سكوت … تصوير

جمال الشريف: كيف استطاعت دبي فرض نفسها في استقطاب شركات الإنتاج السينمائي، والمفارقات الطريفة التي تواجه نجوم السينما العالميين في دبي 

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

«لا أعتقد أنه يوجد مدينة في العالم كدبي لناحية تقديم وتسهيل الخدمات المتعلقة بالانتاج السينمائي والتلفزيوني»، يؤكد جمال الشريف، حينما جلست معه في مكتبه الذي يحتل زاوية استراتيجية من الطابق الأرضي في أحد مباني مدينة دبي للاستديوهات.

وعلى الرغم من إلحاحي مراراً للحصول منه على مقابلة لصالح مجلة نيوزويك الشرق الأوسط، إلا أن هذا الشاب الإماراتي، كان يعتذر كل مرة بسبب العمل.

ولا يمكنني إلا أن أعذر جاري في هذه المدينة التي تنمو بسرعة على مشارف الصحراء، حيث أنني أعلم أنه منهمك بكم هائل من طلبات التصوير والفعاليات المتعلقة بعمله والتي لا يكاد يمر شهر إلا ونسمع عنها.

يبدو مكتب الشريف، وهو رئيس مجلس إدارة لجنة دبي للإنتاج التليفزيوني والسينمائي، غنياً بالضوء ورحباً في بساطته. وعلى الرغم من تواجد تذكارات وصور متفرقة لأعمال سينمائية وملفات على مكتبه تُشير إلى مدى انشغاله، إلا أنه، ولحسن حظي، وجد أخيراً ثغرة في وقته للتحدث معي عن تطور المشهد العام للانتاج التلفزيوني والسينمائي في الامارات بشكل عام وإمارة دبي بشكل خاص.

كما وخص نيوزويك الشرق الأوسط ببعض المقتطفات الطريفة التي يواجهها نجوم السينما العالمية عندما يمرون بدبي.

من البداية

لا يخفى على أحد أن تيكوم ومدينة دبي للاستديوهات بالتحديد تسعى لأن تكون دبي النافذة الوحيدة أو ما يُعرف بـ one stop shop لكافة الشركات الاعلامية المحلية والعالمية. وقد جذبت تيكوم «أكثر من ١٨٠٠ شركة اعلامية وشركات متخصصة في خدمة هذا القطاع خلال ١٠ سنوات… فيما تضم مدينة دبي للاستديوهات ٤٥٠ شركة إضافية»، بحسب الشريف.

وعلى الرغم من هذا العدد الكبير للشركات العاملة في المجالين الإعلامي والإعلاني، إلا أن المشروع لا يزال في طور النمو، حيث اكتمل منه نحو ٦٠٪.

وفي زمان باتت فيه جميع المدن حول العالم تتنافس لجذب انتباه السياح والمستثمرين، لا شيء أفضل في هذا المجال من الترويج لكل دولة عبر الأفلام والبرامج الإعلامية العابرة للقارات، والتي تُشكّل أيضاً مصدر دخلٍ قومي للدول التي تحط فيها شركات الإنتاج رحالها.

وقد استقطبت دبي عشرات الأفلام العالمية التي تم تصويرها في ربوع هذه الواحة الصحراوية من ستار تريك Star Trek وجيوستورم Geostorm ومهمة مستحيلة Mission Impossible وغيرها من أفلام هوليوود وبوليوود والأفلام العربية والصينية.

سحر الصحراء، ووجود بنية تحتية مكتملة، والتنوع الثقافي والحضاري في دبي تجذب شركات الإنتاج السينمائي العالمية. – رسم: نورا الشحي

من هذا المنطلق، يقول الشريف: «نطمح ان تكون دبي ودولة الامارات الجسر الرابط ما بين الشرق والغرب»، بيد أن هذا الرابط يجب أن تتحقق فيه عدة مكونات منها البيئة وثقافة العمل ولديه البنية التحتية التي تدعم هذه الصناعة والمواهب المتعلقة بها، ونعمل مع الجميع من مسؤولين في القطاعين العام و الخاص من أجل تطوير الأمر».

لكن، وبحسب الشريف، فإنه وعلى المستوى المحلي، «الصناعة هذه في لغتنا العامية ما توكل عيش (ليست مصدر رزق) ولهذا الموهوب يواجه تحدي عند دخول مجال التلفزيون مثلاً، خاصة ان صناعة الافلام عندنا بعدها ناشئة وبعد ما تطورنا لكي نصل للعالمية».

