شجاعة عمياء

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

هي شابّة طموحة تُصِرُّ على كسر النمط المتداول في العالم حول قدرات ذوي الإحتياجات الخاصّة.

في حديث خاص مع نيوزويك الشرق الأوسط: الإعلامية داليا فريفر من تحت الماء: «أرى البحر بقلبي.»

لم تكن داليا فريفر في حاجة إلى رؤية البعض منا ممن حاول كبت دموعه تأثراً، في اللحظة التي وافقت فيها هذه الفتاة الشابة الممتلئة حيوية على الغوص في بحر صور جنوب لبنان.

فداليا فريفر فقدت حاسة النظر لديها منذ فترة طويلة، على أن حبها للحياة والمغامرات لم يمنعها أن تقرر خوض أعماق البحر، على الرغم من أنها كانت تجهل ما ينتظرها تحت الماء.

لعلّها إيجابيتها، وضحكتها الحلوة، ولعل الأمر يكمن في ثقتها بالنفس على الرغم من أنها المرة الأولى التي تغوص فيها تحت الماء، لا يهم. ما يهم أنني، وزملائي وجدنا أنفسنا ممتلئون بالطاقة والحماس. داليا فريفر أعادت تعريف معنى المغامرة، وحرّكت فينا إنسانيتنا. نحن بشر ولا يهم مرّ الحياة ما دمنا نستطيع البحث عن النقاط الحلوة فيها والإستفادة من كل لحظة أعطانا الله إياها لنتعلم ونساعد الآخرين في التعلم.

منذ اللحظة الأولى لنزولها إلى الماء، كانت داليا، بين تفاصيل اخرى، تسأل عن احتمال تعرضها لضغط مباشر على عينيها، فهي خسرت شبكتي العين قبل ١٤ عاماً. لم تشعر داليا بالخوف من عالم المياه اللامتناهي، وذلك بعدما طمأنها مدير المركز اللبناني للغوص يوسف جندي، على أنهما لن يغوصا في الماء سوى نصف مترٍ، وسيطفوان على سطح الماء في تجربة أولية لكسر الخوف وإزالته. وها هي داليا، تغوص حتى عمق مترين ونصف المتر لمدة ٢٠ دقيقة، لتقول بعدها إنّها تخيّلت نفسها طائرٍ لم تطأ قدماه الصغيرتان الأرضَ يوماً.

داليا فريفر والآثار الفينيقية في عمق البحر الأبيض المتوسط. من كان ليتخيّل أنها ستغوص بحرية من دون خوف وللمرة الأولى في حياتها رغم أنّها لا تُبصر؟

“كنت أشعر أنني أطير”، قالت داليا بحماس إثر خروجها من الماء. حدّثتني داليا، في مقابلتها مع نيوزويك الشرق الأوسط عن إحساسها بأنها خرجت من البحر وهي شخص جديد، وقد ذهبت في الوصف أبعد من ذلك، لتتكلم عن شعورها بالطيران. كانت تمُدّ ذراعيها كجناحين عريضين، تحت الماء بعرض إبتسامتها التي إرتسمت على وجهها بعد الخروج من البحر.

عند غوصها، أمسك بأطراف أصابع يديها، يدا مدرب الغوص ومساعده علي عاصي، في محاولة لإبقاء الشعور بالأمان موجوداً داخل قلبها.

حملت داليا قارورة من الهواء المضغوط على ظهرها، وإستعانت بزعانف صفراء في قدميها. أمّا النظارات العازلة للمياه، المفتوحتان على مساحات شاسعة من عجائب أعماق البحر، فكانتا لرد المياه عن عيناها فقط، فهي تقول إنّها رأت كل شيء بقلبها ويديها.

أوّل مرة

إستغرق تجهيز داليا للنزول في الماء نصف ساعة. أحسب أن تلك الدعوة، التي وجهها المركز اللبناني للغوص إلى داليا قبل شهرين من الزمن، قد أعطى للتجربة فرادتها وخصوصاً أنها الأولى من نوعها في لبنان، إضافة إلى تحمُّل مدير المركز اللبناني للغوص يوسف جندي خطر المجازفة عبر إدخال شخص لا يرى إلى عمق البحر.

