على تلك الجرائم الجنسية المروعة.

هدفه: المونسنيور لين، وهو نفس الرجل الذي أقرت أبراهام وهيئة المحلفين الكبرى السابقة كتابةً بأنه لا يمكن القبض عليه؛ لأن قانون تعرض الأطفال للخطر لا ينطبق عليه.

لقد تصرف ويليامز كما لو كان القانون قد طبق ورفض شرح حجته على ذلك، على الرغم من أنه قد سئُل عن ذلك عدة مرات على مدى السنوات الخمس الماضية.

لم يكن باحثاً قانونياً، لكنه كان متباهياً يرغب في لفت الأنظار إليه، وشارك في مسابقات الرقص ومباريات الملاكمة الخاصة بالمشاهير ووقف على الخط الجانبي لألعاب فيلادلفيا بفضل التمريرات المجانية التي أعطاها الفريق له.

لقد كان أيضاً سياسيّاً مخضرماً، فمعظم سكان فيلادلفيا غاضبون من اعتداء الكنيسة الكاثوليكية على الأطفال، ويعتقدون أن شخصاً ما يجب أن يدفع ثمن تلك الخطايا.

في 21 من يناير/ كانون الثاني 2011، رفع ويليامز اتهاماً ظنيّاً من هيئة المحلفين الكبرى على لين لتعريض سلامة الأطفال للخطر.

 كما دعت هيئة المحلفين الكبرى لاعتقال الكهنة آيفري وإنجلهاردت، وكذلك شيرو، المدرّس، بتهمة اغتصاب مزعومة للصبي بيلي دو. وبما أن آيفري كان يُعرف عنه السلوك المسيء، قال المدعي العام إنه عندما سمحت له الكنيسة بنقل مقر إقامته إلى أبرشية أخرى وتولي مهمة جديدة في الوزارة، فإن لين قد سمح بتعريض سلامة الأطفال للخطر.

كما دعت هيئة المحلفين الكبرى إلى اعتقال الأب جيمس برينان بتهمة اغتصاب مزعومة لمارك بوكاوسكي البالغ من العمر 14 عاماً.

قال والش “حين سمعت عن هذه القضية، كنت أعرف أن آيفري كان متحرشاً بالأطفال”، فالكاهن قد اعترف له بالفعل بأنه تحرش بالطفل البالغ من العمر 12 عاماً.

وكان لدى والش رأي سلبي تجاه لين، مسؤول الكنيسة المسؤول اسميّاً عن الإشراف على الكهنة المعتدين، على الرغم من أن والش عرف أنه في أبرشية فيلادلفيا، فقد كان هناك رجل واحد فقط هو المسؤول في نهاية المطاف وهو بيفيلاكوا.

يقول والش: “كنت أعرف أن لين كان يتحمل الملامة عن الكنيسة فحسب. لم يكن يعرف أي شيء عن إنجلهاردت أو شيرو، لكنه يرى أنها مشكلة شخص آخر – كان يستمتع بتقاعده على شاطئ جيرسي”.

ولكن في أكتوبر/ تشرين الاول 2011، وبعد ست سنوات من تقاعد والش، سأله إدوارد ماكان، مساعد أول المدعي العام، عما إذا كان مستعداً للعودة والمساعدة في التحقيق الجديد. ووفقاً لسجلات المحكمة، قال والش لماكان، الذي لم يستجب لطلب نيوزويك للتعليق، إنه عاد؛ لأنه كان تواقاً على وضع بعض الكهنة المذنبين في السجن أخيراً.

ولكن عندما اطلع على تقرير لجنة المحلفين الكبرى لعام 2011، رأى أن هناك الكثير من أعمال التحقيق التي يلزم القيام بها. وكما أوضح والش في وقت لاحق في المحكمة، فقد شعر بالجزع لاكتشاف أنَّ مكتب المدعي العام لم يقم بأيٍّ من الإجراءات المعتادة في التحقيق الجنائي على الرغم من الاعتقالات.

في عام 2011، تمكن مكتب المدعي العام في ولاية فيلادلفيا أخيراً من العثور على قضية اعتداء جنسي متورط فيها عدد من الكهنة الذين نجوا سابقاً لكونهم ضمن إطار قانون التقادم، وهي قضية بيلي دو.

وكان وليامز قد عقد بالفعل مؤتمراً صحفياً ليتبجح عن لوائح الاتهام، بدءاً ذي بدء للمبتدئين، لم يقم أحد من مكتب المدعي العام بزيارة كنيسة القديس جيروم، ساحة الجريمة المزعومة، ليسأل المعلمين والكهنة والراهبات الذين يعرفون بيلي دو، صبي المذبح السابق والذي كان اسمه الحقيقي دانيال غالاغير.

كما أراد والش مقابلة غالاغير وأسرته لمعرفة ما إذا كان بإمكان أي شخص تأكيد هذه الادعاءات.

تساءل والش “لماذا تسرعوا في الحكم؟” “لماذا تسرعوا في اعتقال هؤلاء الرجال قبل إجراء التحقيق الأساسي؟”

 ويخبر كاميرون كلاين المتحدث باسم مكتب المدعي العام نيوزويك بأن المكتب لديه “سياسة طويلة الأجل لعدم التعليق على القضايا المفتوحة والنشطة”.

يقول والش إن مهمته هي “أن يصحح الفوضى ويفعل كل ما كان يجب القيام به … لم يتحقق [مكتب المدعي العام]  من أي شيء مما قاله [غالاغير]. كان أول شيء عليهم القيام به هو إخضاع هذا الطفل لجهاز كشف الكذب.”

خلص والش إلى أن تقرير هيئة المحلفين الكبرى لعام 2011 يستند إلى مزاعم غير مؤكدة من غالاغير وبوكاوسكي، وكلاهما لديه سجلات جنائية وتاريخ في تعاطي المخدرات.

كان بوكاوسكي من المارينز وقد غادر الجيش بدون تصريح وتم تسريحه تحت بند “ظروف غير مشرفة”.

وتُظهر سجلات هيئة المحلفين الكبرى أن والدته قد اتهمته بسرقتها، كما أبلغت الشرطة بأنها تشك في صحة ادعاء ابنها لرجال الشرطة بأنه كان ضحية سطو منزلي عنيف، وكانت الأم محقة، فقد أظهرت سجلات الشرطة الصحيحة أن “الجريمة” وهمية؛ فقد ادعى ابنها زوراً أنَّه سُرق منه 675 دولاراً، وتظهر سجلات الشرطة والمحكمة أيضاً أنه قبل تقديم ادعاءاته ضد الكاهن، ألقي القبض على بوكوفسكي ثلاث مرات وأقر بالذنب بتهم شملت تزويد السلطات بمعلومات كاذبة وتهمتي تقديم بيان كاذب (لتقرير الدخول عنوة الزائف) فضلاً عن حيازة المخدرات والتزوير والسرقة وانتحال الهوية.

وقد ألقي القبض على غالاغير ست مرات بسبب جرائم شملت سرقة البضائع وحيازة 56 كيساً من الهيروين بغرض التوزيع.

كان قد بلغ 22 عاماً فقط، لكنه كان قد دخل وخرج من 23 مركز إعادة تأهيل من المخدرات والعيادات والمستشفيات.

يذكر والش إلى أنه عندما كتب فريق أبراهام عام 2005 تقرير هيئة المحلفين الكبرى، فإن أبراهام جعلت كبار ممثلي الادعاء يراجعون كل كلمة وطلبت كذلك توثيق كل تهمة.

ويقول إنه مع ذلك فقد صدر تقرير هيئة المحلفين الكبرى لعام 2011، رديئاً ومليئاً بالأخطاء.

إن تهمة واحدة على وجه الخصوص أزعجته. يقول والش: “ذُكر في تقرير هيئة المحلفين الكبرى إحدى عشرة مرة  أن الطفل [بوكاوسكي] قد تعرض للاغتصاب شرجيّاً من قبل الأب جيمس برينان فحسب”.

 “بالنسبة لمعظم الناس، كانت هذه هي أبشع جريمة يمكن تصورها”.

ولكن عندما قام والش بقراءة شهادة بوكاوسكي لهيئة المحلفين الكبرى، لم يذكر الضحية المزعومة أنه قد تعرض للاغتصاب شرجيّاً.

كما شهد أنه كان يرتدي سرواله أثناء الاعتداء المزعوم.

يقول والش إنه طلب من مساعدة المدعي العام ماريانا سورينسن، والذي يقول والش إنها لم يسبق لها أن رفعت دعوى حتى بمخالفة حركة المرور، وكيف يمكن أن يكون الاغتصاب الشرجي قد حدث إذا كان الضحية مرتدياً سرواله الداخلي؟  ردت سورينسن: “إذا كان قضيب القس قد توغل في أرداف الضحية المزعومة حتى قليلاً أو بشكل بسيط فإن هذا يشكل اغتصاباً، حتى لو لم يكن هناك اختراقاً لفتحة الشرج”.

أجاب والش: “لابد من أنك تمازحينني”.

لم يكن ادعاء الاغتصاب الشرجي هو الشكوى الوحيدة لوالش من تقرير هيئة المحلفين الكبرى لعام 2011. بل كانت هناك على الأقل تسعة أخطاء أخرى متعلقة بالوقائع، بما في ذلك إعادة صياغة فاضحة لشهادة شاهدة أمام هيئة المحلفين الكبرى. فقد سُئلت شيلا، والدة غالاغير، تحت القسم، وهي ممرضة مسجلة، متى لاحظت تغييراً في سلوك ابنها، وهو تغيير يفترض أنه يتعلق بالاغتصاب من قبل الكهنة والمدرس. فقالت: “في سن الرابعة عشرة،” عندما دخل المدرسة الثانوية في السنة الأولى، لم يكن هو الطفل نفسه”.

وقالت إن سلوك ابنها قد تغير جذرياً بعد أن تم طرده من المدرسة الثانوية لامتلاك الماريجوانا والمفاصل النحاسية. وقبل ذلك، قالت أمام هيئة المحلفين الكبرى، “لقد عرفه الناس إما في شخصية بطل فيلم دينيس الخطر أو في شخصية بطل فيلم الصبي الأمريكي العادي أول أميريكان بوي”.

