رقصة مازوشية

لطالما كانت شبكة قنوات فوكس التلفزيونية ناجحة قبل وصول الرئيس الأميركي دونالد ترمب للحكم… فهل تكون علاقة حبهما المتبادلة قاتلة؟

بقلم 

ألكساندر نازاريان

نيوزويك

فوكس نيوز سوف تدمر أمريكا. مذيعو الأخبار لديها هم مجرد أبواق ثقيلة الظل للترويج للرئيس دونالد ترمب، وهم يفتقرون لمعاني الكرامة والنزاهة والتواضع والتعاطف الوجداني. وشبكة سي.أن.أن. ما هي إلا صنبور تتدفق منه المعلومات المضللة للجناح اليميني المحافظ دون توقف، ليغمر الأمة بالأكاذيب والخداع، تاركاً الملايين يتساءلون ما إذا كان باراك أوباما قد وُلد في هاواي بالفعل، كما يدّعي، أم في إندونيسيا، خلف أحد المساجد حيث يجتمع المتعصبون للتآمر على تدمير أمريكا والدوري الوطني لكرة القدم.

أو

فوكس نيوز تسعى لإنقاذ أمريكا من خلال كشف الحقائق التي لن تسمعها على سي.أن.أن. أو تقرأها في صحيفة نيويورك تايمز، حيث تسود الفضائل الليبرالية. وهي تتحدث بلسان الملايين من الأميركيين المنسيين في المدن الصغيرة التي توقفت صحفها وأُغلقت مصانعها. إن فوكس نيوز هي الحصن الذي يحمي مبادئ الاستقرار السياسي والاشتراكية وكرة القدم.

أو

فوكس نيوز هي منبر يعبر عن أمريكا المجيدة والمثيرة للسخط، والعدائية والآسرة في نفس الوقت. أمريكا التي تخوض معركة مع نفسها ومع القوى الخارجية، لقد ساعدت فوكس نيوز على خلق ما يمكن وصفه بالاضطراب المنتظم في حياتنا المدنية السياسية، وهو الأمر الذي أصبح مهدداً من قبلها الآن. فعندما تقرأ ألكسيس دو توكفيل تفهم طبيعة وضع الأمة في مراحل نشأتها الأولى. لكن عندما تشاهد معلق فوكس نيوز شون هانيتي تستطيع أن تكوّن لمحة عن الأمة وهي تمر بأزمة منتصف العمر، وحزينة على أمجاد الماضي، ويائسة بعض الشيء من حل مشكلاتها القائمة، ولكن لديها تفاؤلاً راسخاً بشأن المستقبل، ولمرة واحدة، ستنهزم الصين وكاليفورنيا، ويصبح هذا القرن المضطرب هو زمن أمريكا، كما كان القرن المجيد السابق.

تقول لورين دوكا، الكاتبة السياسية في مجلة تين فوغ، وهي تعتبر الهدف المفضل لمعلق فوكس نيوز تاكر كارلسون، : “إنها في كل مكان”.

تقول لورين دوكا، الكاتبة السياسية في مجلة تين فوغ، وهي تعتبر الهدف المفضل لمعلق فوكس نيوز تاكر كارلسون، : “إنها في كل مكان”.

وكحال العديد من التقدميين، تتهم دوكا فوكس نيوز باللعب على وتر “جنون الاضطهاد لدى المحافظين”، في حين تعمل أيضاً على صنعه وتعزيزه، إنها آلية مفيدة لردود الفعل وفعالة بشكل كبير. وقد أخبرتني لورين أن والديها يشاهدان محطة فوكس نيوز. وكذلك يفعل عمي وأمي، اللذين أسرهما منذ زمن طويل كراهية فوكس نيوز لآل كلينتون وحبها لإسرائيل. إن فوكس نيوز هي المحطة التي يتم تشغيلها في صالة الألعاب الرياضية التي تتمرن فيها دوكا. وكذلك في صالة الألعاب الرياضية التي أتمرن فيها أنا أيضاً. وفي الواقع، دعوني أعترف لكم: أنا الذي أحول المحطة إلى فوكس نيوز؛ أنا أجد أن محطة فوكس نيوز بغيضة للغاية، لكنني أجد أنه لا يمكن مقاومتها أيضاً.

“طريقة تفكير جامح ومبتذل”

خلال زيارته إلى الجمهورية الأمريكية الشابة في العام 1831، تعجب دي توكيفيل من وضع الصحافة الحرة المزدهرة هناك. وعند عودته إلى وطنه الأم، فرنسا، وضع كتابه الديمقراطية في أمريكا، وفيه يقول “تتمركز كل سلطة [الصحافة] تقريباً في نفس الموقع، وتسيطر عليها يد واحدة”. وقد اعتبر توكيفيل أن تنوع الصحافة الأمريكية ناجم عن اتساع الأمة . فيقول “الولايات المتحدة ليست لديها حضارة واحدة. فمصادر المعلومات في البلاد وكذلك سلطاتها متناثرة في الخارج “.

وقد كانت الصحافة تتسم باللامركزية والجموح، شأنها في ذلك شأن الدولة نفسها. فقد كانت مؤهلات الصحفي الأمريكي النموذجي تعليماً هزيلاً وطريقة تفكير جامحة ومبتذلة، على حد تعبير توكيفيل في كتابه، وكان نهجه يتلخص في “إثارة شغف وأهواء الجماهير على نحو جامح وفظ، وهو عادة ما يضرب بمبادئ العلوم السياسية عرض الحائط ليهاجم بعنف شخصيات الأفراد ويفتش في حياتهم الخاصة، ويكشف عن كل نقاط ضعفهم وأخطائهم “.

وعلى نحو أكثر من أي منظمة إعلامية رئيسية أخرى في التاريخ الأمريكي الحديث، وجدت فوكس نيوز وسيلة لإثارة “شغف الجماهير”؛ إذ تمثل الشبكة نزعة شعبوية وصفها العالم السياسي ريتشارد هوفستادتر في دراسته الكلاسيكية عن الفكر الغوغائي في العام 1963 بأنها نزعة معادية للفكر العقلاني في الحياة الأميركية.

وكتب هوفستادتر في دراسته أن نشأة النزعة الأمريكية الحديثة المعادية للمذهب العقلاني جاءت بالتزامن مع ظاهرة اضمحلال المجتمع الزراعي، وهي الظاهرة التي لاحظها دي توكفيل قبل أكثر من قرن من الزمان بقليل. حيث يقول “ونتيجة لذلك، فإن وسط أمريكا، المليء بأشخاص غالباً ما يكونون اصوليين فيما يتعلق بالدين، ومتشددين فيما يتعلق بالأعراق، وانعزاليين فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، ومحافظين فيما يتعلق بالاقتصاد، هذا الوسط دائماً ما يزمجر في ثورة سرية ضد كل هذه المظاهر المعذبة التي يتسم بها المأزق المعاصر الذي نحن بصدده”.

وعلى مدى ما يقرب من 184,000 ساعة بث منذ إنشائها، تمكنت فوكس نيوز من تحويل تلك الثورة السرية إلى ثورة معلنة، وذلك من خلال تلك المشاهد الآسرة ل “الانتحاريين” و “والنخبة من الناس الذين يستجمون على السواحل”، والوطنيين الذين يفصحون عن الحقائق، والخونة الذين يدعون الإصلاح السياسي. وبذلك تمكنت محطة فوكس نيوز من إقناع الأشخاص الذين كانت آراؤهم ربما قد اُعتبرت هامشية أو متطرفة أنهم في الواقع يمثلون جزءاً من أغلبية صامتة ملزمة، قبل كل شيء، بتفانيها لفوكس نيوز. وتكون المكافأة لهذا الولاء هي رؤية أميركا تتحقق فيها أعمق تخيلات اليمينيين وأكثرها جموحاً: فتصدر أحكام بالسجن على من يجرون عمليات الإجهاض، ويتم اعتقال المسلمين، وترحيل روزي أودونيل إلى القارة القطبية الجنوبية.

وكثيراً ما اُتهمت محطة فوكس نيوز بالمتاجرة بالغضب، ولكنها تقدم للمشاهدين في المقابل شيئاً أكثر قيمة من ذلك بكثير: ألا وهو الثقة بالذات. إذ أن بذور الغضب تكمن في ذلك الشعور باليقين والاقتناع التام بأن الطرف الآخر ليس فقط يتصرف على خطأ بل أنه يفعل ذلك بشكل صارخ وعدواني. ولنأخذ مسألة تغير المناخ كمثال على ذلك. يا لها من مشكلة! ليس إذا شاهدت فوكس نيوز، حيث يوجد مرجع واحد صادق من بين كل أربعة مراجع للحديث عن ظاهرة الاحتباس الحراري، وذلك وفقاً لدراسة أُجريت عام 2014 بواسطة اتحاد العلماء المهتمين. وكان جيسي واترز، أحد مقدمي برنامج “ذا فايف”، قد قال “لا أحد يموت من تغير المناخ”، وذلك في يونيو/ حزيران الماضي، أي قبل ثلاثة أشهر فقط من اندلاع الأعاصير التي دمرت هيوستن وجنوب فلوريدا وبورتوريكو، وأسفرت عن مقتل حوالي 200 شخص.

ولكن لكي نكون صادقين في هذا الشأن لابد أن نشير إلى أن محطة أم.أس.أن.بي.سي. هي الأخرى تبث مشاعر الغضب بنفس الحماس الذي تمارسه محطة فوكس نيوز. الفرق فقط هو أن فوكس نيوز فعلت ذلك أولاً، وهي لا تزال تفعل ذلك بشكل أفضل.

