زواج الأقارب

أمل الحارثي، كاتبة وعاملة في مجال تمكين المرأة

نيوزويك الشرق الأوسط

ضمن سلسلة محاضرات عقدت خلال الأسبوع البلجيكيّ في الإمارات والتي حملت عنوان “الصحّة والابتكار”، أدهشَتْني محاضَرة الدكتور هومان فاطيمي المدير الطبّيّ لمركز الشرق الأوسط للإخصاب في أبو ظبي، والتي عَرَضَ خلالها معلومات عن الخصوبة وأمراضها ونِسَبها في الخليج والوطن العربيّ والعالم.
وعزا أسباب تدنّي الخصوبة في بعض البلدان الخليجيّة لعدّة عوامل، منها زواج الأقارب، الذي تحدّث بإسهاب عن نتائجه، في عرضٍ كانَ مُفاجئًا بالنسبة لي؛ كونه يحمل معلومات لم أسمع بها مُسبّقًا، وهو ما حمَلَني على الكتابة عنها ومشاركتها على أوسع نطاق.
كنت أظنّ دائمًا أنّ آثار زواج الأقارب هي تلك التي تراها العين، وأقصد بذلك الإعاقات الظاهرة، بمعنى أنّه إذا تمخّض عن الزواج أولاد طبيعيّون “مظهريًّا” فإنّهم في أمان.
ولكنّي اكتشفت خطأ تفكيري، حيث هناك إمكانية لتركّز الجينات السيّئة في الأبناء الناتجين عن زواج الأقارب، وعن زيادة هذا التركّز جيلًا بعد جيل، بحال استمرّت هذه الأجيال في الزواج بالطريقة نفسها.
ومِن مخاطر زواج الأقارب أن يكون الفرد أكثر عرضةً للإصابة بالأمراض والعلل معَ زيادة العمر، وتزيد هذه الاحتماليّة معَ تعاقب الأجيال الناتجة عن هكذا زواج، ومع زيادة الاختلالات الكروموسوميّة وتركّز الجينات غير المرغوب بها.
وبعض الأثار السلبية الناجمة عن زواج الأقارب على سبيل المثال لا الحصر، تقليل نسبة الخصوبة، والسبب أنّ عدد البويضات التي تحملها الأنثى الناتجة عن زواج الأقارب خلال عمرها البيولوجيّ أقلّ بكثير مِن عدد البويضات التي تحملها الأُنثى من زواج مُتباعد. وقد أوضح الدكتور فاطيمي الفروقات الكبيرة في نسبة الخصوبة في الخليج العربيّ منذ الثمانينات وحتّى اليوم، بحيث إنّها هبطت بمعدّل كبير.
ومِن أهمّ أسباب هذا الهبوط، زواج الأقارب الذي يرتفع في بعض الدول العربيّة إلى ما يزيد عن ستّين في المئة.
وتصل هذه النسبة إلى ثمانين في المئة في أرياف دول عربيّة أخرى، وهو ما يُفسِّر ارتفاع نسبة الأمراض في تلك المناطق، التي تُعاني أصلًا من نقص في الأدوية والمستشفيات، ناهيك عن استنزاف اقتصاديّ هائل في قطاع الصحّة على مستوى الفرد والدول.
وهذا يساهم في تأخير النموَّ وعجلة التطوّر، بالإضافة للتعب والاستنزاف النفسيّ والمعنويّ، خصوصًا في المناطق النائية، حيث الوصول إلى عيادات معالجة الإخصاب غير مُتوفّر.
الجانب الإجتماعي
إضافة للعبء الاقتصاديّ الناتج عن مشاكل الخصوبة ومحاولات علاجها بأطفال الأنابيب والأدوية المختلفة، فإنّ الجانب الاجتماعيّ الناتج عن تلك المشاكل لا يقلُّ خطورةً عن ذلك، كالطلاق والمشاكل الزوجيّة التي يكون سببها عدم الإنجاب، ناهيك عن ازدراء المرأة غير المنجبة في مجتمعاتنا العربيّة التي تعتبر الإنجاب فيها المهمّة الرئيسة لوجود المرأة.
ظلمٌ كبير يقع على المرأة غير المنجبة التي تُحمَّل مسؤوليةَ أمرٍ ليس لها أيّ يَدٍ في حدوثه، فيتمُّ إقصاؤها وتهميشها بطريقة مُدمّرة لذاتها، والمجتمع يعزز ذلك بدلا من رفضه للأسف.
وما الأمثال الشعبية التي سمعْناها في طفولتنا إلّا تأكيد على هذا الظلم الذي لا يقبله عقلٌ ولا دين، مثل “الشجرة العاقر اقطَعْها من جذورها”، هذا ما كانت تسمعه قريبةٌ لي تأخَّرت في الإنجاب مِن أهل زوجها، جملة ينطقها قائلها ويمضي غيرَ آبِهٍ بالجرح الذي نخرَته في قلبِ إنسانة لا تملك من أمرها شيئًا.
هناك أسباب أُخرى لمشاكل الخصوبة كما أوضح الدكتور فاطيمي بالإضافة لزواج الأقارب، كنقص فيتامين (د) والسمنة، وقد يكون المسبّب اجتماع كلّ العوامل السابقة، ولهذا فإنّ مِن الواجب وضع هذه الحقائق أمام كلّ مُقبلٍ ومُقبلة على الزواج، بل إنّه مِن الجيّد نشْرُ هذه الدراسات في الصحف والمجلّات وإضافتها للمناهج الدراسيّة، فالعلم يتطوّر والأبحاث العلميّة لا تتوقّف لنكتشف كلّ يوم أنّنا ما زلْنا نجهل الكثير.
إنّ زواج الأقارب مرغوبٌ في مجتمعاتنا لأسباب عديدة، منها الحفاظ على الفتاة، والخوف عليها مِن المجهول، وضمان ترابط العائلة الممتدّة، والحفاظ على المال في الأسرة، لكنَّ آثاره السلبيّة التي يُبرهِنُها العلم كبيرة. والمسؤوليّة تقتضي التوعية، ليس مِن واجبنا التحكُّم في خصوصيّات الناس وتوجيههم، ولكنْ مِن واجبنا أنْ نضع الحقائق بين أيديهم. ولا يكفي إيصال المعلومات للجيل الشابّ المتطلّع الذي يُؤمن بالعلم، بل يجب أنْ تصل المعلومة إلى الأهل أيضًا عن طريق الإعلام، خصوصًا وأنّ الهدف هو مصلحة أبنائهم والأجيال القادمة التي تُعوِّل عليها الأوطان في التنمية والازدهار.

Facebook Comments

Leave a Reply