عقيدة القاتل: تاريخ الموساد الإسرائيلي السريّ وحربه الخفية ضد علماء هتلر

رونين بيرغمان

نيوزويك

استخدمت إسرائيل منذ الحرب العالمية الثانية الاغتيالات والقتل المستهدف للأشخاص أكثر من أية دولة أخرى في العالم الغربي، وقد قرر قادتها في العديد من الحالات، أنه عند قتل هدف محدد –وحماية أمنها القومي- فإنه من الأخلاقي والقانوني تعريض أرواح المدنيين الأبرياء للخطر؛ إن إيذاء مثل هؤلاء الناس، كما يعتقدون، هو شرّ لابد منه. 

إن اعتماد إسرائيل على الاغتيال باعتباره أداة عسكرية لم يكن محض الصدفة؛  فهو نابع من جذور الحركة الصهيونية، ومن صدمة المحرقة ومن الإحساس المنتشر بين الإسرائيليين بأن الدولة معرّضة دائماً لخطر الإبادة، وأن لا أحد سيأتي لمساعدتها.

ولأن إسرائيل دولة صغيرة، طالما تحدثت عنها الدول العربية وحاولت تدميرها، وبسبب التهديد الدائم للإرهاب، طوّرت الأمة قوة عسكرية على درجة عالية من الاستعداد، وربما كانت أفضل مجتمع استخباراتي في العالم، وطورت الأمة أيضاً آلة الاغتيال الأكثر قوة وتنظيماً في التاريخ.  

يكشف ما يلي عن بعض النجاحات المبكرة والإخفافات لآلة الاغتيال هذه. 

صباح يوم 21 يوليو/ تموز عام 1962، استيقظ الإسرائيليون على أسوأ كوابيسهم؛ وهو ما تناقلته الجرائد المصرية عن نجاح اختبار إطلاق أربعة صواريخ أرض- أرض.  وبعد يومين، استعرض الجيش المصري الصواريخ عبر شوارع القاهرة، وقد شاهد الاستعراض حوالي 300 دبلوماسي أجنبي، كما شاهده الرئيس جمال عبد الناصر، وأعلن بفخر أن الجيش الآن قادر على ضرب أي نقطة “جنوب بيروت”. كانت الإشارة الضمنية واضحة: كانت إسرائيل هدفاً لعبد الناصر. 

في اليوم التالي، كان البث الذي ألقته بالعبرية محطة إذاعة “صوت الرعد من القاهرة” المصرية أكثر وضوحاً. 

قال المذيع متباهياً: “يقصد من هذه الصواريخ فتح بوابات الحرية للعرب، واستعادة أرض الوطن التي كانت جزءاً من مؤامرات الإمبرياليين والصهاينة”. 

بعد بضعة أسابيع، علم الإسرائيليون أن فريقاً من العلماء الألمان لعب دوراً أساسياً في تطوير هذه الصواريخ. 

كانت الحرب العالمية الثانية قد انتهت قبل 17 سنة، وفجأةً غمرهم شعور صدمة الهولوكوست، عندما شاهدوا صوراً للعلماء الألمان في زيّ الجيش “فيرماخت”، يمهدون الطريق لخطر وجودي جديد ومختلف: أسلحة الدمار الشامل في أيدي عدو إسرائيل الجديد والعظيم، ناصر، الذي يعتبره الإسرائيليون أدولف هتلر الشرق الأوسط. 

“النازيون الألمان السابقون يساعدون الآن ناصر في مشاريع الإبادة الجماعية المعادية لإسرائيل” بهذه الطريقة وصفت الصحافة اليهودية هذه الأخبار. 

أما الموساد، ناهيك عن قادته السياسيين والعسكريين، فقد فُوجىء بالأمر؛  حيث علم عن مشروع القذائف المصرية قبل أيام فقط من إطلاق التجربة.

وكان الأمر بمثابة تذكير مدمّر بضعف البلد الصغير.

كان العلماء الألمان الذين يطورون الصواريخ المصرية من كبار مهندسي النظام النازي، رجال عملوا خلال الحرب في قاعدة الأبحاث في بينيموندي، شبه جزيرة على ساحل بحر البلطيق حيث طُورت أكثر أسلحة الرايخ الثالث تقدماً.

قال آشر بن ناتان، المدير العام لوزارة الدفاع: “شعرتُ بالعجز، كما لو أن السماء كانت تسقط على رؤوسنا”. 

تحدث بن غوريون [أول رئيس وزراء إسرائيلي] مراراً وتكراراً عن الكابوس الذي أبقاه مستيقظاً في الليل – وهو أنه أحضر يهود أوروبا الذين بقوا على قيد الحياة إلى إسرائيل، ليعانوا من محرقة ثانية”.

أجرى الموساد، الذي أُنشئ بعد فترة قصيرة من تشكيل إسرائيل في العام 1948 لمراقبة وحماية البلاد من التهديدات الخارجية، تحقيقاً سرياً للغاية في الأمر عام 1982. 

ووصف إعلان مصر عام 1962 عن مشروع الصواريخ بأنه “واحد من أهم الأحداث وأكثرها صدمةً في تاريخ مجتمع المخابرات الإسرائيلي “.

وضع رئيس الموساد آزر هرئيل الوكالة بالكامل في حالة تأهب قصوى؛ اجتاح الجو المتأزم كل ممر داخل جهاز المخابرات، وبدأ عملاء الوكالة على الفور باقتحام سفارات وقنصليات دبلوماسية مصرية في عدة عواصم أوروبية لتصوير الوثائق.

وتمكنوا أيضاً من توظيف موظف سويسري في مكتب شركة “مصر للطيران” في زيوريخ، وهي شركة كانت تعمل في بعض الأحيان باعتبارها غطاء لوكالات المخابرات التابعة لناصر. 

وقد سمح الموظف السويسري لعملاء الموساد بنقل حقائب البريد ليلاً، مرتين في الأسبوع، إلى منزل آمن. 

فتح العملاء محتويات هذه الحقائب وصوروها، ثم أعاد الخبراء إغلاقها، ولم يتركوا أية علامة تدل على أنها قد عُبث بها، قبل إعادة حقائب البريد إلى مكتب الخطوط الجوية. سرعان ما كان لدى الموساد فهم أولي لما تخطط القاهرة له.

كان المشروع المصري قد بدأ على أيدي اثنين من العلماء المعروفين دولياً، هما يوجين سانجر وولفغانغ بيلز؛ فقد لعبا دوراً خلال الحرب في مركز أبحاث الجيش في بينيموندي، وفي عام 1954، انضما إلى معهد أبحاث فيزياء الدفع النفّاث في شتوتغارت، وترأّس سانجر هذه الهيئة المرموقة. 

كان بيلز واثنان آخران من محاربي الجيش الألماني القدماء، وهما بول غوركه وهاينز كروغ، مديرين للإدارات. 

لكن هذه المجموعة التي كانت تشعر بنقص استغلال مهاراتها وعدم الاستفادة الكاملة منها في ألمانيا الغربية في فترة ما بعد الحرب، اقتربت من النظام المصري في عام 1959 وعرضت تجنيد وقيادة مجموعة من العلماء لتطوير صواريخ أرض- أرض بعيدة المدى.

 وافق ناصر بسهولة وعيّن واحداً من أقرب المستشارين العسكريين له، وهو الجنرال عصام الدين محمود خليل، المدير السابق لمخابرات القوات الجوية ورئيس قسم البحث والتطوير في الجيش المصري، لتنسيق البرنامج. 

أنشأ خليل نظاماً مُجزّءاً، منفصلاً عن بقية الجيش المصري، للعلماء الألمان الذين وصلوا لأول مرة إلى مصر في زيارة في أبريل/ نيسان 1960.

في أواخر عام 1961، انتقل سانجر وبيلز وغوركة إلى مصر وعيّنوا حوالي 35 عالماً وفنياً ألمانياً من ذوي الخبرات العالية للانضمام إليهم. شملت المرافق في مصر حقول الاختبار والمختبرات والمساكن الفاخرة للمغتربين الذين يحصلون على رواتب جيدة، ولكن ظل كروغ في ألمانيا؛ حيث أسس شركة تدعى إنترا كوميرشيال والتي كانت الجبهة الأوروبية للمجموعة.

