شؤون عربية: القدس بين مطرقة أميركا وسندان العالم!

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

فشل مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في تمرير مشروع قرار يوم الإثنين ١٨ ديسمبر/ كانون الأول، يُطالب بعدم الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في رد على إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، بعدما استخدمت الولايات المتحدة حق النقض”الفيتو” ضد المشروع الذي دفعت به مصر وكتلة الدول العربية وبدعم من دول أجنبية.

وعلى الرغم من أن مشروع القرار لم يكن يذكر أميركا أو ترمب بالإسم، إلّا أنّه لم يُقَيَّض له النجاح، والسبب: التمييز الذي تتمتع به الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والذي يخوّلها وأد أي قرار لا يُعجبها أو لا يتماشى مع مصالحها ومصالح بعض حلفائها.

“تخيلوا أن تقوم الولايات المتحدة بالتصويت ضد نفسها أو أن تمتنع عن التصويت بشأن إعلانٍ هي أصدرته”، يسخر أحد الديبلوماسيين العرب المحنّكين في الأمم المتحدة، الذي كنت قد تحدثت معه عن مشروع القرار منذ فترة، وتحديداً يوم توزيع المسودة على الوفود الدبلوماسية.

وكانت سفيرة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، نيكي هايلي، قبيل جلسة مجلس الأمن قد وصفت قرار رئيسها ترمب بـ “الصائب”، وهو ما أعطى لمحة للعالم عن نية أميركا المسبقة إفشال أي تصويت مستقبلي على مشروع قرار أممي من شأنه التعرض للإعلان الأميركي بشأن القدس. وخلال الجلسة قالت إن قرار إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كانت “مخطئة” في شأن عدم اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل خلال التصويت على قرار أممي العام الماضي بشأن القدس.

وكان القرار بحاجة لموافقة ٩ دول أعضاء من أصل ١٥ عضواً في مجلس الأمن ودون أن تستعمل أميركا أو بريطانيا أو فرنسا أو الصين أو روسيا حق النقض الفيتو الخاص بها. وكانت نتيجة التصويت ١٤ ضد الولايات المتحدة، مع كلمات لممثلي بوليفيا والأوروغواي، أقل ما يمكن القول عنها أنها جلدت الولايات المتحدة وإسرائيل، في مسائل حقوق الإنسان وحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.

وحتى ولو كانت الولايات المتحدة الأميركية قد امتنعت عن التصويت على مشروع القرار في الأمم المتحدة يوم الإثنين، إلا أنها لم تكن لتقدر على تحسين صورتها المهتزة في العالم العربي بحسب وزير خارجية لبنان الأسبق د. عدنان منصور، الذي اعتبر استعمال أميركا لحق النقض بأنه “يضع مصداقية الولايات المتحدة على المحك، خاصة انها تدّعي احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، وما اتخذه ترمب يتنافى مع المواثيق الدولية وخاصة القرارات الدولية ١٩٤ و١٨١ المتعلقة بفلسطين والقدس، وحقوق الشعب الفلسطيني”.

ويرى منصور أنّ باستعمالها الفيتو، فإن أميركا تكون قد خرقت المواثيق الدولية. “بدلاً من أن تكون الولايات المتحدة نبراساً ومثالاً لشعوب العالم في مسألة احترام القوانين الدولية، هي تقوم بنقض تلك القرارات (والتصويت عليها يوم الإثنين) ما هو إلا مثال لهذا الخرق الفاضح… إنّ صدقية الولايات المتحدة أصلاً مهتزة في العالم من اميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا…”.

ومنذ اجتماع وزراء خارجية الدول العربية بشكل طارئ يوم السبت ٩ ديسمبر، أي بعد ثلاثة أيام من إعلان ترمب أن القدس عاصمة لإسرائيل، وإعلان دعمهم الكلامي لـ “القضية”، لم يتم اتخاذ أي تصرّف حازم بشأن التصدي للوضع، حتى تاريخ كتابة سطور هذه المقالة ليل الإثنين، ما عدا محاولة تمرير مشروع القرار الأممي الذي وُلِد ميتاً.

وبحسب منصور، فإنّه يتعيّن “على الدول العربية اتخاذ قرارات حاسمة في الموضوع”.

فمن المفترض أن” الدول العربية لديها امكانات كبيرة لكي تصيغ قرارات فيما بينها وتنفذها على الارض ووضع وتنفيذ عقوبات على اسرائيل وقطع العلاقات مع إسرائيل بشكل كامل”. ويُضيف منصور، “نحن لا نطالب أميركا بأن تأخذ صفّاً مع دولة أو مجموعة دول. نحن لا نطالبها بأن تقف مع العرب ضد اسرائيل، ولكن نطالبها بأن تُحكِّم القرار بشكل لا يتنافى مع القوانين الدولية وحقوق الإنسان”.