وهو يرفع القبعة احتراماً للدور الكبير الذي يقوم به مهرجان دبي السينمائي في محاولته لايصال افلام اماراتية للعالمية، خاصة أن لجنة الأوسكار الأميركية هي التي اختارت مكتب ممثل للأوسكار في الإمارات وعينت لجنة من الامارات لترشيح أعمال لجائزة الأوسكار. لكن في ندرة وجود الدعم، فالتقدم بطيء.

التخطيط الصحيح

تتمتع الإمارات، وإمارة دبي تحديداً ببنية تحتية مكتملة، بل وعالمية، لدرجة أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب شخصياً استعملها كمثال في أحد خطاباته.

هذه البنية التحتية ساهمت إلى حدٍّ بعيد في إضفاء عامل جذب للشركات العاملة في مجال الإعلام والإعلان.

لكن، وبحسب الشريف، فإن التحدي الكبير الذي واجه صُنّاع القرار هو عدم توفر المواهب في كافة الحقول المتعلقة بهذه الصناعة.

فالتلفزيون المحلي لم يرقَ بعد للمستوى العالمي، ولا يزال محلياً وإلى حدٍّ ما إقليمياً.

وهنا يأتي عمل الشريف ولجنة دبي للإنتاج التليفزيوني والسينمائي التي تعمل يداً بيد مع كافة القطاعات الإعلامية في الدولة من أجل خلق بيئة خصبة للإعلام والإعلان في الدولة، «بحيث يكون كل شيء متوفر لصانع الإعلام الذي يحضر. ولقد قمنا بدراسات عديدة وراقبنا ما تقدمه بقية الدول».

وتعمل اللجنة على تحقيق ٦ أهداف هي:

جعل دبي منطقة جذب لصناع الافلام.

تطوير المواهب المحلية ودعمها، من مواطنين ومقيمين.

دعم الصناعة المحلية.

تقليص تكاليف صناعة الأفلام في دبي (اليوم لا يوجد استثمار في صناعة الافلام).

التقنين: وضع القواعد والقوانين المُصاحبة لهذا القطاع.

الترويج لدبي في الخارج.

وفي العام ٢٠١٢ بدأت اللجنة بالتركيز على الهيكلة وتمكنت من جذب المئات من الافلام والأعمال الإعلامية، حيث رخّصت سنويا أكثر من ٩٠٠ عمل.

ويكشف الشريف أنه «هذه السنة رخصنا لغاية الآن ٨٠٠ (اعلان ٧٠٪، و١٥ إلى ٢٠٪ أعمال تلفزيونية) والبقية أفلام دعائية وترويجية ووثائقيات».

وقد يتصور البعض أن إعطاء التراخيص أمر في غاية السهولة بينما في الحقيقة فإن الأمر بعيد كل البعد عن ذلك.

تصوير فيلم ستار ترك في دبي

فمن أجل تقديم طلبات الترخيص يجب على الجهة المُرخِّصة تمحيص كافة الجوانب ومنها الاقتناع بأن فكرة العمل تُساعد في تحسين صورة المدينة ولا تؤذيها بينما تكون «الافكار في خيال المخرج صعب ان نتخيلها».

وعلى سبيل المثال، رفضت الإمارات السماح لفيلم الجنس والمدينة Sex and the City بتصوير بعض المشاهد فيها على الرغم من شعبية نجوم الفيلم والبرنامج الذي بُني عليه لأنه لا يُساهم في تقديم الصورة الصحيحة عن الدولة.

العامل الإقتصادي والمنافسة العالمية

بحسب الشريف، فقد قام فريق عمل ستار ترك بصرف أكثر من ٣٠$ مليون دولار في إمارة دبي، وكانت نحو ٧٠٪ من طلباتهم ذات مصدر محلي، من زجاجة الماء والطعام إلى نسبة إشغال الغرف الفندقية وشراء الحجيات والثياب وغيرها، كما اشتروا ٤ طن من الحديد محلياً، عدا عن التسوق وزيارة المطاعم وغيرها، بالاضافة لتوظيف ٣٥٠ شخص محلي في فريق عمل الفيلم وهو أكثر من ضعف عدد الأشخاص الذين تم جلبهم من الخارج ويقدرون بـ١٥٠ شخصاً.