مجموعة شبكة قنوات فوكس وأصدقاؤها، كما هي معروفة في الولايات المتحدة، تضم مجموعة كبيرة من الإعلاميين كستيف دوكي وآينسلي ايردهارت وغيرهم ممن قاموا بدعم الرئيس دونالد ترمب سابقاً كمديرة حملته في الماضي كوري ليوانداوسكي.

60% زيف

على الرغم مما يقوله عدد لا يُحصى من منتقديها، فإن محطة فوكس نيوز ليست وحدها المسؤولة عن تحويل أمريكا إلى فصائل سياسية متصارعة لا يمكنها أن تتفق بشأن قضايا مثل الضرائب، أو أزمة كوريا الشمالية أو حتى بشأن تحديد متى كانت الديناصورات تجوب الأرض. ويشير الكثيرون إلى أن العام 1994 هو العام الذي شهد بداية ظهور هذا الانشقاق السياسي الذي لايزال قائماً إلى اليوم الحالي، حيث دخل الحزب الجمهوري المحفّز، بقيادة رئيس مجلس النواب آنذاك نيوت جينغريتش، في تصادم مع الرئيس بيل كلينتون بشأن العديد من القضايا نفسها التي استمرت إلى الآن في إثارة اليمين: وهي الأسلحة، والإجهاض، والرعاية الاجتماعية.

وقد أدارت محطة فوكس نيوز عملية الاستقطاب لصالحها ببراعة تفوق أي منفذ إعلامي آخر إذ إنها تقدم نفسها كملجأ من أسهم الهراء والتفاهات الشنيعة التي تبثها وسائل الإعلام الرئيسية. فنجد بيل أورايلي، نجم فوكس نيوز الأول الذي عادةً ما يظهر خلال ذروة ساعات البث، يدعو المشاهدين إلى الدخول في “منطقة غير دوارة” اي يستطيعون التكلم عن السياسة دون اي تحريف. وعلى عكس الأسلوب الاحترافي الذي يتبعه بيتر جينينغز أو دان راثر، فإن أوريلي يعلق على الأخبار بشغف غير عادي لا يقاوم. فتجد أن كل شيء يثير غضبه. حتى أنه يمكنك أن تتوقع أن يُصاب بنوبة قلبية في أي ليلة. إذن فإن الرجل الذي يُبدي كل هذا الحماس والشغف لابد أنه يقول الحقيقة.

والواقع أن محطتي سي.أن.أن. وأم.أس.أن.بي.سي. قد تأخرتا في اللحاق بهذا التحول بعيداً عن الموضوعية الرصينة. وعلى الرغم من المكاسب الأخيرة التي حققاها فيما يتعلق بالتصنيف، إلا أن أيّاً منهما لم تتمكن من اللحاق بهذا التحول قط. إنهما يأملان أن يتمكنا من إثارة نفس شدة الحماس والشعور لدى مشاهديهما، وكذلك إثارة ولاء نسبة المشاهدين. لكنهما لا تستطيعان ذلك؛ لأنهما مجرد شبكات إخبارية. في حين أن محطة فوكس نيوز ليست كذلك، بل هي منبر يقدم نظرة عالمية.

تلك النظرة العالمية يتشاركها أيضاً دونالد ترمب، الذي يُقال إنه يشاهد فوكس نيوز عدة ساعات يوميّاً. إنه لم يحدث من قبل أن تكون هناك علاقة وطيدة بهذا الشكل بين رئيس حالي ومؤسسة إعلامية أمريكية. وواقع الأمر أن ترمب وروبرت مردوك، رئيس الشركة الأم لشبكة فوكس نيوز، شركة توينتي فرست سينتشوري فوكس، تربطهما معاً علاقة صداقة، فهما يتحدثان بانتظام، وربما أكثر من مرة في الأسبوع. وسبق وقدم مردوك المشورة للرئيس بشأن إستراتيجية الإعلام. وفي مارس/ آذار الماضي، قرر ترمب إقالة المدعي العام الأمريكي للمنطقة الجنوبية في نيويورك، بريت بهارارا، الذي كان يجري تحقيقاً اتحادياً حول كيفية تعامل فوكس نيوز مع ادعاءات متعلقة بسوء سلوك جنسي.

وقد كشف تقرير لجريدة لوس أنجلوس تايمز أن زعيم العالم الحر في كثير من الأحيان يستدعي هانيتي بعد إطلاق نقد متبجح يشبه حمولة نووية من الغضب المدفوع بأفكار الجناح اليميني وتردد مؤخراً أن ترمب سعى للحصول على نصيحة هانيتي بشأن الهجرة. هذا الأمر يشبه نوعاً ما تواصل أوباما مع راشيل مادو المذيعة في شبكة أم.أس.أن.بي.سي. الإخبارية بشأن الضرائب، الاختلاف فقط هو أن علاقة ترمب مع فوكس نيوز هي علاقة طويلة الأمد ومعروفة للجميع؛ لذا فلم يندهش أحدٌ لذلك.

وكشف تحليل حديث أجراه مارك نولر من محطة سي.بي.أس. أنه منذ أن أصبح ترمب رئيساً، قام بإجراء 20 مقابلة مع فوكس نيوز. بينما أجرى 18 مقابلة مع جميع المنظمات الإخبارية الأمريكية الكبرى الأخرى، لم يكن من بينها أي مقابلة مع محطة سي.أن.أن.. ولماذا قد يفعل ذلك؟ هل لكي يتعرض لانتقاد حاد من قبل جيك تابر مرة أخرى؟ أم ليمنح الفرصة لدون ليمون ليسأله إذا كان من المنادين بسيادة العرق الأبيض؟

لقد كان ترمب فيما مضى بحاجة إلى شبكة سي.أن.أن.، ولكن الأمر لم يعد كذلك الآن. إذ أصبح بإمكان ترمب استخدام المنبر الرئاسي الآن للتنمر وللتهكم على الشبكة الإخبارية “الفاشلة” من وجهة نظره. (وقد يستعين أيضاً بوزارة العدل لمنع حدوث الاندماج بين شركة إيه.تي.أند.تي. وشركة تايم وارنر، وهي الشركة الأم لشبكة سي.أن.أن.، وهو الأمر الذي يعد عملاً انتقاميّاً واضحاً على خطى نهج نيكسون).

وإحدى أحدث مقابلات ترمب مع فوكس نيوز كانت مع لو دوبس، الذي يُذاع برنامجه عبر شبكة فوكس للأعمال. وقد كان دوبس فيما سبق يعمل في شبكة سي.أن.أن.، ولكنه تبنى بعد ذلك أفكاراً متطرفة بشأن الهجرة. وهكذا أصبح الآن أحد رجال مردوك.

وقد بدأ دوبس المقابلة بتوجيه قبلة لترمب، قائلاً له: “لقد أنجزت الكثير”.

وخلال المقابلة قال ترمب إنه شاهد برنامج دوبس “في معظم حلقاته تقريباً بكل تأكيد”، وإنه في حين كانت الصحافة الأمريكية تعج بالأخبار المزيفة- وهو المصطلح الذي ادعى ترمب كذباً أنه هو من صاغه- فإن شبكة فوكس نيوز كانت نزيهة تماماً معه. وأصر ترمب أيضاً على أن يسمي له دوبس الشخص الذي ينبغي تعيينه في منصب الرئيس المقبل للمجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وطوال المقابلة كان دوبس يتصنع الابتسامة، وقد بدا راضياً عن نفسه وعن الرئيس. وقال: “إنه بالرغم من أن البعض من “اليساريين” (في مصطلحات فوكس نيوز، هناك فقط الموالون لترمب و “اليساريون”) يبغضون ترمب، إلا أنه يُعدّ “أحد أكثر الرؤساء احتراماً ومحبةً” في التاريخ الأمريكي. بينما تشير استطلاعات الرأي إلى أن هذا الكلام لا يقترب حتى من الحقيقة. ودوبس بالتأكيد يدرك ذلك، وهو أيضًا بالتأكيد لا يهتم لذلك. ووفقاً لتحليل أجرته مؤسسة بونديتفاكت عام 2015، فإن 61% مما يُقال على شبكة فوكس نيوز هو إما تحريف جزئي أو كذبة صريحة.

وعلى الرغم من حقيقة كون ترمب و فوكس نيوز يخوضان معظم المعارك نفسها، إلا أنهما لا يجتمعان معًا في نفس الخندق. ولا يمكن حتى للرجل الذي يملك الرموز النووية أن ينقذ الشبكة من موجة الدعاوى القضائية البارزة مؤخراً والمتعلقة بحوادث التحرش الجنسي والتمييز العنصري التي أفادت التقارير بأنها استنزفت الروح المعنوية؛ وأدت إلى تراجع مكانة المحطة في معركة التقييم الشرسة مع شبكات سي.أن.أن. وأم.أس.أن.بي.سي. وبات معظم جمهورها في مرحلة الشيخوخة، بحسب ما توحي إعلاناتها ليلاً عن الذهب والمماسح والتأمين على الحياة. وتزداد المخاوف من أنه عندما يسلم مردوك قيادة الشبكة لابنيه، لاشلان وجيمس، فإنهما سوف يعملان على تطهيرها من كل شيء يجعلها في مكانة بعيدة عن منافسيها وجعلها تحقق أرباحاً خيالية.

