ست سنوات أخرى من فلاديمير بوتين

مارك بينيتس

نيوزويك

كان ذلك قرابة منتصف ليل 18 مارس/ آذار، عندما وقف فلاديمير بوتين المنتصر على منصة في مقر حملته الانتخابية بالقرب من الميدان الأحمر. مرتدياً سترة وقميصاً مفتوح العنق، ظهر زعيم روسيا لفترة طويلة وقد بدا مرهقا لكن راضٍ. لقد أمّنَ لنفسه للتو فترة رئاسية رابعة في انتصار انتخابي ساحق، مدّد فترة حكمه لست سنوات أخرى، حتى عام 2024.

في وسط موسكو راح مؤيدوه – الذين لم يبالوا بالجو المتجمد –  يلوحون بالأعلام ويهتفون “روسيا!” روسيا! ”. وعلى الرغم من مزاعم بانتشار مخالفات التصويت المتكرر على نطاق واسع، فقد أحجم نشطاء المعارضة المحبطون عن النزول للشوارع، وكان ذلك بالنسبة لبوتين نهاية يوم يكاد يكون مثالياً.

وبينما كانت طواقم التلفزيون من جميع أنحاء العالم تتزاحم على المكان، تحدث الرئيس الروسي عن مجموعة من القضايا، من أوكرانيا إلى الصين إلى واقعة الهجوم بغاز الأعصاب في جنوب إنجلترا على سيرغي سكريبال، وهو ضابط سابق في الاستخبارات العسكرية الروسية كان قد قام بالتجسس لصالح جهاز الاستخبارات البريطاني MI6. نفى بوتين المزاعم البريطانية بأنه أمر بالهجوم الذي تسبب في إدخال سكريبال وابنته المستشفى في حالة حرجة. وقال بوتين: “هراء، لا يمكن تصور أن تفعل روسيا ذلك”.

ثم في نهاية المؤتمر الصحفي، وجّه أحد الصحفيين سؤالاً إلى بوتين كان يدور في أذهان الجميع: هل ستكون تلك هي فترة ولايته الأخيرة؟ سخر رجل المخابرات الروسية كي جي بي السابق من السؤال، وأجاب: “هل من المفترض أن أجلس هنا حتى أبلغ المائة؟” وأضاف: “ما تقوله يبدو سخيفاً بعض الشيء”.

أهو سخيف حقاً؟ إن الدستور الروسي يحظر على أي شخص خدمة أكثر من ولايتين رئاسيتين متتاليتين، لكنه لا يذكر شيئاً عن الفترات المتباعدة للمنصب. فقد خدم بوتين ولايتين رئاسيتين، من عام 2000 إلى عام 2008، قبل أن يقوم بتبديل الوظائف مع ديمتري ميدفيديف رئيس الوزراء. وظل السياسي الأقوى في روسيا قبل أن يعود إلى الكرملين في عام 2012. لا يبدو، على الأقل من الناحية النظرية، أن هناك شيئاً يمنعه – بخلاف التقدم في العمر – من تكرار الحيلة نفسها مرة أخرى في عام 2030، عندما يبلغ وقتها 77 عاماً من العمر.

ليس من المستغرب حدوث ذلك، فرد بوتين لم يريح منتقديه، خاصة أولئك الموجودين خارج البلاد. وتأتي إعادة انتخابه في الوقت الذي تستمر فيه المواجهة بين روسيا والغرب فيما يتعلق بالحرب في كلّ من سوريا وأوكرانيا، فضلاً عن اتهامات الكرملين بالتآمر للتدخل في انتخابات الولايات المتحدة وأوروبا. هل ستحمل السنوات الست القادمة المزيد من الأزمات نفسها؟ حقيقة الأمر أن بوتين لا يمكن لأحد أن يتوقع ما سيفعله في المستقبل، فلم يكن شيئاً مما قاله أو فعله قبل فوزه الانتخابي السابق ينبئ بأن روسيا ستستولي على شبه جزيرة القرم أو سترسل المرتزقة لدعم النظام المحاصر في دمشق. إلا أن بعض المحللين يقولون: إن الرئيس الروسي ليس لديه نية للتراجع عن المواجهة الخطيرة المتزايدة مع الولايات المتحدة وحلفائها، فشعبيته المحلية وصورة الرجل القوي تعتمد إلى حد كبير على مواجهاته مع الغرب.