وفيما رفضت قيادات فلسطين وبعض القيادات العربية الروحية الاجتماع مع مبعوث ترمب لعملية السلام ونائبه مايك بنس، في إثر “إعلان ترمب بشأن القدس“، وإزاء انتقاد الولايات المتحدة لهذه المُقاطعة، يعتبر منصور أنه” لا يحق لأميركا أن تكون وسيطاً في أي من القضايا الدولية، وليس فقط في عملية السلام هنا، لأنها صوتت ضد قرار أممي وبذلك تُعطي ذريعة لكل من يخالف القرارات الدولية أن يستمر بمخالفاته“.

في المقابل، الصورة في فلسطين قاتمة. مئات الفلسطينيين القتلى والجرحى وارتفاع في أعداد الذين تعتقلهم القوات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة في الضفة الغربية يوماً بعد يوم، وقصف إسرائيلي عشوائي ومُرَكّز على قطاع غزة المُحاصر منذ عقد من الزمن، واستمرار المظاهرات السلمية والمواجهات بين الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس وغزة كلها تُشير إلى أنه لا حل يلوح  في الأفق وأن العام ٢٠١٧ سيُحمّل تَرِكةً قديمة-متجددة للعام المقبل، ألا وهي الصراع العربي-الإسرائيلي الذي تحوّل مؤخراً، وبشكل لا يقبل الشك إلى صراع فلسطيني-إسرائيلي محض، مع وجود استثناء بسيط وهو محاولة بعض الدول العربية الدخول على خط المفاوضات لأنه برأيهم لا يمكن للفلسطينيين التفاوض عن نفسهم.

وفي معرض تعليقه على القرار، قال سفير إسرائيل في الأمم المتحدة داني دانون إنه “لا يمكن لأي تصويت” أو حتى نقاش أن يغيّر “الواقع الواضح” أن “القدس هي عاصمة إسرائيل”.

ويُعتبر إعلان ترمب خرقاً للقرارات وللمواثيق والقوانين الدولية، التي تتجاوز في تاريخ إقرارها، عمر الكيان الإسرائيلي بحد ذاته.

فهناك أكثر من ٦٠ قراراً أممياً وأوروبياً صدر بشأن القدس ولم ينفذ، أوّلها كان قرار تدويل القدس في شهر ديسمبر، وتحديداً التاسع منه في العام 1947، وآخرها قرار مجلس الأمن رقم ٢٣٣٤ الصادر في مثل هذا الشهر أيضاً بتاريخ ٢٣ ديسمبر ٢٠١٦ الذي يقضي بأن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، لا يتمتع بأي شرعية قانونية. كما و”يطالب” كالعادة، إسرائيل “بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”. وينص القرار على عدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود ٤ من يونيو/ حزيران 1967.

والعالم رفض محاولتين إسرائيليتين في العام ١٩٤٩ والعام ١٩٨٨ باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل كما رفض إعلان ترمب يوم الجمعة ٨ ديسمبر ٢٠١٧ بأن القدس عاصمة لإسرائيل.

وكان الفلسطينيون تحديداً والعرب بشكل عام قد قبلوا مسألة تقسيم القدس لجزئين (شرقي وهو عاصمة فلسطين وغربي ويكون عاصمة لإسرائيل) في إطار تقديمهم تنازلات من أجل الوصول لسلام شامل يسمح بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم من قبل عصابات صهيونية قبيل إعلان ولادة إسرائيل، وحتى مِن قِبَل إسرائيل بُعَيد النكبة في العام ١٩٤٨. لكن إسرائيل ماطلت ولم تُنفّذ أي من الاتفاقيات التي أبرمتها وبخاصة اتفاقيات أوسلو في تسعينات القرن الماضي.

ورقة أخيرة، طالعتني عبارات أنيقة في غضبها من العالم العربي عندما سُئِلَت بعض الدول عمّا تفعله من أجل فلسطين، ليأتي الرد بالعودة لأيام صلاح الدين وكميات المساعدات (المُبالغ أو غير المُبالغ في بعضها) التي تم إرسالها لبعض الشعب الفلسطيني خلال العقود السابقة. فلسطين لا تشحذ، كما قال أحد المغردين الذي يقول بأنه فلسطيني على تويتر. فلسطين انتظرت طويلاً، ولن تنتظر العالم كي يستيقظ بعد اليوم.

Facebook Comments

Post a comment