يقول إريك ويمبل، الناقد الإعلامي في صحيفة واشنطن بوست: “إن كل منظمة إخبارية تواجه تحديات جديدة بسبب ترمب”، ويضيف “الأمر فقط هو أن تحديات فوكس نيوز الجديدة قد تكون كارثية “.

فصل الربيع بالنسبة لنيكسون

عندما أعلن روبرت مردوك في العام 1996 عن إنشاء الشبكة التي أصبحت تُعرف باسم فوكس نيوز، لم يكن بيل كارتر الناقد في قسم التليفزيون في مجلة نيويورك تايمز معجباً بالأمر. وكتب وقتها قائلاً: “بدون اسم ولا خطة رسمية للتوزيع فإن القناة المرتقبة تثير شكوك واسعة النطاق حول بقاءها على المدى الطويل بين المنافسين ومحللي صناعة الإعلام”، ولكنه أضاف أن مردوك يملك أحد الأصول الهائلة: وهو روجر آيلز.

تمكنت فوكس نيوز من جذب انتباه المشاهدين بالحماس الذي تُبديه حيال القضايا التي تهتم بها الأغلبية البيضاء الصامتة منذ أيام الرئيس ريتشارد نيكسون.

على مدى ما يقرب من ثلاثة عقود، وقف ايلز على تقاطع مثير وخطير حيث يجتمع التلفزيون والسياسة. وخلال الحملة الرئاسية عام 1968، كان ايلز يعمل لصالح ريتشارد نيكسون، مما ساعد المرشح على فهم الوسيلة التي ساعدت جون كينيدي على هزيمة المرشح الجمهوري قبل ثماني سنوات. وفي مقابلة له مع صحيفة نيوز اند وورلد ريبورت بعد عامين من انتصار نيكسون على هوبرت همفري في العام 1968، سُئل ايلز عما اذا كان “يمكن لخبراء التلفزيون أن يخلقوا صور مؤاتية بشكل مضلل للسياسيين الذين قد يفتقرون في الواقع الى المؤهلات لتولي منصب رفيع”.

لم يستفد أحد من الريفيون البيض منذ أيام نيكسون بقدر فوكس نيوز التي جذبتهم ببرامجها.

قال ايلز “إن التلفزيون لا يملك هذا القدر من السيطرة”. وأضاف “حتى لو حاولنا ان نصنع شيئاً من لا شيء، فإننا لن ننجو من العواقب.”

ولكن كان ذلك كلاماً مخادعاً. ففي مذكرة غير موقعة ترجع إلى عام 1970 كشف عنها غوكر في العام 2011 وهي تحمل عنوان “خطة لوضع الحزب الجمهوري على أخبار التلفزيون”، نجد مسؤولاً لم يكشف عن اسمه في إدارة نيكسون يقدم وصفاً لشبكة فوكس نيوز قبل 26 عاماً من إنشاء الشبكة، فنقرأ في المذكرة المؤلفة من 15 صفحة ما يلي: “اليوم أصبح الناس في أغلب الأحيان يُقبلون على مشاهدة الأخبار التلفزيونية أكثر مما يقرأون الصحف، وأكثر مما يستمعون إلى الإذاعة، وأكثر مما يقرأون أو يجمعون من خلال أي شكل آخر من أشكال التواصل “. ويضيف الكاتب: “السبب في ذلك هو أن الناس بطبيعتهم كسالى، ومن خلال التلفزيون كل ما عليك فعله هو الجلوس-والمشاهدة-والاستماع.

فهناك من يقوم بعملية التفكير نيابةً عنك”. وقد منح هذا البيت الأبيض مدخلًا ”لتوفير مواد مصورة وأخبار ثابتة موالية للإدارة في المدن الرئيسية في الولايات المتحدة “.

وعلى هامش الصفحة كان هناك تعليق من ايلز يقول: “مبدئياً هي فكرة ممتازة”.

وقد جاء أول غزو من ايلز لعالم الأخبار عبر التليفزيون في العام 1974. وقد كانت شركة تليفيجين نيوز أو.تي.في.أن. قد بدأت نشاطها في العام السابق على يد جوزيف كورز، وهو أحد أقطاب صناعة البيرة ذو الاتجاه المحافظ. واستمرت سنة واحدة إضافية فقط. وعاد أيلز إلى السياسة، وأدار حملات انتخابية لرونالد ريغان وجورج اتش دابليو بوش، حتى أنه أخبر الأخير ذات يوم أنه يبدو مثل “مخنث سخيف” عندما كان يرتدي قميص ذو أكمام قصيرة. وخلال الحملة الانتخابية في العام 1988، عمل ايلز مع لي أتواتر، مخطط استراتيجيات الحزب الجمهوري الذي أتقن سياسات التظلم والشكوى التي أثبتت فعاليتها بشكل جيد لصالح الجمهوريين منذ ذلك الحين.

قال أتواتر ذات مرة: “روجر وأنا إخوة بالروح من حيث نهجنا في التعامل مع الحملة”. وبعد إصابته بورم في المخ في العام 1990، اعتذر أتواتر وهو على فراش الموت عن قيامه بتعزيز سلالة جديدة من السياسيين، وهو ما يتجلى في قيامه بشن هجوم ضاري على منافس بوش الديمقراطي، حاكم ولاية ماساتشوستس مايكل إس. دوكاكيس. بينما أيلز، الذي امتد عمره لربع قرن من الزمان بعد وفاة أتواتر، لم يُبدِ أبداً أي أسف من هذا القبيل.

بعد انتصار بوش على دوكاكيس، عاد التليفزيون ليجتذب أيلز إليه مرة أخرى. وفي العام 1994، وبصفته الرئيس التنفيذي لشبكة سي.أن.بي.سي.، أطلق شبكة “أميركاز توكنغ”، وهي شبكة متخصصة في إجراء المقابلات، وقد ضمت مجموعة من المذيعين الموهوبين من أمثال ستيف دوسي، الذي يقدم الآن برنامج فوكس أند فريندس؛ وكريس ماثيوز، الذي يمكن رؤيته هذه الأيام متألقًا عبر محطة أم.أس.أن.بي.سي. بالإضافة إلى آيلز نفسه، الذي قدم برنامجًا يسمى سترايت فوروورد. وفي بعض الأحيان، تضمن البرنامج وجود مقدم بديل، وكان ذلك هو أحد سكان الجزر الأشداء الذي كان جنونه المنتظم يظهر من خلال البرنامج التليفزيوني إنسايد إيديشن. ذلك هو اسمه بيل أورايلي.

ومثلما حدث مع شبكة تي في إن، لم تستمر شبكة “أميركاز توكنغ” لأكثر من حوالي عامين. حيث توقفت الشبكة عن تقديم البرامج في 15 يوليو/ تموز 1996. وبعد أسبوعين من هذا التاريخ، ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن مردوك قد وظّف ايلز لديه.

جاءت فوكس نيوز لتعبر عن حالات الاستياء العميق و جنون الاضطهاد لدى نيكسون، وتداخلت مع حساسية الصحف الصفراء لمردوك وكان الأخير قد بدأ تأسيس إمبراطورتيه في مجال وسائل الإعلام الأمريكية من خلال شراء صحيفة نيويورك بوست في العام 1976.

ولعل هذا ما يفسر سر الانجذاب الصريح لشبكة فوكس نيوز من قبل الغالبية الصامتة، وهي عبارة استخدمها نيكسون في العام 1969 في إشارة إلى الطبقة العاملة من البيض المنزعجين من منظمة الفهود السود والنشطاء داخل الحرم الجامعي والأشخاص غريبي الأطوار ذوي الشعر الطويل من سكان حي هايت أشبوري. إذ أن فوكس نيوز برهنت أن هناك فزعاً مماثلاً لدى مجموعات مماثلة، ما حدث فقط هو أنه بدلاً من الاستعانة بنيكسون الذي لم يكن قطعاً يتحلى بوجه جذاب للكاميرا، أصبح لديك الآن جيش من الشقراوات ذوات السيقان الطويلة وأشخاص في السلطة يبدون كما لو أنهم يطاردون فريستهم.

لقد خلق ايلز كوناً بديلاً مازال نيكسون فيه هو الرئيس، ودائما سيكون كذلك.

ترمب وروبرت مردوك، رئيس الشركة الأم لشبكة فوكس نيوز، شركة توينتي فرست سينتشوري فوكس، تربطهما معاً علاقة صداقة.

مدمن نحيل يتسكع في حي الأقليات

فوكس نيوز، شأنها في ذلك شأن نيكسون، لديها علاقة معقدة مع الحقيقة. فنيكسون كان يقول الحقيقة في الكثير من الأوقات. ولكن تصادف أنه كذب بشأن عملية سطو معينة على أحد مجمعات المكاتب في واشنطن. ومن هذه الناحية، تبدو فوكس نيوز مثل كتلة من الجبن المتعفن من الخارج، ولكن أغلب أجزائها الداخلية صالحة للأكل. هذه الأجزاء الداخلية هي برامج الأخبار الصريحة مثل هابيننج ناو، وسبيشيال ريبورت وز بريت بير، وهو برنامج يمكن الاعتماد عليه للإلمام بأخبار اليوم. وفي الساعة الثالثة بعد الظهر، قد تجد شيبارد سميث يدين تغريدة لترمب أو يدافع عن الصحفيين. ثم ها هو نيل كافوتو، الذي قد يمزج أحداث اليوم مع أغنية من أداء الممثل الكوميدي جو بيسكوبو، الفنان والمثقف ذو الاتجاه المحافظ أحياناً، أو بمقابلة مع متعهد اللياقة البدنية ريتشارد سيمونز. (وكان قد حدث في مقابلة في العام 2013 أن قال له سيمونز “أنت تبدو وسيم جداً اليوم، لا أستطيع التعامل معك دون كبح رغبتي في تسلق هذا المكتب”).