في موسكو بعد الانتخابات، كانت وسائل الإعلام الرسمية والشخصيات الموالية للكرملين لا يقبلون المساومة فيما يتعلق بدعمهم لبوتين. وقد وصفت مارغريتا سيمونيان رئيسة تحرير قناة روسيا اليوم، القناة التلفزيونية الروسية التي تمولها الدولة، بوتين بأنه فوشت البلد. تلك الكلمة الروسية تعني “الأب المؤسس للأمة”، وهو مصطلح يطلق فقط على شخصيات مثل فلاديمير لينين، مؤسس الاتحاد السوفييتي.

كتبت سيمونيان في مقال نشر على موقع روسيا اليوم الإلكتروني: “كان بوتين رئيسنا فقط، وكان يمكن تغييره”، مضيفاً: “لكننا الآن … لن نسمح بتغييره.”

‘خطير للغاية’

قبل الانتخابات بأسابيع،  أشاد بوتين خلال خطاب عدواني في موسكو، بما أسماه: أسلحة موسكو النووية الجديدة التي “لا تقهر”.

وقال في الأول من مارس/ آذار: “إن البلاد أُجبِرت على تطوير أسلحة متقدمة، بما في ذلك صواريخ عابرة للقارات تعمل بالطاقة النووية، ردا على دروع الصواريخ الأمريكية في أوروبا وآسيا. كما انتقد بشدة ما اسماه رفض واشنطن الدخول في محادثات جديدة للحد من التسلح”.

وأضاف: “لم يستمع إلينا أحد من قبل.. حسنا، استمعوا الآن.” وسط تصفيق حاد. كان خطابه مصحوباً بمقطع فيديو رسوم متحركة، تم بثه على الهواء مباشرة على التلفزيون الوطني، وأظهر الرؤوس الروسية وهي تمطر سماء فلوريدا، حيث غالباً ما يقضي الرئيس دونالد ترمب عطلات نهاية الأسبوع في منتجعه الخاص “مارا لاغو”.

وعلى الرغم من أن ترمب لم يكن راغباً في انتقاد بوتين بطريقة مباشرة، قائلاً: إنه يريد “التوافق” معه، إلا أن علاقة واشنطن مع موسكو هي الآن الأكثر إثارة للجدل منذ عقود.

وقد وصفها ميدفيديف، رئيس الوزراء الروسي، في الآونة الأخيرة بأنها “مثيرة للاشمئزاز” كما زعم أن المؤسسة السياسية الأمريكية تخرب جهود ترمب لتحسين العلاقات بين البلدين.

وقد وصف البيت الأبيض في فبراير/ شباط نظام بوتين بأنه يمثل خطراً قيادياً على الأمن العالمي.

وقالت إدارة ترمب خلال استعراض لسياساتها الدفاعية النووية: “لقد أبدت روسيا استعدادها لاستخدام القوة بغرض تغيير خريطة أوروبا وفرض إرادتها على جيرانها، مدعومةً بتهديدات نووية ضمنية وصريحة تستخدم لأول مرة”.

وفسر الكرملين البيان على أنه يعني أن واشنطن تعتبر موسكو الآن عدوها الرئيسي على المدى الطويل، كما قال فيودور لوكيانوف، رئيس مركز أبحاث مقره في روسيا، وهو مركز يقدم المشورة للحكومة الروسية في بعض الأحيان.

وأشار: “لقد دخلنا حالة من الحرب الباردة”، مضيفاً: “لم تعد هناك نقطة انطلاق متبادلة يمكن من خلالها حتى بدء حوار. فكلا الطرفين يتخذ اجراءات متهورة ويتفاعل فورياً مع الأحداث، بدلاً من تنفيذ إستراتيجيات مدروسة جيداً. إن هذا خطير للغاية “.

يقول المحللون: إن احتمال حدوث مواجهة عسكرية مفتوحة بين البلدين لا يزال منخفضاً.

لكن في فبراير/ شباط قتلت غارة جوية أمريكية أعداداً من المرتزقة الروس عندما حاولوا الاستيلاء على مصفاة نفط تقع تحت حماية الولايات المتحدة في شرق سوريا.

(لم ترد تقارير عن إصابات في الجانب الأمريكي). وكانت هذه هي المرة الأولى التي يقتل فيها الجنود الأمريكيون أشخاصاً روس في نزاع مسلح منذ نهاية الحرب الباردة.