وتقريباً بمجرد أن حصل الموساد على تصور مبدئي للوضع، وصلت المزيد من الأخبار السيئة. في 16 أغسطس/ آب 1962 ، جاء هارئيل بنظرةٍ جادة على وجهه لرؤية بن غوريون، حاملاً معه وثيقة من حقائب بريد المخابرات المصرية التي صُورت قبل يومين في زيوريخ.

كان الإسرائيليون مصدومين، وكانت الوثيقة عبارة عن أمر كتبه بيلز في العام 1962، لمديري المشاريع في مصر، وشمل الأمر قائمة بالمواد التي يلزم الحصول عليها من أوروبا لتصنيع 900 صاروخ. 

وأثارت الوثيقة أيضاً المخاوف بين الخبراء الإسرائيليين من أن الهدف الحق

ما بقي للمصريين كان تسليح الصواريخ برؤوس حربية كيميائية وإشعاعية.

عقد بن غوريون اجتماعات عاجلة مع كبار مسؤولي الدفاع. كان لدى هارئيل خطة- نوعاً ما. 

كشفت المعلومات الاستخبارية التي تمّ جمعها حتى ذلك الوقت عن قصور في مشروع الصواريخ؛ إذ إن أنظمة التوجيه كانت متأخرة إلى حدّ بعيد، وكانت لا تؤدي وظيفتها على الحدود، مما يعني أن الصواريخ لا يمكن أن تدخل في مرحلة الإنتاج الضخم. 

وإذا كان هذا هو الحال، فإن مصر ستحتاج إلى العلماء الألمان، وبدونهم، سينهار المشروع. 

كانت خطة هارئيل، إذاً هي اختطاف الألمان أو القضاء عليهم.

دافيد بن غوريون

سنقضي عليك

بنهاية أغسطس/ آب 1962، ذهب هارئيل إلى أوروبا لينفّذ خطته. كان

الطقس بارداً، مبشراً بأسوأ شتاء منذ عدة سنوات. 

بعد أسبوعين من المحاولات والفشل في مراقبة بيلز، قرر هارئيل أن يعمل على مراقبة كروغ.

في يوم 10 من سبتمبر/ أيلول الساعة الخامسة والنصف مساءً، اتصل رجل قدّم نفسه باسم صالح قاهر بمنزل كروغ في ميونيخ. 

قال إنه يتحدث باسم العقيد سيد نديم، كبير مساعدي خليل، وأن على كروغ مقابلة نديم “في الحال، لأمر مهم”.  

وأضاف قاهر، بنبرة وديّة، أن نديم، والذي يعرفه كروغ جيداً، يرسل تحياته إليه وأنه ينتظره في فندق أمباسادور في ميونيخ. كان الأمر، كما قال قاهر، هو صفقة قد تعود بربح جيد على كروغ، وكان من المستحيل مناقشتها في مكتب إنترا بسبب طبيعتها الخاصة.

لم يرَ كروغ أن هذا أمر غير عادي، وقَبِل الدعوة. وما لم يكن يعرفه هو أن قاهر كان عميلاً قديماً في الموساد، (سنطلق عليه اسم عوديد). 

وُلد في العراق، وكان عضواً نشيطاً في الحركات الصهيونية السرية هناك، فرّ من البلاد في 1949 بعد أن كان على وشك أن يقبض عليه، وتعلم في المدارس النظامية في بغداد مع المسلمين، واستطاع أن يبدو مثل العرب.

قابله كروغ في ردهة فندق إمباسادور. قال عوديد: “نحن، العقيد نديم وأنا، نحتاج إليك من أجل عمل مهم”. ف

ي اليوم التالي، ذهب إلى مكاتب إنترا ليصطحب كروغ وأخذه في تاكسي لمقابلة نديم في فيلا خارج المدينة. 

يقول عوديد: “لم يشك للحظة في أنني لم أكن الشخص الذي قلتُ أني هو”. 

“فقد مدحتُ كروغ، وأخبرته كم نقدر – نحن المخابرات المصرية – خدماته وإسهاماته”.

وصل الاثنان إلى المنزل؛ حيث اعتقد كروغ أن نديم في انتظاره، خرجا من السيارة، فتحت امرأة الباب، ودخل كروغ، أُغلق الباب، وظلّ عوديد خارجاً كما هو مخطط، وكان هناك ثلاثة عملاء آخرين ينتظرون في الداخل. فاجأوا كروغ بعدة ضربات وكمموه وقيدوه. 

عندما أفاق، فحصه طبيب يهودي فرنسي عيّنه الفريق. 

اعتقد الطبيب أن كروغ كان يعاني من صدمة خفيفة، لذلك أوصى بعدم إعطائه إبراً مخدرة حتى وقت لاحق.  

وأخبر أحد عملاء الموساد الذي يتحدث الألمانية كروغ قائلاً: “أنت سجين، افعل ما نطلبه منك بالضبط، وإلا سنقضي عليك”.

وعدهم كروغ بالطاعة، ووُضع في مقصورة سرية بنيت داخل إحدى العربات، وهي سيارة تخييم من نوع فولكس فاغن، وتوجه الفريق بالكامل، بما فيهم هارئيل إلى الحدود الفرنسية. 

في الوقت الذي وصلوا فيه إلى مرسيليا، كان كروغ مخدراً، وسرعان ما وُضع على متن طائرة “العال” تحمل مهاجرين يهود من شمال إفريقيا إلى إسرائيل. أخبر مسؤولو الموساد السلطات الفرنسية أن كروغ مهاجر مريض. 

في هذه الأثناء بدأ الموساد عملية تضليل واسعة النطاق، من خلال رجل يشبه كروغ ويحمل وثائق باسمه يسافر في جميع أنحاء أميركا الشمالية، تاركاً سلسلة من الوثائق المكتوبة تشير إلى أن كروغ بكل بساطة قد أخذ المال وهرب. ف

ي الوقت نفسه، سرّب الموساد معلومات مضلِّلة لوسائل الإعلام تقول: إن كروغ قد تشاجر مع خليل وجماعته، ويبدو أنهم خطفوه وقتلوه. 

في إسرائيل، سُجن كروغ في منشأة سرية تابعة للموساد، وخضع لاستجواب قاسٍ. 

ظل صامتاً في البداية، ولكنه سرعان ما بدأ في التعاون، وخلال فترة عدة أشهر “أثمر التحقيق كثيراً” وفقاً لتقرير ورد عن الموساد. 

“كان لدى الرجل ذاكرة جيدة، وكان يعرف كل التفاصيل التنظيمية والإدارية عن مشروع الصواريخ”. 

كانت الوثائق الموجودة في حقيبته مفيدة أيضاً، واُختتم التقرير ب “جعلت هذه البيانات من بناء موسوعة استخباراتية أمراً ممكناً”. 

حتى إن كروغ تطوّع بأن يعود إلى ميونيخ، وبأن يعمل عميلاً للموساد.  في نهاية المطاف، بعد أن بدا الأمر وكأن كروغ قد أخبر مستجوبيه كل ما يعرفه، فكّر الموساد ملياً فيما يفعله به. 

إن الالتزام بعرضه  بالعودة إلى ميونيخ سيكون خطيراً –قد يخون كروغ مراقبيه الجدد، ويذهب إلى الشرطة ويخبرهم كيف خطف الإسرائيليون مواطناً ألمانياً على الأراضي الألمانية. 

اختار هارئيل الطريق الأسهل لحل الأمر، وعلى ما يبدو دون أن يُعلم رئيسه، رئيس الوزراء  أمر أحد رجاله بأخذ كروغ إلى منطقة مهجورة شمال تل أبيب وإطلاق النار عليه.

وعندما انتهى الأمر، التقطت طائرة تابعة للقوات الجوية الجثة وألقتها في البحر.

