عن التنمّر في المجتمعات العربية

أمل الحارثي

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن التنمّر في المدارس، أسبابه ووسائل الحد منه. هو معضلة باتت تُهدّد المجتمعات العربية لا سيّما بعد أن أصبح التنمّر اليوم موثّقًا بالصوت والصورة.

قبل أيّام انتشر فيديو يُوثّق تنمُّر طالب في المرحلة الإساسيّة في مدارس إحدى الدول العربيّة العريقة على أحد زملائه ويضربه ضرباً مُبرّحاً دون شفقة، بينما الزملاء الآخرون يُوثّقون الحدث بالتصوير بلا تدخّل، في منظر مُخيف يفتح الباب للتساؤل حول منظومة التربية، وماهيّة الأسس الأخلاقيّة التي تقوم عليها.

في مدرسة أُخرى للبنات هذه المرّة، انتحرتْ قبل أشهر خلت، طالبةٌ في المرحلة الثانويّة بسبب تنمُّر زميلاتها عليها، ومعايرتها بعمل والدتها (عاملة تنظيف في أحد المدارس)؛ الفتاة التي لم تعُدْ تتحمّل نظرة التكبُّر والاستعلاء قرَّرتْ أنْ تنهيَ حياتها، بعد أنْ تقطّعت بها سبل الاندماج معَ وَسَطٍ لفَظَها واستهان بكرامتها وكرامة والدتها، التي من المفترض أنْ يُرفع بها الرأس لعملها الشريف.

فيديوهات أخرى انتشرت عن نوع آخر من التنمّر، تنمّر القويّ على الضعيف، جملة «هل تعرف مع مَن تتكلّم؟» معروفة جدًّا في بعض الدول العربيّة، حيث يستخدم النفوذ للتنمّر على البُسطاء والاستقواء عليهم، في مشاهد تتكرّر ؛ لتزيد الغبن في نفوس المواطنين من بعض أصحاب السلطة أو المال وقد يتحول هذا الغبن إلى حقد على المجتمع ككل.

إنّ الحديث عن التنمّر في المدارس من باب أنّه حالات فرديّة يتمُّ التعامل معها بالفصل أو التوبيخ غيرُ مُجدٍ أبدًا، بل يجب التوجّه فورًا إلى أصل المشكلة.

حلّ تلك المعضلة يكمن بقطع جذورها لا بتقليم أغصانها.

نحن أمام منظومة مجتمعيّة، يجب الوقوف عندها ودراسة حالتها، مجتمعات يعتنق بعض أفرادها الأخلاق مظهريًّا، بينما لا ينعكس هذا على التصرُّف أو التربية، فهذا الطفل المتنمّر إنّما هو ابن هذا الأب وهذه الأمّ، تصرّفاته تعكس ما يراه في بيته وفي مجتمعه الصغير، التكبّر على الآخر المختلف، على العامل البسيط، أوالخادمة، أو عمّن يختلف لونًا، شكلًا أو عرقًا أو دينًا عنا، كلّها أمور قد يُلمّح لها الأهل في المنزل غير آبهين بالدمار الذي يُلحقانه بأبنائهم؛ والذي لن تنفع أيّ محاضرةٍ تلقينية عن الأخلاق في ترميمه، إذ إنّه لا يكفي أنْ يسمع الطفل من والديه آراءً تنظيريّة عن الأصول والمفترض، بينما يرى منهما ما يُخالف تمامًا تلك الآراء عندما يصل الأمر للتطبيق.

يظهر هذا التنمُّر جليًّا عندما يختلف معك أحدهم في الرأي، فتراه فورًا يتهجّم عليك بأقبح الألفاظ، بل لا يُمانع في أنْ يُطلق عليك سهام الاتّهامات التي تطال الشرف أحيانًا، خصوصًا فيما بات يُعرف بالتنمُّر الإلكترونيّ الذي يصل أوجه عند طرح موضوع يتعلّق بالسياسة أو الدين أو أيّ قضيّة مختلف عليها. وربّما لو عُدنا لبيت هذا المتنمّر لاكتشفْنا أنّه نشأ في بيئة الرأي الواحد الذي لا يجرؤ أحدُ أفراد الأسرة على مخالفته، وإن حصل وَجَدَ المخالف للرأي الشتم والعنف اللفظيَّ، وربّما أيضًا العقاب الجسديّ في المرصاد.

إنّ التنمُّر في المدارس ليس إلّا مرآةً تعكس التنمّر في البيت والعمل ووسائل الاتّصال الاجتماعيّ، وفي تنمُّر الغنيّ على الفقير وصاحب النفوذ على المواطن العادي والرجل على المرأة والقويّ على الضعيف.

إنّ قضيّة التنمّر لا تُحلّ إلّا بفتح الباب أمام حوار مجتمعيّ شامل، تُوضع فيه كلّ المظالم على طاولة النقاش، فالاعتماد على أخلاق الناس وأدبهم وتربية الأهل ليس كافياً؛ لذا فإنّ سَنّ القوانين الرادعة يجب أنْ يسير جنبًا إلى جنب معَ التوعية من خطر التنمّر، توعية يجب أنْ تشمل المدارس، ويكون الإعلام شريكًا فيها بكلّ طاقاته. الطالب في المدرسة قد يُصبح جنديًّا مُدافعًا عن الاختلاف ورافضًا للتنمّر ومحاربًا له إنْ تمّت التوعية بطرق تربويّة صحيحة، فالأمراض لا يُمكن علاجها بمسكّنات الألم، بل الواجب القضاء على مسبّب المرض لا على أعراضه الظاهرة.

Facebook Comments

Leave a Reply