تم استخدام المرتزقة الروس من قِبَل مجموعة واغنر، وهي بمثابة مقاول عسكري خاص وغامض مرتبط بالكرملين.

وبعد ذلك بأسابيع، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن يفجيني بريغوزين، الذي يفترض أنه يسيطر على واغنر، كان على اتصال وثيق مع الكرملين والمسؤولين السوريين قبل الهجوم على مصفاة النفط.

ويظل من غير الواضح ما إذا كان بوتين أو غيره من كبار المسؤولين الروس قد وقّعوا على قرار الهجوم.

وقد قلل الكرملين من أهمية العملية ولم يتخذ أي إجراء لتنفيذ ضربات انتقامية.

ومع ذلك، فلا تزال التوترات عالية فيما تتواجد القوات الأمريكية والقوات المدعومة من روسيا على بعد أميال قليلة من بعضها البعض في شرق سوريا.

وفي 13 مارس/ آذار قال فاليري جيراسيموف، قائد الجيش الروسي: إن موسكو ستنتقم إذا ما هاجمت الولايات المتحدة الجيش السوري.

ومع ذلك، فإن الخطر الأكبر للصراع بين واشنطن وموسكو قد يقع في أوكرانيا.

فطوال السنوات الأربع الماضية، كييف في حرب مع الانفصاليين الذين تقودهم روسيا، ما أدى إلى مقتل أكثر من 10 آلاف شخص. بدأت الأعمال العدائية في عام 2014، عندما وصلت حكومة موالية للغرب إلى السلطة في أوكرانيا، مما عزز فرص انضمام الدولة السوفيتية السابقة في يوم ما إلى حلف شمال الأطلسي. وهذا أشعر بوتين بالرعب، فالكرملين يعارض أن تصبح أوكرانيا عضواً في ذلك التحالف العسكري الغربي، ويرجع ذلك أساساً إلى أنها لا تريد وجود قوات أمريكية على حدودها.

وقد قال دميتري ترينين، مدير مركز أبحاث كارنيجي موسكو لموقع “ميدوزا” الإخباري على الإنترنت: “إذا حدث صدام حقيقي في يومٍ ما، فإنه سيحدث في أوكرانيا”. وقال: “إنه، بالنسبة لبوتين، فإن أوكرانيا هي خط الدفاع الأخير ضد الناتو”.

وقد أعلنت إدارة ترمب في ديسمبر أنها ستبدأ في تسليم أسلحة قتالية، بما في ذلك صواريخ جافلن المضادة للدبابات، إلى الجيش الأوكراني.

(كانت إدارة أوباما، التي كانت قلقة من أن تؤدي هذه الخطوة إلى تصعيد الصراع، قد قاومت مطالب كييف لمثل تلك الأسلحة).

وكان رد فعل موسكو غاضباً كالرد المتوقع على تحرك إدارة ترمب، واصفة واشنطن بأنها “شريك في إثارة حرب”.

ومع ذلك، يبدو مستشارو ترمب والأمن القومي الأمريكي منقسمين عندما يتعلق الأمر بسياسة روسيا.

ففي 20 مارس/ آذار، هنأ الرئيس الأمريكي بوتين على إعادة انتخابه، متجاهلاً التحذيرات التي ورد أنها صدرت من المستشارين والمواد الإعلامية التي قالت: “ لا تهنؤوا”. ربما شعر المسؤولون بأن القيام بالتهنئة – بعد وقت قصير من اتهام هيئة محلفين فدرالية لـ 13 روسياً بالتدخل في انتخابات 2016 الأمريكية – قد يرسل رسالة خاطئة للروس.

آخر نداء: بعد انتصار بوتين الأخير في الانتخابات الرئاسية، يتساءل الكثيرون فيما إذا كان الرئيس سيقوم بالتنازل طوعاً عن السلطة..

من المستبعد أن يؤدي تعيين ترمب لكل من مايك بومبيو باعتباره وزيراً للخارجية وجون بولتون باعتباره مستشاراً للأمن القومي مؤخراً إلى تحسين الوضع؛ فكلا الرجلين مقاتلان في الحرب الباردة ونقاد طويلو الأمد لروسيا.

