ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان: رحلة حياة شاقة مليئة بالأمل!

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

لم يكن المواطن جو رحال(26 عاماً) بحاجة إلى التعليم ليحتضنه العالم، لا بل كان بحاجة إلى مجتمع ووطن يحتضن ذوي الحاجات الخاصة، وذلك بالنسبة إليه أهم من كل العالم. التعليم بالنسبة إليه كان وسيلة مهمة ليحاول تطويع العالم الذي لم يكن مُجهزاً لإستقباله، مثلما جعل الكرسي المدولب، ظلّه اليومي، وأداة لإيصاله إلى الأماكن التي تحتاج إليه ولا يحتاج إليها.

لم يكن يعرف جو أن صوته ودمعته ستكسر بعضاً من الصمت الذي عودتنا عليه الدولة اللبنانية تجاه حقوق مواطنيها. أبكى جو المشاهدين اللبنانيين في العام 2001، عندما خرج إلى الناس عبر شاشة تلفزيون “المستقبل” مع الإعلامي زافين قيومجيان ليتحدث عن “عذاب الناس الذين يريدون الدخول إلى المدارس”. كان وقع دمعة الطفل، ابن العشرة سنوات، مُدوّية، بعدما رفضته مدارس عدّة، نظراً لكونه بحسبهم، يعاني من بطء في الكلام والكتابة، ونظراً لكونه شخص يعيش ويتنقل على كرسي مُدولب، وذلك لخوفهم من تأثر “الأطفال الطبيعيين” بحالة رحال.

بعد 10 سنوات، تبدلت صفة جو رحال ولم يتبدل وعي الناس بشكل كبير تجاه ذوي الاحتياجات الخاصّة. أصبح جو تلميذاً جامعياً. اللحظة التي دخل فيها إلى الجامعة شكلت نقطة تحول مركزية في حياته ووضعته أمام مسؤولية اجتماعية وأكاديمية ومهنية كبيرة، ليصبح جو رحال الأمل المشع لكل ذوي الاحتياجات الخاصّة، الذين لا تزال الدولة غائبة عن دعمهم بشكل كامل.

في بيت هادئ في الحازمية، على بعد 6 كيلومترات من العاصمة اللبنانية بيروت، يعيش جو رحال، مع عائلته. القصة بدأت من هذا المكان الهادئ، حينما ولد جو في منتصف العام 1990 قبل أوان خروجه إلى العالم الجديد، في الشهر السادس، في الوقت الذي كان لبنان لم ينتهي بعد من صوت بنادق حرب أهلية دامت 15 عاماً. أدى خطأ طبي إلى إزدياد نسبة الأوكسيجين في دماغه، في المنطقة المسؤولة عن الحركة الفيزيائية، تاركاً جو مقعداً على كرسي مدولب، ليبدأ نضالاً طويل الأمد.

للوهلة الأولى، تعتقد أنك ستتأثر وتذرف دموعك عندما تشاهد جو رحال وجهاً لوجه، بعدما ترك الفيديو المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي أثراً عاطفياً كبيراً لدى عدد كبير من الناس، إلا أن الأمر لم يكن كذلك. الجلوس إلى جانب جو رحال يشعرك بالأمان، وتشعر بأنك تتحدث إلى عشرين رجلاً في وقت واحد، وهم يقدمون لك في كل لحظة، جرعات كبيرة من الأمل بحياة أفضل.

“لقد بدأ النضال عملياً من لحظة رفض المدارس لدخولي ضمن المنهاج التربوي الطبيعي، لخوفهم من أن يتأثر التلامذة الاخرون، خصوصاً وأن المجتمع اللبناني لم يكن مهيئاً لإستقبال الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصّة، وعادة ما يتم إطلاق أكثر من صفة للتعبير عن حالتنا، ولكن الصفة الأكثر تعبيراً هي ذوي الاحتياجات الخاصّة وليس المعوقين أو ذوي الإعاقة”، يقول جو رحال في حديث إلى “نيوز ويك الشرق الأوسط”.

استمر نضال رحال ودخل إلى مدرسة الحكمة في منطقة بعبدا، وحصل على شهادة البكالوريا، وكان دخوله إلى جامعة الحكمة بداية النضال الحقيقي. دخل إلى الجامعة بعدما كان مقرراً بشكل مسبق أن يدرس اختصاص العلوم السياسية، ليكون جندياً في خدمة الانسان الذي يعيش على كرسي مدولب، ليستعيد حقوق هؤلاء الأشخاص.

