ضاعت الطاسة: من واشنطن… هنا الدوحة

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

المشهد ببساطة كالآتي: ضاعت الطاسة.

منذ أسبوعين وقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليتهم قطر علناً بتمويل الإرهاب. قالها حرفياً في خطاب بثته وسائل الإعلام العالمية يوم الجمعة ٩ يونيو/حزيران، إن قطر تدعم الإرهاب ”على أعلى مستوى“ وطالبها بالتوقف فوراً.

اليوم، المشهد مختلف تماماً حيث قرأت الناطقة بإسم الخارجية الأميركية، هيذر نويرت بياناً، أقل ما فيه هو تبرئة ساحة قطر، ولوم دول الخليج التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية بالدوحة، ودعوة أطراف الأزمة كافّة للحوار.

”إننا نعيش في غموض بسبب أن الدول الخليجية لم تُفصح في العلن ولا للقطريين تفاصيل الإدعاءات التي وجهوها ضد قطر”، بحسب نويرت. فـ ”كلما مر الوقت، كلما إزداد الشك بالنسبة للخطوات التي قامت بها السعودية والإمارات. وفي هذا الوقت تُرِكنا مع سؤال واحد: هل كانت هذه الخطوات متعلقة بمخاوفهم [السعودية والإمارات] بشأن دعم قطر المزعوم للإرهاب؟ أم كانت متعلقة بخلافات مستمرة وتتطور منذ أمدٍ طويل بين دول الخليج. إن وزير الخارجية يتابع الوضع عن كثب. وهو كان قد أوصل رسالة بالمضمون نفسه لكافّة الدبلوماسيين المعنيين ما وراء البحار. نحن نشجع كل الجهات على تهدئة التوتر والدخول“ في حوار لحل الأزمة.

هذا المشهد مختلف تماماً بسبب تضارب بيان نويرت مع موقف رئيس بلادها الذي قال إن “دولة قطر تاريخياً كانت، للأسف، ممولة للإرهاب على أعلى مستوى… ولهذا فعلينا مسؤولية اتخاذ قرار: هل نأخذ الطريق السهل، أم نتخذ أخيراً الإجراء الضروري والصعب؟ يجب أن نوقف تمويل الإرهاب. لقد قررت أنا ووزير الخارجية ريكس تيليرسون وجنرالاتنا والقادة العسكريين، أنه قد حان الوقت للطلب من قطر بوقف تمويلها هذا —يجب أن يوقفوا تمويل (الإرهاب)— وتمويل الفكر المتطرف… علينا حل هذه المشكلة. لا خيار لدينا”.

ما وراء الكلمات

خمس نقاط فيصلية في بيان الخارجية الأميركية هذه المرة كانت المفاتيح لما قرأته نويرت وكانت كفيلة بتعزيز موقف الولايات المتحدة المستمر تجاه المنطقة العربية وخاصّة مع حلفائها العرب.

هذا الموقف يتجلى في قيام أميركا ببيع أي حليف مقابل السعر الأعلى.

وهذه ليست المرة الأولى التي تقوم أميركا بتلك الخطوة مع حلفائها في الخليج. ولعلكم تذكرون موقفها من إيران منذ بدء مفاوضاتها السياسية بشأن الاتفاقية النووية فيما كانت شركاتها تفاوض في طهران على حصص في مشاريع مستقبلية واعدة في المقلب الفارسي من مياه الخليج وبعد توقيف الاتفاقية، التي رأتها بعض الدول الخليجية على انها اشارة لهجر البيت الأبيض لهم ومحاباة من يعتبرونه “عدواً” لهم.

النقطة الأولى كانت الإشارة لوجود “غموض” بسبب عدم مشاركة السعودية والإمارات العالم بتفاصيل الأمور. وفي هذا الأمر أهميّة كبيرة، بحيث أن الخارجية الأميركية تحاول أن تشير إلى أمر من إثنين: *إما إفتراء الدول الخليجية على قطر، أو *تسرّع الدول الخليجية بمعاقبة قطر.

وكانت ثلاث دول خليجية هي البحرين والإمارات والسعودية قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع الدوحة وطردت الرعايا القطريين —ما عدا القطريين المتزوجين من رعايا دولهم، بالإضافة لفرض حظر جوي وأرضي وبحري على قطر. كما وقامت بإصدار قوانين تُجرّم أي شخص يتعاطف مع قطر قولاً أو فعلاً وبأي وسيلة كانت تحت طائلة السجن لمدة قد تصل لـ١٥ عاماً، بالإضافة لغرامات بمئات الألوف من الدراهم كما في حالة الإمارات.