ويقول ستيفن بيفر، سفير الولايات المتحدة السابق في أوكرانيا، وهو الآن زميل بارز في معهد بروكينغز في واشنطن العاصمة: “يرى الكرملين أن الولايات المتحدة منقسمة”، مضيفاً: “علينا أن نتوقع من الكرملين أن يعتقد أن هذا الوضع يمنح روسيا مجالاً واسعاً لدفع أجندتها بشكل أكثر قوة. “

يقول الخبراء: إن هناك خطوة واحدة واضحة يمكن أن يتخذها بوتين لصد حلف شمال الأطلنطي، لكنها محفوفة بالمخاطر، وهي: الهجوم على إحدى دول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا)، وكلها من الجمهوريات السوفيتية السابقة التي انضمت إلى التحالف العسكري الغربي في العام 2004.

ووفقاً للمعاهدة الدفاعية لحلف شمال الأطلنطي، فإن الهجوم على أحد الأعضاء هو اعتداء على الجميع.

ومن غير الواضح ما إذا كانت الولايات المتحدة والقوى الغربية الأخرى مستعدة لخوض الحرب مع روسيا للدفاع عن بلد في أوروبا الشرقية قد يجد العديد من المواطنين الأمريكيين صعوبة في العثور عليها في خريطة العالم.

لكن الفشل في القيام بذلك من شأنه أن يدمر حلف الناتو باعتباره تحالفاً عسكرياً قابلاً للتطبيق في حين أنه سيمثل وقتها نجاحاً كبيراً لبوتين.

من غير المحتمل أن يحدث غزو روسي مباشر للمنطقة في المستقبل القريب، كما يقول ألييد نايلور، مؤلف كتاب “شادو إن ذا إيست”، وهو كتاب سيصدر قريباً عن روسيا ودول البلطيق.

لكن كثيراً ما تتهم الدول الثلاث الكرملين بشن شكل منخفض المستوى من الحرب متعددة الأشكال ضدهم.

ويقول مسؤولو الناتو والبلطيق: إنه من المرجح أن موسكو كانت تقف وراء تشويش شبكة الاتصالات المحمولة في لاتفيا قبل مناورات الحرب الروسية في المنطقة في سبتمبر/ أيلول الماضي، بينما واجهت ليتوانيا هجمات سيبرانية إلكترونية متكررة.

وتقول إستونيا: إن الطائرات العسكرية الروسية قامت بعدد من عمليات التوغل في مجالها الجوي في السنوات الأخيرة. أحدث حادثة مزعومة وقعت في 12 مارس/ آذار، وقد نفت موسكو التهمة.

“إن احتمال العدوان الروسي في دول البلطيق سيكون مصدر قلق دائم”، كما يقول نايلور.

“في الوقت الراهن، ليس من مصلحة روسيا المخاطرة بمهاجمة عضو في الناتو، لكن هذا قد يتغير. وعلى الغرب أن يكون هادئاً ولكن يقظاً للغاية”.

يقول المنتقدون: إن بوتين قد يأمر الجيش الروسي بعمل ما لتحويل الانتباه عن المشاكل الداخلية. فقد نجح هذا الأمر معه بالفعل في مناسبتين؛ ففي عام 1999 عندما كان رئيس وزراء غير معروف وغير مشهور، سيطر بوتين على حملة الجيش الروسي في الشيشان، حين تعهد بمحو المتمردين الانفصاليين من الوجود. لقد أحب الروس شخصيته الخشنة، وارتفعت معدلات قبوله، مما جعله في وضع مثالي لخلافة بوريس يلتسين المريض في الرئاسة.

وفي عام 2014، قبل الأزمة في أوكرانيا، كانت معدلات بوتين تحلق حول 60 في المئة.

هذا رقم يحسده عليه كثير من القادة في الغرب. لكن بالنسبة لرئيس روسي له سيطرة تامة على وسائل الإعلام الحكومية، فقد كان رقماً مثيراً للقلق.

لكن بعد أن قام الكرملين بضم شبه جزيرة القرم، اجتاحت روسيا موجة من المشاعر الوطنية، وارتفعت معدلات بوتين بسرعة الصاروخ إلى أكثر من 80 بالمائة، حيث بقيت ليومنا هذا. وكما قال العديد من النقاد في ذلك الوقت، فإن هذا هو بالضبط نوع “الحرب الصغيرة المنتصرة” التي كان يحتاجها بشدة ضابط المخابرات السابق في الكي جي بي.