يقول جو إن “القوة التي استمدتها من الإيمان بالرب، كانت سبب مثابرتي وقناعتي بأنني شخص متساو مع الاخرين في الحقوق والواجبات، والكرسي المدولب الذي تراني أجلس عليه، ليس سوى أداة أستخدمها لتسهيل حياتي، المليئة بالكثير من النزهات والسهرات والحب والنشاط المهني وخصوصاً أنني أعمل اليوم في شركة “ألفا للاتصالات”، التي وفرت عبر مديرها العام المهندس مروان الحايك، كل الدعم والثقة منذ بداية انضمامي إلى عائلة ألفا في العام 2012 حتى هذه اللحظة وحصولي على وظيفة في الإعلام الاجتماعي في الشركة، وهذا دليل واضح على أن الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، هم أشخاص قادرون على تحقيق أحلامهم ويجب أن يكون لنا دوراً أساسياً في المجتمع”.

ذوي الاحتياجات الخاصة ضحية أحكام المجتمع المسبقة!

ينطلق المجتمع في مقاربة قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال نظرتين:

-طبية: ينظر فيها المجتمع والدولة إلى أن الشخص الذي يعاني من إعاقة معينة، هو شخص بحاجة دائمة إلى رعاية ومعالجة طبية ليستطيع أن يندمج مع الإطار الطبيعي للحياة اليومية.

-اجتماعية: هذه النظرة تضع ذوي الاحتياجات الخاصة بين خيارين، إما أن يكون بطلاً، أو يكون مطموس الذكر.

فعلياً، لا يوجد شخص معاق، إنما يوجد مجتمع يعيق وجود التنوع ويرفضه، فإذا كان المجتمع ينطلق من فكرة أنه يجب أن يحصل جميع مواطنيه على حقوق متساوية، فذلك يعني أن لا مجال للخلاف على طبيعة المواطنين تجاه حقوقهم وواجباتهم، وبذلك يحترم المجتمع الاختلاف ولا يحوله إلى خلاف.

تعتبر سيلفانا اللقيس، رئيسة اتحاد المقعدين اللبنانيين في حديث إلى “نيوز ويك الشرق الأوسط” أن جو رجال ضحية سياسات عامة خاطئة لم تعمل الدولة اللبنانية على إيجاد حلول لها، ويمثل جو نموذجاً واضحاً لمواطنين آخرين من ذوي الاحتياجات الخاصة، يعانون من السياسات الخاطئة بشكل يومي.

يشكل ذوي الاحتياجات الخاصة في لبنان نسبة 15 في المئة من سكان لبنان، بحسب ما ذكرته دراسة أعدها البنك الدولي في العام 2011، إلا أن الأرقام الموثقة رسمياً، تستند على داتا “برنامج تأمين حقوق المعوقين” في وزارة الشؤون الاجتماعية، اعتماداً على الأشخاص الحاصلين على بطاقة الإعاقة والتي بلغت فيها عدد بطاقات المعوقين 90583 بطاقة. فيما تعتمد منظمات الأشخاص المعوقين النسبة الدولية (عشرة في المئة)، موائمة بينها وبين مسوحات ميدانية أجرتها خلال العقدين الأخيرين، منها ما أجرته بشكل مباشر ضمن حملات “من بيت لبيت” التي نفذها “اتحاد المقعدين اللبنانيين”، أو بشكل غير مباشر كإحصاء الأشخاص المعوقين النازحين خلال فترة عدوان تموز 2006 على لبنان، عبر “برنامج الطوارئ”.

ذلك على الرغم من أن المسوحات الجزئية المدنية تصر على أن نحو ثمانين في المئة من الأشخاص ذوي الإعاقة (وفق التعريف الواسع للإعاقة) الذين تم رصدهم لا يحملون بطاقة المعوق الشخصية.

والملفت أن النسبة الأعلى احتلها ذوو الإعاقة الحركية (55 في المئة)، بينما الذكور من حاملي البطاقة كانت نسبتهم نحو 62 في المئة، مقارنة بـ 38 في المئة للإناث. وبين الفئات العمرية، كانت النسبة الأعلى للفئة القادرة على العمل والإنتاج وهي بين 35 و65 سنة. وتظهر الأرقام أن بين حاملي بطاقات المعوقين 2761 فقط، لديهم إعاقات تعلّمية، أي ما نسبته ثلاثة في المئة فقط من مجموع حاملي البطاقات.

تصف اللقيس الأرقام بـ “غير الكبيرة، مقارنة بالأرقام الموجودة في القارة العجوز أوروبا، نظراً لإختلاف تعريف وتصنيف الإعاقة بين مكان وآخر”. وتضيف أنه “في حال إضافة الأشخاص الطبيعيين الذين يتعرضون لأي نوع من الحوادث ليصحبوا لديهم إعاقة معينة، إلى جانب الأشخاص الذين يتقدمون بالسن، والذين سيصبحون لديهم نوع معين من الإعاقة بشكل مؤكد، ستختلف النسب والأرقام، وعندئذ يجب أن يكون المجتمع مهيئاً للتعامل مع هذه الفئات”.

برأي اللقيس، تكمن الإعاقة في الحواجز الوهمية التي يفرضها المجتمع. تقدم التكنولوجيا اليوم فرصة كبيرة للأشخاص المكفوفين بالتواصل مع الاخرين عبر الكمبيوتر الناطق، أو التطبيقات الموجودة على الهواتف الذكية والتي تساعد الأشخاص الصم على ترجمة الإشارات. وقد يعتقد البعض أن الأشخاص الذين يعانون من إعاقة ذهنية هم أشخاص لا يستطيعون فهم ما يجري حواليهم، إلا أنهم يستطيعون التواصل مع الجميع بطريقة مختلفة، فهم يحتاجون إلى وقت أكبر وتوضيح أكثر للمسائل التي تعترضهم.

يشكل ذوي الاحتياجات الخاصة جزء لا يتجزأ من المجتمع اللبناني والمجتمع العالمي، ولا يمكن إلغاء وجودهم ولا حتى إقصائهم لأن مصيرهم ليس تفصيلاً، وإنما يدخل ضمن منظومة اجتماعية كاملة، كون أن المواطنية في الأساس هي تعامل المواطنين مع بعضهم البعض بطريقة متساوية في الحقوق والواجبات.

في العام 2013 أعلن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي عام حقوق المعوقين بناء على ضغوطات نفذها الاتحاد اللبناني للمقعدين. عام المعوقين شكل فرصة كبيرة لقيام جميع المؤسسات الرسمية بتحسين البيئة المحيطة لإستقبال ذوي الحاجات الخاصة، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق إلا بنسب بسيطة، على الرغم من صدور القانون 220 في العام 2000 الذي يمنح الأشخاص المعوقين حقوقهم، فيما لا تزال معظم بنود هذا القانون (102 بند) غير مطبقة.

بحسب اللقيس، هناك هيئة اسمها “الهيئة الوطنية لمتابعة شؤون المعوقين” في وزارة الشؤون الاجتماعية، إلا أننا “نادراً ما نسمع بوجودها إلا في المناسبات، ولا أعرف حتى إذا لا زالت موجودة وفاعلة”.

وتضيف سيلفانا أن مرصد حقوق المعوقين الذي أنشأه الاتحاد اللبناني للمقعدين بعد مرور 14 عاماً على صدور القانون 220/2000 يرصد سنوياً عدداً كبيراً من البلاغات والانتهاكات التي ترد إليه، والنسبة الأكبر من البلاغات تتعلق بحق الوصول إلى الأماكن والبيئة الخارجية أو بيئة ومكان وظروف عمل، ويحتل العمل أعلى نسبة من الاستمارات التي بلغت في التقرير الثاني الصادر في العام 2014 نحو 22.8% وتأتي بعده البيئة المؤهلة بنسبة 20.8 % والأبواب التي تتعلق بالدمج الاقتصادي الاجتماعي للأشخاص المعوقين، وبعدها تأتي الخدمات الصحية وهي شكاوى تتكرر سنوياً من أشخاص مختلفين وتصل نسبتها الى نحو 19%.

المفارقة أن وزارة واحدة مجهزة بشكل جزئي(وزارة الشؤون الاجتماعي) لإستقبال ذوي الاحتياجات الخاصة من أصل 30 وزارة. مع العلم أن وزارة الشؤون الاجتماعية بحاجة إلى تحسينات هندسية كبيرة، من حيث تجهيز منحدرات أوسع، وتحسين وضع بيوت الراحة ليستطيع ذوي الاحتياجات الخاصة استخدامها، وهذا الأمر يطلق السؤال الأكبر بعد مرور 16 عاماً على صدور القانون 220 وهو لماذا لا تزال الأماكن العامة غير مجهزة لإستقبال ذوي الإحتياجات الخاصة؟

الدمج المهني: إلى جانب من تقف الدولة؟

يستند القانون 220/2000 على بنود عدة تشير إلى ضرورة تخصيص 3 في المئة من الوظائف إلى الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في القطاعين العام والخاص. الكوتا المذكورة لا تلتزم فيها معظم الشركات في القطاع الخاص، ويُعتبر القطاع العام من أكبر المخالفين لبنود القانون.

للأسف، يسجل التقرير نفسه الصادر عن البنك الدولي بطالة بنسبة 83 في المئة في صفوف الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ما يعني فقط أن 17 في المئة يعملون فقط.

أحمد الغول: العداء الرياضي الأول في لبنان عن فئة الكرسي المتحرك(HAND CYCLE)!

شاء القضاء والقدر أن يتعرض المعاون في فوج إطفاء مدينة بيروت أحمد الغول(39 عاماً) إلى حادث سير بعد مرور ثلاثة أسابيع على زواجه في العام 2004. الشاب الحاصل على إجازة جامعية في التربية البدنية والرياضة لم يعرف ماذا حصل له إلا بعدما استفاق من غيبوبته في المستشفى.

انقلبت حياة الغول رأساً على عقب. أصيب أحمد بصدمة رافقته 4 سنوات قبل أن يتمكن “الرياضي الأفضل في فوج الإطفاء بين عامي 2001 و2002” من التأقلم مع واقعه الجديد. ولكن وقوف عائلته إلى جانبه، كان الدافع الأكبر لتخطي المحنة التي فرضت نفسها عليه.

توقف أحمد عن لعب كرة القدم، بعدما كان محترفاً فيها. حاول أحمد أن يتحدى نفسه، للخروج من واقعه المرير بعد انفصال زوجته عنه، لعدم قدرتها على التأقلم مع حالته. تعرف في العام 2008 على مؤسسة مشروع بيروت ماراتون مي الخليل، وبدأ أحمد يرى أملاً جديداً.

كان السباق الأول في العام 2010، بعدما كوّن أحمد خلال عامين شبكة كبيرة من العلاقات مع ذوي الاحتياجات الخاصة الذين سيشاركون في سباق ماراتون بيروت.

لم يكن السباق نحو استعادة الأمل سهلاً، إلا بعدما استطاع احمد الوصول إلى خط النهاية بعد قطع مسافة 42.195 كلم على الكرسي المتحرك. الشعور الممزوج بالفرح والقوة والتحدي ساهم في ترشيح أحمد للمشاركة في سباقات دولية.

خلال فترة ما بعد الإصابة، حصلت العديد من الأحداث في حياة أحمد. عاد أحمد إلى وظيفته ولكن هذه المرة عاد إلى بلدية بيروت في العام 2005، ليقوم بمهام مكتبية، في الوقت الذي كان يتابع فيه العلاج الفيزيائي، على الرغم من أن إنفصال زوجته عنه ترك أثراً عميقاً لديه، ولكن دعم أهله وأصدقائه، أوصله إلى المكان الذي كان لطالما يحلم بالوصول إليه.

يقول أحمد الغول في حديث إلى “نيوز ويك الشرق الأوسط” إن “النقلة النوعية كانت ما بين عامي 2012 و 2013، بعدما استطعت أن أصل إلى خط النهاية في الماراتون بوقت أقل من العام الذي سبقه، وكانت سبباً للمشاركة في ماراتون بوخارست الدولي في العام 2014 والحصول على المرتبة الأولى بين العدائين”.

فادي صايغ: المهندس المتفائل!

لم ييأس فادي صايغ من القرار الطبي الذي أصدره الأطباء بحقه قبل أكثر 15 عاماً والذي أفتى بإستحالة استعادة استقلاليته. حادث السقوط من مكان مرتفع في العام 1982 شكل نقطة تحول كبيرة في حياته، بحيث أدى الحادث إلى انكسار العمود الفقري، متسبباً بشلل رباعي سيلازمه طيلة حياته.

تحولت حياة المتطوع في الدفاع المدني، القادر على القيام بكل وظائفه ومهماته في مساعدة الاخرين، بشكل مستقل، إلى شخص آخر، بحاجة إلى مساعدة دائمة من قبل الآخرين. لم يعد يستطع فادي أن يقوم بأقل المهمات جهداً، مثل ارتداء ملابسه، والاهتمام بنظافته الشخصية، ولا حتى تناول الطعام بمفرده، أو التنقل من خلال استخدام وسائل النقل العام.

بعد 15 عاماً من الحادث، لمعت الفكرة برأس فادي. ساعدته موهبته وحبه  ودراسته للهندسة في إعادة تصميم منزله بالطريقة التي تستطيع الإجابة عن جميع احتياجاته الخاصة. البيت الذي أطلق عليه عدداً من التسميات، أكثرها تداولاً “البيت الطائر”، صممه فادي بناء على مبدأين:

-المبدأ الأول: يجب أن يكون فادي قادراً على الوصول إلى أي نقطة يريدها في البيت.

-المبدأ الثاني: أن تكون الأغراض قابلة للوصول إليه، لا العكس.

يقول فادي صايغ في حديث إلى نيوز ويك الشرق الأوسط: “لقد صنعت الجهاز الأول وهو عبارة عن رافعة إلكترونية ميكانيكية، استطعت من خلالها حمل نفسي من الكرسي المدولب إلى السرير بعدما كان يتكلف شخصان بحملي ووضعي على السرير، وعندها كرت السبحة وتوالت الاستجابات لاحتياجاتي الخاصة”.

بعد عام واحد، استطاع فادي أن يصمم جهازاً آخر استطاع حمله إلى السيارة بعد تجهيزها، وكان شعور مميز بالاستقلالية من دون الاستعانة بالآخرين، وذلك بحسبه يمثل “استعادة لشعور المشي على الأقدام بدلاً من استعمال الكرسي المدولب”، وأتبعه فادي بوضع جهاز يحمل الكرسي المدولب ويضعه على سقف السيارة في بداية العام 2000.

شعر فادي أن لديه قدرة في الاستغناء عن خدمات الاخرين. درس كل مشكلة على حدى، ووضع حلولاً عدة، بدءاً من السرير الذي ينام عليه من حيث إنتقاله من الكرسي المدولب إلى السرير ووضع الغطاء عليه، إستخدام بيت الراحة، وارتداء الملابس لوحده، والقدرة على الاهتمام بنظافته الشخصية، واستطاع أن يجمعهم كلهم في بيت واحد.

بالنسبة إلى فادي، لقد “استطعت اثبات الفكرة التي تشير إلى أنه حتى لو فقد الإنسان نسبة كبيرة من قدراته على القيام بالوظائف الطبيعية، يستطيع عبر أجهزة معينة أن يستعيد قدرته على القيام بمعظم وظائفه، من دون الحاجة إلى مساعدة أحد”، مضيفاً أنه ركز على صناعة الأجهزة التي بلغ عددها خمسون جهازاً عبر تصميمها بنفسه، مستعيناً بمنفذين محترفين، بأقل كلفة ممكنة، نظراً لعدم وجود صناعة إلكترونية أو ميكانيكية معقدة، ومعظم المواد التي تم استخدامها كانت مرمية في حاويات النفايات.

يشير فادي إلى أن الاهتمام ببيت الراحة كان الأصعب، ومن أجله قام بتصميم كل شيء. قام بصناعة مغسلة من دون قاعدة ويمكن تحريكها بكل الإتجاهات، وتم إلغاء جميع الخزانات الموجودة تحت المجلى في المطبخ، كما قام بتصميم مكاتب خشبية وبلاستيكتية من دون قواعد، تشعر للوهلة الأولى أنها تطير.

الدمج العاطفي: هل يدوم الزواج؟

ينادي عدد كبير من الحقوقيين بضرورة احترام حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة بالزواج وتكوين أسرة، إلا أن هؤلاء لا يعرفون ما هي النتائج التي من الممكن أن تترتب على زواج ذوي الاحتياجات الخاصة.