أميت في صورة أرشيفية

من يستطيع قتل المزيد من الألمان؟

دفع نجاح عملية كروغ بن غوريون إلى الموافقة على عمليات قتل مستهدفة أكثر، وأذِن باستخدام وحدة المخابرات العسكرية 188 (أمان)، وهي جماعة سرية وضعت الجنود الإسرائيليين تحت غطاء زائف داخل البلدان المعادية.

استاء هارئيل من الوحدة 188. 

وكان يحاول منذ منتصف الخمسينيات أن يقنع بن غوريون بنقلها إلى الموساد أو على الأقل بجعله مسؤولاً عنها، لكن الجيش عارض هذه الفكرة بشدة، وخذله بن غوريون.

لم يكن رئيس الوحدة العسكرية أمان، الجنرال مئير أميت، يعتقد أن العلماء الألمان يشكلون تهديداً خطيراً على إسرائيل كما كان يعتقد هارئيل. 

ومع ذلك وبسبب المنافسة بين المنظمات والموساد، فقد طلب أن يسمح لوحدته بالعمل ضدهم أيضاً، وبدأت منافسة شديدة حول من سيقتل عدداً أكبر من الألمان.

خلال ذلك الوقت، كان لدى الوحدة 188، عميلاً من المحاربين القدماء متخفياً في مصر، كان اسمه وولفغانغ لوتز. 

وكان الجاسوس المثالي ابن لأبٍ وثنيّ وأمٍ يهودية، كان أغلف (غير مختون)، وبدا ألمانيّاً – طويل القامة، وأشقر، مع جلد شاحب، قام بتأليف قصة تغطيه على أنه ضابط سابق في الجيش الألماني في قوات الجنرال إيروين رومل في أفريقيا، والذي أصبح مربي خيول، وعاد إلى مصر؛ ليبدأ مزرعة لتربية الخيول.

خلال وقت قصير، أصبح لوتز، الممثل الموهوب، جزءاً أساسياً من الدائرة الاجتماعية الألمانية المتنامية في القاهرة، وقام بتزويد الوحدة 188 بالعديد من التفاصيل حول مشاريع الصواريخ وموظفيها. 

ومع ذلك، فهو لا يستطيع القضاء عليها بأفعال قد تتطلب مشاركته المباشرة، خشية أن ينكشف. 

قرر يوسف ياريف، رئيس الوحدة 188، أن أفضل طريقة للتخلص من العلماء الألمان هي استخدام قنابل الرسائل والطرود.

أمر ياريف، نتان روتبيرغ، خبير متفجرات الاغتيالات في الوحدة 188، بالبدء في إعداد القنابل. 

كان روتبيرغ يعمل على نوع جديد من المتفجرات: “صفائح رقيقة ومرنة من المواد المتفجرة، طُورت لأغراض مدنية، وكان الهدف منها صهر قطعتين من الفولاذ عند انفجارها”، وتسمح له بإجراء المزيد من الشحنات المضغوطة. 

وضّح روتبيرغ قائلاً: “كان علينا تطوير نظام يمكن أن يبقى الرسالة غير مفعّلة وآمنة خلال كل ذلك الخلط الذي تمرّ به الرسائل في نظام البريد، ومن ثم تنفجر في الوقت المناسب”. 

وهكذا عملت آلية الغلاف بطريقة تجعل القنبلة غير مفعلة عند فتحها، مما يجعل الانفجار قوياً للغاية، ولكن فقط عندما تُستخرج محتويات الرسالة”. (تعاونت الاستخبارات الفرنسية في البحث والتطوير). 

كان الهدف الأول الذي أُرسلت إليه رسائل القنابل الجديدة هو ألويس برونر، وهو نازيّ، كان نائباً لأدولف أيخمان وعمل قائداً لمعسكر اعتقال في فرنسا، مرسلاً 130,000 يهودي إلى مصرعهم. 

حددت الوحدة 188 موقعهُ في دمشق، في سوريا؛ حيث كان يعيش لثماني سنوات تحت اسم مستعار. 

أعطت الدول العربية حق اللجوء لعدد ليس بقليل من النازيين، وفي المقابل حصلت على خدمات متنوعة. 

ساعد برونر في تدريب وحدات التحقيق والتعذيب التابعة للأجهزة السرية السورية.

عُثر عليه بمساعدة إيلي كوهين، أحد كبار عملاء الوحدة، الذي كان ناشطاً داخل المستويات العليا في المؤسسة العسكرية السورية، وبعد أن أعطى بن غوريون موافقته على القضاء على برونر، قرر ياريف تجربة أحد أجهزة روتبيرغ مع النازيّ.

قال روتبيرغ: “أرسلنا له هدية صغيرة”.

في 13 سبتمبر/ أيلول 1962، تسلّم برونر ظرفاً كبيراً في دمشق، انفجر بعد أن فتحه، وعانى من إصابات بالغة في الوجه، وفقد عينه اليسرى، لكنه نجا.

ومع ذلك، فقد كانت الوحدة 188 متحمسةً لاستخدام الطريقة نفسها مع العلماء الألمان، بعد أن تشجعت بنتائج تسليم القنبلة إلى الضحية. اعترض الموساد. 

وكما أوضح لي رافي إيتان، وهو أحد كبار العاملين بالمنظمة: “أنا أعارض أي عمل لا أسيطر عليه، يمكن أن يفتح رجل البريد الظرف، يمكن أن يفتح طفل الظرف. من يفعل أشياء كهذه؟”

اتضح أن الوصول إلى الألمان في مصر أمر معقد للغاية؛ فهم لا يستلمون بريدهم مباشرة. 

قامت المخابرات المصرية بجمع كل البريد الخاص بالمشروع وموظفيه في مكاتب شركة مصر للطيران؛ حيث تم إرساله إلى القاهرة؛ لذا قرر الموساد والوحدة 188 اقتحام مكتب شركة الطيران في الليل ووضع الأظرف المتفجرة في حقائب البريد. 

باستخدام طريقة جديدة لفتح الأقفال باستخدام مفتاح رئيسي متطور، دخل عملاء الموساد مكاتب مصر للطيران في فرانكفورت في 16 نوفمبر/ تشرين الثاني. 

كان المتخصص في عملية الاقتحام نصف مخفي وراء إحدى العميلات؛ حيث كانوا يتكئون معاً على الباب مثل زوج من العشّاق. 

دخل الفريق إلى المكتب، لكنه فشل في العثور على حقيبة البريد. حاولوا مرةً أخرى في اليوم التالي. 

بينما كانوا مشغولين بالباب، ظهر البوّاب، مخموراً تماماً. 

لم يكن هناك أية نسوة مع الفريق هذه المرة، لذا تظاهر اثنان من الرجال بأنهما يتغازلان، وتمكنوا من الفرار دون إثارة شكوك البواب. 

في الليلة التالية، حاول العملاء مرة أخرى، وسار الأمر بسلاسة هذه المرة، كانت الحقيبة البريدية على أحد المناضد، وقام الفريق بإدخال الأظرف المفخخة في الأكياس.

اختار الإسرائيليون بيلز هدفاً رئيسياً، وأشارت المعلومات التي جُمعت عنه إلى أنه طلّق زوجته حتى يتمكن من الزواج بسكرتيرته، هانيلور ويندي. 

عاشت الزوجة في برلين، لكنها عيّنت محامياً من هامبورغ. 

لذلك، صُممت الرسالة التي استهدفت “بيلز” لتبدو وكأنها أتت من ذلك المحامي، مع وجود شعاره وعنوانه ظاهراً على ظهر الرسالة. 

قال التقرير النهائي عن العملية: “افترض واضعوا الخطة بأن بريداً شخصياً كهذا لن تفتحه ويندي”. 

لكن كان واضعو الخطة مخطئين. 

فتحت ويندي الرسالة، بدلاً ممن يجب أن يتسلم الرسالة في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني، وفتحها. 

انفجر الظرف في يديها، باتراً بعض أصابعها، وأصابها بالعمى في عين واحدة وانتزعت بعض أسنانها من لثتها.