مسار معظم المعارضة: إن بوتين متهم بالقيام والتستر على عمليات فساد على مستوى كبير وعالي، مِن قِبَل المُعارض نافالني. وعلى الرغم من أن بوتين ينفي هذه التهم، إلا أنه سيضطر يوماً إلى أن يُجيب عن الأسئلة الموجهة له.

‘نقطة ضعف بوتين’

في عام 2012، عندما عاد بوتين إلى الرئاسة بعد انقطاع دام أربع سنوات، بدا وكأنه يبكي من السعادة – أو ربما الارتياح – خلال مسيرة انتصار بالقرب من الميدان الأحمر.

لكن بعد فوزه في مارس/ آذار، كان خطاب بوتين مختصراً، وأقرب للنص الثابت. فقد تحدث لأقل من ثلاث دقائق أمام مناصرين له يلوحون بالأعلام بالقرب من جدران الكرملين.

وقال: “سنفكر في مستقبل وطننا الأم العظيم، وفي مستقبل أبنائنا.”

وأنهى بقوله: “النجاح ينتظرنا”، ثم خرج من المنصة.

هناك سبب وراء اختلاف الخطابين.

فقبل ست سنوات، كان بوتين في موقف دفاعي عندما بدأت حركة معارضة جديدة لحجب الثقة في تنظيم موجة ضخمة من الاحتجاجات واسعة النطاق في موسكو يزعم تزوير الأصوات. ولبضعة أسابيع، بدا الأمر وقتها كما لو أن خصوم الكرملين لديهم زخم حقيقي – ربما يكفي لإسقاط بوتين نفسه.

لكن ليس بعد الآن؛ فبدخوله فترة ولايته الرابعة، أصبح الأقوى أكثر من أي وقت مضى، على الأقل في الداخل.

منعت لجنة الانتخابات التي تسيطر عليها الحكومة الروسية أليكسي نافالني، زعيم المعارضة، من الترشح للرئاسة، في حين أطلق مسلح شيشاني النار علي بوريس نمتسوف، وهو أيضاً من أبرز منتقدي الكرملين، قرب الساحة الحمراء في العام 2015 .

وفي فترة ما قبل الانتخابات الوطنية، قامت السلطات بسجن عشرات من أنصار المعارضة، في حين هاجمهم النشطاء الموالون لبوتين مع الإفلات من العقاب.

والآن بعد أن انتهى التصويت، يخشى المنتقدون أن الحكومة تخطط لشن حملة قمع أخرى واسعة النطاق ضد المعارضة.

يقول ديمتري أورشكين، وهو محلل سياسي مستقل: “لطالما تم تصوير المعارضة منذ فترة طويلة على أنهم خونة للوطن وعلى استعداد لبيع بلادهم للغرب”.

ويضيف: “إنه تكتيك سوف يستمر بوتين في استخدامه”.

بالطبع لدى روسيا مشاكل داخلية؛ فالفقر آخذ في التزايد، والغضب يتصاعد ضد الفساد في المستويات العليا، وهناك مظاهرات متكررة في جميع أنحاء البلاد، وإن كانت فقط عن القضايا المحلية.

وفي 21 مارس/ آذار؛ قام متظاهرون في مسيرة تجمعت احتجاجاً على موقع لدفن النفايات بالقرب من موسكو بمهاجمة مسؤول في المدينة وألقوا كتلاً من الثلج على أندري فوروبييف، الحاكم الإقليمي.

لكن العقوبات الاقتصادية الغربية ضد موسكو – بسبب تصرفاتها في أوكرانيا – سمحت لدعاية الكرملين بتوجيه اللوم على تراجع مستويات المعيشة إلى القوى الأجنبية، في سعي منهم لتهدئة الغضب الشعبي وتقوية الشعور المتنامي بالوطنية.

بينما تقول شخصيات معارضة: إن العقوبات الفردية ضد بوتين وأعضاء النخبة المرتبطة بالكرملين هي الأكثر فاعلية.