جلس أصدقاء داليا إلى جانب رئيس إتحاد بلديات صور المهندس حسن دبوق الذي رحب بنشاط المركز ضمن مشروع “السياحة للجميع في لبنان”، وذلك للإستماع إلى مدرب الغوص وهو يُقدّم دورساً نظرية عن رياضة الغوص، لتبديد المخاوف وتقليل الهواجس.

هذا الخوف الذي كان يجمعنا على داليا، لم يكن بالنسبة إليها إلا تحدٍ جديد تضيفه الأخيرة إلى سجل إنجازاتها المتعددة، كان آخره قبل أشهرٍ معدودة، حينما إستضافت على الهواء المباشر ٧١ ضيفاً خلال ٢٤ ساعة، عبر أثير هواء تلفزيون لبنان، ولتدخل بذلك في موسوعة غينيس للأرقام القياسية. بحث جندي، مطولاً عن “أساليب التواصل تحت الماء مع الأشخاص الذين فقدوا بصرهم، فوجد أن التواصل بالصوت واللمس هو أفضل الطرق وأنجعها”، بحسب ما أشار إليه في حديث لـ نيوزويك الشرق الأوسط. إعتَقد في البداية أنه أمام مهمة صعبة، إلا أنه غالباً ما يقوم بالغوص الليلي، ويطلب من تلامذته أن يطفئوا الإضاءة ليستمتعوا بوجودهم في قاع البحر، في المكان الأكثر سلاماً على الكوكب، على حد قوله، متحررين من الجاذبية التي تبقيهم ثابتين على الأرض.

هذا الأمر هو ما شجع داليا على خوض غمار هذه الرياضة المميزة.

ويقول جندي إنه شعر للحظة أنه يمتلك الكوكب، نظراً لخوض داليا تجربة الغوص بنجاح من دون حصول أي تردد، ولكلمات داليا لحظة خروجها من الماء حينما قالت “أريد تكرار التجربة مرة أخرى وعلى عمق أكبر”، وهذا الأمر يشير إلى أن باستطاعة الجميع أن يمارس رياضة الغوص وفق ضوابط معينة. مساعد مدرب الغوص علي عاصي كان عاطفياً لحظة خروجه من الماء. مشاعر متناقضة حملها عاصي وعبّر عنها بجملة واحدة “أنا شخصٌ ضعيفٌ أمام ارادتها الصلبة”.

كلام عاصي عن داليا كان بمثابة درس له في الحياة. فعلى الرغم “من فقدانها لنعمة كبيرة وهي حاسة البصر، إلّا أنّها لا زالت قادرة على رسم الضحكة على وجوهنا. لقد شعرت أنني سعيدٌ جداً لأنني استطعت أن اساعد انساناً للمرة الأولى بلا حواجز”.

عند بداية الغوص تمسّكت داليا بأطراف أصابع المدرب يوسف جندي ومساعده علي عاصي

تٌكمل داليا حديثها بسعادة كبيرة وبضحكة عريضة وتقول إن “التحضير لكسر الرقم القياسي في البقاء على الهواء ٢٤ ساعة والحصول على شهادة من Guinness records كان أصعب من النزول تحت الماء.”

ذلك يكمن، على حد قولها، في قوة البقاء بذاكرة صامدة ومتماسكة وبصحة جيدة وبوعي كافٍ، وبالطبع بابتسامة دائمة”.

مقارنة التجربتين، كان كافياً لاستعادة تعب تحضير كل الإعلاميات هلا المر وجاكلين جابر وغرازيلا بو خليل لبرنامج ٢٤/٢٤ على شاشة تلفزيون لبنان، خلال حواراتها مع شخصيات فنية وأدبية وشعراء وأطباء بمعدل ربع ساعة لكل لقاء، ومع كل ضيف كانت تطرح قضايا في تخصصه.

يقول أصدقاء داليا، الذين حضروا معها، إنها لم تشعر بالتعب، إلا عندما وصلت الساعة إلى الثالثة فجراً، ولكنها أرادت أن تكمل بكل قوة حتى الساعة الثامنة صباحاً، ليعلن ممثل شركة Guinness records كسر داليا للرقم القياسي، وسط تأثر داليا وبكاءها على الهواء، وذلك يكفي لأن نتخيّل حجم المحبة التي يضمرها الكل لها.