لا تزال الأمور طبيعية، تقريباً.

وتضم محطة فوكس نيوز فرقة صغيرة من مقدمي البرامج غير الأيديولوجيين يأتي على رأسهم كريس والاس، الابن الفذ لمقدم برنامج 60 دقيقة الأسطوري مايك والاس. وكذلك كان زوج والدة والاس هو بيل ليونارد رئيس شبكة سي.بي.أس. الذي لا يقل أسطورية وعظمة عن والده، وهو الذي أقنع دان راذر بالانضمام الى شبكة سي.بي.أس. كخلف للمذيع والتر كرونكيت. وفيما يبدو مدركاً لهذا الإرث، نجد أن والاس كثيراً ما يفعل كل ما بوسعه لتوجيه الشبكة بعيداً عن الأوضاع السياسية المتطرفة. يقول براين ستيلتر، الناقد الإعلامي في شبكة سي.أن.أن.، ومقدم برنامجها الصحفي ريليابل سورسز في صباح كل يوم أحد: “في كل مرة يقول كريس والاس الحقيقة عبر برنامج فوكس آند فريندز، تكون لحظة مهمة بالنسبة لأمريكا المحافظة”.

يقدم والاس أيضًا احد البرامج الحوارية وهو، فوكس نيوز صنداي، لكن من المفترض أن ستيلتر كان يشير إلى لحظات مثل تلك التي وقعت في يونيو/ حزيران عندما قام والاس بتوجيه نقد لاذع إلى بيت هيغسيث أحد مقدمي برنامج فوكس آند فريندز إثر وصف الأخير لعلمية التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية بأنها “هراء عديم الفائدة”. أو تلك اللحظة في ربيع عام 2008 عندما وبخ مقدم برنامج فوكس آند فريندز بريان كيلميد قائلاً له: “ساعتين من سحق أوباما قد تكون مدة كافية”.

يقول جو كونتشا، المراسل الإعلامي لموقع “ذا هيل” والذي يظهر بانتظام على شبكة فوكس نيوز: “لا أعتقد أن هذه الشبكة الإخبارية توجهها الدولة، فأنا أسمع الكثير من الآراء المختلفة حول موضوع واحد “.

ولعل أفضل مثال على ذلك هو مقطع من الصيف الماضي من عرض تليفزيوني من تقديم إبوني كي. وليامز إحدى المساهمين في شبكة فوكس نيوز. ففي يوم الاثنين بعد عطلة نهاية الأسبوع الدموية التي شهدتها مدينة شارلوتسفيل، بولاية فيرجينيا، كانت ويليامز في شقتها الكائنة في حي هارلم، وكانت مستيقظة لتوها. وبينما على الجانب الآخر من متنزه سنترال بارك، في وسط مانهاتن، كان برنامج فوكس آند فريندز مشغولاً بالثناء على ترمب بسبب وضوحه الأخلاقي خلال سباق الانتخابات الرئاسية.

كان المنتج روب موناكو قد اتصل بويليامز لمعرفة ما إذا كانت ترغب في تقديم الفقرة الخاصة بها “دونيت إيبوني” أو جدول الدعاوى لدى إيبوني ضمن برنامج فوكس نيوز أو المتخصصين، وهو برنامج يُقدم خلال فترة ما بعد الظهر. (وكانت فقرة دونيت إيبوني قد تم إلغاؤها في أوائل سبتمبر/ أيلول، ولكن ويليامز ظلت مساهمة في الشبكة). ويليامز، وهي محامية عن طريق التدريب، تستغل فقرتها “دونيت إيبوني” لمناقشة المسائل القانونية. ردت إيبوني على موناكو قائلةً إنه لا يوجد في بالها شيئاً لتقدمه حالياً، ولكن بعد نحو ساعة، عاودت هي الاتصال به لتخبره انها تريد أن تقدم فقرة حول أحداث شارلوتسفيل.

وكان الكثير من الأشخاص قد نددوا بالفعل آنذاك برد فعل ترمب على أحداث شارلوتسفيل. ولكن يمكن القول إن أياً من هذه التنديدات لم تحقق ذلك الصدى الهائل الذي حققته تنديدات “دونيت إيبوني” في ذلك اليوم. وبرغم كونها فقرة مختصرة، إلا أنها كانت شاهدة على ما يمكن أن تقدمه فوكس نيوز عندما لا تكون مشغولة بإثارة المخاوف بشأن أحكام الشريعة والحمامات المحايدة جنسياً.

وبرغم جميع المخاوف المشروعة حول قيام فوكس نيوز بإثارة الدعاية للاتجاه اليميني، نجدها قد منحت الفرصة لامرأة أمريكية شابة من أصل أفريقي تربت على يد أم عزباء لتنتقد رئيس حالي معروف بقربه من أقوى الشخصيات في الشبكة. إن هذا لا يعني كل شيء، ولكنه بالضرورة يعني شيئاً ما.

وقالت ويليامز وهي تتطلع إلى الكاميرا مباشرةً: “كنت فيما مضى لأصدقك”، وأضافت: “أما الآن لم يعد بإمكاني أن أفعل ذلك، سيدي الرئيس، لا مزيد من حسن الظن – بل حل محله كل الريبة والشك “. وأعربت عن أملها في أن يخاطب الرئيس الشباب المُضللين المتجمعين في مدينة شارلوتسفيل. قالت ويليامز “إنني أطلب منك أن تخاطب غضبهم ومخاوفهم التي هي في غير محلها”، وأنهت ويليامز حديثها بتوجيه مناشدة للرئيس ترمب قائلةً: “دعهم يعرفون أن هذه هي أمريكا، أرض الفرص، وأن هناك بالفعل ما يكفي الجميع”.

على الرغم مما يقوله عدد لا يُحصى من منتقديها، فإن فوكس نيوز ليست وحدها المسؤولة عن تحويل أمريكا إلى فصائل سياسية متصارعة.على الرغم مما يقوله عدد لا يُحصى من منتقديها، فإن فوكس نيوز ليست وحدها المسؤولة عن تحويل أمريكا إلى فصائل سياسية متصارعة.

التقيت بويليامز في مقهى ستاربكس بالقرب من محطة بين، في صباح أحد أيام مانهاتن الممطرة. وكانت مؤخراً في نيو أورليانز لعقد اجتماع للرابطة الوطنية للصحفيين من أصل أفريقي. وهناك، وجدت نفسها مجبرة على الدفاع عن عملها في محطة فوكس نيوز. وهو أمر يتعين عليها فعله في كثير من الأحيان، ولسبب وجيه وهو أن الأمريكيون من أصل أفريقي يشكلون نسبة 1٪ فقط من مشاهدي فوكس نيوز، مما يعكس الاعتقاد بأن الشبكة هي إلى حد كبير تخاطب البيض، حتى أن شخصا مثل ويليامز، على الرغم من أنها تبدو أحد المناصرين، متواجدة فقط من باب إظهار التنوع داخل الشبكة.

ربما يتذكرون تلك المرة عندما هاجم أوريلي مغني الراب كومون (“وهو شخص يتعاطف مع قاتل شرطي”) أو عندما هاجم مغني الراب لوداكريس (“وهو بلطجي”)، أو عندما هاجم النائبة الأمريكية ماكسين ووترز، وهي نائبة الحزب الديموقراطي عن ولاية كاليفورنيا (“قال أنها ترتدي باروكة مغني الراب جيمس براون”). وهناك أيضاً تلك المرة في أغسطس/ آب الماضي عندما قالت واترز، وهي تلميذة أورايلي، “أمريكا ليست أمة عنصرية، لقد حان الوقت لنتوقف عن التصرف بطريقة توحي بأنها كذلك”.

هذه هي واترز ذاتها التي اُتهمت بالعنصرية على خلفية استخدامها لبعض الأفكار النمطية الفظة خلال أحد البرامج عام 2016 إذ قالت (“هل من المفترض أن أنحني لأقول مرحبا؟” و “هل تعرف الكاراتيه؟”) وكان ذلك بقصد تصوير سكان الحي الصيني في نيويورك على أنهم جاهلون بشؤون السياسة الأمريكية وليسوا مواطنين أمريكيين تماماً. لكنها على أية حال لم تكن هي من وصفت أوباما بأنه يبدو مثل “مدمن نحيل يتسكع في حي الأقليات”. بل كان ذلك هو المتعصب للقيم العائلية برنت بوزيل، خلال حديثه على شبكة فوكس نيوز في العام 2011.

مذيعة فوكس نيوز السابقة ميغان كيلي هاجمها ترمب بطريقة عدائية تتعلق بجنسها بسبب أسئلتها الصعبة التي وجهتها له خلال النقاش الرئاسي.

بالنسبة لويليامز يعتبر أورايلي بمثابة”القديس”. فعلى الرغم من سجله الحافل بادعاءات سوء السلوك الجنسي الأمر الذي تسبب في استبعاده من الشبكة في وقت سابق من هذا العام، تقول ويليامز إنها لم تشهد أبداً أي سلوك غير لائق من قبله. وهي أيضاً تعتقد أن معظم الهجمات على فوكس نيوز هي من باب النفاق، مندفعة من الروح العدوانية الليبرالية التي تتعمد تجاهل الحقائق غير المريحة بالنسبة لها.