أدركت السلطات المصرية ما يجري، وحددت باستخدام أجهزة الأشعة السينية، عناصر البريد المفخخة الأخرى، ثم سلموها لمتخصصين من الاستخبارات السوفيتية بالقاهرة لتعطيلها.

انتهت العملية الإسرائيلية بالفشل.

شكّل جمال عبد الناصر العدو رقم ١ لإسرائيل في حقبة انتاج مصر للصواريخ باعتماده على علماء هتلر

هذا هو الهدف، اذهب واقتله

أخافت الانفجارات العلماء وعائلاتهم، لكنها لم تحملهم على التخلي عن وظائفهم المريحة. 

وبدلاً من ذلك، تعاقدت المخابرات المصرية مع ضابط أمن ألماني خبير للاستفادة من خدماته، وهو ضابط سابق في قوات الحماية الألمانية اسمه هرمان أدولف فالنتين. 

زار مكاتب إنترا وموردي المشروع، ونصحهم بشأن الاحتياطات الأمنية، من استبدال الأقفال إلى تأمين تسليم البريد الخاص بهم.

كان الهدف التالي في قائمة القتل الخاصة بهارئيل هو هانز كلاينواشتير ومختبره في بلدة لورش في غرب ألمانيا، والذي وُظف لتطوير نظام توجيه الصواريخ. 

أرسل هارئيل “ذا بيردس” – وهي وحدة تشغيلية يستخدمها كل من الموساد وشين بيت، جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي – إلى أوروبا لخطفه أو قتله إذا لزم الأمر.

أسّس هارئيل مقره في مدينة مولهاوز الفرنسية. 

ويتذكر إيتان قائد وحدة “ بيردس”: “إنه منتصف الشتاء، والثلوج رهيبة، والبرد قارس.… آزر غاضب، يجلس في نُزُل في فرنسا، وراء نهر الراين. أراني بعض الصور، وقال: “هذا هو الهدف، اذهب لقتله”.

لكن وحدة “ذا بيردس”، التي كانت تساعد الوحدة 188 في الأشهر السابقة، كانت منهكة. 

وتذكر إيتان قائلاً إنه أبلغ هارئيل أن الظروف ليست مهيأة لقتل مستهدف، وأنهم بحاجة إلى “الانتظار قليلاً وإنشاء فخّ خاص بنا، وليس فقط إطلاق النار على الناس في الشارع”. 

لكن هارئيل لم ينصت؛ ففي 21 يناير/ كانون الثاني1963، طرد وحدة “ذا بيردس”، واستدعى “ميفراتز”، وحدة الموساد للقتل المستهدف التي يقودها إسحق شامير (رئيس وزراء إسرائيل لاحقاً)، للاهتمام بأمر كلاينواتشتير. 

ما لم يعرفه هارئيل هو أن فالنتين اكتشف أن كلاينواشتير سيكون الهدف التالي للموساد. 

وأعطاه سلسلة من جلسات الإحاطة، وتأكد من وجود من يرافقه دائماً، وأعطاه مسدساً عسكرياً مصرياً.

في 20 فبراير/ شباط، شاهد مراقب الموساد كلاينواشتير وحده على الطريق من لوريش إلى بازل، سويسرا. قرروا التحرك عند عودته. 

قاد شامير، الذي كان مع هارئيل، العملية في الميدان، وكلّف قاتلاً مُدَرّباً يدعى أكيفا كوهين بمهمة إطلاق الرصاصات. 

أرسل هارئيل أيضاً أحد كبار العملاء، وهو زفي أهاروني الناطق بالألمانية (الذي كان قبل عامين قد حدد مكان إيخمان في الأرجنتين وساعد فيما بعد على تقديمه للعدالة في إسرائيل). 

انتظروا عودة الهدف في المساء، لكنه لم يأتِ، وألغى الإسرائيليون العملية.

وبعد بضع دقائق، ظهر كلينواشتير أخيراً، تم استئناف العملية. عرقلت سيارة عملاء ميفراتز سيارة كلاينواشتير، خرج أهروني وذهب إلى كلاينواشتير متظاهراً بأنه يسأل عن الاتجاهات. 

كانت الفكرة هي جعله يفتح النافذة، بدأ يفعل ذلك. 

ووجه كوهين، الذي اقترب من أهروني من الخلف، مسدسه وحاول استهدافه من خلال النافذة المفتوحة وأطلق النار. 

أصابت الرصاصة الزجاج وحطّمته، ثم أصابت وشاح كلاينواشتير، لكنها أخطأت جسده. ولسبب غير معروف، تعطل المسدس.

رأى أهاروني أن الخطة فشلت وصرخ في الجميع ليفرّوا. 

لكن الطريقة التي توقفت بها كلتا السيارتين على الطريق الضيق منعت رجال الموساد من الفرار في سيارتهم، فهربوا في اتجاهات مختلفة.

وأثناء فرارهم، أشهر كلاينواشتير مسدسه وبدأ يطلق النار على الإسرائيليين. 

لم يُصب أي منهم، لكن العملية كانت فرصة أخرى ضائعة.

صاروخ قاهر-١ المصري

جزار بوخنفالد

ثم أطلق هارئيل عدداً من العمليات التي تهدف إلى تخويف العلماء وعائلاتهم، بما في ذلك رسائل مجهولة المصدر تهدد حياتهم وزياراتهم في منتصف الليل تقدم تحذيرات مماثلة.

وفشلت عمليات أخرى أيضاً عندما ألقت الشرطة السويسرية القبض على عميل من الموساد يدعى جوزيف بن غال بعد أن هدد هايدي ابنة بول غورك. 

رُحّل بن غال إلى ألمانيا، وأُدين وحكم عليه بالسجن لمدة قصيرة.

بحلول ربيع عام 1963، لم يبطئ الموساد من تقدم المصريين. 

لذا بدأ هارئيل بتسريب قصص إلى الصحافة؛ بعضها حقيقي، وبعضها منمّق، وبعضها أكاذيب سافرة (أن الألمان كانوا يساعدون مصر في إنتاج قنابل ذرية و أشعة ليزر قاتلة) – حول صناعة النازيين للأسلحة لصالح العرب ليقتلوا بها اليهود. 

كان هارئيل مقتنع تماماً أن العلماء الألمان كانوا نازيين، وبأنهم لا يزالون مصممين على إتمام القتل الجماعي لليهود (المحرقة النازية)، وأن السلطات الألمانية كانت على دراية بأنشطتهم، ولكنها لم تفعل شيئاً لإيقافهم. 

في الواقع، ووفقاً لتقرير الموساد لعام 1982 حول هذه القضية، فقد اعتادوا على الثروة التي حصلوا عليها تحت حكم الرايخ الثالث، وأصبحوا عاطلين عن العمل عندما سقط الحكم، والآن يحاولون ببساطة جني المال من المصريين. لكن هارئيل جرّ البلاد كلها معه في هوسه.

قدم هارئيل لإثبات ادعاءاته المعلومات التي تم جمعها في القاهرة حول الدكتور هانز إيزيل، جزار بوخنفالد، الذي شارك في تجارب مروعة على السجناء اليهود. 

وُصف بمجرم حرب لكنه هرب من المحاكمة، ووجد ملجأً مريحاً في مصر؛ حيث أصبح طبيباً للعلماء الألمان. 

وأشار هارئيل أيضاً إلى عدد من النازيين الآخرين في القاهرة، على الرغم من أن لا أحد منهم ينتمي إلى مجموعة علماء الصواريخ.

كان هدفه هو تشويه سمعة ألمانيا علانيةً، والتي كانت لإسرائيل علاقة معقدة بها. 

وقد اختلف المعتدلون نسبياً مثل بن غوريون ومساعده الرئيسي، شمعون بيرس (وهو أيضاً رئيس وزراء لاحق) مع منهج هارئيل. 

وفي الوقت الذي كانت الولايات المتحدة مترددة في تزويد إسرائيل بكل المساعدات العسكرية والاقتصادية التي طلبتها، لم تتمكن هذه الدولة الناشئة من تعريض المساعدات الاقتصادية والعسكرية التي تتلقاها من حكومة ألمانيا الغربية للخطر، والتي حافظت عليها. 

