عندما يُطِلُّ شبح الموت

زهراء الديراني

نيوزويك الشرق الأوسط

داخل مزرعة دجاج في البقاع الأوسط في لبنان، تسكن أسماء البرهو الطفلة السورية (11 عاماً)، حيث تتداخل روائح الطيور الكريهة مع رائحة الحطب والنايلون المخصصين للتدفئة من برد الشتاء القارس.

داخل الخيمة التي تشبه إلى حدٍّ بعيد القفص الكبير، تجلس أسماء، التي تتميز بملامح نافرة أحدثها تشوه عظام وجهها بسبب المرض، وحيدةً في إحدى زوايا المكان. ترفع كتفها الأيمن بخجلٍ كلما سألتها عما تريد من هذا العالم، وبحزنٍ بالغٍ تقوم بفرد ابتسامةً عريضةً تملأ نصف وجهها، وتشعل عينيها اللتين طغى اللون الأصفر على بياض مقلتيهما، لتقول: «أريد أن أصبح طبيبة، أساعد الناس كي تطيب». وكأن في قولها هذا تبحث فيه عن طبيب يداويها علّتها التي تحتاج إلى عملية زرع نقي العظام.

طفولة ومعاناة

أسماء مصابة بمرضي التلاسيميا والتهاب الكبد الوبائي (أ)، وتكلفة العملية لوحدها تتراوح ما بين ثلاثين ألف دولار إلى خمسة وخمسين ألف دولارٍ، وهو مبلغٌ لا يستطيع أن يتحمله لاجئ سوري ترك خلفه كل رزقه هربا من حرب مدمرة في بلاده.

وبصوتٍ خفيف يكاد لا يسمع، تقول أسماء: «لا احب اللون الأصفر؛ أحب الأحمر ولون التراب»، وكأنها تنتقم بكرهها هذا من مرضها الذي أدى إلى فصلها من المدرسة. تخبرنا أمها، صالحة البرهو، 43 عاماً أن أسماء فُصِلت من المدرسة بسبب لون وجهها وانتفاخ بطنها.

« قالوا لها وجهك أصفر وشاحب، تعدين الأولاد (تصيبهم بالعدوى)»،  قالت صالحة بحسرة وهي تنظر إلى ابنتها.

أما حبها للون التراب فهو لأن اللعب في الطبيعة والرمال هو من الأمور المفضلة لدى أسماء التي تؤكد: «أحب أن أخلط التراب وأعمل منه أشكال».

في المرة الأولى لزيارتي لمخيم اللاجئين حيث تقطن أسماء، سحبتني من يدي إلى داخل الخيمة حيث كانت تخبئ رسوماتها البريئة وألعابها التي لا يُخيل لطفل أن يقتنيها: زر، وقطع قماش من ستائر بالية وألعاب مكسورة الأطراف. أما رسوماتها، فجميعها بيوت محاطة بالورد الأحمر والشجر الأخضر؛ وكأن في رسوماتها حلم بمستقبل أفضل وهروب من واقعها المرير.

لجأت أسماء إلى لبنان مع عائلتها المكونة من 8 أفراد، من ريف حلب منذ اندلاع الحرب السورية. اكتشف أهلها مرضها عندما كانت ما تزال بعمر السبعة أشهر. ومنذ ذلك الوقت بدأ علاجها عبر نقل الدم. وبعد خمس سنوات من ولادتها، تضخم طحال أسماء فنُقِلَت إلى مستشفى الأطفال في الشام لإجراء عملية استئصال. بعد هذه العملية بقيت أسماء أربع سنوات من دون نقل دم ما خلا محاولات يتيمة، لأن وضعها كان مستقراً. ولكن والديها لاحظا منذ بضعة أشور عودة الشحوب الحاد إلى وجهها، فنقلوها من لبنان إلى الشام مرة أخرى لمعالجتها. وهناك، أظهرت التحاليل أنها مصابة بالتهاب الكبد الوبائي (أ) – الصفيرة.

من، وإلى الشام.

أسماء البرهو

وبسبب ضعف جهاز مناعتها ونحول جسدها أصيبت أسماء بالتهابٍ حادّ، مما دفع والدها علي، 49 عاما، والذي كان يمارس تجارة الاقمشة في ريف حلب قبل اندلاع الأحداث في سوريا، إلى نقلها إلى مستشفى الأطفال في الشام، مجدداً، لتتلقى العلاج المناسب.