من يقرأ تاريخ داليا، هذه الشابة المؤمنة، إبنة بلدة ميروبا، في قضاء كسروان، يعرف أن حياتها قد حفلت ولا تزال بمجريات كثيرة، على امتداد ٣٢ عاماً، قضت منها ١٤ عاماً فاقدة للبصر، لا  للبصيرة.

رحلة كفاحٍ وتحدي

تفاصيل كثيرة عن حياتها ما قبل فقدان البصر، تختصرها داليا بأن ما أتى بعدها كان أجمل وأكثر تحدٍ.

لم يؤخرها فقدانها للبصر، برغم فجاعته، عن الدخول إلى الجامعة والتخصّص في علم النفس العياديّ، بعدما تحدت الظروف لتنجح في الحصول على شهادة الثانوية العامّة في ربيعها الثامن عشر.

تُعيد داليا سرد أحداث العام ٢٠٠٣ كأنها ماثلة أمامها، وذلك حينما تُلِفت شبكة العين، بعد اجراءها لثلاث عمليات ليزر ذهبت بنور عينها وليس قلبها، وبالطبع لم يكن الأمر بالسهل بالنسبة إليها.

إلا أن ذلك، على الرغم من صعوبته، لم يثنيها عن تقديم الشهادة الثانوية بطريقة جديدة.

فقد طلبت من وزارة التربية اللبنانية بشكل رسميّ، أن توكل الأخيرة شخصاً يلعب دور عيونها، دور الممتحن الذي يتلقى الإجابات من ذاكرة داليا، ليكتبها على الورق، إسوة بكل الطلاب الذين يريدون الإنتقال إلى المرحلة التعليمية الجامعية، وبعدما ساهم أهلها وأصدقائها في تسجيل الدروس على مُسجلٍ صوتيّ، تآلفت معه وجعلته جزءاً لا يتجزأ من حياتها.

ما جعلها تؤمن بالتغيير، هو “الألم الذي ينحت يومياتنا ويُعلّمنا الكثير”.

الألم الذي بدأ، مترافقاً مع الخيبات في بداية عمر الشباب والطموحات اللامتناهية، علّم داليا كيف تكون أقوى وساعدها على تنمية مواهب وطاقات إكتشفتهم تباعاً، ككتابة الأغاني الدينية وأدائها بصوت جميل، إضافة إلى الدخول إلى عالم الإعلام، الذي يعتمد في متن بناءه على الكتابة والقراءة.

ولكن كان ذلك، على الرغم من تشعبه، ظرفاً مناسباً لإثبات أن حياة ذوي الاحتياجات الخاصّة يمكن أن تكون سهلة إذا حصل الشخص على رعاية جيدة.

الإعاقة لا توقف الحياة

بالنسبة إليها، “الخوف هو الإعاقة الأكبر”، وفي ذلك دعوة جديّة لأن يتحمّل المجتمع المسؤولية الكاملة في التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصّة، على أنهم ليسوا حالة شاذة عن محيطنا الإنساني، وألا يكون وجودهم في الوظائف وفي الحياة العامّة هامشياً، ومضطرباً وربما ثانوياً.

جميعنا، بحسب داليا، معرضون لأن يتوقف الزمن فينا في محطة ما، في حال تعرض أحدنا إلى حادث ما، قد تمنعه من الرؤية مجدداً، أو المشي على أقدامه، أو فقدان إحدى الحواس الأخرى.

ولكن يجب أن نعرف كيف نستمر في حياتنا مع المصاعب الجديدة، التي تزيدنا قوة لا ضعفاً، وذلك الذي يُميّزنا ويجعلنا قادرين على محاربة الألم.

وتتحضر داليا حالياً لخوض مغامرةٍ أخرى، وهي كسر رقمها الخاص واستضافة أكثر من ١٣٠ ضيفاً خلال ٢٤ ساعة على الهواء مباشرةً، لتُقدّم أملاً جديداً إلى كل الذين يشعرون أن حياتهم توقفت في مكان ما.

داليا مع المدرب ومدير المركز اللبناني للغوص يوسف جندي، و “كل شي تمام.”