من جهة أخرى، رفض المتشددون مثل غولدا مئير وهارئيل فكرة أن جمهورية ألمانيا الاتحادية بلد “جديد” أو “مختلف”. 

فقد ترك التاريخ في أذهانهم وصمةً دائمة.

كما استُدعي هارئيل إلى إيديتورز كومتي، وهي مؤسسة إسرائيلية فريدة من نوعها،  تألفت آنذاك من كبار محرري وسائل الإعلام، أي عناصر تخضع للرقابة الذاتية بناءً على طلب من الحكومة. 

وطلب من اللجنة تزويده بثلاثة صحفيين، قام بتجنيدهم فيما بعد. أُّرسلوا إلى أوروبا، على حساب الموساد، لجمع معلومات استخباراتية عن الشركات الصورية التي كانت تشتري معدات للمشروع المصري. 

ادعى هارئيل أنه في حاجة إلى الصحفيين لأسباب تشغيلية، لكنه أراد استخدام مشاركتهم والمواد التي جمعوها لغسل المعلومات التي كان يملكها بالفعل، وبهذا، يمكن نشرها على وسائل الإعلام الأجنبية والإسرائيلية لإنتاج التقارير الصحفية وتهيئة المناخ الملائم لأهدافه. 

لقد خلقت قصص هارئيل ضجةً إعلامية ًوشعورا متزايداً بالذعر في إسرائيل. 

حاول بن غوريون تهدئته، لكن دون جدوى. وقال عاموس مانور، رئيس الشين بيت آنذاك: “لم يكن [هارئيل] في رأيي عاقلاً”. 

“لا يمكن أن تجري محادثة عقلانية معه عن هذا الأمر”.

انتهى الأمر كما هو الحال مع معظم الهواجس بتدمير هارئيل نفسه. جرحت حملته الدعائية، وقصص الجرائد المحمومة التي كان قد زرعها حول ظهور توابع هتلر من جديد، بن غوريون بشكل سيء. 

هاجم المنتقدون مثل مناحيم بيغن، زعيم المعارضة، رئيس الوزراء لعدم قيامه بما يكفي لوقف التهديد الذي يشكله العلماء الألمان – وهو تهديد يرى الإسرائيليون أنه خطر على وجودهم – ولقيادة بلاده إلى مصالحة مع ألمانيا الغربية، التي تبدو الآن مسؤولة بشكل غير مباشر على الأقل عن الإبادة الجديدة. 

في 25 مارس/ آذار 1963، استدعى بن غوريون هارئيل إلى مكتبه. 

كان رئيس الموساد قد نفّذ بعض عملياته الإعلامية دون موافقة رئيس الوزراء والآن رئيسه غاضب. 

ذكّر رئيس الوزراء هرئيل بأنه من المفترض أن ينفذ سياسة الحكومة، لا أن يضعها. 

قدم هارئيل استقالته؛ لأنه استاء من التوبيخ، واثقاً من أن الرجل العجوز، كما كان معروفاً عن بن غوريون، لن يستطيع تدبر أمره بدونه وأنه سيتوسل إليه ليبقى.

فكّر بن غوريون بطريقة أخرى، وقَبِل الاستقالة على الفور. 

انتهت مهنة هارئيل السابقة الرائعة بخدعة فاشلة وهزيمة مطلقة. اُستبدل على الفور بأميت، رئيس أمان.  

لكن كان الآوان قد فات لابن غوريون أيضاً. 

راقت حملة هارئيل لبيغن من بين الآخرين. 

بعد أقل من شهرين من استبدال هارئيل، استقال بن غوريون، مقتنعاً بأنه قد فقد دعم حزبه. واستُبدل بليفي إشكول.

56 عملية سرقة و30 ألف وثيقة

تولى أميت – وهو أحد القادة الشباب الشجعان في جيش الدفاع الإسرائيلي – مسؤولية جهاز “الموساد” وهو في حالة فوضى. 

كانت الوكالة محبطة للغاية؛ فخلال الأشهر التسعة التي تلت إعلان مصر عن تجاربها الصاروخية الأربعة، كان الإسرائيليون لا يعلمون إلا القليل عن البرنامج.

وكل محاولات الموساد وشعبة الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) باءت بالفشل حتى إبطاء المشروع، ناهيك عن تفكيكه، وحتى الضغط على ألمانيا لم يُحدث أي فرق.

بدأ أميت في إعادة بناء المنظمة، وعززها بأفضل العاملين الذين عرفهم في أمان. وبمجرد توليه المنصب.

أمر بإيقاف كل الأمور التي اعتبرها بعيدة الصلة، كما أمر بتقليل حادّ في الموارد المخصصة لمطاردة المجرمين النازيين، موضحاً: “ينبغي علينا أن نقدم معلومات عن أعداء دولة إسرائيل هذه الأيام”. 

لقد أدرك أميت أنه بحاجة إلى إعادة ضبط تكتيكي، وأن الموساد كان عليه إعادة النظر في معالجته لمشكلة الصواريخ المصرية.

وهكذا كان أول أمر أصدره هو الابتعاد عن عمليات القتل المستهدفة وتركيز الغالبية العظمى من موارده بدلاً من ذلك على محاولة فهم ماذا يحدث داخل مشروع الصواريخ. 

ولكنه مع ذلك أعد سراً مشروعاً من تخطيطه شخصياً لتنفيذ عمليات قتل مستهدف ضد العلماء، من دون إطلاع معظم كبار المسؤولين في المنظمة. 

كان موظفو العمليات يحاولون إيجاد طرق لإرسال طرود مفخخة من داخل مصر، بهدف اختصار الوقت بشكل كبير بين إرسال الطرود وبين فتحها؛ فقاموا بتجربة الطريقة على هدف سهل نسبياً – الطبيب إيسيلي. وفي 25 من سبتمبر/ أيلول 1963، وقع انفجار في مكتب بريد حي المعادي الراقي في القاهرة؛ لقد انفجرت رسالة مفخخة كانت موجهة إلى الدكتور كارل ديبوش – وهو الاسم الزائف الذي كان إيسيلي يستخدمه –وأفقدت عامل بريد نظره.

وقد أقنع فشل هذه العملية أميت بضرورة استخدام القتل المستهدف بشكل محدود. 

إلا أنه مع ذلك، أمر الموساد بإعداد خطط إطلاق نار أو تفجير أو تسميم العلماء إذا لم تنجح الوسائل غير العنيفة معهم.

أمر أميت الموساد بالتعجيل في عمليات اقتحام كل المكاتب المرتبطة بمشروع الصواريخ في كٍل من ألمانيا الغربية وسويسرا. 

كانت تلك العمليات معقدة للغاية؛ فقد كانت المواقع خاضعة لحراسة مشددة – من قبل كٍل من المخابرات المصرية ورجال فالنتين – المدير الألماني للمشروع – وكانت المواقع في قلب المدن الأوروبية المزدحمة، وفي بلدان يتم فيها إنفاذ القانون بشكل صارم.

قام عملاء الموساد بسرقة السفارات المصرية، وبعثة الشراء المصرية  في كولونيا، ومكتب إنترا في ميونيخ. 

واقتحموا مكتب مصر للطيران في فرانكفورت ما لا يقل عن 56 مرة، في المدة ما بين أغسطس/ آب 1964 وديسمبر/ كانون الأول 1966. 

كانت المعلومات التي حصلوا عليها (قام العملاء بتصوير 30 ألف

وثيقة بنهاية عام 1964 وحدها) معلومات مهمة، ولكنها كانت بعيدة عن أن تكون كافية. 

كان على الموساد أن يقوم بتجنيد شخص ما من داخل مشروع الصواريخ نفسه. 

وتم إسناد تلك المهمة الحساسة الى قسم يسمى (جنكشن)، وهو قسم مسؤول عن جلب الجزء الأكبر من الذكاء البشري للمنظمة.

وعلى عكس أفلام هوليود، فإن معظم هذه المعلومات لا يتم جمعها مباشرة من قبل موظفي موساد يلقون سهامهم في الظلام، وإنما يتم جمعها من الرعايا الأجانب في بلدانهم الأصلية. 

