رائحتي منتنة، لذا أنا موجود

جيسيكا وابنر

نيوزويك

ثمَّة قوة بشرية استثنائية خارقة تم إخفاؤها عن البشر منذ فترة طويلة؛ فهي سلاح سريٌّ من السهل عليك تحديده كسهولة تحديد موضع أنفك في وجهك … لأن هذا السلاح هو أنفك الذي في وجهك!
على عكس الاعتقاد الشائع، لدى البشر حاسَّة شمٍّ ممتازة، والقصة وراء اعتقادنا هذا هو لأننا لا نودُّ التحيُّز للكثير من الحقائق.
أوضحت دراسة حديثة نُشِرت في مجلة العلوم لعَالِم الأعصاب جون ماكغان، الذي درس التصور الحِسِّيَّ في جامعة روتغرز، كيف شجعت السياسة الدينية في القرن التاسع عشر في فرنسا الفكرة الخاطئة بأن البشر لديهم شعور ضعيف بالرائحة.
اعترضت الكنيسة الكاثوليكية على ما اعتبرته تدريساً للإلحاد والمادية، خاصةً المُقرَّرات التي تُدرَّس في كلية الطب في جامعة باريس، والتي يُدرِّسها عَالِم تشريح يُدعَى بول بروكا، الذي تركز عمله على الدماغ.
وكتب ماكجان أن النقد أقلق بروكا، الذي كان بحاجة إلى إيجاد أدلة تدعم وجهة نظره ومفادها أن أسرار الحياة يمكن أن تلخص إلى حقائق عملية بسيطة.
على سبيل المثال، أوضح ماكغان أن بروكا، الذي اشترك في نظريات التطور لتشارلز داروين التي نُشِرت لأول مرة عام 1859، لم يكن يعتقد أن الرُّوح البشرية منفصلة عن الجسد.
واستناداً إلى ملاحظاته، فإن البشر لديهم فَصٌّ أمامي أكبر -وهو جزء من الدماغ وراء الجبهة-من الذي لدى الثدييات الأخرى، وأن الضرر الذي يصيب هذه المنطقة قد يُضعِف القدرة على الكلام والإدراك.
وانتهى بروكا إلى أن هذه الكتلة يجب أن تكون مكان وجود الرُّوح. وتعارض هذا الاستنتاج مع المعتقدات الدينية التي اعتنقها القادة الدينيين ذوو السلطة في ذلك الوقت، والذين اعتبروا أن الرُّوح خلقها الله، وهي مَقرُّ الوعي والحرية، وليست مقتصرةً على جزء معين من أجزاء الجسم، ولا تموت الرُّوح بفناء الجسد.

تسجيل حاسَّة الشم لدينا

نجد أن البصلة الشمِّية لدى البشر -وهي الجزء من الدماغ الذي يسجل الروائح-تبدو أصغر نسبيّاً من التي لدى بعض الحيوانات الأخرى.
ولكن الفرق، كما يوضح ماكغان، هو مجرد نتيجة لموضع البصلة. أما لدى القوارض، فنجد أن بصلة الشمِّ أكبر نسبيّاً، وتقع مباشرةً أمام الدماغ.
كما أن البصلة الشمِّية لدى الإنسان أصغر، ومُسَطحة، ومُطوِيَّة تحت الفصِّ الجبهيِّ. واستنتج بروكا أن الفصَّ الأصغر يعني حاسَّة شمٍّ أقلَّ قوةً.
ثم قفز إلى استنتاج أن الشعور الإنساني بالرائحة قد تضاءل مقابل الفكر القوي.
كتب بروكا عام 1879: “لم تَعُدْ حاسَّة الشمِّ هي التي تُوجِّه الحيوان، بل الذكاء الذي توجهه كلُّ الحواسِّ”.
ويعتقد أيضاً أن الإرادة الحُرَّة تَصدُر من الفصِّ الجبهيِّ، وأن المساحة اللازمة لهذا التطور تعني انكماش بصلة الشمِّ.
وقدم هذا التفسير لبروكا المُبرِّر العلمي الذي كان يحتاج إليه لدعم وجهة نظره التي لم تدعمها الكنيسة ثقافيًا وسياسيًا على حَدٍّ سواء.
وأوضح ماكغان أن هذه المسألة كان لها تأثير غير متوقع في تشكيل طريقة التفكير في قدرتنا على اكتشاف وتحديد الروائح. البصلة الشمِّية المنكمشة لدى الإنسان، وملاحظة أن البشر لم تَشغَلهم الروائح كثيراً كالقوارض، قادت بروكا وآخرين -من خلال ما وصفه ماكغان بأنه “سلسلة من سوء التفاهم والمبالغات”-إلى استنتاج أن لدى البشر حاسَّة شمٍّ ضعيفة.
ولقد كان لهذا الخطأ تأثير واسع النطاق. ويستشهد ماكغان بسيغموند فرويد كمثال، الذي قال في نظريته إن فقداننا للشمِّ أدى إلى الكبت الجنسي. وبالإضافة إلى ذلك، قال فرويد إن مَن يشعر بالسعادة لشمِّ الروائح من المحتمل أن يكون مصاباً باضطراب عقلي.
وأوضح ماكغان أن كل ذلك كان مرتبطاً بالرأي الذي يقول إن حاسَّة شمٍّ أفضل هي لعنةَ دورنا البارز كبشر في عالم الحيوانات.
أن تخطئ فربما تكون إنسان، لكن أن تشمُّ، اذن فأنت أقل مرتبةً.
يقول ريتشارد دوتي، الذي يُدِير مركز الشم والتذوق، وهو جزء من كلية طب بيرلمان في جامعة بنسلفانيا إن داروين قد رفض أيضاً قوة نظام الشم لدينا.
وكتب داروين في كتابه “أصل الإنسان” عام 1871، معلناً رأياً مليئاً بالعنصرية، أن حاسة الشم “هي خدمة تافهة للغاية إن وُجدت، حتى عند البدائيين الذين لديهم عموماً حاسَّة شم أكثر تطوراً من الأجناس المتحضرة.
ولم تحذرهم حاسة الشم من الخطر، ولم ترشدهم إلى طعامهم، كما لم تمنع شعب الإسكيمو من النوم في الأجواء النتنة، ولم تمنع البدائيين من أكل اللحوم شبه الفاسدة”.
غيَّر ماكغان هذا الرأي.
فقد اتضح أن البصلة الشمِّية لدى البشر تحتوي على عدد الخلايا العصبية نفسه الموجود لدى الأنواع التي اعتُقِد تقليديّاً أنها تمتلك حاسَّة شم أقوى.
وفي الحقيقة، يمتلك الذكور من البشر خلايا عصبية شمِّيةً أكثر من الفئران والهامستر والخنازير الغينية.
أما إناث البشر، فتمتلكن خلايا عصبيةً أقلَّ عدداً بعض الشيء، ولكنها ما زالت تتفوَّق على تلك الموجودة عند الفئران، بحسب ما أظهرته الأبحاث.
وهذه هي الخلايا العصبية التي تهمنا عند اكتشاف الروائح والاستجابة لها.
والحقيقة أن حاسة الشم عند الإنسان تختلف عن الأنواع/الفصائل الأخرى.
إذ يستطيع الإنسان على وجه الخصوص شمَّ الروائح المنتشرة في الهواء فقط، بينما لا تملك الأنواع الأخرى مثل هذا القيد.
يقول ماكغان: “تستطيع الكلاب شمَّ روائح السوائل، وهذا هو السبب وراء وضع أنفها في الأشياء.
وبالرغم من أن بإمكاننا اكتشاف جميع أنواع الروائح، لا يمكننا تحديد المواد الكيميائية الفريدة المُكوِّنة لها.