النقطة الثانية تكمن في كلمة “إدعاءات”. فالخارجية الأميركية تركت تأكيدات ترمب بدعم الدوحة للإرهاب لتقول إن الدول الخليجية تسوّق لـ ”إدعاءات“ ضد قطر لم تثبت بحسب ما يُستَشَف من البيان، مما ينفي وجود أدلة بهذا المعنى، أو وجود أدلة ضعيفة.

النقطة الثالثة هي الإشارة إلى أن عامل “الوقت” المؤدي “للشك” يلعب في صالح الدوحة. وبالتالي تُشير نويرت إلى أن تردد دول الخليج المقاطعة لقطر فيما أسمته أميركا بـ ”الإفصاح“ عن المعلومات التي بحوزتهم، يُثير الشك في نوايا السعودية والإمارات تُجاه قطر. فالدوحة والخليج، تاريخياً ومنذ منتصف التسعينات لديها خلافات مستمرة منذ العام ١٩٩٥ ومروراً بالعام ٢٠١٤ وانتهاءً بالعام ٢٠١٧، أي الأزمة الحالية.

النقطة الرابعة في بيان الخارجية الأميركية وهي الأهم، بحيث أن نويرت قد استعملت كلمة “مزعوم” في الإشارة إلى ادعاء دول الخليج بأن قطر تدعم الإرهاب. وهذا يتناقض بصريح العبارة مع ما قاله الرئيس الأميركي ترمب. فكأنما موقف البيت الأبيض وموقف وزارة الخارجية يتبعان لدولتين مختلفتين. وعلى ما يبدو أن قنوات التنسيق والاتصال بين الرئيس ووزير خارجيته على الأقل معدومة أو يشوبها قلة التفاهم. وفي استعمال كلمة ” دعم قطر المزعوم للإرهاب” تأكيد ضمني من الولايات المتحدة على أن أي من الاتهامات الخليجية بحق قطر لا تعدو عن كونها اتهامات بلا سند. فهل هذا مخرج من واشنطن كهدية للدوحة؟ لكن مقابل ماذا؟

أما النقطة الخامسة، فهي سحب واشنطن يدها من صراع الأشقاء بقولها إنها “تراقب الوضع” عن كثب، بالإضافة لدعوتها للدول التي هي على خلاف، لفتح قنوات “الحوار” و “التخفيف من حدة التوتر” التي بدأت تخلق استقطابات في محيط يمكن تشبيهه بالمتفجر وبطبقة جليدية رقيقة فوق نهر من الحمم البركانية. وتستلزم هذه التهدئة الكثير من الصبر وإعادة تفعيل قنوات الحوار.

السبب

لربما هو براءة قطر، وهو أمر تستبعده دول الخليج التي تُشير لوجود العديد من الأشخاص المشبوهين في الدوحة بالرغم من أنهم محظورين أميركياً بسبب ارتباطهم بجماعات ارهابية كالقاعدة، بالإضافة لوجود قياديين من جماعة الإخوان المسلمين —المحظورة خليجياً— في قطر واستمرار عيشهم هناك، أمثال الداعية يوسف قرضاوي، ممن يعتبره الغرب متشدداً.

ولربما هو المال، أي أقدم سبب في العالم، والشيء الذي طلب الله من الناس ألا يعبدوه من باب “لا تعبدوا ربّين، الله والمال”.

فبحسب ما رشح وقت قمة الرياض، فقد رفض أمير قطر الشاب، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، الشهر الماضي، شراء المزيد من الأسلحة الأميركية على طاولة القمة الخليجية – الأميركية التي استضافتها الرياض في السعودية في شهر مايو. وقال تميم إنه لمن الأفضل الإستثمار في شعبه وبلاده بدلاً من الاستثمار في السلاح.

بيد أن قطر قد غيّرت موقفها ١٨٠ درجة بالنسبة لبذل المال على السلاح مُعلنةً منذ بضعة أيام عن شراء طائرات أف-١٥ من أميركا بقيمة ١٢$ مليار دولار.