لكن في تقرير هيئة المحلفين الكبرى، أُعيدت كتابة تلك الشهادة لتقول إن “والدة بيلي أيضاً أخبرتنا عن التغير الجذري في شخصية ابنها الذي تزامن مع الاعتداء”، وتزعم أن ذلك قد حدث عندما كان ابنها ما يزال في المدرسة الابتدائية، في عمر العاشرة والحادية عشرة. تقول هيئة المحلفين الكبرى، كان في ذلك الوقت أن “والدة بيلي كان تراقب ابنها الودود والسعيد والاجتماعي وهو يتحول إلى ولد وحيد وحزين”.

الاستيلاء على جثة الكاردينال

ومع اقتراب موعد محاكمة لين، قال محامو بيفيلاكوا أن الكاردينال كان يعاني من الخرف وسرطان البروستات؛ لذا فهو غير مؤهل للشهادة في المحكمة، حتى وإن وضعه المدَّعون على رأس قائمة شهودهم.

في 29 من نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، قام كل من المدعين ومحامي الدفاع والقاضي وتريزا سارمينا بالذهاب إلى مقر معهد سانت تشارلز بوروميو العالي في ضاحية ويني وود في ولاية بنسلفانيا، حيث يعيش بيفيلاكوا في شقة، وتم خلعه من منصبه والأحداث مصورة.

بعد ذلك بشهر، قدّم محامو لين ملخص قانوني يصفون فيها الكاردينال في هذه الشهادة بالشخص الضعيف، المرتبك، الذي يكافح “إلى حد الدموع”.

كتبوا “في معظم الأحيان”، كان “بنك الذاكرة لدى الكاردينال كالغرفة الخاوية”.

ومع ذلك حكمت سارمينا في 30 من يناير/ كانون الثاني 2012، أن بيفيلاكوا كان مؤهلاً للشهادة كشاهد في محاكمة بيلي دو الخاصة بالاعتداء الجنسي.

بعد ذلك بيوم، وجد أحد العاملين في المعهد الكاردينال البالغ من العمر 88 عاماً ميتاً في منزله. في اليوم التالي، أرسل الطبيب الشرعي المحلي، بناءً على طلب مدعي مقاطعة مونتغومري العام، طاقماً للحصول على جثة الكاردينال لتشريحها.

عرف المشككون أن بيفيلاكوا، الذي كان العقل المدبر لهذا التستر الدنيء، أصبح الآن عبئاً على الأبرشية؛ لأن الأشخاص الذين يعانون من الخرف لا يمكنهم السيطرة على ما يقولون.

وتساءل البعض إن كان الكاردينال ضحية لعبة قذرة، بما في ذلك مدعي مقاطعة مونتغومري العام، الذي أخبر المراسلين “لقد ذُهلنا جميعاً بهذا الشيء الغريب، لا سيما أن موت الكاردينال المفاجئ جاء بعد حكم المحكمة”.

عندما وصل الطبيب الشرعي إلى مقر المعهد، كانت جثة الكاردينال قد اختفت. كانت الكنيسة قد أخذتها لتحنطها.

مع وجود بيفيلاكوا في نعشه سيكون لدى الكنيسة وقت أسهل بكثير لتحضير/ تركيب دفاع في محاكمة لين، يمكنهم الآن إلقاء كل اللوم على رئيس الأساقفة الميت.

بالنسبة لأبرشية فيلادلفيا، يُحدد موت نيافته نهاية حقبة. بعد موت بيفيلاكوا، قررت الأبرشية، التي واجهت 11.6 مليون دولار كفواتير قانونية للدفاع عن الأسقف في قضايا مدنية وجنائية، عرض اثنين من رموز ثراء وقوة الكنيسة لفترة طويلة للبيع -قصر الكاردينال والفيلا الخاصة به على شاطئ البحر.

في سبتمبر/ ايلول 2012، باعت جامعة سانت جوزيف قصر الكاردينال بعشرة ملايين دولار.

اشترى زوجان من نيوتاون سكوير، بنسلفانيا، فيلا الكاردينال على الشاطئ في مزاد علني بمبلغ 4.5 ملايين دولار.

منظر عام من داخل كاتيدرائية بازيليكا القدِّيسَين بطرس وبولوس (بيتر و بول) في فيلاديلفيا

“معانقة وحشية”

لم يلتحق المحقق جو والش يوماً بكلية الحقوق، لكنه كان محقاً بشأن ما إذا كان الاعتداء المزعوم من الأب برينان على مارك بوكاوسكي البالغ من العمر 14 عاماً يشكل اغتصاباً.

قبل بداية المحاكمة مباشرةً، خفض مكتب المدعي العام التهمة في محاولة الاغتصاب، دون تفسير.

وخلال المحاكمة، شهد بوكاوسكي أنَّه وبرينان كانا يرتديان سراويل داخلية أثناء الهجوم المزعوم. على حد تعبير محامي برينان، كان بوكاوسكي ضحية “معانقة وحشية”.

كانت هناك مفاجأة أخرى كبيرة في بداية محاكمة بيلي دو الخاصة بالاعتداء الجنسي. حطم أيفري الذي كان متهماً مشاركاً مع لين وبرينان، هز القضية القوية التي حضرها محامو الدفاع باعترافه بالذنب فيما يخص الجماع القسري الجنسي الشاذ مع غالاغير، وبالتآمر مع لين لتعريض سلامة الطفل للخطر.

كان أيفري، الذي ينتظر قضاء حكمٍ بالسجن من 13 ونصف إلى 27 عاماً، قد حصل على صفقة لطيفة من سنتين ونصف إلى خمس سنوات. لكن عندما حان الوقت للاعتراف بالذنب، لم يسأله المدعون ولا القاضي عليه تحديداً إن كان قد ارتكب الجرائم التي قُبض عليه من أجلها.

ترك اعتراف أيفري بالذنب لين وبرينان كمتهميْن باقيين. اُتهم لين بتعريض الطفل للخطر والتآمر مع أيفري على اغتصاب بيلي دو. اُتهم برينان بمحاولة اغتصاب بوكاوسكي.

كان من الممكن أن تنتهي المحاكمة خلال أسبوع، لكنها استمرت أكثر من شهر؛ لأن أغلب الأدلة التي قدمها المدعون قضت بمحاكمة الأبرشية عن جرائمها الماضية تجاه الأطفال.

سمح القاضي ب 21 قضية اعتداء جنسي إضافية كدليل، يعود تاريخها إلى عام 1948، قبل ثلاثة أعوام من ولادة لين. وقال الادعاء أن هذه القضايا ال 21 الإضافية تثبت نمط الأبرشية في التستر على الاعتداء الجنسي، ووافق القاضي على ذلك.

شهد والش لمدة 15 يوماً على التوالي على المنصة على الكثير من الجرائم الجنسية التي اُخفيت في ملفات الأرشيف السرية.

مثّلت المحاكمة، التي حظيت باهتمام دولي، الاستخدام الأوسع نطاقاً من جانب الادعاء للأرشيف السري للكنيسة الكاثوليكية الرومانية، ليس فقط من أجل قضية جنائية محددة، لكن من أجل “توجيه اتهام واسع النطاق لتعامل الأبرشية التاريخي مع حالات الاعتداء”، وفقاً لـ روكو بالمو، مؤلف مدونة أخبار الفاتيكان، “ويسبرز إن ذا لوغيا”.

وبعد 32 يوماً من المحاكمة، برأت هيئة المحلفين لين في قضية التآمر، ولكنه اُتهم في قضية تعريض سلامة الطفل للخطر، وحكمت علية سارمينا بالسجن من 3 إلى 6 أعوام. ووصلت هيئة المحلفين لطريق مسدود 11 مقابل 1 لصالح تبرئة تهمة محاولة الاغتصاب ضد برينان؛ لذا انتهت قضيته ببطلان الدعوى.

وقد تم إبطال إدانة لين مرتين في الاستئنافات.

المرة الأولى، في 2013، حكمت محكمة بنسلفانيا العليا بأن حكم الولاية الأصلي لتعريض الأطفال للخطر الخاص بالولاية لعام 1972 لا ينطبق على المشرفين مثل لين.

لكن ألغت محكمة الولاية العليا ذلك القرار في 2015. في وقت لاحق في 2015، أبطلت المحكمة العليا للولاية لين إدانته للمرة الثانية، وحكمت بأن سارمينا قد أساءت استخدام صلاحياتها بسماحها بعرض الحالات ال21 الإضافية للاعتداء الجنسي؛ لأن التأثير الضار لتلك الحالات يفوق قيمتها كدليل.

صورة أرشيفية لراعي عام أبرشية فيلادلفيا الأسقف جاستين ريغالي، يتلقى التهنئة من سلفه الكاردينال بيفيلاكوا. الصورة تعود للعام 2003.

صبي المذبح المتغير

وفي محاكمة ثانية للاعتداء الجنسي في الأبرشية في 2013، اُدين إنجلهاردت وشيرو بتهمة الاغتصاب المزعوم لداني غالاغير.

ومع ذلك فقد اُتهم هؤلاء المدعون بعدة أفعال سوء سلوك أخرى، بما في ذلك التبديل المفاجئ وغير المتوقع للأدلة التي يمكن أن تبرئ أحد المدعي عليهم. وكان غالاغير قد ادعى أنه خلال شتاء عام 1998، فاتحه إنجلهاردت بعد قدّاس الساعة السادسة والنصف صباحاً، وأن الكاهن اغتصبه بعد أسبوع عند قدّاس ثانٍ في السادسة والنصف صباحاً.

أخبر غالاغير عن وقت خاطئ للقداس، فالقداس يُقام دائماً عند السادسة والربع صباحاً. ولكن كانت هناك مشكلة أكبر: تحتفظ والدته بتقويم شهري شديد الدقة، تسجل فيه كل قداس خدم فيه غالاغير وأخوه الأكبر، صبي المذبح أيضاً.