برأي فادي صايغ، من يعتقد بأن “الزواج من شريك آخر هو لخدمة الشخص المصاب، فهو مخطئ”. يرفض فادي الحديث عن جانبه العاطفي، كون الموضوع شخصي وهو نسبي بين شخص وآخر.

يضحك جو رحال عند سؤاله عن الجانب العاطفي، قائلاً إن “خبر زواجي سيكون سكوب خاص بمجلة نيوز ويك الشرق الأوسط”. الشاب الذي يبلغ من العمر 26 عاماً يتحضر قريباً للزواج بعد علاقة حب تجاوزت العامين مع أحد الفتيات التي لا تعاني من أية إعاقة أو حاجة خاصة.

برأي رحال “الدنيا تحمل عدداً من السيناريوهات التي ممكن أن تطال أي أحد فينا، والأساس يمكن في كيفية التعامل معها، نظراً لأن الحياة التي نعيشها تعتمد على مقاربة الموقف بطريقة حسنة او غير حسنة، وليس هناك مبرر برفض أية علاقة مع أي شخص كان، في حال كان طبيعياً أو ذو حاجة خاصة. يمكن أن تكون قادراً على استخدام قدميك للمشي، ولكن إن لم تعرف كيف تتعامل مع أصدقائك وأحبائك وشريكك في الحياة، ستسقط في الامتحان الأخلاقي أمام الناس والمجتمع”.

السيناريو الاخر يطرح السؤال التالي: ماذا لو تعرض أحد أطراف أي ثنائي إلى حادث وفقد خلاله إحدى وظائفه الطبيعية، هل يضطر الشريك الآخر للإنفصال عنه بعد كل الثقة والحب الذين راكموها سوياً على مر الوقت؟

للأسف، تلعب الأحكام المسبقة في المجتمع دوراً سلبياً في التحكم بتفكير الناس. وهذا ما أدى إلى إنهيار زواج أحمد الغول، بعدما أثرت التدخلات الخارجية على زوجته، وانفصل الثنائي بعد 3 سنوات من وقوع الحادثة التي أفقدته قدرته على المشي، مع الحفاظ على علاقة ودية بينه وبينها، من أجل ولدهم محمد نور الغول الذي يعيش اليوم مع عائلة جديدة، كي يكبر الطفل في ظروف جيدة. إلا أن أحم\ لم يفقد الأمل ويتحضر للزواج “في حال وجدت الشخص الذي يستطيع أن يتأقلم مع ظروفي”.

الطب النفسي: لا نشجع الزواج!

يقول الدكتور وديع نصور، المعالج النفسي في المعهد اللبناني للمعاقين في مستشفى بيت شباب- قضاء المتن في حديث إلى “نيوز ويك الشرق الأوسط”، إن “دورنا كمعالجين نفسيين لا يقتضي تشجيع أحد على الإقدام على خطوة الزواج من دون دراسة البيئة المحيطة”.

يضيف نصور أن هناك نوعان من حالات الإعاقة الحركية:

-الشلل النصفي: يوجد عدد لا بأس به من حالات الزواج عند الأشخاص الذين يعانون من شلل نصفي، وفي حال قرر الطرفان الزواج، نحاول أن نستطلع الهواجس والتحديات التي من الممكن أن ترافق الخطوة، التي تحمل كماً كبيراً من المسؤولية، نظراً لأن الأشخاص الذين يتزوجون من دون تحضير زواجهم بطريقة منهجية، قد يضطرون لتحمل عواقب الفشل بعد فترة زمنية معينة. هذا مع العلم أن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل حركية، يعانون أيضاً من مشاكل اجتماعية واقتصادية.

المشاكل التي يتعرض لها الثنائيان، تبدأ عادة بعد إنجاب الأطفال وتحديداً بعد وصول الأطفال إلى سن المراهقة. يشعر المراهق الثائر أنه يجب أن يمتثل بوالده، لأنه مثاله الأعلى الذي يحمل صفات القوة والحماية والدعم النفسي والمادي، وهو بحاجة إلى العطف الذي يقدمه الأهل له، لا العكس، خصوصاً وأن المراهق لا يعرف كيفية التعامل مع الوضع الطبي والاجتماعي الخاص بعائلته من دون توجيه وإرشاد.

-الشلل الرباعي: تختلف وضعية هذه الحالة عن وضعية الشلل النصفي، بحيث يعتمد صاحب الشلل الرباعي على التبعية لشخص آخر.