تقول وليامز: “إذا نظرت إلى المشهد الإخباري الإعلامي، وأردت رصد حالات قيام سيدات من أصول أفريقية بتقديم برامج تليفزيونية، ستلاحظ أنه لا وجود لذلك على الشبكات الأخرى. فشبكة سي.أن.أن. لا تضم بين فريقها أي امرأة من أصل أفريقي.” ولكن فوكس نيوز لديها اثنتان وهما: ويليامز وهاريس فولكنر وهما تشاركان في تقديم برنامج أوتنمبرد، وهو برنامج معظم مضيفاته من الإناث.

ومؤخراً قدمت ويليامز يد المساعدة إلى جيانو كالدويل، وهو مستشار سياسي أميركي من أصل أفريقي يميل إلى اليمين، ليتم تعيينه كأحد المساهمين في شبكة فوكس نيوز. تقول ويليامز أن التنوع في شبكة فوكس نيوز ليس مجرد مظهر تجميلي. وأضافت أنها تتلقى رسائل إلكترونية من أشخاص يصفون أنفسهم بأنهم جمهوريين من اليمين المتشدد يخبرونها أنها جعلتهم يعيدون النظر في حركة “حياة السود مهمة”.

ولكن كانت هناك أيضاً تهديدات بالقتل، ولا سيما بعد حديثها تعليقاً على أحداث شارلوتسفيل. ودفاعاً عنها جاء هانيتي، الذي نادراً ما تصدر عنه أي كلمة قاسية لترمب. ففي تغريده له على تويتر قال هانيتي “إنه لعار وطني كون الناس لا يمكنهم قبول الاختلافات”. وفي موسم من السخرية السياسية، قدم هانيتي محاضرة عن الكياسة ودماثة الخلق تفوقت حتى على قصيدة ملحمية من أحد المليارديرات عن الطبقة العاملة.

دونالد؟ بطة!

لو لم تكن فوكس نيوز موجودة، لكان من الضروري إنشاءها. ففي دراسة أجراها بروس بارتليت، الذي عمل كمستشار لكل من ريغان وجورج اتش دابليو بوش، في العام 2015 حول تأثير فوكس نيوز على السياسة الأمريكية، اعترف بروس بارتليت بأنه رحب بوصول شبكة فوكس نيوز لتتربع على عرش المشهد الإعلامي الليبرالي، شأنه في ذلك شأن العديد من المحافظين. وكتب بارتليت قائلاً: “أخيراً، لم يعد المحافظين مضطرين للبحث عن مجموعة من الأخبار المؤاتية لوجهات نظرهم في المنشورات الليبرالية أو في المجلات الصغيرة والنشرات الإخبارية”. وأضاف “لقد شرب المحافظون من مياه فوكس نيوز بنهم شديد كشخص يموت من العطش في الصحراء “.

ولكن الماء كان ملوثا. يرى بارتليت إن هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أصبغت الشبكة بصبغة “راديكالية”، وجعلتها تتبنى اتجاه معادي للمسلمين استمر معها حتى يومنا هذا. وعلى الرغم من ذلك، ربما كان انتخاب أوباما هو أفضل ما حدث للشبكة، مما سمح لها بأن تلعب دور الدخيل المحاصر، والمستضعف المحسوب على النخبة العالمية التي لم تفعل شيئا لعمال المناجم العاطلين عن العمل في ولاية فرجينيا الغربية.

كان أوباما علمانيا، ومتمرسا، وعقلانيا ومتأنيا. بينما لم تمتلك فوكس نيوز أي من تلك الصفات. لكن الشبكة كانت أمريكية على عكس الرئيس الجديد (أليس كذلك؟). بدأ ترمب بالظهور على الشبكة، متحدثاً عن عزمه التحقيق في مزاعم بشأن تزوير شهادة ميلاد أوباما، ووجد استطلاع للرأي في العام 2010 أن 31% من مشاهدي فوكس نيوز لا يعتقدوا أن أوباما قد ولد في الولايات المتحدة.

يلقي ريك ويلسون، وهو أحد أكبر واضعي استراتيجيات الحزب الجمهوري، اللوم على فوكس نيوز لحل المحافظين المبدئيين الذين كانوا يشكلون جوهر حزبه. فيقول “عندما تحولت البلاد بشكل متزايد إلى صوامع أيديولوجية مُحكمة، أكدت فوكس نيوز بشكل مستمر على قاعدة الحزب الجمهوري بأن دعمهم لترمب لا يزال يجعلهم من المحافظين، على الرغم من انه استبدادي ولديه ضعف في السيطرة على اندفاعاته ويفتقر إلى ترسيخ الروح المحافظة في أعماقه”، واضاف “لقد جنيت لهم المليارات وكلفت الحزب الجمهوري روحه”.

صرح الجمهوري المنشق تشارلز ج. سايكس، مؤلف كتاب “كيف فقد اليمين عقله” الذي صدر حديثا، لصحيفة “بوليتيكو”: الطوق الآن ضيق جدا بحيث يصعب كسره. “يريد المشاهدين الموالين لترمب مساحة آمنة”. وأضاف “إنهم يريدون منفذا موثوقا يدافع عن الرئيس ويهاجم منتقديه، ويبدو أن فوكس قررت مدهم بذلك”.

لكن على الرغم من أن الشبكة يتم تصنيفها الآن كمؤيدة لانتخاب ترمب وتعزيز رئاسته بالطريقة التي تم بها تصنيف يوكو اونو مع تفكك البيتلز، لم تكن فوكس نيوز مؤيدة لترمب حتى فترة متقدمة في الحزب الجمهوري الابتدائي.

يقول جو موتو، وهو منتج مشارك سابق لأورايلي، والذي كتب بشكل مكشوف عن العمل في فوكس نيوز من خلال مسلسل جوكر ديسباتشيز عام 2012: “خلال الانتخابات، بدا أن فوكس نيوز تتجنب التقرب من ترمب أو الاتصال الوثيق به في البداية”. ويوافقه ذلك الرأي كونتشا مراسل موقع هيل، ويقول: “كان موقع درودج أكثر ارتباطا بانتخاب الرئيس دونالد ترمب”، في إشارة إلى تقرير درودج، وهو مركز لتبادل أخبار المحافظين، والذي سجل في خضم الانتخابات، 1.47 مليار زائر شهريا. وقد عرض هؤلاء الزوار موجة من الادعادات المناهضة لهيلاري كلينتون.

لطالما دافع هانيتي عن دونالد ترمب كما قام هذا الأخير بالاستعانة برأي هانيتي في شؤون اللاجئين.

يشير كونتشا أيضا إلى أن سي.أن.أن. قد أعطت ترمب تغطية غير متكافئة في الأيام الأولى الحاسمة من حملته، عندما كان من الأسهل رفض ذلك باعتباره مجازفة، وخلال الموسم الابتدائي، تركزت 78٪ من تغطية شبكة سي.أن.أن. للمرشحين الجمهوريين على ترمب، وفقا لمركز بحوث وسائل الإعلام؛ احتل حاكم ولاية فلوريدا السابق جيب بوش المركز الثاني بنسبة 12%.

وبعد أن قام ترمب في يونيو/ حزيران 2016 بطرد مدير الحملة كوري ليواندوفسكي، سرعان ما وجد مكانا على شبكة سي.أن.أن. كمساهم مدفوع الأجر، حيث دافع عن ترمب بولاء شديد. وبعد عدة أشهر، تبين أن ليواندوفسكي لا يزال على جدول رواتب ترمب.

إن إلقاء كل اللوم بشأن ترمب على فوكس نيوز يزيل المسؤولية عن بقية وسائل الإعلام ولقد عبر لي مونفيس رئيس شبكة (سي بي اس) عن الأمر جيدا عندما قال “قد لا يكون هذا الأمر جيدا بالنسبة الى امريكا، ولكنه بالطبع جيد بالنسبة إلى (سي بي اس)”. ويقصد هنا ترشح ترمب للرئاسة.

مطاردة ساحرات؟

إن هناك ما يقرب من 1400 خطوة تفصل بين بيت مردوك وبيت ترمب. لقد مشيت بين 1211 الطريق السادس في مانهاتن، حيث يتم حاليا تجديد غرفة الأخبار في شبكة فوكس نيوز، إلى مقر ترمب المحصن في الطريق الخامس بعد ظهر أحد أيام الاثنين الغائمة في شهر أغسطس/آب، بينما كانت أجهزة التلفزيون تعرض صور أحداث العنف في عطلة نهاية الأسبوع التي شهدتها مدينة شارلوتسفيل.

وقد انتقد الديمقراطيون والجمهوريون ترمب على حد سواء لقوله أن “العديد من الاطراف” هي المسؤولة عن العنف الذي أدى إلى مقتل ثلاثة أشخاص. ولكن إذا كنت واحدا من بين 1.6 مليون أمريكي الذين شاهدوا برنامج فوكس آند فريندز ذلك الصباح، فلن تكون لديك أي فكرة عن كون الرئيس متورط في مشكلة مرة أخرى.