أوضح هذا التقويم أنه منذ بداية سبتمبر/ أيلول وحتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول 1998 لم يخدم الطفل داني ذو العشر سنوات في أي من قداسات الصباح الباكر، ولا في أي منها خلال ذلك الشتاء بأكمله عندما ادعى أنه تعرض للاعتداء.

عند مواجهة هذه المشكلة القاهرة، قدم المدعون العامون فقط تقويم سنة 1999 كدليل، ومحامو الدفاع لم يستدعوهم أبداً.

في المحاكمة الثانية استدعى مارك سيبوليتي، مساعد النائب العام، أيفري –”الكاهن الضاحك”-كشاهد. وكان الكاهن المعزول قد اعترف بالفعل بذنب الجماع الجنسي القسري الشاذ مع الطفل -غالاغير- وبالتآمر مع لين لتعريض سلامة ذلك الطفل للخطر.

عندما وقف أفري على منصة الشهود، سأله سيبوليتي سؤالاً بسيطاً، سؤال لم يسأله أحد من قبل في المحكمة. هل فعلتها؟ هل اغتصبت صبي المذبح؟

صدم أيفري الجميع في المحكمة -وهو يرتدي بدلة السجن- بقوله إنه لم يلمس غالاغير أبداً. وأوضح الكاهن المبتسم أنه اعترف بذنب القيام بجريمتين لم يرتكبهما؛ لأنه كان يبلغ من العمر 69 عاماً في ذلك الوقت، وعلى حد قوله “لم أكن أرغب في أن أموت في السجن”.

كان تراجع آيفري عن الاعتراف بذنبه أمراً مذهلاً، ولكنه لم يساعد المدعى عليهم. أدانت هيئة المحلفين كلاً منهما.

وحكم قاضي المحاكمة، إلين سايسلر، على إنجلهاردت بالسجن من 6 إلى 12 عاماً، وعلى شيرو من 8 إلى 16 عاماً.

في الإجمال، فقد أرسلت شهادة غالاغير أربعة رجال إلى السجن. رفع غالاغير أيضاً دعوى قضائية على الأبرشية للأضرار المدنية عن آلامه ومعاناته، وقد حصل على 5 ملايين دولار في تسوية مع الكنيسة في 2015، والتي كان من المفترض أن تكون سرية .

اغتصاب لمدة خمس ساعات

وعلى الرغم من كل هذه الاتهامات والتعويضات الضخمة، كان والش متأكداً أن غالاغير كاذب.

وبعد أن تقدم الشرطي المتقاعد لمساعدة شيرو  في نوفمبر/ تشرين الثاني 2016 للحصول على محاكمة جديدة، أوضح والش السبب. وفي إفادة مكونة من 12 صفحة قُدمت للمحكمة في مايو2017، كتب والش أنه في الوقت الذي كان يُعد فيه غالاغير لمحاكمة الأبرشية الأولى ضد لين في 2012، سأل صبي المذبح السابق عن ادعائه أنه كان تحت تأثير المخدرات عندما أخبر اثنين من الأخصائيين الاجتماعيين من الأبرشية بعض التفاصيل الصادمة عمّا يفترض أنه عاناه، وهو الاغتصاب الشرجي الوحشي الذي استمر خمس ساعات مع التهديد بالقتل، واللكم في الوجه، والإغماء، والتجريد من الملابس، والتقييد في إطار نوافذ المذبح، والخنق باستخدام حزام المقعد، والإجبار على امتصاص الدماء من أعضاء الكاهن.

ومع ذلك فقد أجرى والش مقابلةً مع والد غالاغير، وهو رقيب في شرطة فيلادلفيا، قال إن ابنه لم يكن تحت تأثير المخدرات في ذلك الصباح عندما اصطحب الوالد ابنه الى المنزل مباشرةً من عيادة الإدمان.

وكتب والش في إفادته أنه سأل غالاغير عن “كل تلك التفاصيل التصويرية. هل اختلق تماماً الأمر برمته؟”

وفقاً لرجل المباحث، اعترف داني غالاغير أنه “اختلق أموراً وأخبرهم أي شيء”.

كتب والش “سألته إن كان يكذب فيما يخص أي شيء آخر، ولم يجبني”. “جلس فقط هناك ولم يجبني”.

وبعد إنكاره أنه أخبر الأخصائيين الاجتماعيين بقصص العنف هذه، أخبر غالاغير الشرطة وهيئة المحلفين الكبرى بقصة جديدة كليّاً عن اعتداء مجموعة من المهاجمين تحكي تفاصيلها عن إجباره القيام بالتعري التدريجي على أنغام الموسيقى والمشاركة في الجنس الفموي والاستمناء المتبادل مع مهاجميه.

شهد والش أيضاً بأنه عندما كان يُعدّ غالاغير للمحاكمة، سأله مراراً وتكراراً عن تسع متناقضات حقيقية في قصصه. كان رد غالاغير، كما قال والش، إما بعدم قوله أي شيء، مدعيّاً أنه كان تحت تأثير المخدرات، أو بقوله قصة جديدة.

لم يكشف عن أي من هذه الأمور أبداً لمحامي الدفاع.