في حال كان المصاب رجلاً ويريد الزواج بإمرأة غير مصابة، تشعر المرأة أن الشخص الذي من المفترض أن يؤمن لها الحماية والأمان والدعم النفسي غير قادر على تلبية كل احتياجاتها، وهذا ضرورة للإشارة إلى أن الحب بين الطرفين لا يؤدي إلى نجاح العلاقة دائماً، نظراً لأن كل طرف في الثنائي، عليه أن يلعب أدواراً معينة، من أجل ضمان ثنائي ناجح.

تشعر المرأة بعد الزواج، أنها تزوجت فقط لخدمة الطرف الآخر، في المأكل والمشرب والاهتمام بالنظافة الشخصية للشخص المصاب، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم المشاكل بعد عدد من سنوات الزواج، بعدما تكتشف المرأة أن الحب والشغف بالشخص الآخر لم يكن ذي جدوى.

هل لا زال الأمل موجوداً؟ 

يعتقد جو رحال أنه يجب أن نناضل بشكل دائم من أجل المجتمع الراقي والإنساني الذي نطمح بوجوده، نظراً لكوننا معرضون بشكل يومي إلى حوادث قد تغير شكل حياتنا وظروفها.

يشعر جو بعد خمس سنوات من الآن أنه سيكون جزءاً من أعضاء البرلمان اللبناني. يريد جو أن يتقدم إلى الانتخابات النيابية ليثبت للجميع أنه بإمكان الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة أن يكون لهم دور فاعل في الحقل السياسي والتشريعي والاجتماعي.

برأي رحال “دورنا الشخصي يصبح أكثر قوة عندما نقوم بمساعدة الاخرين، لاسيما أنه من غير الأخلاقي أن لا نساعد الآخرين إذا أصبحنا بحالة جيدة، وهذا يعبر عن قلة وفاء تجاه القضية التي أتبناها وتجاه الناس الذين آمنوا بقضيتي ودعموني، وتجاه والدي ووالدتي الذين تعبوا على مدى 25 عاماً بالبحث عن المدارس والجامعات التي من الممكن أن أحصل على تعليمي الأكاديمي فيها”.

لا يجب أن نشعر أننا وحيدون في هذا العالم. الأسترالي Nick Vujicic وصل إلى هذا العالم وهو بلا يدين وبلا قدمين وأصبح المحاضر الأهم لتحفيز الجماهير في العالم. الموسيقي الألماني الأشهر في العالم Ludwig van Beethoven أبهر العالم بمقطوعاته الموسيقية بعدما أصابه الطرش. الأمثلة كثيرة والأمل كبير.

الأمل بالنسبة إلى أحمد، يتمثل في أن يكون الشخص معطاء في كل المجالات الاجتماعية والانسانية التي يبرع فيها، والتي ينفذها بحب كبير. الخطوة الأولى للوصول إلى الأهداف المرسومة تبدأ من الإيمان بتحقيقه من خلال التخطيط الجيد. طموح أحمد الرياضي لن يتوقف في بيروت، لا بل سيتحضر أحمد للمشاركة في الألعاب الأولمبية في مدينة طوكيو في العام 2020، وسيشارك أيضاً في البطولة الاسيوية في العام 2018، مصمماً على تحقيق ميدالية ذهبية لبلده لبنان.

أما بالنسبة إلى فادي الصايغ، الحياة لم تنته. يمكن للأشخاص الذين يعانون من إعاقة صعبه مثله، أن يخططوا للتأقلم مع وضعهم الحالي، وذلك عبر شراء أجهزة تعويضية، تمكنهم من استعادة جزء كبير من الاستقلالية التي فقدوها.

يشكل ذوي الاحتياجات الخاصة جزء لا يتجزأ من المجتمع اللبناني والمجتمع العالمي، ولا يمكن إلغاء وجودهم ولا حتى إقصائهم لأن مصيرهم ليس تفصيلاً، وإنما يدخل ضمن منظومة اجتماعية كاملة. اليوم نعرض لكم قصصاً عن لبنانيين شاء القضاء والقدر أن يعرضهم لحوادث غيرت مسار حياتهم، ولكنهم أصبحوا شعلة أمل لكل العالم.

Facebook Comments

Post a comment