رياح التغيير

من هنا وهناك: السعودية من مكافحة الفساد ومجابهة إيران وحرب اليمن إلى توتر العلاقات مع لبنان

نيوزويك الشرق الأوسط

ليلى حاطوم

مشهد أول: لبنان، إيران واليمن

سعد الحريري –رجل الأعمال الذي يحمل الجنسية السعودية إلى جانب جنسيته اللبنانية، ولقب «شيخ» في المملكة- يُعلن استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية… من الرياض! وتحديداً من الديوان الملكي السعودي.
ذهولٌ أصاب محبيه ومتابعيه وأعضاء كتلته النيابية والحزبية (تيار المستقبل)، بل وحتى مناوئيه، لتليها التأويلات ونظريات المؤامرة التي غالباً ما يستند إليها اللبنانيون من أجل تفسير أمور واضحة، لكنهم لا يريدون تصديقها.
قبيل استدعائه للمملكة للمرة الثانية خلال وقت قصير، كان الحريري قد اجتمع مع علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي، في السراي الحكومي في بيروت، بصفته رئيساً للوزراء، وذلك في إطار جولة ولايتي المكوكية في المنطقة، أو في مناطق النفوذ الإيراني إذا ما صحّ التعبير.
فلبنان، شاء من شاء، وأبى من أبى لا يمكنه اتخاذ قرار حكومي أو سياسي دون الحصول على موافقة كافة أطياف المجتمع وممثليه، وهي حالة أفرزها ميثاق العيش المشترك وكرّسها اتفاق الطائف، وهذا الأمر يتضمن حكماً الحصول على موافقة حزب الله وحلفائه في الداخل.
ولبنان، الذي لطالما كان مسرح صراعات القوى الإقليمية والعالمية بعدما فشل سياسيوه في تحييده كلّياً عن تلك التجاذبات السياسية والعسكرية الخطرة، هو منطقة نفوذٍ إيرانية، إلى حدٍّ ما، لكن ليس بالكامل.
فحزب الله، المدعوم من إيران يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين، بإرادتهم أو عبر التحالف مع ممثليهم، ويستطيع تعطيل أي قرار عبر التلويح بالانسحاب أو اللجوء للشارع بشكل غير مباشر، لكن ذلك لا يحصل دوماّ كرمى لعيون «فارس».
ولعلّ الوفد الإيراني أراد جس نبض السياسيين في الداخل اللبناني، ربما تحضيراً لعملٍ ما، أو للإطمئنان على عدم المس بأحزابهم اللبنانية الموالية، أو نكايةً بالجار اللدود السعودية، التي تتبادل وإياها العداء منذ عقود.

علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الأعلى في إيران للشؤون الدولية ومستشار الرئيس الإيراني (يسار) في صورة أرشيفية مع الرئيس السوري بشار الأسد، الذي عاد والتقى به يوم الثلاثاء ٧ نوفمبر/ تشرين ثاني.