ولا تزال أسماء حتى اليوم في المشفى مع والدها، حيث تتلقى العلاج؛ فكلفة الطبابة في لبنان عالية جداً ولا يستطيع والدها أن يتحمل الأعباء المادية تلك، بالرغم من تلقيه مساعدات غذائية ومالية من المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. ولذلك يضطر الوالد العاطل عن العمل حالياً، وفي كل مرة تنتكس حالة الطفلة، أن ينقلها إلى سوريا.

«نصف المساعدة المادية التي نحصل عليها من الأمم تذهب لمعالجة أسماء»، يقول علي. ويضيف: «كل ما كنت أملكه قد صرفته على علاج أسماء، وقبلها على ابني محمد الذي كان يعاني من المرض نفسه وتوفي وهو في سن العاشرة».

كلمات الوالد المكسور الخاطر تخرج بصوتٍ مليءٍ بالحسرة. فقد أجبرته الظروف أن يُرسل ابنته الكبرى بشرى، 18 سنة، للعمل أيضاً كي تساعد العائلة بمبلغ مئتي ألف ليرة لبنانية (133$) بحسب علي، تعطيها إلى والدتها في نهاية كل شهر. في المقابل، لا تستطيع صالحة أن ترافق ابنتها إلى الشام في أثناء فترات مرضها، لأن أوراقها مخالفة لقانون الإقامة في لبنان منذ أربع سنوات.

يقاطع حديثنا صوت الدجاج، نضحك سوياً أنا والأولاد، فيما تقول والدتها « علاج التلاسيميا متل علاج السرطان. كان لدي صبي (ولد) عاش لعمر العشر سنوات وتوفى ولم نقدر أن نعالجه». يقاطعها علي: «ذهبت إلى السعودية لأبحث عن مشفى يساعدني لكنني لم أجد، حاولت بشتى الوسائل لكني لم أنجح». وبشكلٍ عفوي وبدون دراية يقول أبو أسماء: «قالوا لي إيطاليا هي البلد الوحيد التي يوجد فيها العلاج لكنه مكلف جداً، يعني بالمليارات وأنا ما بحسن (لا أستطيع)».

بلا أوراق ثبوتية

وتقول العائلة إنها لا تستطيع العائلة التنقل بحرية لأن أوراق إقاماتها قد انتهت صلاحيتها وتحتاج للتجديد، وهو ما يقولون أنه يكلّف أموالاً باهظة.

«لو أن أوراق أولادي وزوجتاي قانونية لكنت اليوم، وقبل أي شيء رحلت إلى سوريا، لأن المعيشة في لبنان أصبحت مأساة، وريف حلب أصبح آمناً» قالها أبو أسماء بلوعة.

أسماء مع والدها وجزء من عائلتها

غير أن معلومات أبو أسماء غير دقيقة. فالأمن العام اللبناني يُعفي اللاجئين السوريين من الغرامات والرسوم في عدة حالات

يقول الرائد في الامن العام إيهاب الديراني في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن من هو سوري تحت سن الخامسة عشر يُعفى من رسوم الإقامة وليس عليه أي مبلغ يدفعه ثمن المخالفة. فيما اللاجئ ممن تخطى عمره سن الخامسة عشر عاماً، اذا كان مسجل لدى الأمم المتحدة قبل تاريخ 1/1/2015 فيُعفى من رسوم الأمن العام. أما اذا كان السوري فوق سن الخامسة عشر ويقيم في لبنان على كفالة لبناني، فيدفع عن سنة المخالفة ثلاثمئة الف ليرة لبنانية (200$). كما يقوم الامن العام بين فترة وأخرى بإعفاءات وإلغاء رسوم، رغم ان موضوع الرسوم المتعلقة بمخالفات السوريين هو أمر دقيق.

وعند نشر هذا المقال، كان أبو أسماء يعمل على الاستفسار من الأمن العام لكي يقوم بتسوية أوراق زوجتيه وعائلته لكي يرحلوا إلى منطقتهم في سوريا والتي أصبحت امنة.

Facebook Comments

Leave a Reply