ويطلق على ضباط الموساد المسؤولين عن تجنيد وتشغيل هذه المصادر “ضباط جمع”؛ فهم خبراء في علم النفس. 

إنهم يعرفون كيف يقنعون شخصاً ما بخيانة كل شيء وكل من يؤمنون به: أصدقائه وعائلته، ومؤسسته، وأُمته.

لكن لم يتمكن أي منهم من توظيف أي شخص قريب من البرنامج المصري. 

لقد أصبح تجنيد عملاء من البلدان العربية أمراً ذا أولوية طويلة الأجل، أما على المدى القصير، فقد كان على قسم “جنكشن” أن يبحث في مكاٍن آخر.

 

شخص مفضًل لدى الفوهرر

في أبريل/ نيسان 1964، قام أميت بإرسال إيتان إلى باريس، التي كانت  بمثابة المركز العصبي للمخابرات الإسرائيلية، لإدارة عمليات قسم “جانكشن” في أوروبا. 

أصبح فالنتين يمثل مشكلة أكبر، وكان على القسم أن يتولى أمره.

كانت لدى أفراهام أهيتوف، منسق قسم “جنكشن” في بون، فكرة، وقدمها إلى إيتان في باريس في مايو/ أيار 1964. 

لقد عرف شخصاً مريباً كان قد باع أسلحة و معلومات إلى نظام عبد الناصر وكان أيضاً مقرباً من العلماء الألمان. 

قال أهيتوف: “هناك فقط مشكلة واحدة صغيرة” .. “اسم الرجل هو أوتو سكورزيني، وكان ضابطاً كبيراً من ضباط الفيرماخت، وهو قائد العمليات الخاصة لهتلر، وشخص مفضل لدى الفوهرر”.

سأله إيتان بسخرية: “هل تريد تجنيد هذا الأوتو؟.. رائع”.

في العام 1960، أخبر أهيتوف إيتان، أن هارئيل قد أمر وحدة أمل، وهي الوحدة التي تولت البحث عن مجرمي الحرب النازيين، بجمع أكبر قدر ممكن من المعلومات عن سكورزيني، بهدف تقديمه إلى العدالة أو قتله. وقال ملفه: إنه كان عضواً متحمساً في الحزب النازي النمساوي، وقد تم تجنيده في العام 1935 في وحدة سرية تابعة لوحدات الحماية النازية في النمسا وشارك في (كرستالناخت). 

وقد علت بسرعة رتبته في وافن-إس-إس، ليصبح رئيس وحدات العمليات الخاصة بها.

قام سكورزيني بالهبوط بالمظلة في إيران، وقام بتدريب قبائل محلية على تفجير خطوط أنابيب النفط التي تخدم جيوش الحلفاء، وخطّط لقتل الثلاثة الكبار – وينستون تشرشل، وجوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت. كما كانت لديه أيضاً خطة لخطف وقتل الجنرال الأمريكي دوايت أيزنهاور. وقد اختاره هتلر شخصياً لقيادة غارة غران ساسو، التي نجحت في تحرير بينيتو موسوليني، صديق الفوهرر وحليفه، من فيلا على جبال الألب، حيث كان محتجزاً من قبل الحكومة الإيطالية.

وقد وصفت أجهزة استخبارات الحلفاء سكورزيني بأنه “أخطر رجل في أوروبا”. 

ومع ذلك، لم يكن قد أدين بجرائم حرب؛ فقد تمت تبرئته من إحدى المحاكم، وبعد أن أعيد اعتقاله بتهم أخرى، هرب بمساعدة أصدقائه من قوات الحماية النازية الإس إس. 

وقد لجأ إلى أسبانيا أيام فرانشيسكو فرانكو؛ حيث أقام علاقات تجارية مربحة مع أنظمة فاشية من مختلف أنحاء العالم.

كانت تعرّف سكورزيني بالعلماء في مصر، وحقيقة أنه كان ضابطاً متفوقاً لدى فالنتين أثناء الحرب، كانا كافيان، من وجهة نظر إيتان، لتبرير محاولة تجنيده، على الرغم من ماضيه النازي. 

وقد شعر ايتان بأنه إذا كان هذا سيساعد إسرائيل، فإنه يستحق الجهد.

من خلال عدد من الوسطاء، أجرى الموساد اتصالاً مع الكونتيسة إيلسي فون فيكنستين – زوجة سكورزيني. 

فهي ستستخدم باعتبارها مدخلاً للموساد. 

ويقول ملف الوكالة عن الكونتيسة إنها كانت “عضواً في الطبقة الأرستقراطية. 

وهي ابنة عم وزير المالية الألماني [قبل الحرب] هجلمار شاخت … وهي تبلغ من العمر 45 عاماً، امرأة جذابة تملؤها الطاقة.

قال عنها رافاييل ميدان – أو “رافي”، عميل الموساد المولود في ألمانيا، والذي تم تكليفه بالمهمة: “لقد شارَكَت في كل شيء”. 

“لقد باعت ألقاب النبلاء، وكانت لها علاقات مع مخابرات الفاتيكان وأيضاً كانت تبيع الأسلحة.” 

كما كانت لديها هي وزوجها أفكار متحررة عن علاقتهما. 

“لم يكن لديهما أطفال،” كما قال ميدان، “وحافظوا على زواج منفتح. كانت دائماً تبدو مذهلة، فقد كانت تخضع كل سنتين لعلاج بالهرمونات في سويسرا من أجل الحفاظ على شبابها “.

ميدان “كان معروف عنه أنه قادر على التأثير على النساء، بسبب مظهره الأوروبي الجميل “، بحسب تقرير الموساد حول هذه القضية. 

وقد نظموا لقاء في أواخر يوليو/ تموز 1964 في دبلن. 

قدم ميدان نفسه بوصفه موظفاً في وزارة الدفاع الإسرائيلية في أجازة، بحثاً عن فرصة في مجال السياحة الدولية. 

وقال إنه قد يكون مهتماً بالمشاركة في مشروع تطوير جزر البهاماس الذي تشارك فيه الكونتيسة. 

راق ميدان للكونتيسة، وعندما انتهى حديثهم التجاري، دعته إلى حفلة في مزرعتها. وكانت هذه بداية سلسلة من اللقاءات، بما في ذلك بعض الحفلات الماجنة في أوروبا. 

ووفقاً لإشاعة للموساد تم تداولها لسنوات عديدة، وتمت الإشارة اليها ضمنياً في التقارير – وإن كانت لم تُذكر صراحة – فإن ميدان ضحّى بنفسه من أجل بلاده – واستفاد من الزواج المنفتح للزوجين الألمانيين – عن طريق إغواء الكونتيسة وإقامة علاقة حميمية معها. 

ومع ذلك، قال ميدان ببساطة: “هناك أشياء لا يتحدث عنها السادة”، ووصف اللقاء، مع ابتسامة، بأنه “جيد وممتع كذلك.”

جنود نازيون من وحدة أس أس في أيفانغ يعدمون أسرى يهود في صورة أرشيفية

حياة بدون خوف

في مدريد، ليلة 7 سبتمبر/ أيلول 1964، أخبر ميدان الكونتيسة أن صديقاً له من وزارة الدفاع الإسرائيلية يريد مقابلة زوجها “حول مسألة مهمة جداً”. 

كان الصديق بالفعل في أوروبا وينتظر الرد .

إقناع فون فينكستين بالتعاون لم يكن صعباً؛ فقبل أربع سنوات فقط، عثرت إسرائيل، وأمسكت وحاكمت وأعدمت أيخمان. 

كانت القوات القوية في العالم اليهودي، بما في ذلك صياد النازيين سايمون فيزنتال، يحاولون العثور على نازيين من أمثال سكورزيني ومحاكمتهم. 

وقد استطاع ميدان أن يعرض على الكونتيسة، وبالتالي على زوجها، “حياة بلا خوف”، بحسب تعبير إيتان.

في صباح اليوم التالي، أبلغت فون فينكنستين ميدان أن زوجها على استعداد لمقابلة صديقه – في تلك الليلة، إن أمكن. 