تتكوَّن القهوة مثلاً من حوالي 150 مُرَكَّباً كيميائيّاً، لكنك لا تشم 150 رائحةً، بل تشم رائحة القهوة”.
وأوضح أنه على خلاف حاسَّة السمع، التي تُمكِّننا من تمييز صوت الفلوت وعزله عن باقي الأصوات في الأوركسترا، فإن حاسَّة الشم لدينا لا تعمل بهذه الطريقة.
ومع ذلك، يؤكد ماكغان أن حاسَّة الشم لدينا أفضل بكثير مما نعترف به عادةً.
فيمكن لنظام الشمِّ عند الإنسان أن يحدد الرائحة من ذَرَّة أو اثنتين فقط من المادة الكيميائية.
وقدَّرت إحدى الدراسات الحديثة أن البشر يستطيعون تحديد أكثر من تريليون مُرَكَّب كيميائي مختلف. تقول ليزلي وشال، التي تدرس الإدراك الحِسِّيَّ في جامعة روكفلر في نيويورك: “اعتقدنا بشكل كبير وخاطئ أن البشر بصريون في المقام الأول، وأننا فقدنا قوتنا الشمِّية عندما أصبحنا أنواعاً تقف على قدمين وابتعدنا بأنوفنا عن الأرض”.
ويقول فوسهول: “إن هذا البحث الذي قام به ماكغان أوضح بشكل مُقنِع أن حاسَّة الشم لدى البشر قوية بشكل لا يُصدَّق”.
ويشير تأثير الروائح علينا إلى أهمية هذا الشعور، بحسب الباحثين، إذ يمكن للروائح التي تنبعث داخل أنوفنا وتصل إلى البصلة الشمِّية أن تغير من مشاعرنا وأفكارنا في لحظة بل وهي قادرة على تعديل مزاجنا.
ونستجيب “لمزيج من روائح أجسام بعضنا البعض”، كما يفترض ماكغان، ونُقرِّر ما إن كان الشخص أو المكان أو الشيء آمناً أو خطيراً إلى حَدٍّ ما اعتماداً على الرائحة.
ووفقاً لإحدى الدراسات الحديثة، فإننا دون وعي نشمُّ راحتي أيدينا بعد مصافحة الغرباء.
لقد كان للأسطورة القائلة بأن البشر لديهم حاسَّة شمٍّ ضعيفة الكثير من العواقب.
إذ يعاني حوالي 1 إلى 2% من سكان الولايات المتحدة من الاضطراب الشمِّيِّ، ويشمل ذلك فقدان كاملاً للحاسَّة أو هلاوس الرائحة.
ويمكن للعلاج الكيميائي أن يقلل أو يُغيِّر حاسَّة الشمِّ كآثار جانبية. وهذا التغير الذي قد يكون دائماً يصيب المرضى بالإحباط، وقد يخلق مشاكل في التغذية لأن التذوق يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالرائحة. ويمكن أيضاً أن يشير التغير في القدرات الشمِّية إلى المرض العصبي الكامن.
وللأسف، كان البحث لفهم سبب حدوث هذه الحالات وكيفية معالجتها يتقدم بخطوات بطيئة.
وقد يرجع ذلك جزئيّاً إلى تقليل التاريخ لأهمية حاسَّة الشمِّ.
ولا يوجد علاج لهذه الحالات!
يقول ماكغان: “لأن الفكرة التي كانت لدينا طوال 100 عام عن حاسَّة الشمِّ أنها حاسة إضافية. وافتقرت مشكلة فقدان الشمِّ إلى الاعتراف بها”.
كما حذَّر دوتي من المبالغة في تقدير كفاءة النظام الشمِّيِّ عند البشر.
واعترف قائلاً: “هذا النظام مُهمَل، ومُسلَّم به جدلاً. ومع ذلك، فإن أي أحد يملك كلباً يعلم أن البشر لا يملكون القدرات نفسها بكل وضوح”.
ويشير دوتي إلى أن البشر لا يعتمدون على هذه الحاسَّة بطريقة الثدييات الأخرى.
فالبشر، بحسب دوتي، قادرون على العيش من دونها.
لكن هذا الأمر لا ينطبق على الأنواع الأخرى.
إذ نجد أن رائحة الهامستر -على سبيل المثال-تُمثل أولوية للتزاوج.
واصل ماكغان دراسته لحاسَّة الشمِّ، خاصةً دراسة كيف يُغيِّر نظام الشم لدينا المعلومات المتراكمة في أدمغتنا عن الروائح. وكثيراً ما كان يوصي ماكغان طلابه بعَصْب أعينهم والزحف في الفناء الخلفي لمحاولة فهم قوة نظامهم الشمِّيِّ.
ونستطيع القول بإن هذه التجربة مُلهِمة بشكل كبير بحسب ما يقوله ماكغان، الذي يُضيف:
“لم أكن أهتم البتة في هذا الأمر. لكنني، لم أكن أبحث عن أماكن الأشياء الجيدة أيضاً”.

Facebook Comments

Leave a Reply