افتتح البرنامج الصباحي الأكثر مشاهدة في البلاد، فوكس أند فريندز، يوم الاثنين على النحو المعتاد، مع امرأة جذابة في تنورة قصيرة ومشرقة – في هذه الحالة، كانت هذه آبي هانتسمان، ابنة حاكم ولاية يوتاه السابق جون هانتسمان – تجلس على الأريكة بين رجلين وسيمين بشكل عام يرتدين بذلتين محافظتين وربطتي عنق بألوان أساسية (وهما دوسي و هيغسيث). لم يكن هناك أي غضب يخيم على أجواء برنامج فوكس آند نيوز، ولم يكن هناك شعور باليأس، من ذلك النوع الذي كان قد وجد على برنامج مورنينغ جو على شبكة أم.أس.أن.بي.سي.، حيث كان المساهم دوني دوتسش، وهو مدير إعلانات، يصف ترمب بأنه “رجل صغير باكي مثير للشفقة”.

كان المزاج العام في برنامج فوكس آند فريندز صباح ذلك اليوم عقب أحداث شارلوتسفيل كان يسوده التفاؤل المضطرب بينما كان دوسي يقرأ بيان البيت الأبيض الذي كان يجب أن يصدر يوم الأحد لأن بيان الرئيس ليوم السبت لم يدين العنصريين البيض بقوة كافية تقريبا. هانيتي هو قلب الشبكة المظلم، ولكن برنامج فوكس آند فريندز هو الابتسامة المشرقة التي تقدمها فوكس نيوز للعالم. وهو ينجح في الاحتفاظ بتلك الابتسامة لمدة خمس ساعات كاملة.

ويوم الإثنين من شهر أغسطس/ آب، تبع ذلك حديث من الأستاذة الجامعية الأمريكية من أصل أفريقي كارول سوين، من فاندربيلت والتي ألقت باللوم على ما حدث في شارلوتسفيل على “سياسة الهوية والتعددية الثقافية”. وحثت على استعادة “الهوية الوطنية الأمريكية” دون شرح هذه الهوية.

في الآونة الأخيرة، كان هناك ما دعته دوكا التي تعمل في صحيفة مجلة تين فوغ بأنه “حادث تشيزبرغر”. وكان ذلك في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول عندما قام المستشار الخاص روبرت مولر بإصدار أولى لوائح الاتهام في التحقيق الفيدرالي في تواطؤ حملة ترمب مع روسيا، وقرر برنامج فوكس آند فريندز التحقيق في الخلافات في رموز تشيزبرغر التعبيرية. تتميز فوكس نيوز بالعبقرية في هذا النوع من سوء التوجيه، وتوجيه المشاهدين بعيدا عن الأخبار التي لا تتناسب مع أجندتها السياسية.

“نفيدكم بالتقارير، وأنتم تقررون“ هذا هو شعار فوكس نيوز. ولكن من المستحيل أن يكون هناك أي آراء جديرة بالثقة حول تحقيق مولر إذا تمت مناقشته سريعاً، ورفضه باعتبار أنه “مطاردة ساحرات” (وهو تعبير يُقصد منه استهداف شخص معين بدون سبب واضح) حملة موجهة ضد شخص أو مجموعة تتبنى آراء تعتبر غير تقليدية أو تشكل تهديداً للمجتمع”، وعاد بعد ذلك إلى الرموز التعبيرية على تشيزبرغر، والحرب في عيد الميلاد، والحرب على رجال الشرطة، وشهادة ميلاد أوباما ، قال شخص ليبرالي هذا أمر غبي.

إن قائد عملية سوء التوجيه هذه هو هانيتي، الذي انتقل مؤخرا إلى فقرة الساعة 9:00 المرغوبة والتي سبق وشغلها أوريلي، معلمه وزميله من لونغ آيلاند. أنا أكتب هذا في 8 نوفمبر. وقد كرس هانيتي العديد من أحادئثه السابقة للحديث عن آل كلينتون، “الأسرة السياسية الأكثر فسادا في أمريكا” (11/6). “الجهاز السياسي الذي لا يرحم ويسحق أى شخص في طريقه”، “الذي سيوقف هيلاري كلينتون من أن تصبح رئيسة (11/3). وبيع اليورانيوم لروسيا و “الخطوات المؤلمة” التي اتخذتها كلينتون كوزيرة للخارجية في إدارة اوباما “لتغطيتها”.

تمت تغطية أخبار الصفقة التي تضم شركة يورانيوم وان، وهي شركة تعدين كندية، على الصفحة الأولى لصحيفة نيويورك تايمز في العام 2015، ولكن كل ليلة، تتعامل هانيتي مع أخبار الصفقة القانونية تماما كأنها أخبار فضيحة واترجيت وقت حدوثها. ثم هناك خوادم البريد الإلكتروني الخاصة بهيلاري حيث يحب هانيتي الحديث عن تلك الخوادم. كانت هناك أيضا محركات الأقراص الصلبة التي تنقح مع بليتشبيت، وهو منتج ذكره بشكل متكرر، وأصبحت مقتنعا أنه كان متحدث رسمي مدفوع الأجر .

هانيتي هو الآن قائد وقت الذروة وفقاً لتصنيفات البرامج الإخبارية. والثاني هو زميله تاكر كارلسون. وخلافاً لهانيتي، الذي لا يقدم أي تمهيدات للأشخاص الذين لا يتفقون معه، يقدم كارلسون نفسه كمحافظ مبدئي ومراعي، وهو ما قد يكون السبب في أنه تلقى بعض التغطية المتملقة في وسائل الإعلام الرئيسية.

في وقت سابق من هذا العام، على سبيل المثال، أعلن بيتر بينارت من صحيفة ذا أتلانتيك أن كارلسون كان “يقدم لمحة عن ما ستبدو عليه فوكس نيوز كشبكة مثيرة للاهتمام فكرياً”. بعد عدة أيام كرّس كارلسون جزء طويل من البرنامج للحديث عن أن بعض الغجر الذين وصلوا مؤخراً إلى الولايات المتحدة قاموا بالتغوط في حديقة عامة.

يقول دوكا من صحيفة تين فوغ، “تاكر كارلسون هو ما يحدث عندما تترك ويليام أف باكلي، الابن، في المايكروويف لفترة طويلة جدا.” وذلك في إشارة إلى مؤسس جريدة ناشونال ريفيو، الذي لا يزال تجسيدا لمبادئ حزب المحافظين في المؤسسة. كارلسون لديه شيء من الهوس من دوكا، وذلك على الأرجح لأنها سحقته خلال ظهورها في برنامجه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي.

كانت دوكا قد اشتهرت مؤخرا بمقال عن كيف أن ترمب “يعبث بعقل” أمريكا، وكان كارلسون قد دعاها للظهور على الهواء لتكون “خروف آخر للذبح”، على حد وصفها الأمر لي. ولكن في حين أنه عادة ما يكون قادرا على جعل ضيوفه الليبراليين يضحكون أو يغضبون في خضوع، أثبتت دوكا أنها أكثر ذكاءً، وأظرف وأسرع من كارلسون.

هذا استثناء، فكما لا يخفى على دوكا، فإن موقع يوتيوب مليء بالمقاطع التي يقوم فيها كارلسون “بتدمير” بعض الأعداء، بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، جيم أكوستا من “سي.أن.أن.”، ومدافع عن حقوق المرأة، و”أستاذ جامعي من أنصار حركة مناهضة الفاشية “، و “وكاره التعديل الأول” و “ديموقراطي سخيف” وحركة حياة السود تهم، “العنصري المسعور “، لينا دانهام، “ودون لانغوينز لاجنز نائب رئيس حركة تنظيم الأسرة والدفاع عن الإجهاض،” و “الناشط المناخي الأحمق من مواليد الألفية”.

عادةً، هو لا يدمر كثيراً بقدر ما هو مهين. كان الناشط المناخي “أبله”، على سبيل المثال، الناشطة في كاليفورنيا إرين شترود. بعد أن بدأت في التعبير عن قلقها من مرشح ترمب المفترض لرئاسة وكالة حماية البيئة، سكوت برويت، سحقها كارلسون . وقال “لا يبدو وكأنك تعرف الكثير عن هذا”، في حين ان العكس كان هو الصحيح تماما. ثم سردت شترود بهدوء الطرق التي حاول بها برويت، النائب العام لأوكلاهوما، خنق القوانين الاتحادية بناء على طلب من شركات الطاقة. وردا على ذلك، ذكر كارلسون أنها درست الفنون الليبرالية في جامعة نيويورك. وسألها “هل لديك شهادة في العلوم الصلبة؟”.

كارلسون لم يناقش شترود أو يعرض الأسباب وراء كون التنظيم ليس الطريقة الأكثر فعالية لحماية البيئة. وقد شجب الفتاة ورفضها. لم يكن الهدف من ذلك إظهار أنها كانت مخطئة، بل إظهارها حمقاء، كما هو الحال بالنسبة لكل من يؤمن بالتنظيم البيئي.

ما فعله هو التصيّد. والتصيّد من وجهة نظر اليسار، بطبيعة الحال، هو إتمام توقيع الرئيس ترمب. قد يكون، في الواقع، المبدأ الأساسي للمنهج الترمبي.

هانيتي المدافع الأول عن دونالد ترمب .