فقام عميل الموساد باستدعاء أخيتوف إلى مدريد. 

وقام بإعداد لقاء في ردهة فندق في ذلك المساء، حيث قُدم الاثنان لبعضهم البعض.

لم يتمكن التقرير النهائي الداخلي للموساد، على الرغم من كتابته بلغة مهنية جافة، من التغاضي عن حدته: “أبراهام [أهيتوف] هو من سلالة عائلة متدينة، من مواليد ألمانيا وتعلّم في مدرسة دينية يهودية. 

بالنسبة له، كان الاتصال مع وحش نازي تجربة صادمة للمشاعر تجاوزت متطلبات المهنة “.

في التقرير التفصيلي الذي قدمه أهيتوف، في 14 سبتمبر/ أيلول1964، وصف المحادثات التي أجراها ذلك الأسبوع مع الضابط السابق في قوات الحماية النازية كالتالي:

كان سكورزيني عملاقاً. رجلاً ضخماً. 

كان قوياً بدنياً بشكل واضح. و كانت على خده ندبة معروفة من صوره، وصلت إلى أذنه.

هناك لحظتان سببتا لي بصدمة. 

كان سكورزيني يبحث عن رقم في دفتر الهاتف الخاص به لإعطائي إياه، فأخذ نظارة ذات عدسة واحدة من جيبه ووضعها على عينه اليمنى، فبدا حينها بأبعاده الجسدية، والندبة، ونظراته العدائية، كنازي مكتمل الأوصاف.

واللحظة الثانية الصادمة لي وقعت بعد لقائنا، عندما كنا نتناول الطعام معاً في مطعم بالقرب من مكتبه. 

إذ فجأًة، جاء شخص إليه، وطرق كعبيه ببعضهما بصوت عالٍ، وألقى عليه تحية بالألمانية قائلاً: “قائدي”. 

وقد أخبرني سكورزيني أن هذا هو صاحب المطعم وأنه كان أحد كبار النازيين في تلك المنطقة.

تحدثوا عن الحرب وعن المحرقة، من بين أمور أخرى، وأثار اهيتوف قضية مشاركة سكورزيني في (كرسيتالناخت). 

وأخرج قائمة طويلة تضم أشخاصاً من الذين شاركوا في الهجمات وقدمها إلى سكورزيني، الذي كان على دراية بالوثيقة؛ لأن الاتهام كان قد أثير ونوقش أثناء محاكمته  بخصوص جرائم الحرب.

وأشار إلى علامة X كتبت بجانب اسمه قائلاً: “هذا دليل على أنني لم أشارك”، على حد قوله، على الرغم من أن الصائد النازي فيزنتال فسًر العلامة باعتبارها دليلاً على العكس تماماً. 

واشتكى سكورزيني من أن فيزينتال كان يلاحقه، وأنه وجد نفسه في أكثر من مرة في وضع “خشي فيه على حياته”. 

عندها قرر أهيتوف ألا يتمادى في هذه النقطة أكثر من اللازم ولم يجادله.

وعند نقطة معينة، سئم سكورزيني من الحديث عن الحرب. 

وقد كتب أهيتوف: “كان من الواضح أنه لا يوجد سبب للاستمرار في لعبة الغميضة “… “لقد أخبرته أنني أعمل في جهاز [المخابرات] الإسرائيلية. [فقال سوكروزني] أنه لم يتفاجأ بأننا قد وصلنا إليه. 

لقد كان مستعداً بالتأكيد لأن يتبادل وجهات النظر معنا أيضاً “.

كان تعبير “تبادل وجهات النظر” طريقة سكورزيني الرقيقة في قوله إنه وافق على التعاون الكامل والشامل مع إسرائيل. وقد طالب سكورزيني بثمن مقابل مساعدته. 

فقد أراد جواز سفر نمساوي ساري المفعول باسمه الحقيقي، وأمر قضائي مكتوب يمنحه الحصانة مدى الحياة من الملاحقة القضائية، ويوقع عليه رئيس الوزراء إشكول ؛ وإزالته على الفور من قائمة فيزنتال للنازيين المطلوبين، بالإضافة أيضاً لبعض المال.

أشعلت شروط سكورزيني نقاشات حادة في الموساد؛ فقد رأى أهيتوف وإيتان فيها “قيداً تشغيلياً ومتطلباً لنجاح العملية”. 

وقال مسؤولون كبار آخرون: إنها “محاولة من قبل مجرم نازي لتطهير اسمه”، وطالبوا بإلقاء نظرة جديدة على ماضي “سكورزيني”. 

كشف هذا التحقيق الجديد عن مزيد من التفاصيل حول الدور الذي لعبه في (كريستالناخت)، “باعتباره قائد إحدى مجموعات الغوغائيين الذين أحرقوا معابد اليهود في فيينا”، وأنه “حتى وقت قريب، كان مؤيداً نشطاً لمنظمات النازيين الجدد”.

رأي أميت – العملي وعديم المشاعر كعادته – أن إيتان وأهيتوف كانا على حق، لكنه كان بحاجة إلى الدعم المعنوي من رئيس الوزراء. 

استمع إشكول إلى أميت واستشار بعض أعضاء الموساد رفيعي المستوى ممن كانوا من الناجين من المحرقة (بخلاف أميت وإيتان وأهيتوف، الذين لم يكونوا كذلك)، مستمعاً الى اعتراضاتهم الشديدة. ومع ذلك، وافق أخيراً على منح سكورزيني المال وجواز السفر والحصانة.

كما وافق رئيس الوزراء على الطلب الخاص بفيزنتال، لكن ذلك لم يكن قراره، أو قرار الموساد. 

فقد كان فيزنتال  رجلاً متصلب الرأي. وعلى الرغم من أنه كان على صلة وثيقة بالموساد، الذي مول بعض عملياته، فإنه لم يكن مواطناً إسرائيلياً، وكان يعمل خارج فيينا، خارج نطاق سلطة إسرائيل القضائية.

التقى ميدان مع فيزنتال في أكتوبر/ تشرين الأول 1964 ليناقش معه لماذا كان يتعين إزالة سكورزيني من قائمته السوداء للمجرمين النازيين، دون الاستفاضة في تفاصيل العملية.

ويتذكر ميدان قائلاً: “لدهشتي.. رد فيزنتال قائلاً: أستاذ ميدان.. هذا محال. هذا نازي ومجرم حرب، ولن نقوم بشطبه أبداً من قائمتنا”.

خاب أمل سكورزيني ومع ذلك وافق على الصفقة. وهكذا فإن الشخص المفضل لدى الفوهرر، رجل مطلوب في جميع أنحاء العالم باعتباره مجرم حرب نازي، قد أصبح عميلاً رئيسياً في أهم عملية استخباراتية إسرائيلية وقتها.

سيمون ويزنتال (سايمون فيزينتال)، النمساوي اليهودي الذي طارد النازيين بعد الحرب العالمية الثانية

الضربة النهائية

كانت الخطوة الأولى لسكورزيني هي أنه بعث برسالة إلى أصدقائه في مصر تفيد بأنه يعيد إحياء شبكة من قوات الحماية النازية إس إس و المحاربين القدامى من فيرماخت لتأسيس الرايخ الرابع. وكان عليه، لتحضير العمل الأساسي، أن يخبرهم أن على منظمته جمع معلومات بطريقة سرية. 

وبالتالي، سيتعين على العلماء الألمان الذين يعملون لحساب عبد الناصر أن يقوموا، بموجب قَسَم الولاء لهتلر، بإمداد منظمة سكورزيني الوهمية بتفاصيل أبحاث الصواريخ الخاصة بهم حتى يمكن استخدامها من قبل القوة العسكرية الألمانية الجديدة التي يتم تجهيزها.

وفي الوقت نفسه، ابتدع سكورزيني وأهيتوف أيضاً خطة ذكية للحصول على معلومات من فالنتين، ضابط الأمن الجبار الذي كان يعرف كل شيء عن مشروع الصواريخ المصري. 

