عن اضطراب الهويّة الجنسيّة في العالم العربي

أمل الحارثي

نيوزويك الشرق الأوسط

أتاحت لنا وسائل التواصل الإجتماعي فرصة معرفة الكثير ممّا يدور داخل البيوت المغلقة؛ أسراراً كانت قديمًا تُدفن مع ضحاياها دون أن يعرف عنها أحد شيئاً، اليوم أصبحت تخرج للعلن مُحدِثةً صدمة للقارئ والمُتابع، ومُفسّرة في الوقت نفسه الكثير من المشكلات الاجتماعيّة التي تظهر آثارها على السطح دون أنْ يُنقّب أحدٌ عن مصادرها القابعة في أعماق البيوت.

وفي إحدى المجموعات الاجتماعيّة المغلقة التي تُفرغ من خلالها البنات والسيّدات مكنونات صدورهن عمّا يتعرّضْنَ له وراء الأبواب المغلقة، استوقفتني قصّتان تدوران في نفس الفلك: اضطراب الهويّة الجنسيّة. في القصّة الأولى تتحدّث أمٌّ عن صدمتها بما صرّح لها إبنها المراهق، وكيف أنّه مِن سنوات يشعُر أنّه فتاة في جسدِ ذكر، الأُمُّ المُنهارة تُريد حلولًا؛ تبحث عن تطمينات فربّما تجد في إحدى التعليقات ما يُطفئ نار قلبها بأنّ ما يمرُّ به ابنها مجرّد وسوسة شيطان، وعليها تكثيف الرقية وقراءة القرآن، وهذا ما لم يحصل، إذ نصَحَها الجميع (على غير العادة في المجموعات الأخرى) وبشكل إيجابيّ بالتوجّه لاختصاصيّين في اضطراب الهويّة الجنسيّة.

القصّة الثانية ضحيّتها فتاة، تمّ تزويجها بطريقة تقليديّة لشابّ ما، لتكشف ومِن الليلة الأولى أنّه مثليّ، الفتاة -وهي تنتمي لأسرة متواضعة- صُدمت عندما عرفتْ أنّ عائلة الشابّ تعرف تمامًا وضع ابنها، ولكنْ أصرّت على تزويجه؛ لإسكات الناس، خصوصًا أنّ المخطّط كان يقتضي إقناع الفتاة بالإنجاب بالطرق الطبّيّة المتعدّدة لدفن الشائعات كليًّا، ولمّا رفضت الفتاة، تمّ تطليقها، بينما وجدَ أهل العريس لابنهم الغنيّ ضحيّة أُخرى تقبل بما لم تقبل به الأولى، التي لم تتزوّج حتّى الآن لارتباط اسمها بلقب مُطلّقة. وتتكرّر حوادث الطلاق للسبب نفسه في العالم العربي، بدافع الإنكار أو الرغبة في إسكات الألسن. تَدفَعُ امرأة لا ذنب لها الثمن، بالإضافة للشابّ نفسه، وهو الضحيّة الأولى لأمر لا يدَ له فيه.

فما هو اضطراب الهُويّة الجنسيّة؟

لا شكَّ أنّ هذا الموضوع من أكثر المواضيع حساسية في العالم العربيّ. لا يحبُّ الكثير طرق بابه حتّى ولو فضولاً، ولهذا فإنّ مَن يُعاني منه يظلُّ حبيس نفسه، يُعاني بصمت ويشعر باغتراب كامل عن محيطه ومجتمعه. وهو اضطراب قد يحدث عند الجنسين، ويبدأ بالشعور بعدم الارتياح للهويّة الجنسيّة للفرد.

من أكون؟!

المعلومات المتوفّرة باللغة العربيّة عنه متناقضة ومضطربة هي الأخرى، وتتراوح بين مَن يتبنّى الدراسات الغربيّة التي تدرّجت عبر السنوات من اعتباره مرضًا نفسيًّا، إلى التأكيد على أنّ سببه بيولوجيّ يعود للتركيبة الجينيّة للفرد في فترة التكوين الجنينيّ؛ وبين مَن يعتقد أنّ السبب اجتماعيّ بحتٌ يتعلّق بعزلة الطفل في سنوات عمره الأولى أو تفكّك الأسرة أو عدم وجود أقران له مِن جنسه.

وممّا لا شكّ فيه أنّ المعلومات هذه، على قلّتها، لا تصل للأهل الذين ما زالوا يتفاجؤون عند اكتشافهم أمرًا كهذا في أبنائهم، تدفعهم حالة الإنكار والخوف من المجتمع إلى رفض الأمر رفضًا تامًّا، والتعامل معه بعدم وعيٍ ومسؤولية. وبدلًا من استشارة الاختصاصيّين ومعرفة الحلول الممكنة تجدهم يميلون إلى دفن رؤوسهم في الرمال، والتظاهر بعدم المعرفة، معَ طرق أبواب الدجّالين المُشعوذين لطرد الشيطان الذي يُوسوس لولدهم، الذي تزيد معاناته مع الأيّام.

وكثير من الحالات انتهت بالهروب أو الانتحار الذي لم ولن يعرف سببه الحقيقيّ. إنّ إنكار مشكلاتنا يُفاقمها ويزيد من الظلم الاجتماعيّ الذي وصل حدّه منذ زمن. نحتاج اليوم إلى وقفة معَ النفس ومعَ الضمير؛ نحتاج للمعرفة الكاملة، ومِن حقّ الأهل أنْ يعرفوا كلّ المعلومات عن هذا الاضطراب.

فإنْ كان الأمر ناتجًا عن خلل اجتماعيّ يُمكن تجنّبه بالمعرفة والتوجيه والوعي قاموا بما عليهم فعله، وإنْ كان سببه بيولوجيًّا تكوينيًّا فكيف ندين ما لا ذنبَ لهم بخلقتهم؟! كيف نُجرّمهم وأحيانًا نقتلهم لذنبٍ لا علاقة لهم فيه؟! وما هي طرق التعامل مع هذه الحالات؟ وإلى مَن يتوجّه الأهل؟ كلّها أسئلة نطرحها على المجتمع علّها تجدُ إجابات منطقيّة عادلة.

Facebook Comments

Leave a Reply