الأحمر والأبيض والرمادي

عندما بدأت الشبكة قبل 21 عاماً، كانت وسائل الإعلام الموالية للاتجاه اليميني تتألف إلى حد كبير من البرنامج الإذاعي راش ليمبو وبرنامج ناشيونال ريفيو. ما كان يوما دغلا صغيرا قبل عقدين من الزمن اصبح الآن غابة مزدحمة، من “ذا ديلي كولر” و”بريتبارت نيوز” إلى “وان أمريكا نيوز نتورك” و”إنفوورز”. نعم، هم جميعًا أصغر بكثير من فوكس نيوز، لكنهم بشكل جماعي يقصرون الطريق للوصول الى الشبكة خصوصا مع وجود الشباب.

وفقاً ل نيلسن، الذي يتتبع نسبة مشاهدة التلفزيون، فإن مشاهد ذا نيوز ويك هو في الآن في المتوسط ذكر أبيض يبلغ من العمر 68 عاماً، لديهم ولاء، لكنهم لا يجمعهم الكثير فيما بتعلق بالخصائص السكانية (الديموغرافيات) الأخرى. ويتساءل دوغ كروتز، الخبير في وسائل الإعلام في الشركة المالية كوين وشركاه في سان فرانسيسكو: “هل لديهم استراتيجية لجذب المشاهدين الأصغر سنًا؟” يقول إن الشبكة تبدو وكأنها “تأمل في أن ينجذب الأشخاص عندما يكبرون في السن” إلى فوكس نيوز. (رفضت فوكس نيوز ان يجري مدراؤها التنفيذيون مقابلات على شبكة نيوزويك رغم الطلبات المتكررة).

إن التغييرات في كيفية مشاهدتنا للتليفزيون تشكل تهديدًا مماثلاً لتهديد الديموغرافيا (علم السكان). تخسر حزم القنوات التلفزيونية مدفوعة الثمن (عبر الكابلات) مقابل خدمات “قطع الكابل” (أي استبدال قنوات الاشتراك مدفوعة الثمن بالإنترنت) مثل نيتفليكس وهولو.

وتقدر فارايتي أن 22 ملون أمريكي سوف يقومون بإلغاء اشتراك قنوات تليفزيون الكابل لصالح البث الحي هذا العام، وهو الاتجاه الذي ما يزال ينمو. بالإضافة لذلك، في حين أن كبار السن قد يستمرون في مشاهدة قنوات الكابل، وجدت دراسة مركز بيو للأبحاث لعام 2015 أن 61% من جيل الألفية -الذين يشكلون جزءًا جيدًا من الديموغرافيا التي يطمع فيها المعلنون أكثر من غيرها- يحصلون على أخبارهم من مواقع التواصل الاجتماعي ميديا مثل الفيسبوك.

وبالرغم من ذلك فقد حافظت فوكس نيوز بشكل لافت على نسب مشاهدة عالية. فقد كانت أكثر الشبكات الإخبارية لقنوات الكابل مشاهدةً على مدى ال 15 عامًا الماضية. لم تتفوق عليها شبكة أخرى في وقت ذروة المشاهدة خلال 190 شهراً.

إن قائمة أكثر برامج أخبار الكايبل مشاهدة هي في الأساس لائحة فوكس نيوز. مع ذلك تفوقت مادو، في الشهور الأخيرة، في بعض الأحيان على منافستها فوكس نيوز. في 16 أغسطس/ آب هزمت أم.أس.أن.بي.سي. كلاً من سي.أن.أن. وفوكس نيوز بإجمالي عدد المشاهدين لأول مرة في تاريخها. قد يكون صعود ترمب مربحًا لفوكس نيوز. إن رئاسة ترمب تثبت أنها مكسب كبير جدًا لمنتقديه.

نشرت ماليا زيمرمان، مراسلة فوكس نيوز. كوم، في 16 مايو / أيار مقالة لها بعنوان “تقول مصادر متعددة أن سيث ريتش، الذي ذبح محرر أخبار شبكة دي.أن.سي.، كان على اتصال بويكيليكس”، قالت زيمرمان فيها إن ريتش الذي قُتل في إطلاق نار لم يحل الصيف الماضي بينما كان عائداً إلى منزله من حانة في العاصمة واشنطن، كان مصدر رسائل البريد الإلكتروني الخاصة باللجنة الوطنية الديمقراطية والتي ظهرت على ويكيليكس بعد إطلاق النار بفترة وجيزة. استشهدت زيمرمان “بمصادر تطبيق القانون” وأعمال رود ويلر، التحري الخاص الذي يظهر أحيانًا على فوكس نيوز.

أصبحت قصة زيمرمان هي القصة المفضلة لهانيتي. فقد استضاف ويلر في برنامجه وظل يلمّح أن “تحقيقه” الخاص قد يُثبت قريبًا أن ريتش هو من أعطى رسائل اللجنة الديمقراطية إلى ويكيليكس وليس الروس. جاء ذلك قبل يوم واحد من تعيين وزارة العدل لمولر كمحام للتحقيق الفيدرالي الخاص بروسيا. قدّمت جهود زيمرمان وهانيتي سرداً مضاداً برّأ ترمب، في حين اقترح جريمة على الجانب الديموقراطي.

بعد أسبوع من نشر زيمرمان قصتها، سحبتها فوكس نيوز. ووُضع مكانها الآن بياناً يصرح أن تلك المقالة “لم تخضع من البداية لدرجة عالية من التدقيق التحريري الذي نطلبه لجميع تقاريرنا”، أشار هانيتي أيضًا أنه وضع قصة سيث ريتش جانباً.

رفع ويلر دعوى قضائية في يوليو/ تموز يزعم فيها أن قصة ريتش، كما جاءت في تقرير زيمرمان، كانت اختراعاً لُفّق بمعرفة مباشرة من البيت الأبيض. تضمنت الدعوى القضائية رسالة نصية مُرسلة إلى ويلر من إد بوتوسكي، المتبرع الجمهوري البارز الذي كان قد عينه لاكتشاف من قتل ريتش. ويزعم ويلر أن المقالة التي نشرتها فوكس تحتوي على استنتاجات تآمرية لم يصل إليها، والتي على ما يبدو هي بيت القصيد. تقول رسالة بوتوسكي، وهي تعطي ترمب بفعالية دور محرر فوكس نيوز قليل الصبر “قرأ الرئيس المقالة للتو. وهو يريد التخلص منها في الحال”.

ودعوى ويلر هي واحدة من عدة دعاوى ضد فوكس نيوز في السنوات الأخيرة، وإن كانوا لم يحبطوا مشاهدي الشبكة بعد، فقد اقترحوا معاً مستوى انزعاج للشركات لا يمكن أن يدوم طويلاً.

على سبيل المثال، رُفعت أول دعوى تحرش جنسي ضد بيل أورايلي في 2004، أي قبل 13 عام من إجباره على الخروج من الشبكة. كان ذلك بمثابة هبوط من مكانة عالية احتلها علانيةً (وما زالت مستمرة، مع الأمور إكتشافات نيويورك تايمز الحديثة التي كشفت أنه دفع 32 مليون دولار لمساهمٍ في فوكس نيوز اتهمه بسوء السلوك الجنسي). وفي ذلك الوقت، كان أورايلي وفوكس نيوز قد قاموا بتسويات مع 5 نساء أخريات بسبب دعاوى سوء السلوك الجنسي الذي سبق ورفعنها ضده. وجهت 20 سيدة نفس الاتهامات لأيلز، الرئيس القوي للشبكة، الذي توفي في وقت سابق من هذا العام. دافع ترمب عن كلا الشخصين، مدركاً كم هو مدين لهم.

رفع نحو أربعة وعشرين شخصاً من موظفي فوكس نيوز الحاليين والسابقين الربيع الماضي دعاوى قضائية خاصة بالتمييز الجنسي والعرقي ضد فوكس نيوز. يقول دوغلاس ويغدور، محامي المدعي والذي يمثل ويلر أيضًا “بالرغم من جهود العلاقات العامة التي تعمل على العكس من ذلك، فإن الأعمال التي تقوم بها فوكس توينتي فرست سينشري فوكس ما زالت شبيهة بالأعمال التي تقوم بها شركة إيتينز سينشوري فوكس”.

لقد تحدثتُ مؤخراً مع العديد من المدعين الذين يمثلهم ويغدور. تقول جيسيكا غلوهر “كان ذلك وكأنه ديكتاتورية شوفينية”، وجيسيكا هي مراسلة راديو فوكس نيوز التي أخبرتني أنها “عُوملت وكأنها شخص تافه يبلغ من العمر 10 أعوام”.

رفضت فوكس نيوز في وقت سابق هذا الصيف تسوية الدعاوى المختلفة المقدمة من عملاء ويغدور مقابل 60 مليون دولار. في غضون ذلك، كان عدد الشخصيات التي تظهر على الهواء مباشرةً والتي تركت الشبكة أو تم فصلها أو إيقافها عن العمل بسبب سوء السلوك الجنسي مستمر في الإرتفاع. ويشمل ذلك إيريك بولينغ من برنامج فوكس نيوز سبيشاليستس، والذي طُرد بسبب إرسال رسائل قصيرة إباحية لزميلاته في العمل، وتشارلز باين من قناة فوكس بيزنس نيتورك، الذي تم إيقافه عن العمل بسبب سوء سلوك متعلق بعلاقة خارج نطاق الزواج مع زميلته (تم إعلان عودته للشبكة مؤخراً على الرغم من استمرار التساؤلات حول سلوكه)، وبوب بيكل من برنامج ذا فايف بسبب مخاطبته لأحد موظفي فوكس نيوز من الأفارقة الأمريكان بما تسميه الشبكة “بملاحظة تفتقر إلى الإحساس”.