لكن بعكس تجنيد سكورزيني – المتسم بالدقة والخبرة، والذي كان يدرك أنه يتعامل مع رجل من الموساد، والذي لم يحاول أهيتوف أبداً تضليله – قرر الاثنان أن يمارسوا بعض الخداع مع فالنتين.

أدى سكورزيني دوره ببراعة. استدعى فالنتين إلى مدريد بحجة أنه كان يستضيف تجمعاً خاصاً لمرؤوسيه من أيام “الحرب المجيدة”. 

و حجز لرئيس جهاز الأمن إقامة، على حساب الموساد، في فندق فاخر وقدم له خطته الزائفة عن إحياء الرايخ. 

ثم كشف له أن هذا لم يكن السبب الوحيد للدعوة إلى مدريد وأنه يريد منه أن يلتقي أيضاً “بصديق مقرب”، وهو ضابط في المخابرات البريطانية السرية إم آي 6. 

وقال: إن البريطانيين مهتمون بما يجري في مصر، وطلب من فالنتين مساعدة صديقه.

كان فالنتين مرتاباً، وتساءل: “هل أنت متأكد من أن الإسرائيليين ليسوا طرفاً؟”

أجابه سكورزيني بقوة: “ قف منتبهاً عندما أتحدث اليك، واعتذر!” “كيف تجرؤ على قول شيء كهذا لضابطك الأعلى!”

اعتذر فالنتين، لكنه مع ذلك لم يكن مقتنعاً. وكان على حق، فلم يكن “صديق” سكورزيني بريطانياً، بل كان أسترالي المولد ويعمل عميلاً رئيسياً في الموساد ويدعى هاري باراك. 

وافق فالنتين على مقابلته ولكن ليس التعاون معه، ولم يفض اللقاء بينهم إلى شيء.

لكن سرعان ما توصل سكورزيني إلى حل. ففي لقائه التالي مع فالنتين، أخبره أن صديقه من MI6 ذكّره بأن تلغراف كان سكورزيني قد أرسله قرب نهاية الحرب، يخبر فيه الأركان العامة بقرار ترقية فالنتين، لم يصل إلى وجهته، وأنه تجري ترقيته بأثر رجعي.

لمع بريق في عيون رئيس الأمن. كانت الخطوة رمزية بحتة، ولكن من الواضح أنها عنت الكثير بالنسبة له. وعلى أثر ذلك، قام واقفاً وألقى تحية “هايل هتلر” وشكر سكورزيني كثيراً بإلحاح.

وقال سكورزيني لفالنتين: إنه على استعداد لمنحه وثيقة مكتوبة تؤكد ترقيته. شعر فالنتين بالامتنان لصديقه الجديد من المخابرات البريطانية على المعلومات التي قدمها، ووافق على مساعدته بقدر ما يريد.

وفي الوقت المناسب، دعا سكورزيني إلى مدريد ضباطاً سابقين من (فيرماخت) ضالعين في مشروع الصواريخ. حضروا حفلات باذخة في منزله، وُصفت بأنها تجمعات قدامى محاربي القوات الخاصة الألمانية. أكل ضيوفه وشربوا واستمتعوا حتى وقت متأخر من الليل، دون أن يعرفوا مطلقاً أن الحكومة الإسرائيلية هي التي تدفع ثمن طعامهم وشرابهم وتتنصت على محادثاتهم.

المعلومات التي قدمها سكورزيني وفالنتين والعلماء الذين جاؤوا إلى مدريد حلوا الجزء الأكبر من مشكلة الموساد المعلوماتية الخاصة ببرنامج الصواريخ المصري. فقد عرفتهم من كان مشاركاً في المشروع والوضع الحالي لكل مكون من مكوناته.

بفضل المعلومات التي تم الحصول عليها من هذه العملية، تمكن الموساد أيام أميت من تدمير مشروع الصواريخ من الداخل، باستخدام عدد من الأساليب. فعلى سبيل المثال، تمكنت وكالة إنتل من التعرف على خطة مصرية سرية لتجنيد عشرات العمال من مصنع هيليج للطائرات والصواريخ في فرايبورغ والذي كانوا على وشك إغلاقه. وعليه قرر أميت الاستفادة من الزخم لتنفيذ خطوة سريعة تهدف إلى منع رحيلهم إلى مصر.

وفي صباح يوم 9 ديسمبر/ كانون الأول 1963، قام بيريز – نائب وزير الدفاع آنذاك – وميدان بحمل حقيبة مغلقة تحتوي على عدد من الوثائق باللغة الإنكليزية كانت مستندة إلى مواد قدمها سكورزيني و فالنتين من بين آخرين، وسافروا بالطائرة من أجل أن يجتمعوا بواحد من كبار السياسيين في ألمانيا الغربية، هو وزير الدفاع السابق فرانز جوزيف شتراوس.

كانت المعلومات التي قدمها بيريز إلى شتراوس أكثر تفصيلاً وخطورة بكثير من أي شيء تم تقديمه إلى الألمان سابقاً. و قال بيريز لشتراوس: “لا يمكن تصور أن يساعد العلماء الألمان أسوأ عدو لنا بهذه الطريقة، بينما تقف أنت مكتوف الأيدي”، وبالتأكيد شتراوس أدرك وقتها ما كان يعنيه تسريب مثل هذه المواد للصحافة العالمية بالنسبة له.

نظر شتراوس إلى الوثائق ووافق على التدخل، فدعا لودفيغ بولكاو، وهو شخصية قوية في صناعة الطيران الألمانية، فأرسل بولكاو مندوبيه ليعرض على علماء ومهندسي مصنع هيليج وظائف بظروف  جيدة في مصانعه، مقابل تعهدهم بعدم مساعدة المصريين.

نجحت الخطة، فلم يذهب معظم أعضاء المجموعة أبداً إلى مصر؛ حيث كان برنامج الصواريخ في حاجة ماسة لمساعدتهم في أنظمة توجيه متعثرة، وهو تطور أدى إلى شلل المشروع.

وجاءت الضربة الأخيرة عندما وصل ممثل عن بولكاو إلى مصر لإقناع العلماء الذين يعملون بالفعل هناك بالعودة إلى الوطن، فهجروا البرنامج، واحداً تلو الآخر،  وبحلول يوليو/ تموز 1965، كان حتى بيلز نفسه قد غادر مصر، بعد أن عاد إلى ألمانيا لرئاسة أحد أقسام مكونات الطائرات التابعة لبولكاو.

كانت قضية العلماء الألمان هي المرة الأولى التي يحشد فيها الموساد كل قواته لوقف ما يعتبره تهديداً وجودياً من خصم له، وهي المرة الأولى التي تسمح فيها إسرائيل لنفسها باستهداف مدنيين من بلدان لديها علاقات دبلوماسية معها. وقد قام الموساد، في تقرير له عام 1982، بتحليل ما إذا كان من الممكن حل المشكلة باستخدام أساليب “بسيطة” – باعتبارها عروضاً سخية من المال مثلاً من الحكومة الألمانية إلى العلماء – من دون “الاختفاء الغامض لكروغ، أو القنبلة التي شوهت هانيلور ويندي، أو قنابل الخطابات الأخرى والتهديدات “.

وخلص التقرير إلى أن ذلك لم يكن ممكناً؛ فالموساد يرى أنه بدون التهديد بالعنف الموجه ضدهم، لن يكون العلماء الألمان مستعدين لقبول الأموال والتخلي عن المشروع.

هذا المقالة مبنية على مقتطفات من كتاب أصدرته مجلة “نيويورك تايمز” كان الأكثر مبيعاً بعنوان: إنهض وأقتل أولاً: التاريخ السري لإغتيالات إسرائيل المستهدفة (قامت بنشره راندوم هاوس عام 2018). وقد التقى المؤلف أثناء الكتابة بـ 1000 مصدر – من رؤساء الوزراء الإسرائيليين ورؤساء الموساد إلى القتلة أنفسهم. كما حصل على آلاف الوثائق الجديدة ذات الصلة حول وكالات التجسس  الإسرائيلية.    

Facebook Comments

Leave a Reply