ومع أن حلفاء بوتين من السياسيين ورجال الأعمال يفتخرون بحبهم الأبدي للوطن الأم روسيا، إلا أنهم يستخدمون البنوك الأجنبية، ويرسلون أبناءهم وأحفادهم للتعليم في الخارج، كما أنهم يشترون عقارات فاخرة في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث يتمتعون بحرية تناول الأجبان الفرنسية، ولحم الخنزير الإسباني، والطماطم الإيطالية، وكلها سلع يحظرها بوتين محلياً.

تقول شخصيات معارضة: إن على الدول الغربية أن تستهدف بشكل متزايد تلك الشخصيات القريبة من بوتين، وليس الروس العاديين. يقول إيليا ياشين، وهو ناشط بارز مناهض للحكومة: “عندما تُفرَض العقوبات على مؤسسة بوتين، فإن هذا يثير صدعاً في دائرته الداخلية”.

ويضيف: “هذه نقطة ضعف بوتين. إنه يريد أن يحكم مثل ستالين ولكنه يعيش مثل أبراموفيتش [الروماني] “ في إشارة إلى الثري من حقبة الاتحاد السوفييتي، الذي يملك نادي تشيلسي الإنجليزي لكرة القدم.

كما أن النقاد الغربيين كثيراً ما يشبهون بوتين بستالين وغيرهم من الطغاة سيئي السمعة، ويصورونه على أنه محترف شطرنج شرير، يقضي وقته في التخطيط لقتل الغرب.

ومع ذلك، فإن أولئك الذين درسوا الرئيس الروسي يقولون: إن هذا ليس صحيحاً تماماً. تقول آنا أروتونيان، وهي محللة بارزة في روسيا لمجموعة الأزمات الدولية ومؤلفة كتاب “لغز بوتين: داخل عبدة السلطة في روسيا”: “أحياناً ما يميل صانعو السياسة الغربيون إلى إفتراض وجود إستراتيجية تجاوز لأفعاله، تهدف إلى تقويض القواعد الدولية”.

وتضيف: “لا توجد مثل هذه الإستراتيجية. إن الافتراض بأن هناك خطة شريرة كبرى لا تغذي إلا أوهاماً داخلية بأن روسيا تحت الحصار”.

بدلأ من هذا التصور، تقول آنا أروتونيان: إن بوتين هو أكثر انتهازية؛ إذ يستغل المواقف التي تحدث.

فعلى سبيل المثال، بينما كانت الفوضى تعم البلاد بسبب أوكرانيا بعد ثورة 2014، قام بوتين بضمّ شبه جزيرة القرم. لم يكن بالضرورة يبحث عن قتال، بل كان يقامر بأن الغرب لن يمنعه. وقد كان محقاً.

تقول آنا أروتونيان: “بوتين لا يستمتع بالمواجهة في حد ذاتها”.

يقول لوكيانوف، المحلل المرتبط بالكرملين، إن الرئيس الروسي ليس قوياً بالدرجة التي يصوره بها الغرب.

ويقول أيضاً: “إنه يتم تصويره على أنه شخصية ساخرة، يتدخل [شخصياً] في الانتخابات في جميع أنحاء العالم، ويستخدم الأسلحة الكيماوية في إنجلترا، ثم يجلس في الكرملين كاتماً ضحكاته”، و”إن هذا أشبه بشيء من أفلام جيمس بوند، لكن هذه الأنواع من الناس لا وجود لها في الحياة الحقيقية”.

وبينما تبدي وكالات الاستخبارات الأمريكية قلقها من التدخل الروسي المحتمل في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018 وما بعدها، تحذر شخصيات مؤيدة للحكومة في موسكو من أن الصور الغربية المبالغ فيها لبوتين وتأثيره العالمي يؤديان فقط إلى مزيد من التوتر بين روسيا والغرب.

وقد ازداد هذا التوتر في 26 مارس/ آذار، عندما طردت الولايات المتحدة والدول الأوروبية عشرات الدبلوماسيين والجواسيس الروس بشأن ادعاء استخدام الكرملين لغاز أعصاب ضد سكريبال وابنته في بريطانيا، هذا التحرك جعل من حجم عمليات الطرد المماثلة في الحقبة السوفيتية يبدو قزماً بجواره، وحدث ذلك بعد ثمانية أيام فقط من فترة ولاية بوتين الجديدة التي تستمر لست سنوات.