من مهاجم مفترس إلى مهاجم مفترس آخر

وباعتباره المدعي العام الخبير في ملفات الأبرشية السرية في المقاطعة ، خلُص والش إلى أن قصص غالاغير المتنوعة عن الاعتداء عليه لم تتفق مع تاريخ الكنيسة الموثق للاعتداء الجنسي. وكتب والش في إفادته “أهم حقيقة اكتشفتُها في كل تلك القضايا التي قدمت، أنه كان هناك استمالة للطفل وأسرته على مدى فترة من الزمن”.

“قد يشتري الكاهن الهدايا للطفل ويأخذه للرحلات، أو أن يذهب رحلات وعطلات مع عائلة الصبي بأسرها”. قد يصبح الكهنة المعتدين “أصدقاء لكل من العائلة والطفل قبل الاعتداء جنسيّاً على الطفل”.

لكن ليس هذا ما حصل مع غالاغير، فأسرته بالكاد تعرف المدعى عليهم، وبدا الهجوم وكأنه أتى من العدم.

أمر غريب آخر في هذه القضية، المهاجمون، فبالكاد يعرف أحدهم الآخر، ومن المفترض أنه أفضى أحدهم للآخر عن “جلسات” الجنس التي مارسوها مع صبي المذبح، فيصبح بإمكانهم تمريره من مهاجم مفترس إلى آخر.

عندما كتب والش إفادته، غير نمط كتابته إلى الأحرف الكبيرة البارزة بحيث لا يفوّت أحدهم نقطتيْه التاليتيْن:

خلال تحقيقي عرفتُ من دانييل غالاغير وعائلته أن هذا النوع من الإستمالة لم يحدث من جانب الكاهن ولا من جانب السيد شيرو.

وأيضاً لا أتذكر أني وجدتُ في أي من ملفات الأرشيف السرية أن كاهناً اعتدى جنسيّاً على طفل ثم أخبر كاهناً آخر بالأمر ومرّر الطفل لكاهن آخر، أو لشخص عادي ليتم الاعتداء على الطفل.

فصّل والش في إفادته خلافه المستمر مع مساعد المدعي العام. “أخبرتُ ماريانا سورنسن عدة مرات أنني لم أصدق أن دانييل غالاغير يقول الحقيقة.

حيث إنني لم أتمكن من إيجاد أي معلومات تؤكد قصته عن الاعتداء. وإن وجدتُ معلومات، أجدها مناقضة لما يقول إنه حدث.

كتب والش “تقول ماريانا سورنسن دائماً أنها تصدق دانييل غالاغير وأنها تصدق ما يقول إنه حدث”، مضيفاً أنه في مرحلة ما أخبره المدعي المحبط “أنت تُجهز على قضيتي”.

ملائكة وشياطين:

المونسينيور لين الذي تمت محاكمته بسبب دعوى السيدة أبراهام

فضح أمر المدعي العام

وبينما كان والش يحاول إطلاق سراح رجل يعتقد أنه بريء، كان المدعي العام الذي اتهم شيرو، روفوس سيث وليامز، يتصدر العناوين الرئيسية، لكن لأسباب جميعها خاطئة. في يناير/ كانون الثاني 2017، فُرضت عليه غرامة برقم قياسي بلغت 62.000 دولار من قبل مجلس فيلادلفيا للأخلاقيات لعدم تقديمه تقرير بالهدايا وبالدخل الذي حصل عليه ما بين عام 2000 و2015.

في فبراير/ شباط 2017، ظهر وليامز في وسائل الإعلام مرة أخرى عندما طُرد من رابطة الاتحاد، وهي نادٍ خاص مقره قصر النهضة الفرنسية الذي هو ملاذ لنخبة فيلادلفيا.

عُرف وليامز في رابطة الاتحاد بتدخينه للسيجار في حين ينتظر حراسه الشخصيون في الخارج.

لن يسمح النادي هذه المرة لوليامز بالدخول؛ لأنه لم يكن يدفع مستحقاته (4.800 دولار في السنة). وبالتالي ترك وليامز النادي، وعاد مع شيك بقيمة 5.000 دولار مأخوذ من لجنة العمل السياسي للمدعي العام.

وفقاً لصحيفة فيلادلفيا إنكويرر، أُجريت التحقيقات بعد ذلك مع وليامز من قبل هيئة محلفين فيدرالية كبرى بزعم استخدام أموال حملة سياسية لدفع نفقات شخصية. لم يقبل المسؤولون في النادي شيك المدعي العام. وبدلاً من ذلك قاموا بالاتصال بمكتب التحقيقات الفيدرالي.

كانت نهاية وليامز في 21 من مارس/ آذار، 2017، عندما اتهمه مكتب النائب العام للولايات المتحدة بأخذ رشاوى مقابل أعمال رسمية، وباستغلال أموال لجنة العمل السياسي ومركبات الحكومة لمصلحته الشخصية. وتشمل هذه الأموال، كما قال مكتب التحقيقات الفيدرالي، الأموال المنفقة على رابطة الاتحاد لحفلة عشية رأس السنة، وعشاء أعياد الميلاد الفاخرة لصديقات المدعي العام، ودروس اللياقة البدنية، وجلسات التدليك العميق وتجميل مسام الوجه.