توعية متزايدة

تنشط حول العالم عدة مشاريع تهدف لمساعدة من فقدوا نعمة البصر على ممارسة رياضة الغوص.  ويعتبر نشاط مركز الغوص مع الإعلامية داليا فريفر هو الأول من نوعه في لبنان في إطار مشروع السياحة الدامجة الذي تنفذه بلدية صور.

مشروعات عدّة سبقت تجربة لبنان، بدءاً من مشروع بوسيدون، الذي يعتقد مؤسسوه بييرو غريكو وجوزيبي بيلوتي أن الغوص هو أداة علاجية قوية يُمكن أن تُساهم بشكل كبير في تحسين نوعية حياة المكفوفين والمتضررين من إعاقات متنوّعة.

بدأ مشروع بوسيدون في العام ١٩٩٨، إنطلاقاً من مركز باولا للغوص، في جنوب إيطاليا، بدعم من الإتحاد الإيطالي للمكفوفين والمعهد الإيطالي للتعليم والبحث وإعادة التأهيل.

وعلى مر السنوات، وضع المدربون في المركز نظام إتصالٍ وتواصلٍ مُتميّز تحت الماء للمكفوفين، عبر الاعتماد على تقنيات اللمس والصوت. كما تم تدريب الغواصين العسكريين في هذا النظام من أجل العمل في ظروف منخفضة الرؤية.

تعاون الغواصين مع بعضهم البعض يُشكّل علامة مُستمرة للاعتماد على الآخرين بحيث يتمكن الطلاب المكفوفين من انشاء علاقة ترابط مع زملائهم ومساعديهم ومدربيهم، الأمر الذي يكسر العزلة التي يُجبر فيها بعض المكفوفين على العيش فيها.

تجربة مميزة أخرى، بدأت من البحر الأحمر العام الماضي، بحيث إستطاع الغواص المكفوف غراهام أوين، بريطاني الجنسية، من تحقيق رقم قياسي جديد في بحر الغردقة في مصر، بحيث إستطاع الغوص حتى عمق ١١١ متراً، في موقع يسمى الكراك. وقبل غوص أوين في البحر الأحمر، سجل البريطاني مارك ثراغولد وصوله إلى عمق ١٠٣ أمتار في منطقة دهب في البحر الأحمر في العام ٢٠٠٦.

السياحة الدامجة في لبنان

يعتبر جندي أن نزول داليا إلى الماء، ليس إلا بداية المشروع الحلم الذي يريد المركز اللبناني للغوص تحقيقه في زرع الأمل لدى ذوي الاحتياجات الخاصّة بتجربة رياضة الغوص ليكونوا جزءاً متصلاً بهذه الرياضة. ولذلك وقبل أكثر من ثلاثة أشهر، نظم “اتحاد المقعدين اللبنانيين”، برعاية بلدية صور، نشاطاً بعنوان “صور تطلق الخطوات العملية نحو سياحة دامجة”، في إطار مشروع “السياحة للجميع في لبنان”، ضمن برنامج “أفكار ٣” الممول من الإتحاد الأوروبي، وبإدارة مكتب وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.

تسعى بلدية صور إلى تحويل هذه المدينة العريقة في تاريخها، لمدينة صديقة للأشخاص من ذوي الإحتياجات الخاصة ولتكون مؤهلة وحاضنة للجميع على اختلاف قدراتهم. ولا يُخفى أن ذوي الإحتياجات الخاصة بشر بروحٍ كاملة ولهم الحق في الإستمتاع بمزايا كوكبنا كالآخرين تماماً

وقد أشارت إحصاءات منظمة الصحة العالمية إلى وصول نسبة السياح من الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصة حول العالم إلى نحو ١٥ في المئة من مجمل السياح. ويهدف مشروع “السياحة للجميع في لبنان”، الذي يُنفّذ على مدى سنتين، إلى معالجة موضوع الخدمات السياحيّة كي تصبح متاحة للجميع.

كما يسلّط الضوء على أهميّة السياحة الدامجة في تعزيز التنمية الاجتماعيّة-الاقتصاديّة في لبنان. وهو يستهدف المعنيّين في القطاعَين الخاصّ والعامّ، ومنظّمات المجتمع المدنيّ، ومنظّمات الأشخاص المعوّقين، لتعزيز الشراكة معهم وإطلاق مسار تأسيسي.

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment