سقوط الملك بيبي

إذا أجبرت سلسلة فضائح الفساد بنيامين نتنياهو على ترك منصبه، فسيخلف وراءه دولة منقسمة بشدة؛ وربما بشكل لا يمكن إصلاحه.

غريغ كارلستروم

نيوزويك

كان من المفترض أن تكون زيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن في وقتٍ سابق من هذا الشهر نصراً سياسياً، ولحظة ابتهاج.

أُجبر رئيس الوزراء الإسرائيلي المتشدد، في معظم سنواته الـ 12 التي قضاها في السلطة، على العمل مع الرؤساء الأميركيين الذين احتقروه، من الديمقراطيين ذوي الميول اليسارية الذين تحدثوا عن المستوطنات والدولة الفلسطينية.

الآن، لديه دونالد ترمب.

كان اجتماعهما في الخامس من مارس/ آذار في البيت الأبيض هو الأول منذ إعلان الولايات المتحدة خطط نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس في ربيع هذا العام؛ فقد طالب السياسيون الإسرائيليون بهذه الخطوة منذ فترةٍ طويلة، وكان نتنياهو هو من حققها.

وكما لم يُجامَل أحداً من قبل، فقد قارن نتنياهو ترمب بقوروش، الحاكم الفارسي الذي حرّر رعاياه اليهود منذ 2500 سنة، وسمح لهم بالعودة إلى القدس.

خرج من اجتماعه مع ترمب إلى مؤتمر السياسة السنوي للجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية آيباك (AIPAC)؛ حيث رُحّب بنتنياهو وزوجته بالوقوف والتصفيق الحار، وبترحيب أكثر حفاوة مما كان سيجده في الوطن.

ومع ذلك أُفسدت الرحلة بأكملها منذ البداية.

فقبل ساعاتٍ من لقاء نتنياهو بترمب، علم الإسرائيليون أن أحد أقرب مستشاري رئيس الوزراء وهو نير هيفيتز، قد انقلب عليه.

وقد وصف صحافي سابق نير هيفيتز بأنه “المروّج السياسي لنتنياهو”، وهو الشخص المسؤول عن التملق الخاص بالتغطية الإعلامية لرئيس الوزراء وزوجته.

لكن بعد اعتقال هيفيتز في فبراير/ شباط، وافق على الإدلاء بأقواله وتسليم تسجيلات لنتنياهو وهو يناقش مؤامرة إجرامية مزعومة. وهو ثالث شخص مقرب من رئيس الوزراء معروف أنه تعاون مع السلطات في الأشهر الأخيرة.

تصرّف نتنياهو كأن شيئاً لم يحدث. فهو بعد كل شيء ثاني رئيس وزراء إسرائيلي أمضى أطول مدةً في الخدمة. فقد نجا من تحقيق الشرطة من قبل، في فترة ولايته الأولى في التسعينيات. قال متجاهلاً سيلاً من تحقيقات الفساد: “لن يحدث شيء لأنه لا يوجد شيء”. وقد حقق بعض النقاد مسيرتهم المهنية من التقليل من شأنه.

قبل الانتخابات الأخيرة في 2015، كان الإسرائيليون مقتنعين بأن نتنياهو قد انتهى، وتوقعوا أن يعتمد التصويت على الاقتصاد، وأنّ رئيس الوزراء لا يمتلك الكثير ليقدمه، (حتى إنه لم يكلف نفسه عناء إطلاق برنامج اقتصادي)، وبالرغم من ذلك، فقد فاز بشكلٍ حاسم. ومع ذلك، حتى حلفائه بدأوا يهمسون بأن زيارته المبهجة إلى واشنطن هي زيارته الأخيرة.

بعد سنوات من التحقيقات، بدأت الشرطة تضيق عليه، وتزداد القضايا ضده قوة يوماً بعد يوم.

سيقرر النائب العام الإسرائيلي في الأشهر المقبلة ما إذا كان سيوجه إليه الاتهام في عدد كبير من التهم التي تتراوح بين التهم السخيفة والخطيرة المميتة. الرجل الذي لُقّب مرةً بــ “الملك بيبي”، والذي سيطر على المشهد السياسي الإسرائيلي لعشر سنوات، وخطّط للبقاء لأكثر من ذلك بكثير، والآن فجأةً، يبدو ضعيفاً.

كان خطابه في مؤتمر السياسة السنوي للجنة الشؤون الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) هو خطابه المعتاد. تحدّث عن أمن إسرائيل، وروابطها الدبلوماسية المزدهرة مع أجزاء من العالم لم تكن لها علاقات ودية معها من قبل، وصناعة التكنولوجيا المتقدمة التي تُحسد عليها. وهذه إنجازات لا يمكن إنكارها، لكنها ليست إرث نتنياهو الحقيقي؛ فعندما يذهب -ويبدو أن السؤال أصبح الآن متى أكثر منه لو- سيترك خلفه دولة منقسمة بشدة، وربما بشكل لا يمكن إصلاحه.

إن هذا الانقسام ليس خطأه كلياً؛ فقد لعبت التغييرات الديموغرافية والثقافية -من النمو السريع للسكان اليهود الأرثوذوكس المتطرفين إلى الدعوة إلى الحرب من الجيل الأصغر الذي نشأ خلال الانتفاضة الثانية، الانتفاضة الفلسطينية العنيفة- دوراً رئيسياً، لكنه دون شك سرّع العملية.

فقد سمح للهاريديم (الكلمة العبرية لليهود الأرثوذوكس المتطرفين) أن يُملوا سياسة كل شيء، من بناء خطوط السكك الحديدية إلى ترتيبات الصلاة عند حائط المبكى. لقد ظل نتنياهو صامتاً إلى حد كبير حول التحريض اليميني الوحشي الذي يستهدف الرئيس والجيش، وبدلاً من التصدي للأشخاص الهامشيين العنصريين والقوميين في ائتلافه، كان يُمكنّهم؛ على سبيل المثال، كان في العمل النهائي في حملته عام 2015 تحذيراً يوم الانتخابات بأن “العرب قادمون إلى صناديق الاقتراع بأعداد كبيرة”.

قد تكون الإنشقاقات في المجتمع الإسرائيلي واضحة خلال أشهر قليلة، ومع لوائح الاتهام التي تلوح في الأفق، قد يدعو نتنياهو إلى انتخابات مبكرة، وقد يدخل الحملة بنسبة تأييد أقل من الثلاثينات، ومعظم الإسرائيليين يطالبون باستقالته.

يكافح العديد من الناخبين مالياً بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض الأجور ونقص المساكن.

إن عملية السلام مع الفلسطينيين لم يعد لها وجود، ومع ذلك، فإنه إذا أجريت الانتخابات اليوم، على الرغم من عدم شعبيته واحتمال تزايد الملاحقة القضائية له، فإنه قد لا يزال قادراً على الفوز.

رجل يهودي يصلي عند حائط المبكى في القدس

وضع أحدهم بيبي في موقف صعب

لقد اتُهم نتنياهو بالفساد البسيط لعقود من الزمن، وتستمتع الصحافة بأن تتغذّى على حياتهم المترفة.

فقد كتب جيدي وايتز، مراسل صحيفة هارتس، وأحد كبار المراسلين الصحفيين في إسرائيل، قصة ذات مرة عن ميلهم إلى التهرب من دفع الحساب في مطعم إيطالي حيث كان يعمل في التسعينيات.

وبعد إعادة انتخاب نتنياهو في 2009 زادت الهدايا المجانية؛ فقد وقّع عقداً بقيمة 2,500 دولار لآيس كريم الذوّاقة في مقر إقامتهم الرسمي، وقام العمال بتثبيت سرير بقيمة 127,000 دولار في طائرة حكومية، ليتمكن هو وزوجته من أخذ قيلولة خلال رحلة استغرقت خمس ساعات إلى لندن. وعلى الرغم من أنها كانت احتيالات صغيرة، يستفيد السياسي من منصبه ليعيش حياةً أكثر رفاهية، وربما كان أبرزها ما عرف باسم “بوتل غيت”؛ فقد استولت سارة نتنياهو لعدة سنوات على المبالغ المستردة البالغة 8 سنتات من إعادة زجاجات النبيذ الفارغة التي اشترتها الدولة.

(سارة هي شخصية مؤثرة في إدارة زوجها، وهي مصدر لمشاكله القانونية أيضاً، فقد نجح اثنان من عمال المنزل السابقين في مقاضاتها بسبب سوء المعاملة).

تحولت الادعاءات إلى ادعاءات أخطر بكثير في 13 فبراير/ شباط وذلك عندما أوصت الشرطة بتوجيه اتهامات ضد نتنياهو في قضيتين منفصلتين.

ففي القضية الأولى المعروفة باسم “القضية 1000”، المتهم فيها بقبول هدايا من أصحاب المليارات وتقديم خدمات لهم في المقابل، مثل المساعدة في تجديد تأشيرة الإقامة الأمريكية لأحدهم. ويُزعَم أن سخائهم – السيجار والشمبانيا وما شابه – بلغ مليون شيكل، أو حوالي 288,000 دولار. (في ازدهار رائع، كان أحد المحسنين له أرنون ميلشان، منتج فيلم بريتي وُمان).

أما القضية الأخرى فتدور حول أرنون موسى، ناشر صحيفة يديعوت أحرونوت، أكبر الصحف الإسرائيلية اليومية المدفوعة. فلطالما كان أرنون منتقداً لنتنياهو، وهو موقف سببه الخلاف الشخصي أكثر من الاختلافات السياسية.

قارنت سارة نتنياهو موسى مرةً باللورد فولدمورت الشرير في روايات هاري بوتر.

ومع ذلك ووفقاً للشرطة، عقد الخصمان لقاءات ودية لمناقشة مقايضة؛ عرض موسى فيها التخفيف من انتقاد رئيس الوزراء في تغطيته الصحافية، وفي المقابل، زعم أن نتنياهو عرض عليه أن يقضي على “إسرائيل هايوم”، وهي صحيفة مجانية شعبية يموّلها عملاق نوادي القمار الأمريكي “شيلدون أديلسون”، والتي أخذت قسماً كبيراً من إيرادات “يديعوت” الإعلانية.

لا يوجد أي دليل على أن نتنياهو تحرك لتنفيذ وعده.

في الواقع، فعل العكس، حيث دعا لإجراء انتخابات مبكرة في عام 2014، لوقف مشروع قانون من شأنه أن يحدّ من توزيع صحيفة أديلسون.

لكن ربما كان مجرد النقاش جريمة.

في السنوات الماضية، كانت هذه الادعاءات كافية لإنهاء مسيرة السياسي الإسرائيلي.

إستقال إسحاق رابين من رئاسة الوزراء عام 1977 بعد أن اكتشف صحفي أن زوجته احتفظت بحساب مصرفي أجنبي، والذي تحتفظ فيه بحوالي 10 آلاف دولار من أموالها الخاصة.

أمر غريب كما يبدو عليه في وقتنا الحالي، كان ذلك أمراً غير قانوني في إسرائيل، فقد كانت في ذلك الحين بلداً فقيراً نسبياً في حاجة ماسة للعملة الأجنبية.

واعترف رابين بأنه كان “خطأ”، وقال: إنه لن “يختبئ وراء الحصانة البرلمانية”. ولم يكن هناك أي اقتراح بالرشوة أو الفساد، ولكن حتى هذا الانتهاك الفني البسيط كان كافياً لإقالة رئيس الوزراء من منصبه.

لم يعد الأمر كما كان؛ فالآن أصبح البلد الذي كان يوصف بأنه “كيبوتسيم اشتراكي” عكس ما هو الواقع الفعلي، حيث يتمتع باقتصاد ليبرالي جديد.

كما وأصبح من بين أعضاء منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهذه المنظمة هي نادٍ للأمم الغنية؛ وإسرائيل تحتل المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في عدم المساواة الاقتصادية.

يقول إيفات زامير، رئيس الفرع الإسرائيلي لمنظمة ترانسبيرينسي إنترناشيونال: “اعتدنا أن نكون مجتمعاً متجانساً للغاية؛ حيث لم يكن لدى أحد أموالاً كثيرة”. ثم في التسعينيات، كسب بعض الناس بعض المال، وتغير العالم معهم، وكذلك ثقة الجمهور في الحكومة”.

في الحقيقة، كان رد فعل العديد من الإسرائيليين على الادعاءات ضد نتنياهو هو اللامبالاة.

إلا أن نشطاء يساريون نظموا احتجاجات أسبوعية ضد رئيس الوزراء؛ لكن حتى في ذروتها هذا الصيف، كان عدد الحشود بالآلاف فقط.

وبحلول شهر مارس/ آذار، تضاءلوا إلى بضع مئات.

كان العديد من النشطاء الحاضرين يميلون بالفعل إلى عدم الإعجاب بنتنياهو، فقاعدته اليمينية لم تهجره، وعلى العكس تماماً، أظهرت بعض الاستطلاعات فعلاً أن شعبيته قد زادت،.

وفي الأيام الأولى بعد أن أصدرت الشرطة توصيتها، كان من الممكن التفكير في أن نتنياهو سيحتفظ بوظيفته.

لكن قائمة المزاعم ما زالت تتزايد؛ فقد اتُهم بإبرام صفقة مزعومة أخرى مشكوك فيها مع رجل الأعمال شاوول إلوفتش، مالك شركة بيزك، شركة الاتصالات الرئيسية في إسرائيل، والذي يمتلك أيضاً موقع “والا”، وهو موقع إخباري مشهور.

في هذه الصفقة، ربما كانت الخدمات تساوي مئات الملايين من الدولارات.

وتنظر الشرطة أيضاً فيما إذا كان نتنياهو ومساعدوه قد عرضوا على قاضٍ ترقية ليصبح نائباً عاماً إذا وافق على إيقاف دعوى ضد زوجة رئيس الوزراء.

وتلوح في الأفق خلفية المزاعم التي تقول إن كبار المسؤولين الأمنيين أخذوا رشاوى من تكتل ألماني يعمل في صناعة الغواصات ذات القدرة النووية التي تستخدمها البحرية الإسرائيلية.

لم يورِّط الأمر الأخير نتنياهو بعد، لكن العديد من كبار مستشاريه رهن التحقيق.

وكما قال أحد أعضاء الكنيست، الذي تحدث دون الإفصاح عن هويته بسبب حساسية الموضوع: “لا يزال لدينا بعض الخطوط الحمراء، وأحدها يعبث بالأمن القومي”.

اليسار في إسرائيل يُعارض نتنياهو وبشدة

أستاذ الوضع الراهن

إذا حُكم على نتنياهو يوماً ما في سجن “ماسياو”، وهو سجن ذو حراسة مخففة، فإنه سيكون قد اتبع مساراً اتبعه كثيرون لدرجة انه اصبح غير مثير للاهتمام.

ففي فبراير/ شباط 2016، كان رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت يتم اقتياده إلى تلك المنشأة، فقد أُدين بالرشوة قبل عامين، وحُكم عليه بالسجن لمدة 19 شهراً خلف القضبان.

أراد أحد البرامج الصباحية على الإذاعة الإسرائيلية تقديم بعض النصائح للسجين الجديد، ولم يكن من الصعب ترتيب ذلك؛ فلقد قضت حكومة الظل الحقيقية الوقت في السجون الإسرائيلية.

دعا المضيفون وزير الصحة السابق، شلومو بينيزري، لتقديم النصائح. (أشار إلى أن “الحراس لا يشعرون بالعاطفة تجاه الوزراء”).

لكن قضية نتنياهو قد تكون مختلفة لسبب واحد، وهو أن القانون الإسرائيلي واضح فيما يخص أنه يجب على الوزير المتهم بجرائم خطيرة أن يتنحى، لكنه لا يقول شيئاً عن رئيس الوزراء.

استقال رئيس الوزراء الأسبق إيهود أولمرت قبل توجيه الاتهام إليه، فيما صمّم خليفته على البقاء.

الإجماع القانوني يقول إنه يستطيع ذلك، حتى يُدان وتُستنفذ استئنافاته. لذلك، حتى الآن على الأقل، فإن معركة بيبي سياسية.

لقد تنحى أولمرت بعد أن أخبره شركاؤه في الائتلاف، بشكل خاص في أول الأمر وبعد ذلك علناً، أنه خسر دعمهم.

كما تعرض لهجوم مدمر من المعارضة.

وقال زعيم المعارضة في ذلك الوقت: “رئيس الوزراء الذي وضعته التحقيقات في وضع يصعب الخروج منه، ليس له تفويض أخلاقي وعام”.

لقد كان بنيامين نتنياهو زعيم المعارضة، الذي يبدو أنه قد نسي مرسومه السابق تحت ضغط قوي ليستقيل، ويقف حلفاؤه بجانبه.

قال وزير التعليم نفتالي بينيت، عندما كان في واشنطن لحضور مؤتمر السياسة السنوي (AIPAC): إنه يجب افتراض أن نتنياهو بريء حتى يثبت العكس.

وقالت ميري ريغيف، وزيرة الثقافة الشعبية: إنها “غير راضية” بالقضية ضد نتنياهو، مضيفة: “أنا لا أستعجل فضح الناس علناً”.

هناك حديث في البرلمان عن انتخابات مبكرة – لكن باعتبارها إظهاراً لقوة نتنياهو، وليس لضعفه.

قبل بضعة أسابيع فقط، بدا ائتلافه المنيع، في طريقه إلى أن يصبح الأول منذ العام 1988 الذي يخدم فترة ولاية كاملة مدتها أربع سنوات.

قدّم الائتلاف ميزانية مدتها سنتان في ديسمبر/ كانون الأول 2016، مؤكداً ضمان بقائه حتى الانتخابات القادمة المقررة.

وبموجب القانون الإسرائيلي، إذا فشلت الحكومة في تقديم الميزانية، فإنها تُحلّ تلقائياً.

لكن الآن، الصورة هي بهذا الشكل: هددت الأحزاب الأرثوذوكسية المتطرفة بالتصويت ضد الميزانية المقبلة ما لم يقر الكنيست، البرلمان الإسرائيلي، قانوناً يُعفي رجال الهاريديم من التجنيد الإجباري.

وعلى الرغم من أن خطة الإنفاق يجب ألا تقرر حتى ديسمبر/ كانون الأول، فقد يستخدمها نتنياهو حجةً للذهاب إلى صناديق الاقتراع.

لديه سبباً وجيهاً ليكون واثقاً أن استطلاعات الناخبين الإسرائيليين يمكن أن تكون غير موثوق بها.

قبل أيام من انتخابات 2015، كان معظم الناخبين الإسرائيليين مؤيدون للمنافس اليساري لحزب الليكود.

ولا يزالون يمثلون التغييرات الكبيرة في الرأي العام.

يضع أحدث استطلاع للرأي، أجرته القناة 10، الليكود في 29 مقعداً، أقل بمقعد واحد من مجموعه الحالي.

ويضع في المرتبة الثانية، مع 24 مقعداً، يوش عتيد، وهو حزب وسطي تأرجح في شعبيته منذ تأسيسه في العام 2012، ويصنف حزب العمال في المرتبة الثالثة بعدد 12 ولاية فقط، أي نصف ما لديه الآن. أما بقية الكنيست بقيت على حالها إلى حد كبير.

يصور بعض المحللين إسرائيل بأنها دولة تميل بشكل لا يمكن تجنبه إلى اليمين، وهذا تبسيط مبالغ فيه.

ففي العام1981، فازت الكتلة الدينية واليمينية بـ 64 مقعداً في الكنيست الذي يضم 120 عضواً، وفي العام 2015، فازت بــ 67 مقعداً.

تنازل اليسار الوسط عن الكثير من المناطق -ولكن كلها تقريباً للأحزاب العربية، التي خرجت إلى حيز الوجود في التسعينيات.

بقي حجم الكتلة المحافظة والديموقراطية ثابتاً تقريباً لجيل كامل.

إن التحول الحقيقي موجود داخل التكتلات. في العام 1981، فاز الحزبان الكبيران – الليكود وهاماراخ، وهو خليفة حزب العمل – بـ 95 مقعداً، أي ما يقرب من أربعة أخماس الكنيست.

ولم يفز أي حزب آخر بأكثر من 5% من الأصوات.

ومع ذلك، فاز الليكود والعمل بـ 54 مقعداً فقط في الانتخابات الأخيرة.

حتى لو وافقوا على تشكيل حكومة وحدة وطنية، فإنهم لن يحظوا بالأغلبية أيضاً. وتكفلت سبعة أحزاب أخرى من جميع أنحاء الطيف الأيديولوجي بالـ 5 في المئة.

يجعل هذا الانقسام من الصعب على العديد من السياسيين الإسرائيليين تشكيل تحالفات، قد يعيد نتنياهو تجميع تحالفه الحالي، ولو بأغلبية أقل.

سيقاتل يائير لبيد، رئيس “يش عتيد”، لتحقيق هذه المهمة. وحتى مع وجود ائتلاف واسع يمتد من يمين الوسط إلى أقصى اليسار، فإنه لن يرقى إلى الأغلبية.

لعبور حاجز الـ 60 مقعداً، سيحتاج إما إلى الأحزاب الأرثوذكسية المتطرفة أو إلى فصيل يسرائيل بيتينو المتعصب.

هذا الأخير هو حزب يميني متطرف قام بحملة في العام 2015 بشأن التطهير العرقي وإحياء عقوبة الإعدام.

وبنى لابيد مسيرته السياسية التي تحرض ضد من سبقه، مطالباً بتخفيضات في استحقاقات الرعاية الاجتماعية الخاصة بهم ووضع حد لمشروع إعفاءاتهم،

حيث يمثل أي منهما موقفاً محرجاً.

يواجه معظم بدائل نتنياهو المحتملين على اليسار واليمين معضلة مشابهة.

وعلى الرغم من استمراره باعتباره زعيم معارضة، فإن إسحاق هيرتزوغ الذي لا يحظى بشعبية، لم يعد يسيطر على حزب العمل.

وانتُخب خليفته آفي غاباي في المنصب الأعلى في حزب العمل العام الماضي، ثم أولى اهتمامه على الفور بناخبي الجناح اليميني لكسب دعمهم.

وسرعان ما انخفضت شعبيته ولم تعد كما كانت من قبل.

نتنياهو لم يستقل كما فعل من سبقه ممن تم مسك فضائح فساد، ولو صغيرة ضدهم. في الصورة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين

يرتبط حزب البيت اليهودي التابع له بينيت بشكل وثيق بالمستوطنين، ويرتبط حزب أفيغدور ليبرمان، يسرائيل بيتينو، بالمهاجرين الروس. ومن غير المرجح أن يفوز أي منهما في الكنيست.

ينظر عدد قليل من الجنرالات المتقاعدين مؤخراً إلى مهنة ثانية في السياسة، لكنهم يحتاجون إلى إيجاد حزب ليترشح معهم، لا يزال بعضهم في فترة تهدئة تمنعهم من الترشح للمناصب.

كما هو عليه الحال الآن، فإن حزب الليكود هو الحزب الوحيد الذي لديه فرصة حقيقية لتشكيل الحكومة.

تبدو قدرة نتنياهو على الصمود محيرة، نظراً لأنه لا يملك الكثير ليقدمه لناخبيه. غالباً ما يسخر منه منتقدوه، ويطلقون عليه “السيد” الوضع السياسي الراهن “.

في عام 2011، هزت الاحتجاجات الاجتماعية الاقتصادية الضخمة إسرائيل.

بدأوا بخيمة صغيرة في شارع عصري في تل أبيب. بحلول شهر سبتمبر/ أيلول، كان مئات الآلاف من الناس في الشوارع يشكون من ارتفاع تكاليف المعيشة. انتهت الاحتجاجات دون أية إصلاحات رئيسية. أصبحت خطط الهاتف المحمول أرخص.

خفضت محلات السوبر ماركت سعر الجبن.

لكن أساسيات الاقتصاد لا تزال دون تغيير.

لم يفعل نتنياهو سوى القليل لمعالجة مشكلة نقص المساكن في جميع أنحاء البلاد، والتي جعلت الشقق من الأمور التي لا يمكن تحمل تكاليفها بالنسبة لغالبية الشباب الإسرائيليين.

(إن شراء شقة مكونة من خمس غرف نوم يكلف المواطن الإسرائيلي أجر 16 سنة تقريباً، مقارنةً بسبع سنوات ونصف في فرنسا وخمسة في الولايات المتحدة).

في هذه الأثناء، لم يحاول رئيس الوزراء التصدي للمناوشات المستمرة حول الدين والثقافة التي تزعج السياسة الإسرائيلية، من القيود على الأعمال التجارية خلال أيام السبت إلى التحريض المتزايد ضد النشطاء والعلماء الليبراليين.

بالنسبة لبعض الجماهير الأجنبية، فإن هفوته التي لا تغتفر هي تراخيه إزاء عملية السلام.

يجري “معهد إسرائيل ديموكراسي” الوسطي كل شهر استطلاعاً يسمى “بيس إندكس” “مؤشر السلام”.

لا يتغير أول سؤالين في الاستطلاع دائماً، وهما: هل تؤيد محادثات السلام مع الفلسطينيين؟ هل تعتقد أن هذه المحادثات ستنجح؟ بدت الأرقام الأخيرة محبِطة؛ إذ يؤيد حوالي 60% من يهود إسرائيل عملية السلام، لكن 18% فقط من يعتقد أنها ستجلب السلام.

إجمع هذه الأرقام معاً، وبالكاد واحد من عشرة يهود إسرائيليين يؤيد ويؤمن بحل وجود الدولتين.

وتعتقد أغلبية ساحقة أن الوضع الراهن هو البقاء هنا. (الفلسطينيون مذعنون لهذه الفكرة أيضاً).

ويقول مستشار سابق، والذي طلب عدم الكشف عن هويته ليتحدث بصراحة عن رئيسه السابق: “كان لدى نتنياهو هدفان عندما تولى منصبه، أحدهما كان تفكيك اتفاقيات أوسلو”.

لم يقل رئيس الوزراء ذلك أبداً بصراحة -على الأقل علانيةً.

ولكنه نجح في ذلك بشكل لا يمكن إنكاره. فقد ماطل لفترة من الزمن، لمدة عقد تقريباً، وهو يوافق على محادثات السلام لكنه لم يقدم تنازلات جوهرية يمكن أن تؤدي إلى تقدم العملية.

يقول شيئاً بالعبرية وآخر بالإنكليزية: أي يقول شيئاً ويفعل شيئاً آخر. ووعد قبل أيام من انتخابات 2015، بعدم إقامة الدولة الفلسطينية أبداً، وبعد أن أصبح فوزه مضموناً -وبعد انتقاد حاد في الغرب- حاول انكار من تلك التعليقات.

عندما تولى ترمب الرئاسة، وطلب من نتنياهو أن “يعيق” بناء المستوطنات، كان رئيس الوزراء محتاراً.

وتوقع مساعد آخر العام الماضي، بينما كان ترمب يزور القدس أنه: “سوف يفقد الاهتمام”.

من المؤكد أن الرئيس لم يعد على علاقة طيبة مع الفلسطينيين، ويبدو أنه يشك في أنه يستطيع الوصول إلى ما وصفه في السابق بـ “الصفقة المطلقة”.

ولنكن منصفين، فحتى رئيس الوزراء المسالم سيصارع للتفاوض مع الفلسطينيين المنقسمين حالياً؛ بين حركة فتح (الحزب العلماني الذي يسيطر على الضفة الغربية)، وحماس (الجماعة الإسلامية التي استولت على السلطة في غزة عام 2007).

كما أنه لن يتلقى الكثير من المساعدة من البيت الأبيض الحالي.

السفير الأمريكي في إسرائيل، ديفيد فريدمان، هو مؤيد غير خجول للمستوطنات الإسرائيلية. كان من المفترض أن يلعب جاريد كوشنر، الذي تبرعت عائلته بالمال لجماعات المستوطنين، دوراً قيادياً في عملية السلام.

اليوم، هو غارق في الفضيحة، وتضاءل دوره في البيت الأبيض إلى حد كبير.

ومع ذلك، ليس هناك سبب يدعو إلى الاعتقاد بأن خلفاء نتنياهو سيكون لديهم الرغبة أو القدرة على تنفيذ حل الدولتين. ومن بين الرجال الستة الذين يحتمل أن يحلوا محله، أربعة منهم أعلنوا معارضتهم للدولة فلسطينية.

يريد بينيت ضم ثلثي الضفة الغربية، وهي خطوة قد تمنع قيام الدولة الفلسطينية. يرفض ليبرمان فكرة إقامة الدولة، كما ترفضها الشخصيات الفاعلة داخل الليكود. عندما استطلع صحفيون من “والا” آراء مجلس الوزراء، كان أربعة وزراء فقط لديهم الاستعداد للتصديق علناً على خطة الدولتين.

بينما يؤيد لبيد وغاباي حل الدولتين، فقد كانا غامضين بشأن كيفية تحقيقهما ذلك -كيف يمكن تجنب الأخطاء التي أعاقت 25 عاماً من المفاوضات التي قادتها الولايات المتحدة.

لم يقدما شيئاً أكثر من حديث مبهم عن “المبادرات الإقليمية” و “إشراك الدول العربية”.

ليس هناك حافز يذكر للقيام بغير ذلك. لا تجلب القضية الكثير من الأصوات، ولا تقدم شيئاً يذكر في السياسة الإسرائيلية.

قبل انتخابات عام 2015، اجتمع رؤساء معظم الأحزاب الرئيسية في نقاش لمدة ساعتين ونصف الساعة على القناة الثانية.

نُطقت كلمة “سلام” خمس مرات بالضبط، ثلاثة منهم من قبل أيمن عودة، الذي يقود الحزب الذي يمثل المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل. وقال داني دايان، وهو زعيم مستوطن سابق يعمل الآن قنصلا عاماً لإسرائيل في نيويورك: “هذا ليس مقياساً يميز الأحزاب على أساسه”، وذلك “لأن الإسرائيليين يفهمون أنه أياً كان رئيس الوزراء، فلن يتغير شيء”.

‘لم يكن لديّ جريدة’

لم تدم فترة عمل نتنياهو الأولى سوى ثلاث سنوات، بعد أن فاز بفارق ضئيل في عام 1996، وسرعان ما غضب منه الناخبون. كانت عملية السلام تتداعى، وبدا احتلال جنوب لبنان الغارق في الدماء لا نهاية له. كانت قصص الفساد تحوم حول نتنياهو وبعض شركائه في الائتلاف. طرده الشعب عام 1999، وسلّم إيهود باراك الانتخابات بفارق 12 نقطة.

كل هذه القضايا الجوهرية كانت بالنسبة لبيبي ثانوية.

وقال لمساعديه وهم يتأملون هزيمته في ليلة الانتخابات: “لقد خسرتُ لأنني لم يكن لدي جريدة”.

وقد حل هذه المشكلة قبل ترشحه التالي لرئاسة الوزراء بعد عقد من الزمن. لم تحاول جريدة إسرائيل هايوم أن تكون مصدراً موضوعياً للأخبار.

كانت الجريدة التي تحقق خسارة، التي يدعمها أديلسون بشدة، المروّج السياسي الفظّ لنتنياهو.

حتى إنه يُقال: إن مكتب رئيس الوزراء قد أملى عناوين أخبارها.

زاد طموحه إلى ما بعد الفوز بالحرب اليومية للعناوين الرئيسية. في عشية عيد ميلاد إسرائيل السبعين، يمكن تقسيم التاريخ السياسي للبلاد إلى نصفين تقريباً؛ الأول كان يهيمن عليه أسلاف يسار الوسط لحزب العمل.

كانت المؤسسة السياسية ليبرالية إلى حد كبير، رجال علمانيين من أصل أشكنازي. لم يفز الليكود بأول انتخاب له حتى عام 1977، وهو الحدث الذي أطلق عليه مذيع الأخبار الرئيسي في إسرائيل الاسم المشهور ماهاباك “الثورة”.

ومنذ ذلك الحين، يكافح اليسار لاستعادة السلطة. حكم رؤساء الوزراء اليمينيين لمدة 29 سنة من الأربعين سنة الماضية.

ومع ذلك، لا يزال الليكود يتصرف باعتباره حزباً معارضاً دائماً. عند سماع القصة من نتنياهو وحلفائه، فهم يقاتلون للسيطرة على مراكز النخبة: الجيش، القضاء، الأوساط الأكاديمية. (قد يسمي صديقه في البيت الأبيض هذا بـ “الدولة العميقة”).

لسماع قصة مستشاريه عن ذلك، فقد كان هذا هدف نتنياهو الثاني، هو إعادة تشكيل إسرائيل.

إن هوسه بالسيطرة على وسائل الإعلام هو أحد الأمثلة على ذلك.

فقد عيّن عدداً غير مسبوق من الإسرائيليين المتدينين في المناصب العليا في الدوائر الأمنية.

تحاول إياليت شاكيد، وزيرة العدل القومية، تغيير طريقة تعيين القضاة، وتسليم السلطة إلى الكنيست بدلاً من السلطة القضائية التي ينظر إليها على أنها سلطة يسارية.

تهاجم ريغيف، وزيرة الثقافة، باستمرار الفنانين، حتى إنها اقترحت إجراء “اختبار ولاء” لأولئك الذين يتلقون تمويلاً من الدولة.

تقريباً واحد من كل أربعة طلاب مدرسة ابتدائية إسرائيلية هو أرثوذوكسي متشدد، وقد ارتفع هذا العدد، حيث كان واحد من كل عشرة منذ جيل مضى.

وعلى الرغم من أن معظم الإسرائيليين يؤيدون فصلاً أكبر بين الكنيس والدولة، فإن السياسيين الأرثوذكس المتشددين يدفعون في الاتجاه المعاكس.

في خريف عام 2016، رفضوا خطة سكك حديد الدولة لإجراء صيانة في يوم السبت، وهو يوم عطلة يهودية.

إن التوقيت منطقي: لا تعمل القطارات في أيام السبت، وحركة المرور على الطرق قليلة، ومعظم العمال في عطلة. لكن هدد الهاريديم، تحت ضغط من ناخبيهم، بإسقاط الحكومة ما لم يتم إلغاء الإصلاحات.

تباطأ نتنياهو حتى اللحظة الأخيرة الممكنة – بعد ظهر الجمعة، أي قبل أقل من ساعة من يوم السبت.

ثم ألغى العمل، وهي خطوة كلفت الدولة الملايين، وتسبّبت في اختناق مروري يوم الأحد التالي.

كان كل هذا لتجنب إبعاد الدائرة الانتخابية التي تُبعد أغلبية الإسرائيليين.

يتبنى اليهود الإسرائيليون المختلفون آراءً متضاربة أساساً حول كيفية تعريف إسرائيل على أنها “دولة يهودية وديمقراطية”.

ويشعر 69٪ من الأرثوذكس المتشددين و46٪ من الجماعات الدينية الوطنية (أغلبية) بأن الدولة ديمقراطية أكثر من اللازم.

ويعتقد 59 في المئة من اليهود العلمانيين أنها يهودية أكثر من اللازم. ويشعر غالبية اليهود الإسرائيليين أنه من غير الملائم أن يجلس المشرّعون العرب في الائتلاف، ويعتقد الكثيرون أنه من المقبول أن تخصص الدولة المزيد من المال للمجتمعات اليهودية بدلاً من المجتمعات العربية.

في العقود الأولى بعد عام 1948، كانت إسرائيل محاطة بدول معادية (وأكبر منها بكثير) عربية.

ساعد الشعور بالخطر المشترك في توحيد اليهود من جميع أنحاء العالم، خاصةً وأن ذكرى المحرقة كانت لا تزال حية. ضعفت هذه العلاقات بعد المعاهدات مع مصر والأردن. ومع ذلك لا تزال عملية السلام تقرّب المجتمع الإسرائيلي، على الرغم من انقسامهم إلى نصفين: “معسكر السلام” الذي اعتقد أن حل وجود الدولتين هو السبيل الوحيد لحماية مستقبل البلد، وجماعة معارضة شعرت بخلاف ذلك.

ومع ذلك كان هناك شعور بالمصير المشترك، حيث كان كلا الجانبين يتجادلان حول مصير مشترك.

لكن بحلول عام 2018، لم يعد هناك تهديد حقيقي لتوحيد الإسرائيليين معاً. تتمتع البلاد بمعاهدات سلام مع اثنين من جيرانها الأربعة.

أما الثالثة، سوريا، فهي في حالة خراب. والرابعة، لبنان، ضعيفة جداً لدرجة أن إسرائيل تستخدم مجالها الجوي بشكل روتيني لشن هجمات في سوريا.

(يشكل حزب الله تهديداً خطيراً، لكنه بالكاد يشكا تهديداً يمكن أن يدمر البلاد، وهو مقيَّد بكلٍ من تورطه في سوريا والردع الإسرائيلي).

لا يهدد البرنامج النووي الإيراني أو المقاطعة الفلسطينية المؤيدة لحركة العقوبات وسحب الاستثمارات بقاء إسرائيل… ويبدو الوضع الراهن مع الفلسطينيين، سواء كان صائباً أم لا، مستداماً في المستقبل. القليل من الإسرائيليين يفكرون فيه ملياً في حياتهم اليومية. لا يمكن أن يرتبط مجتمعهم معاً على الحاجة إلى الوقوف متحدين في وجه خطر قاتل، لأنه غير موجود. وقال موشيه يعلون، الذي شغل منصب وزير الدفاع حتى عام 2016: “في هذه المرحلة، وفي المستقبل المنظور، لا تواجه إسرائيل أي تهديد لوجودها”.

يبدو أن عوفر زالزبيرغ، المحلل في مجموعة الأزمات الدولية في القدس، يوافق: “لقد وقعنا في أزمة تحديد هويتنا. الناس قلقون بشأن العولمة، وقلقون بشأن الشعور بفقدان التقاليد. إنها استقلالية الفرد مقابل التقليد اليهودي، ولا أحد يعرف من سيفوز”.

جدار الفصل

‘متغطرس جداً’

إذا ترك نتنياهو منصبه غداً، فسيكون من الصعب اختيار عنوان لنعيه السياسي. وقّع مناحيم بيغن معاهدة سلام دائمة مع مصر، وقام رابين بالشيء نفسه مع الأردن. أنهى باراك احتلالاً استمر لعقود من الزمن للبنان. انسحب إرييل شارون من غزة. أشرف شمعون بيريز على إصلاحات حيوية مهدت الطريق لاقتصاد إسرائيل ذي التكنولوجيا الفائقة. حتى أولمرت، على الرغم من نهايته المخزية، يمكن أن يجادل بأنه كان يسعى لمحاولة جادة للسلام مع كل من سوريا والفلسطينيين.

ونجا نتنياهو ببساطة.

في حكومته الثالثة، وافق على خطة لتجنيد الرجال الأرثوذوكس المتشددين في الجيش. في حكومته الرابعة، أجّل ذلك. وأعلن عن مساحة صلاة مختلطة بين الجنسين في حائط المبكى وسط ضجة إعلامية كبيرة، لكنه لم يفتتحها أبداً. ولم يتحقق وعده بتخفيض الأسعار وتكاليف الإسكان بعد. حتى حروبه كانت غير حاسمة. ويقول أوديد عيران، وهو دبلوماسي إسرائيلي قديم: “كان عام 1973 هو آخر مرة … قال فيها الجانبان: حسناً، لنعقد صفقة”. “انتهت جميع الحروب منذ ذلك الحين بقرار الأمم المتحدة، الذي كان فعالاً بشكل جزئي فقط، أو بترتيب عام 2012. ما الذي يعنيه أننا أنهيناها من طرف واحد؟ هذا يعني أن إسرائيل لا تزال تعيش في ظل الظروف الحالية. ليس من الواضح ما الذي انتهى فعلاً”.

أطلق أحد كبار الضباط في الجيش الإسرائيلي على نتنياهو ذات مرة بأنه “شخصية من مأساة إغريقية”. (لا يزال الضابط في الجيش، لذلك طلب عدم الإفصاح عن هويته). إنه سياسي موهوب ورجل مثقف وطالب حريص في مجال تاريخ العالم والجغرافيا السياسية المعاصرة. وبصفته رجلاً يمينياً، وهو ابن أحد المؤرخين المنقّحين البارزين، وقائد سابق في الجيش، كان يتمتع بمنزلة رفيعة ليكون سياسياً يتبع سياسة التغيير في قالب بيغن.

يرفض نتنياهو التخلي عن القدس عاصمة لإسرائيل

لكن رغبته في السلطة دفعته إلى اتباع تكتيكات قصيرة المدى بدلاً من الإستراتيجية الكبرى، وتعمقت الانقسامات في المجتمع الإسرائيلي طوال الوقت. قال الضابط: “إنه متغطرس جداً”.

أو كما كتب الصحفي الإسرائيلي رافيف دراكر في صحيفة هارتيز في فبراير/ شباط: “بعد أن يذهب نتنياهو، فإن الكثير من المعايير المعوجة للحكم ستذهب معه. إنه ليس فساداً، ولكن من الطبيعي أن يكون ذلك على المحك”.

هذا صحيح بما فيه الكفاية. رئيس الوزراء القادم، أياً كان، ربما لن تلاحقه حكايات السيغار والشمبانيا والإساءة اللفظية لمساعديه في المنزل في المقر الرسمي. لن تسرق زوجة رئيس الوزراء أموال استرداد زجاجات النبيذ. لن يطلب ابنه من أبناء القلّة الثرية أن يساعدوه بــ 400 شيكل للحصول على عاهرة، كما فعل يائير نتنياهو. لكن بالنسبة لأكثر القضايا أهميةً لمستقبل إسرائيل – وهي علاقتها بالفلسطينيين، ومع نفسها – قد لا يكون خليفة رئيس الوزراء مختلفاً كثيراً على أية حال.

غريغ كارلستروم هو مراسل ذا إكونوميست في الشرق الأوسط. اقتُبست أجزاء من هذا المقال من كتابه، “إلى متى ستبقى إسرائيل؟ التهديد من الداخل”.

ترمب ونتنياهو

Facebook Comments

Leave a Reply