استهزاء خلال المحاكمة

في 8 من يونيو/ حزيران عقد القاضي سايسلر جلسة استماع لتحديد ما إذا كان شيرو يستحق محاكمة جديدة بسبب سوء سلوك الادعاء الذي كشفه والش.

قرر مساعد المدعي العام باتريك بليسينغتون، الذي واجه شهادة مدمرة من أحد أعضاء فريقه، الانتقام بتشويه سمعة رجل المباحث. أخبر بليسينغتون القاضي قائلاً “لديّ كومة من المعلومات لاستجواب جو والش بها، الذي بالمناسبة، لم يُحضر في تحقيقات القضية”. “كانت التحقيقات قد انتهت. وتم الاعتقال. أُحضر [والش] لتحضيرات المحاكمة”.

وعندما سأل القاضي عما إذا كان مكتب المدعي العام قد أحضر والش أيضاً لاستجواب الشهود في القضية، رد بليسينغتون “قام بذلك بنفسه على ما يبدو، حضرة القاضي”.

انفجر الحاضرون في قاعة المحكمة ضحكاً، وكانت القاضية مرتابة  وسألت “ قام بذلك بنفسه؟”، مشيرةً إلى أكثر من 30 مقابلة مع الشهود أجراها والش.

قال بليسينغتون عن والش “قد يكون لديه مخطط “.

“وهذا هو السبب في أن مصداقيته مثار خلاف”.

لم تهتم/ تتشبث القاضية بهذا الكلام. سألت مراراً وتكراراً، هل هذ صحيح، أن والدة غالاغير احتفظت بتقويمات شهرية شديدة الدقة وأن هذه التقويمات لم تذكر أبداً أن غالاغير خدم في قدّاس السادسة والربع صباحاً؟

رد بليسينغتون قائلاً إن كل الأدلة في القضية قُدمت إلى محامي الدفاع.

أعلنت سايسلر أنه “إذا كان [غالاغير] لم يذكر أبداً قداس السادسة والربع صباحاً في جدوله في ذلك الوقت، فهذه نهاية القضية لولاية الكومنولث.

كان والش الذي لم يحضر جلسة الاستماع مذهولاً من هجوم بليسينغتون. وقال “أجده أمراً لا يصدق أن يستمر الأشخاص الذين عرفتهم وعملتُ معهم لسنوات في الكذب على القاضي حول شخصيتي”.

‘أنا مجرد متسول سعيد’

وفي 29 من يونيو/ حزيران، قاطع وليامز محاكمته للفساد السياسي في المحكمة الفيدرالية ليعترف بالذنب ويعلن أنه سيقدم استقالته كمدعي عام في الحال.

واعترف بالذنب فيما يتعلق بتهمة واحدة من 29 تهمة فيدرالية، وهي انتهاك لقانون السفر في الولايات المتحدة، حيث اعترف وليامز أنه قد سافر إلى منتجع بونتا كانا مع رجل الأعمال الأردني المولد محمد علي، للحصول على رشوة، وكذلك للتآمر بهدف الحصول على المزيد من الرشاوي.

“أنا مجرد متسول سعيد”، هي الرسالة التي أرسلها المدعي العام لعلي، الذي طلب من المدعي العام المساعدة في فحص شاشات الأمن في المطار مقابل تقديم عطلات مجانية لوليامز.

وافقت الحكومة على تفاوض بشأن شطب الدعوى وإسقاط التهمة رقم 2 من 29 اتهاماً فيدراليّاً، على الرغم من أن وليامز كان عليه أن يعترف بأن كل الادعاءات ضده كانت صحيحة.

وبالتالي اعترف وليامز بأخذ رشاوى من علي ورشاوى من مايكل وايس، صاحب بار فيلادلفيا للشواذ، والذي أعطى المدعي العام 16 تذكرة طائرة لرحلة كاملة ذهاباً وإياباً لسان دييجو، ولاس فيجاس، وفلوريدا، وكذلك سيارة جاكوار XK8 مكشوفة موديل 1997.

في المقابل، عيّن وليامز وايس، وهو جانٍ مدان، كمستشار خاص لمكتب المدعي العام وأعطاه شارة.

وكتب وليامز أيضاً رسالة رسمية إلى مجلس كاليفورنيا لمراقبة المشروبات الكحولية؛ في محاولة لمساعدة وايس على الاحتفاظ بملكيته لبار سان دييجو.

واعترف وليامز بالذنب أيضاً بأنه سرق 23.000 دولار من والدته، وهي الأموال التي كان من المفترض أن تذهب إلى دار رعاية كاثوليكي كانت تقوم برعاية والدته. وبعد مفاوضات شطب الدعوى، سيقضي وليامز 5 سنوات في السجن، ثم سيكون تحت المراقبة لثلاث سنوات.

افترض وليامز عندما وقع على هذه الصفقة أن القاضي سيمهله بضعة أسابيع لترتيب أموره قبل إرساله إلى السجن، كما هو معتاد في قضايا الفساد السياسي.