يحتاج شخص ما ببساطة إنقاذ فوكس نيوز من نفسها. يضع الكثير أملهم في جيمس مردوك، الرئيس التنفيذي لفوكس 21th سينتشوري والذي سيخلف والده على الأرجح كرئيس للشركة. شاب ومهذب، من الواضح أن جيمس يتمتع بصفتين من الصفات الليبرالية. تعهد بعد العنف المميت في شارلوتسفيل بدفع مليون دولار إلى رابطة مكافحة التشهير، معرباً عن “قلقه” بشأن ردة فعل ترمب.

من بين العديد من التفاصيل البشعة في قصة نيويورك تايمز عن تسوية أوريلي التي تبلغ قيمتها32 مليون دولار، قد يكون من أكثرها إثارة للدهشة أنه على الرغم من معرفة فوكس نيوز بالتسوية، ما زالت الشبكة تقدم لأوريلي تمديد عقد لمدة أربع سنوات بقيمة 100 مليون دولار. هذا الكشف بمفرده بدد كل الكلام الذي قيل عن الشبكة التي اخيرا طردت شبح روجر آيلز .

واجه أحد المذيعين جيمس مردوك بشأن عقد أورايلي. وجاوب قائلاً “كان ذلك خبراً جديداً بالنسبة لي”. “لا أستطيع ضمان أن كل شخص في العمل لا يتصرف بشكل سيء في بعض الأحيان، صحيح؟”.

تُقدّم فوكس نيوز نفسها كملاذ آمن من كل الترهات التي تعرضها قنوات الإعلام الحالية.

أحد القرّاء يكتب

كانت إحدى مقابلات ترمب العشرين على فوكس نيوز في 28 سبتمبر/ أيلول، حيث كان يقدم خطة الجمهوريين لخفض الضرائب. أجرى تلك المقابلة هيغسيث في برنامج فوكس آند فريندز، أُجريت المقابلة مباشرة قبل مسيرة احتجاج في أنديانابوليس بشأن الخطة الضريبية. لم تكن المقابلة في معظمها عن الضرائب. وقال ترمب إنه يعتقد أن أصحاب امتياز اتحاد كرة القدم الأمريكي كانوا “خائفين” من لاعبيهم وهذا هو السبب في استمرار احتجاجات النشيد الوطني. ألقى باللوم على الفشل في إلغاء واستبدال قانون الرعاية بأسعار معقولة على سيناتور جمهوري مريض بالمستشفى. لم يكن هناك أي من أعضاء مجلس الشيوخ، جمهورين أو غيرهم، في المستشفى في ذلك الوقت. حتى كيلميد، الحريص على مناصرة ترمب كحرص فوكس نيوز، بدا متضايقًا من الحديث.

كان هذا عنوان رئيسي لقصة قدمتُها في صباح اليوم التالي عن المقابلة: “عن ماذا كان يتحدث ترمب في مقابلة فوكس آند فريندس بحق السماء؟”.

تلقيتُ بعد ذلك بساعات قليلة رسالة بريد إلكتروني من قارئ: “هل اعتبرت هذا ذو أهمية إخبارية؟ هل تكتبون فعلاً تقارير حقيقية، أم أنكم تجلسون أمام أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بكم لتلفيق تقارير لا قيمة لها؟ أكد الكاتب أن “أمريكا تحتاج صحافة نزيهة، عملية. كان هذا حماية لنا من أن نصبح مثل كوريا الشمالية أو فنزويلا. نحن لا نملك ذلك الآن.”.

وبعد بضعة أيام، قتل مطلق نار 59 شخصًا في لاس فيغاس، وكتبتُ عن كيف كان اليمين المتطرف يبذل قصارى جهده ليتظاهر بأن القاتل ليس ذكر أبيض من خلفية مسيحية. وكتب إليّ مرة أخرى ذلك القارئ المستاء من مداخلتي في مقابلة على فوكس نيوز: “بالتأكيد أنت أفضل من ذلك”. رددتُ على رسالته برسالة، ربما بدافع الانزعاج. رد عليّ برسالة أخرى، وسرعان ما أصبحنا نتناقش دون نقذ لاذع إلى حد كبير، ولكنها مناقشات خالية من الاتفاق إلى حد كبير أيضًا. تناقشنا في الأيام التي تلت حادث إطلاق نار لاس فيغاس مناقشة متحضرة أوجزنا فيها حقائق مختلفة.

أخبرني أن بإمكاني مناداته “جون”، وكشف عن تفاصيل شخصية عن نفسه وهي أنه: يبلغ من العمر 56 عاماً، ويسكن في نيو هامبشاير، ويعمل في مجال المبيعات.

ومن الواضح أن جون كان واسع الاطلاع. قال “لقد قرأتُ بنَهَم معظم أخبار الاتجاه السائد”، من الأسماء التي ذكرتها نيوزويك، ياهو، سي.بي.أس.، أن.بي.سي. ومع ذلك ما زال هناك شيء مربك مستعصي ومحبط بشأن الحديث. كنا نصرخ في وجه بعضنا تحت الماء، لكن في المناقشات الحاسمة لا تسمع سوى أصوات البقبقة/الغرغرة.

سألتُ جون إن كان قد شاهد فوكس نيوز.

قال “أقل من 2-3 ساعات في الأسبوع. وفي معظم هذه الساعات أشاهد تاكر”.

كنتُ أراقب كارلسون أيضاً. كان كارلسون في الأيام التي سبقت تبادلي رسائل البريد الإلكتروني مع جون قد أدان الليبراليين الذين، من وجهة نظره، مكنّوا المفترس الجنسي من شركة هوليود موغول هارفي واينستاين. ودافع عن موقف ترمب الجديد الصارم من الهجرة وأدان أولئك الذين يرغبون في تحطيم تماثيل كريستوفر كولومبوس الخاصة بمعاملة المستكشفين للأمريكيين الأصليين. دافع عن حقوق حمل السلاح مراراً وتكراراً، حتى بعد ظلت لاس فيغاس مسرح جريمة غارقًا في الدماء.

إن مشاهدة مثل هذه الأمور حتى لساعتين قد تلوث الاخبار التي قرأها جون، أو سمعها أو رآها في مكان آخر. أنا اتحدث من واقع خبرتي. فقد أمضيتُ الأشهر القليلة الماضية وأنا أشاهد قدراً مزعجاً إلى حد ما من فوكس نيوز. وجدتُ أن أصوات هانيتي وكارلسون قد دخلت إلى دماغي كديدان الغابة في عصور ما قبل التاريخ وهي تقضم فجأة الروابط العصبية الصلبة. وتوقعتُ تمامًا أن أعود في يوم ما إلى البيت من العمل لأخبر زوجتي أني سئمتُ من اليسار الذي يسبّ الكونفدرالية ويدمر تراثنا الجماعي. آملُ ألاّ يحدث ذلك، لكن ربما يحدث.

قال جون في رسالة بريد إلكتروني محذرًا “إذا كنت تركز على أن فوكس نيوز هي السبب وراء فوز ترمب، فما زلت لا تفهم لماذا فاز”.

ومع كل الاحترام لجون، فإن التركيز على فوكس نيوز هو وسيلة جيدة جداً لفهم أسباب فوز ترمب. كان هناك على أقل تقدير علاقة بين مشاهدة قناة فوكس نيوز والتصويت لصالح ترمب. وجد مركز بيو للأبحاث في يناير/ كانون الثاني أن “الأمريكيين الذين قالوا إنهم صوتوا لصالح ترمب في الانتخابات العامة اعتمدوا بشكل كبير على فوكس نيوز كمصدرهم الرئيسي لمعرفة أخبار الانتخابات” مع تحول ما يصل إلى 40% من ناخبي ترمب إلى فوكس نيوز كمصدر رئيسي للأخبار.

في وقت سابق هذا الخريف، أكدت دراسة في ستانفورد “التحيز في أخبار الكابل: الإقناع والاستقطاب” ، قوة فوكس نيوز على التأثير على القلوب والعقول والأصوات. ووجدت الدراسة أنه خلال الانتخابات الرئاسية “زادت فوكس نيوز مشاركات التصويت للجمهوريين بنسبة 0.3 نقطة من بين المشاهدين الذين تم إغواءهم لمشاهدة القناة لمدة 2.5 دقيقة إضافية في الأسبوع”. وعلى العكس من ذلك، فإن مشاهدة أم.أس.أن.بي.سي. لمدة 2.5 دقيقة إضافية في الأسبوع ليس لها تأثير على النتائج الانتخابية.

لكن بمعنى آخر فإن جون محق. أعطت فوكس نيوز قوة لجزء من السكان الأمريكيين. فلن يذهب الأشخاص الذين يشاهدون فوكس نيوز بعيداً. ولن يذهب أيضًا يأسهم من الاقتصاد الرقمي، ولا شكهم في المهاجرين، ولا عدم ارتياحهم للعرق. أما بالنسبة لأمة لمحها دي توكيفيل قبل ما يقرب من قرنين من الزمن، لأمة المزارعين الذين أحرقتهم أشعة الشمس، لأمة رجال الغابة البواسل الذين يتجهون إلى أماكن لم تكتشف بعد، لأمةً جامحة لا يمكن ترويضها، لأمة منسلخة عن أوروبا حبًا في الحرية -لقد كنا أمةً مولعة بالفعل بفوكس نيوز، حتى لو لم نعرف ذلك حتى الآن.

Facebook Comments

Post a comment