وفيما بعد، وصفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية هيذر ناورت روسيا بوتين بأنها “وحش من أعماق البحار ذو مخالب كثيرة”. وقال بوريس جونسون، وزير الخارجية البريطاني: إن عمليات الطرد كانت جزءاً من جهد منظم لتغيير ما أسماه عقلية الزعيم الروسي المدمرة. وقال: “[بوتين] … يريد أن يسبب المشاكل أينما يستطيع”.

وعلى الفور أقسمت موسكو على الانتقام من عمليات الطرد، وهو ما قامت به بالفعل.

ففي 30 مارس/ آذار، أمرت روسيا عشرات الدبلوماسيين الأمريكيين والأوروبيين بمغادرة البلاد، ويتوقع الكثيرون أن تتصاعد الأزمة؛ فقد قالت ناورت: “نحن نحتفظ بالحق في الرد” … “لا ينبغي لروسيا أن تتصرف باعتبارها ضحية.”

حرب ودروع: إن بعض المحللين يقولون إن شعبية بوتين تعود لمواجهاته المستمرة مع الغرب.

الوصول إلى القياصرة

على الرغم من أن القادة الغربيين يتحدثون بشكل متزايد عن وسائل إضعاف بوتين من خلال العقوبات الاقتصادية أو الطرد الدبلوماسي، فإن سقوطه سيأتي على الأرجح نتيجة لاقتتال داخلي في الكرملين.

فعلى عكس معظم الدول الغربية، حيث تكون التغييرات القيادية سلسة بشكل عام، فإن تعاقب الرؤساء في الدول السوفيتية السابقة هي أمور أكثر خطورة.

وقد اتُّهم بوتين بالفساد الشخصي واسع النطاق من قبل شخصيات معارضة روسية، وقد تم اتهامه دولياً بارتكاب جرائم حرب بسبب الدمار الذي لحق بالشيشان وبسبب سقوط طائرة الخطوط الجوية الماليزية – رحلة رقم 17 – فوق أوكرانيا بصاروخ يُعتَقد أنه وارد من روسيا.

هو ينكر هذه الاتهامات، ولكن في يوم ما قد يتم إجباره على الرد عليها – سواءً في روسيا أو في محكمة دولية.

إنه خطر يدركه تماماً الرئيس الروسي.

يقول أندري كوليسنيكوف، وهو محلل سياسي في مركز أبحاث كارنيغي موسكو: “عليه أن يضمن أمنه الشخصي قبل أن يستطيع التخلي عن السلطة”.

وضع بوتين مماثل للوضع الذي وجد يلتسين نفسه فيه منذ 18 عام تقريباً، عندما كان أول رئيس روسي يواجه تحقيقاً في اتهامات بغسل الأموال.

ففي خطوة تهدف إلى ضمان عدم تعرضه هو أو أسرته للملاحقة القضائية، قام بوضع بوتين خليفة له. نجحت المناورة، وظل الرجل السابق في الكي جي بي في السلطة حتى الآن.

وبينما يبحث بوتين عن شخص يخلفه، فإن دائرته الداخلية تتصارع من أجل المنصب. لكن هذه الشخصيات الفاعلة – رجال مثل إيغور سيشين، الرئيس القوي لشركة روزنفت، أكبر منتج للنفط في روسيا – سيكون لديها على الأرجح أفكارها الخاصة حول من هو الأفضل لمنصب الرئيس، كما يقول غليب بافلوفسكي، المستشار السابق لإدارتي كلّ من يلتسين وبوتين. ويضيف: “عليهم أن يختاروه خليفة، لكنهم لا يستطيعون القيام بذلك علانية”. “سيحاول بوتين ودائرته أن يخدع كل منهما الآخر، وستصبح اللعبة حادة جداً في العامين المقبلين. إننا مقبلون على فترة خطيرة للغاية”.

ومع ذلك ففي الوقت الراهن، فإن بوتين لن يذهب إلى أي مكان. ويقول البعض إنه من السذاجة أن نتوقع منه أن يتنحى مطلقاً. وقد كتب أوليغ كوزلوفسكي، الناشط المعارض منذ زمن طويل، في مقال له على الإنترنت: “دعونا لا نتحدث عن “ست سنوات أخرى”… “[بوتين] سيترك السلطة فقط عندما يموت، أو عندما يتم طرده. وكلاهما لا يرتبط بأي توقيتات انتخابية”.

جنود روس في سوريا

Facebook Comments

Leave a Reply