وبينما كان القاضي بول دايموند شديد القسوة مع  وليامز في المحكمة –”لديّ اعتراف بالذنب من أعلى مسؤول لتطبيق القانون في المدينة، الذي خان وباع منصبه”- ألقى المدعي العام الأسبق باضطراب نظرة سريعة أعلى كتفه حيث يقف بجانبه مباشرةً اثنان من مارشالات الولايات المتحدة.

سعى وليامز للحصول على كفالة مدعياً أنه لا يوجد احتمال لفراره؛ حيث إنَّه مفلس ولا يملك سيارة.

يقول وليامز لدايموند، إذا ذهبتُ لأي مكان، فسيكون بالدراجة. لكن دايموند رفض الكفالة، وأخبر وليامز أنه لم يصدق أي شيء مما قاله؛ لأنه لم يعد لديه أي مصداقية.

ثم أمر المارشالات بأخذ المدعي العام السابق المذهول إلى الحبس. تم اقتياد وليامز خارج المحكمة وهو مقيد اليدين، بينما كانت زوجته السابقة تجهش بالبكاء.

لمدة الأربعة أشهر اللاحقة، اُحتجز المدعي العام السابق لسلامته الخاصة في زنزانة سجن 8×10 قدم في وحدة إسكان خاصة 23 ساعة في اليوم في أيام العمل، و24 ساعة في اليوم في عطلة نهاية الأسبوع.

عاش الكاردينال أنثوني بيفيلاكوا (يسار)، رئيس أساقفة فيلادلفيا، كعاهل في قصر كبير مساحته 12600 قدم مربع حيث كان الخدم يقفون بين يدي “نيافته”، كما كان مصراً أن يدعوه الجميع ، بينما كان يسلّي ضيوفه من كبار الشخصيات.

‘لقد بعت نفسك للطفيليات’

في 14 من أغسطس، 2017، تفاوض مكتب المدعي العام، الذي واجه احتمال محاكمة جديدة لشيرو، للحصول على صفقة استرحام.

كان شيرو، الذي حُكم عليه بالسجن من 8 إلى 16 سنة، قد أُطلق سراحه في 17 من أغسطس/ آب، بعد قضاء مدة سجن أربع سنوات ونصف فقط.

وإنما، في المقابل كان عليه ألا يلتمس العذر فيما يتعلق بثلاثة اتهامات تتعلق بجماع جنسي قسري وشاذ مع طفل، وهي جناية من الدرجة الأولى. وتعريض سلامة طفل للخطر وإفساد قاصر، وكلاهما جنحة من الدرجة الأولى. كما يجب أن يُسجل كمتعدٍ جنسي.

وقد تحدث محاميه، أوجرن، إلى مجلة نيوزويك قائلاً “لقد وافق على ألا يلتمس له العذر وقضى مدة عقوبته التي فرضت عليه؛ لذا فمن الممكن أن يُطلق سراحه فوراً من السجن وإنهاء هذا الكابوس، هذا ليس فقط من أجل بيرنارد، ولكن من أجل عائلته أيضاً”.

خلال السبع سنوات السابقة، أصبح شيرو مفلساً، وأنفقت عائلته أكثر من 200.000 دولار أمريكي على الرسوم القانونية.

في 24 من أكتوبر، 2017، خرج وليامز لفترة قصيرة من السجن ليحكم عليه دايموند رسمياً حكماً بالسجن خمس سنوات -ورفض استئناف وليامز الذي طالب فيه بالسماح له بمغادرة السجن لزيارة أمه المريضة. وسأل القاضي بازدراء “سرق المدعى عليه من أمه ويريد الآن أن يذهب ليراها؟”

ثم شرع في تعنيف وليامز “لخيانته العميقة…لقد بعت نفسك للطفيليات التي أحطت نفسك بها”.

أعلن دايموند أن وليامز لديه احتمال فرار وأمر المارشالات بإعادته إلى السجن، وإلى الحبس الانفرادي.

وبالرغم من أن شيرو رجل حر، لم تنتهِ هذه الصورة القانونية الزائفة المؤسفة. و لين، الذي تم رفض إدانته مرتين في الاستئناف، من المُقرر أن يُحاكم في وقت ما العام المقبل بتهمة واحدة وهي تعريض سلامة طفل للخطر. ولا تعني هذه المحاكمة الكثير؛ لأنه حتى إذا وُجد أن لين مذنب، فقد قضى بالفعل 33 شهراً من الحد الأدنى للحكم عليه بـ 36 شهراً، إضافةً لـ18 شهراً من الإقامة الجبرية.

وتعهد وليامز في مؤتمر صحفي قبل ذهابه للسجن بإعادة المحاكمة في القضية، ولكن الأمر يعود الآن للاري كراسنر، المدعي العام المنتخب الجديد، ليقرر ما إذا كان سيخوض محاكمة لين.

إذا قرر كراسنر إعادة محاكمة لين، فسيكون الشاهد الرئيسي للدفاع هو رجل المباحث جو والش.

يقول “أود رؤية استجوابهم لي فيما يتعلق بالحقائق في القضية والحقيقة. فأنتم لا تسجنون الأشخاص الأبرياء”.