فطهران والرياض تتناحران رمزياً من أجل زعامة العالم الإسلامي على اثر الضعف الذي أصاب مصر.
ولطالما حاولت إيران أن تدخل إلى العالم العربي، من بوابة الطائفة الشيعية أو البحث عن طوائف شبيهة بها والاستفادة من بؤر الحرمان وغياب الدولة أو الاضهاد اللاحق بتلك الطوائف للتغلغل عبر المساعدات مقابل ثمن لا يُعلن إلا في وقتٍ لاحق، وعندما يكون الوقت قد فات أو أصبح الرجوع عن التبعية أمراً صعباً.
ولعلّ أبرز مثال هو استفادة إيران من الحوثيين، بإسم الطائفية والغبن اللاحق بهم في أفقر دولة عربية، لتمدّهم إيران بالسلاح والتدريب لسنوات، ولتنقل جزء من معركتها مع المملكة إلى الحدود الشمالية لليمن، حيث استولى الحوثيون، وبقوة السلاح، على مساحات واسعة في الشمال اليمني وصولاً إلى العاصمة.
لكن ذلك الدعم يتخطى السعودية إلى آفاق جيو-استراتيجية، منها السيطرة على مضيق باب المندب الذي يخنق –ولو جزئياً- منفذ المملكة ومصر وإسرائيل والأردن عبر البحر الأحمر نحو بحر العرب والمحيط الهندي، فيما تتحكم إيران، ولو نسبياً، بمضيق هرمز وهو المنفذ السعودي-الخليجي الآخر على المحيط نفسه.
وربما لفهمنا الأمر لو كان الحوثيون أغلبية ضمن نطاقهم الجغرافي، أي اليمن. لكنهم أقلية حتى ضمن طائفتهم، وبالتالي، فإن محاولتهم لفرض آرائهم السياسية على شعب تعداده 27.5 مليون نسمة، وبقوة السلاح، هو ديكتاتورية تتنافى مع أساس «ثورتهم» المسلحة ضد رئيس جمهورية يعتبرونه «غير شرعي» بسبب انتهاء ولايته، مع أنه كان يتمتع بشرعية رئيس تصريف أعمال لحين انتخاب البديل.
في المقابل، فإن فشل السعودية وبعض الدول العربية المؤثرة في العمل من الأساس على سد الثغرات في الدول التي تنتقدها المملكة حالياً، وقيامها في الماضي بإعطاء الوعود تلو الوعود دون تنفيذ جدّي، خاصة فيما يتعلق بفقر اليمن وتركها العراق ليواجه الإرهاب منفرداً لأكثر من عقد من الزمن، قد ساهم، وإلى حدٍّ كبير، في استفادة إيران من تلك الثغرات.
ولعلّ أخطاء المملكة غير المقصودة أو تقصيرها في احتساب البُعد الزمني والاستراتيجي هناك، هو ما ساهم في دفع مكوّنات أساسية من المجتمعات بعيداً عن السعودية بدلاً من إخراجها خارج دائرة نفوذ إيران.
استقال الحريري، المواطن اللبناني-السعودي، من منصبه. وبسبب أسلوب الاستقالة ومكان إعلانها، أفرزت السعودية واقعاً جديداً في لبنان.
فقد أحس اللبنانيون بإهانة أن تستدعي دولة ما رئيس حكومتهم وأن تفرض عليه الإستقالة بهذا الشكل. ولعلّ التعليقات التي صاحبت موضوع الاستقالة من نشرات الأخبار ورسائل المواطنين وسلسلة النقاشات التي لم تنتهِ لغاية اليوم، هي أبرز مثال على ذلك.
فاستقالة الحريري من دولة غير لبنان احتجاجا على تدخل ايران فيه أمر يناقض نفسه وحالة سوريالية لم يحلم بها أحد.
ولعلّ ما يصب الزيت على النار لناحية تغريب اللبنانيين عن المملكة، هو استمرار مسؤولين سعوديين بلوم لبنان بأكمله من زاوية الصراع السعودي-الإيراني.
آخر تلك التعليقات، التي سببت في موجة انتقاد حادة في لبنان، هو تأكيد «وزير الدولة السعودية لشؤون الخليج العربي»، ثامر السبهان، يوم الإثنين، أن الرياض ستعامل «حكومة لبنان كحكومة إعلان حرب بسبب ميليشيات حزب الله»، التي يعتبرها أنها تؤثر في كافة القرارات التي تتخذها الحكومة اللبنانية.
وفي ظل التخوفات من قيام حرب مع إسرائيل، وإن كانت مستبعدة حالياً حيث أن تلك الحرب لا تصب في مصلحة الكيان العبري الذي سيجد نفسه يقاتل على ثلاث جبهات في هذه الحالة (جنوب لبنان والجولان السوري والعمق الفلسطيني)، أو حرب إقليمية (مدفوعة بالتوتر العالمي بين روسيا والولايات المتحدة والتي تُترجم فعليا في الصراع الإقليمي السعودي-الإيراني)، فإن الوضع اللبناني الهش، الذي لا يحتمل المزيد من التدخلات والمزايدات، أصبح بحكم الواقف على كف عفريت، في مشهد أقل ما يمكن وصفه بأنه صفيحة جليد رقيقة فوق نهر من الحمم.
والشعب اللبناني بمعظمه، وإن كان «تابعاً لزعيم سياسي أو طائفي»، يأبى أن يقوم أحد من «الخارج» بإهانة الوطن ومكوّناته، مهما كانت تلك الإهانة مرتبطة بحقيقة ثابتة. ولهذا انتقد اللبنانيون روحاني عند كلامه عن أن قرار لبنان لا يُتّخذ دون استشارة إيران. ولهذا لم يخضع اللبنانيون للاحتلال الإسرائيلي والوجود السوري العسكري حتى من بعد شرعنة ذاك الوجود في لبنان عبر اتفاق الطائف.
في المقابل، إعتبر جزء كبير من اللبنانيين أن رئيس حكومتهم أسير لدى المملكة التي تقوم حالياً بحملة تطهير واسعة ضد الفساد ورموزه والمستفيدين منه على حساب الشعب.
وانتشرت أقاويل أن الحريري هو من ضمن عشرات الشخصيات السعودية التي تم احتجازها في فندق الريتز كارلتون في الرياض بتهم الفساد وتبييض الأموال واستغلال المنصب، وذلك على الرغم من أن وزير خارجية المملكة، عادل الجبير، كان قد قال مساء الإثنين 6 نوفمبر/ تشرين ثاني، إن باستطاعة الحريري مغادرة المملكة متى شاء. وقد انتشر يوم الثلاثاء 7 نوفمبر/ تشرين ثاني، عند كتابة هذه السطور، خبر مفاده أن الحريري متواجد في الإمارات قبل العودة للرياض ومن ثم التوجه إلى لبنان قريباً.