وعلى ما يبدو إذا ما صحّت هذه النقطة، فإن رب البيت الأبيض لونه أخضر ويُدعى دولار.

ومن المؤكد أن بيان الخارجية الأميركية أتى بعد بضعة أيام من خبر شراء قطر لمقاتلات الـ أف-١٥ التي أعلنها وزير الدولة لشؤون الدفاع القطري من واشنطن، خالد العطية، والذي كان وزير خارجية قطر في السابق. وقام وزير الخارجية القطري الحالي الشيخ عبدالله آل ثاني بكتابة تغريدة عن الموضوع آنذاك. ولا يُخفى على أحد أن رجل الأعمال والاستعراض، الرئيس ترمب، لن يفوت فرصة جلب المال والأعمال لبلاده بحسب ما وعد به ناخبوه.

طائرة أف-١٥ أميركية في صورة حديثة من هذا العام، وقد قالت قطر انها وقعت صفقة شراء طائرات مقاتلات من هذا الطراز بقيمة ١٢$ مليار في يونيو ٢٠١٧. -رويترز

وقد يكون السبب، كما أشار العطية من واشنطن، إلى أن هذه الصفقة قديمة وتم توقيعها بشكل نهائي الآن. على أن السؤال الذي يُطرح في هذه الحالة هو: لماذا لم يقم الرئيس ترمب بتجميد الاتفاقية أو رفض توقيعها. هذه الصفقة تحتاج اليوم لموافقة الكونغرس، وفي حال عدم إقرارها، فالوضع قد يتغير لاحقاً.

رجل الإستعراض

في أي من الاحوال المذكورة، يبدو واضحاً أنه من المستبعد أن يفِ ترمب بكلام أطلقه خلال عقد صفقات التسليح مع دول الخليج في شهر مايو.

لم يتغير أسلوب ترمب الإستعراضي بتاتاً، على ما أسلفنا في مقالة سابقة بعنوان ”ترمب ووعد كمون“. ولم تتغير مفرداته ولا قناعاته بأن المسلمين يموّلون الإرهاب. فهو، وفي غضون يومين من وعوده لدول الخليج وهجومه الكلامي على إيران والرئيس السوري بشار الأسد ليطرب آذان حلفائه الخليجيون، قال لدول أوروبا إنه تمكّن من إقناع الدول العربية “بوقف تمويل الإرهاب” بدلا من قول انهم سيساعدونه في الحرب على تجفيف منابع الإرهاب.

وهذا يعني أنه مقتنع أن الدول العربية والإسلامية هي الممول الأول للإرهاب وأن الإسلام إرهاب وإلا كيف نفسر تباكيه خلال قمة الرياض على موت المسيحيين في الشرق دون اي ذكر للمسلمين الذين يُقتلون بمئات الألوف في الشرق الأوسط.

هاجم ترمب إيران ولم يعمد لإلغاء الاتّفاق النووي بعد، ولربما ينتظر فرصاً اقتصادية في إيران لصالح الشركات الاميركية التي تُشكل لوبيات في واشنطن.

نعم، الشهر الماضي أتى ترمب وحصل على صفقات اقتصادية وعسكرية وغيرها بنحو ٣٥٠$ مليار من منطقتنا العربية ووقف مع السعودية والإمارات والبحرين بعدها بفترة وجيزة ليهاجم قطر متهماً إياها بالإرهاب. واليوم، تقف إدارته لتقول إن كل الإتهامات ضد قطر هي مجرد إدّعاءات ومزاعم.

ومازالت المنطقة تنتظر تحقق وعود ترمب، فيما واشنطن تُفرِد للدوحة منبراً وتنبري لتبرئتها، أو على الأقل، إعطاء الدوحة الوقت الذي تحتاجه، بقدر ما تستطيع المليارات الـ١٢ شراوه، لقلب الوضع لصالحها.

وكأنما تقول نويرت: من واشنطن… هنا الدوحة، فيما دول أخرى مازالت تنتظرتحقق وعود ترمب.

حتى الآن لم يقم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالغاء الاتفاقية النووية مع إيران، فيما يبدو أن إدارته قد غيّرت موقفها من قطر، إيجاباً، إثر صفقة طائرات الـ أف-١٥ التي وقعتها الدوحة مع واشنطن مؤخراً. -رويترز

Facebook Comments

Website Comments

Post a comment