ويقول الشريف بكل فخر أن دبي تمكنت من انتزاع هذا العمل العالمي من باكو وماليزيا وسنغافورة.

أما في فيلم مهمة مستحيلة، من بطولة توم كروز، فيقول الشريف إنهم «صرفوا في شهرين ٢٧$ مليون دولار، وهذا نعتبره اقتصاد اعلامي يُضاف إلى الناتج المحلي».

«لقد قام القيمون على فيلم ستار ترك بمقارنة بين دبي وغيرها من المدن نحو سبع مرات من اجل تصوير الفيلم…. كانوا يذهبون ويعودون. وكانوا يبحثون عن بنية تحتية مكتملة وتساهم في العمل المنشود، ويبحثون عن مدينة تتحدث الانكليزية واليد العاملة فيها موجودة وسرعة الدخول والخروج لفريق العمل متاح، وفيها ناطحات سحاب وعمران متطور ومستقبلي، وقد وفّرت لهم دبي كل هذا».

ويضيف: «قال لي جيفري تشيرنوف أحد القيمين علي فيلم ستار ترك: «كنا نبحث عن المستقبل ووجدنا المستقبل في دبي»».

وبالطبع لا يمكن منافسة دبي فيما يتعلق بالخدمات المتوفرة. فالمطارات على بُعد رمية حجر من أماكن التصوير، والشرطة المحلية والهيئات الرسمية متعاونة في مجال تسهيل أمور العمل.

ففي أحد المرات التي تم تصوير جزء من فيلم عالمي، قامت شرطة دبي وهيئة الطرق والمواصلات باغلاق شارع الشيخ زايد لنحو أربع ساعات يوم الجمعة من أجل التصوير.

ولمن لا يعرف شارع الشيخ زايد في دبي، أدعوه لزيارة هذه المدينة والاطلاع على مدى شعبيته، والذي يعرف المقيمون والزائرون أنه أمر صعب إغلاق هذا الشريان الحيوي الرابط بين إمارة دبي وإمارتي الشارقة وأبوظبي.

النجم الهندي شاروخان يلبس الثوب الإماراتي التقليدي في دبي

وتتعاون اللجنة التي يرأسها الشريف مع الهيئات الرسمية والخاصة من أجل تقديم أسعار تفضيلية من تذاكر سفر وإقامات ومرافقة لتسهيل أمور فرق العمل الأجنبية والعربية التي تفكر بالتصوير في الإمارة.

وطبعاً دوماً ما يدور الحديث عن تفضيل الجهات الأجنبية على الجهات الخليجية والعربية، وهو أمر ينفيه الشريف نفياً قاطعاً.

«نحن نتبع الإجراءات والقواعد في مجال اعطاء التراخيص ودعم الأعمال وغيرها من الاجراءات المتعلقة بالتصوير للمسلسلات والأفلام ولا نقوم بتفضيل جهات أجنبية على جهات خليجية».

وشرح أكثر أنه عندما يتم تقديم سيناريو للجنة مكتمل العناصر مع ميزانية وتوقيت محدد للتصوير ومدة التصوير وغيرها من الأمور المتعلقة بحجم طاقم العمل ويكون هذا العمل الإعلامي متناسباً مع النقاط التي وضعتها اللجنة ومن ضمنها تقديم صورة جيدة عن الإمارة، فإن الترخيص والمساعدة يتم تحصيلهما بسهولة.

«لكن لما يأتيني طلب مساعدة لعمل لا السيناريو فيه مكتمل ولا أعرف ما هي موازنته، ولم يطلعوني على مدة التصوير، فكيف يمكنني أن أوافق عليه؟».

مفارقات طريفة وتحديات

وطبعاً مع تواجد أسماء نجوم لامعة من هوليوود وبوليوود والعالم العربي والصين أمثال جاكي شان وتوم كروز وجيرارد بتلر وأحمد السقا وغيرهم، كان لا بد لي من طرح السؤال الذي لا بد منه: ما هي المفارقات الطريفة التي واجهتكم وواجهت كل هؤلاء النجوم الذين صوروا مشاهد أفلامهم في دبي.

يقول الشريف: «عندما صورنا فيلم مهمة مستحيلة، كان الاميركيون عاملين أهمية كبيرة للنجم توم كروز. وكان أحد المشاهد التي يتحتم عليه تصويرها سيجري في منطقة السطوة، وأنتِ تعلمين مدى ازدحامها. المهم قالوا نحتاج حماية يمكن ما يقدر يمشي في الشارع لأن الناس بتتجمع حوله وإلى ما هنالك. وأكدنا لهم أن الأمن مستتب ومقارنة بنجوم بوليوود يمكن ما يتعرف عليه أحد، وبالفعل نزل وصوّر ولم تحدث جمهرة عليه كما كانوا متخوفين… بالمقابل، عندما صوّر شاروخان فيلم هابي نيوير في دبي، تجمهر اكثر من ١٥ الف شخص لرؤيته».

جاكي شان (في المقعد جنب السائق) خلال العمل على أحد أفلامه التي صورها في دبي

ويضيف الشريف: «طلب توم كروز منا أن ندعه يدخل مول الإمارات لوحده ليرى ردة فعل العالم، وبالفعل تمكن من التجول بحرية لنحو ١٠ دقائق أو أكثر قبل أن يتعرف عليه الناس ويطلبوا منه التصور معه وليتحول الأمر إلى تجمهر بعد ذلك».

مفارقة أخرى أن جاكي شان «لما يروح اي بلد يصور فيه، لا يحب أن ينزل في فندق ويحب أن يطبخ لنفسه ويقود سيارته بنفسه، وهذا ما وفرناه له».

أما بالنسبة لفلم ستار ترك، كنا قد أعلنا عن حاجة الفيلم لكومبارس ودهشنا أن ١٨٠٠ كومبارس حضروا دبي في اول يوم تصوير من كافة دول الخليج.

ومن التحديات التي ذكرها الشريف أنه في فيلم بورن ليغاسي الشهير، اراد المخرج تحويل الشوارع في دبي في منطقة سوق الذهب لتطابق شوارع باكستان وعملنا على مدار الساعة وتمكنا من تحقيق ذلك في ٤٨ ساعة. الأرصفة مخططة بالأصفر واستقدمنا سيارات بمقود على جهة اليمين وغيرنا كافة اللوحات إلى لغة الأردو… فدبي ممكن تحولها لاي مدينة وهنا عنصر الجذب فيها».

جاكي شان خلال تصوير مشهد فيلمه في منتجع أتلانتيس في جزيرة النخلة، جميرا في دبي.

ف.دي.إكس.بي

ويتحضر الشريف حالياً لانطلاق ف.دي.إكس.بي خلال شهر ديسمبر / كانون أول، وهي فعالية ليومين بين ٨ و ٩ ديسمبر وتهدف لجذب النخبة من صناع المحتوى الرقمي وصناع الفيلم الرقمي والمؤثرين في صناعة المحتوى: اماراتيين وخليجيين وعرب، تمثلهم جهات رسمية.

«ومن الخارج سيحضر نخبة صناع المحتوى الرقمي الذين يمثلون شركات يوتيوب وانستغرام وفايسبوك وسناب-تشات، كما وأتينا بمتحدثين رسميين في مجال القواعد والهيكلات والقوانين الدولية وتلك المتبعة في الدول والمتعلقة بالمحتوى الرقمي.»

والسبب، بحسب الشريف، أن الاعلام نفسه تغيّر والاستهلاك الإعلامي تغير، «من الولد الذي عمره ٣ سنوات للشخص الذي عمره ٧٠ سنة».

ومن ضمن المواضيع المطروحة هو كيف يمكن أن تصنع محتوى رقمي.

وتقوم الفعالية بجلب وكالات تمثيل عالمية وإقليمية لمقابلة صناع المحتوى المحليين. في الولايات المتحدة تجلب فعالية مماثلة نحو ٦٠ ألف شخص، وعشرات الماركات الساعية لاطلاق منتجاتها.

يقول الشريف: «نريد لدبي أن تكون في الطليعة بالنسبة لهذه الصناعة وأن نسمح من خلالها للمواهب المحلية والإقليمية بالوصول للعالمية. ونحن نؤمن أن دبي بإمكانها تقديم محتوى رقمي ممتاز وبتكلفة قليلة».

شاروخان في فيلم “هابي نيو يير” الذي تم تصوير جزء منه في دبي.

Facebook Comments

Post a comment