رئيس حكومة لبنان المستقيل سعد الحريري (يسار) في لقاء مع ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان يوم الثلاثاء ٧ نوفمبر/ تشرين ثاني.

وكانت قد انتشرت صور للحريري وهو مجتمعٌ مع الملك سلمان يوم الإثنين، إضافة لنشر الحريري لصورة تجمعه بسفير المملكة الجديد إلى لبنان وليد اليعقوب، بعد انتشار اخبار عن احتجازه إلى جانب الأمراء السعوديين الموقوفين في مزاعم فساد، إلا أن المشككين وقتها، وبخاصة اللبنانيون، أبّوا تصديق ذلك قائلين أن الصور قد تكون قديمة.
وبعد مرور يوم واحد على اعلان سعد الحريري، رئيس وزراء لبنان استقالته من رئاسة الحكومة اللبنانية من الرياض، العاصمة السعودية، أطل الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في وقت متأخر من يوم الأحد ليؤكد أن المملكة العربية السعودية أجبرت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري على الاستقالة، داعياً اللبنانيين إلى الهدوء والصبر والتريث.
وقال نصر الله في خطاب متلفز إن “الاستقالة كانت قرارا سعوديا أملي على الرئيس سعد الحريري وأجبر عليه وإن الاستقالة لم تكن نيته ولا رغبته ولا قراره.”
هذا ورفض رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال عون، على اثر تشاوره مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، قبول هذه الاستقالة الغريبة في إخراجها وتنفيذها ريثما يعود الحريري إلى لبنان ليضعهم في صورة وأسباب تنحيه.
وهذا يعني فعلياً أن استقالة الحريري مُعلّقة، وهو لا زال يتمتع بحصانتيه (رئاسة الوزراء وعضو المجلس النيابي) أينما كان، وحتى وإن كانت الإستقالة سارية، فهو رئيس حكومة تصريف أعمال ريثما يتم تعيين البديل الذي لن يأتِ طالما أن عون وبرّي متفقين على عدم قبول بديل عنه ريثما يخاطبون الحريري وجهاً لوجه.

رئيس الجمهورية اللبناني العماد ميشال عون (يسار) مع رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة. وفي وقت يرفض فيه عون قبول استقالة الحريري، يتندر اللبنانيون حول تحضير رؤساء حكومة سابقون أنفسهم لعرض خدماتهم.

المشهد الثاني: السعودية وثنائي القوة

في المقابل، وفي ساعات الفجر الأولى من صباح الأحد 5 نوفمبر/ تشرين ثاني، جن جنون صفحات التواصل الإجتماعي ونشرات الأخبار العاجلة تفاعلاً مع توارد الأنباء عن قيام الملك السعودي سلمان، بإعفاء أعضاء من العائلة المالكة ووزراء ومسؤولين من مناصبهم تبعها تعيينات جديدة ومن ثم تلاها الإنفجار الكبير بالإعلان عن توقيفات شملت أمراء بمناصب حساسة ووزراء حاليين وسابقين ومسؤولين وأقطاب أعلام ورجال أعمال بتهم الفساد والتربح واستغلال المنصب وتبييض الأموال.

الأمير الوليد بن طلال في صورة أرشيفية.

ومن ضمن المحتجزين أحد أبرز رجال الأعمال في المملكة الملياردير الأمير الوليد بن طلال رئيس شركة المملكة القابضة للاستثمار والأمير متعب بن عبد الله وزير الحرس الوطني، الذي أُعفي من منصبه ليحل محله الأمير خالد بن عياف مما يعزز سيطرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على المؤسسات الأمنية.

وأصدر العاهل السعودي أمرا ملكيا بتشكيل لجنة عليا جديدة لمكافحة الفساد برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان البالغ من العمر 32 عاماً.
وقال الأمر الملكي “لن تقوم للوطن قائمة ما لم يتم اجتثاث الفساد من جذوره ومحاسبة الفاسدين وكل من أضر بالبلد وتطاول على المال العام”.

وفيما قال محللون إن هدف القرارات يتجاوز مكافحة الفساد ويهدف إلى التخلص من أي معارضة محتملة للأمير محمد بينما يواصل مسعاه الإصلاحي الطموح والمثير للجدل، إلا أن الصورة الحالية في المملكة تتجاوز تلك التأويلات.

ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود.

فهناك تأييد عارم للحملة على الفساد بقيادة ولي العهد. وكثيرون يرون في محمد ووالده سلمان ثنائي السلطة الأقوى على الإطلاق Power Couple لناحية إحداث أي تغيير.

فالسعوديون، وعلى مدى عقود، كانوا يشكون من الفساد المستشري في الدوائر الحكومية وعدم وجود تخطيط صحيح يُعالج مشاكل اجتماعية مُلِحّة منها ارتفاع البطالة والمحسوبيات وتربُّح المسؤولين على حساب الشعب في مملكة غنية بمواردها النفطية وصناعاتها التحويلية والغذائية لكن تنتشر فيها البطالة بشكل واسع بين الشباب وتواجه مشاكل اجتماعية منها أزمة السكن.

كما وأن التغيير الذي أحدثه ويحدثه الملك سلمان وولي عهده منذ تولي الأول المُلك والثاني نيابة ولاية العهد قبل أن يُصبح ولياً للعهد، قد ساهم في إعطاء السعوديين أملاً حقيقياً في أن الأمور في المملكة تتغير نحو التطور.
فالفوارق الإجتماعية بين الجنسين يجري رأبها.

المرأة باتت بشكل أو بآخر مُعفاة من الوصاية في العديد من الأمور. ويحق لها قيادة المركبات بعدما كان منعها من ذلك مثار تندّر الغرب وحتى الأشقاء.

ولقد تم إقرار رؤية طموحة تسمح للمملكة عند تنفيذها بأن تُصبح بلداً لا يُستهان بقدراته الاقتصادية والبشرية والعمرانية، مع التركيز على الانفتاح الديني بعيداً عن التشدد، وهي كانت قد بدأت مع لجم الهيئات الدينية التي كانت تُرهب الشعب بالفتاوى والملاحقات على مدى عقود.

ولقد قالها محمد بن سلمان علناً خلال إعلان بناء مدينة نيوم الاقتصادية التكنولوجية والسياحية إنه يريد إرجاع مملكة جدّه إلى «الإسلام المعتدل».

كل هذه الأمور الملموسة تجعل الفرد السعودي مستبشراً بالمستقبل بعدما عانى من الإحباط لفترة طويلة بسبب عدم وجود إصلاحات ولدرجة كان البعض من السعوديين يتندر بأن لا شيء يتغير في المملكة سوى أيام السنة.

ولا يسعني إلا أن أختم بجملة قالها لي مؤخراّ زميل إعلامي سعودي: «كل الناس تلتهي بالتأويلات ونحن نلتهي بتطوير دولتنا.»

فندق الريتز كارلتون في الرياض حيث يقبع أكثر من ١١ أميراً وعشرات المسؤولين ورجال الأعمال السعوديين تحت الإقامة الجبرية بتهم فساد وتربُّح واستغلال المنصب ورشاوي.

Facebook Comments

Post a comment