عُشّاق القيصر

ينتشر في روسيا الفقر والفساد وعدم المساواة. فلماذا إذاً يبدو أن الكثيرين هنا يحبون فلاديمير بوتين؟

نيوزويك

في ليلة باردة في العاصمة الروسية موسكو، في معرض فنيّ وسط المدينة، يرتدي فلاديمير بوتين رداءً بلا أكمام أحمر اللون، وهو يطلق رصاصات من سلاح عملاق يُطلق عليه “ناسف بوتين”. هدفه؟ غير واضح. لكن ليس هناك خطأ في نظرته الفولاذية وتصميمه الراسخ. هو هنا لإنقاذنا جميعاً! الرئيس الروسيّ ليس موجوداً بجسده في المعرض، بل هو موضوع المعرض.

بوتين، الرجل الخارق، هو واحد من 30 لوحة وتمثالاً ملفتين للنظر في معرض مميز في العاصمة الروسيّة، تصوّر جميعها رجل لجنة الاستخبارات السابق في وقفات بطوليّة ومبدعة، وقد يقول البعض عنها غريبة في بعض الأحيان.

هنا بوتين يفوز ببطولة هوكي الجليد، وبوتين يعانق فهداً؛ بوتين يرتدي درعاً من القرون الوسطى، أو يحمل علم روسيا في يده وهو يمتطي دبّاً.

حتى أن هناك لوحة لبوتين وهو يحمل لوحة لبوتين، يحمل لوحة لبوتين، يحمل لوحة لبوتين، يحمل لوحة لبوتين…. وهكذا دواليك، مثل دمية ماتريوشكا الروسية، والتي يوجد بداخلها عدة دمى أخرى بأحجامٍ متناقصة.

اسم المعرض هو “بوتين الخارق”، وقد نظمته يوليا ديوزيفا البالغة من العمر 22 عاماً، وهي عارضة أزياء وناشطة، وتدرس الصحافة في جامعة موسكو الحكوميّة.

افتتح معرض “بوتين الخارق” في السادس من ديسمبر/كانون الأول، وهو اليوم الذي أعلن فيه الرئيس الروسي رسميّاً أنه سيترشح لإعادة انتخابه في مارس/ آذار.

هي مسابقة هو متأكد من الفوز فيها، وبالتالي تمديد مدة توليه السلطة لست سنوات أخرى.

كان جوزيف ستالين، الديكتاتور السوفيتي، الوحيد الذي حكم روسيا لفترة أطول.

تقول ديوزيفا: “فلاديمير بوتين قائد قويّ حقّق نتائج عظيمة، ويجب أن نكون ممتنّين له”.

الكثير من الروس ممتنّون.

بالنسبة إلى بعض الأشخاص، خاصةً السكان الأغنى في موسكو وسانت بطرسبورغ، أكبر مدينتين في البلاد، لم تكن الحياة لديهم في أحسن حالاتها أبداً.

لدى روسيا العدد الأسرع نمواً من المليونيرات في العالم، وهي موطن لثلاثة وسبعين مليارديراً، وذلك وفقاً لما أوردته مجلة فوربس.

متوسط العمر المتوقع في روسيا الآن واحد وسبعون عاماً، وهو ارتفاع قياسيّ وزيادة قدرها ست سنوات منذ العام 2000، عندما اُنتخب بوتين لأول مرة.

لقد زاد بوتين الإنفاق على الجيش، واستعاد بعضاً من النفوذ العالمي للاتحاد السوفيتي (روسيا الإتحادية)، الذي هو مصدر فخر لملايين الناس هنا.

ومع ذلك، فبالنسبة إلى عدد كبير من الروس، لا تزال الحياة قاسية ومظلمة.

يجني حوالي عشرون مليون روسي -ما يُقدّر بحوالي 14% من السكان- 170 دولاراً شهريّاً فقط.

فقد انخفضت المداخيل الحقيقية للسنة الرابعة على التوالي، في حين لا تمتلك حوالي 3000 مدرسة ابتدائية وثانوية دورات مياه داخلية، بما في ذلك في أعماق سيبيريا.

لا يرغب الكرملين في اختبار شعبيّة بوتين من خلال السماح له بمناقشة مرشحين مستقلّين مثل أليكسي نافالني الناشط في مكافحة الفساد، والذي مُنع من الانتخابات الرئاسيّة.

إن مستوى عدم المساواة في الثروة في روسيا هو الأعلى في العالم، في حين يكلّف الفساد الذي تتورط فيه العقود الحكوميّة البلاد خمسة وثلاثين مليار دولار كل عام، وفقاً لما ورد عن معهد غايدار للسياسة الاقتصاديّة ومقره موسكو.

في العام 2010، قال ديمتري ميدفيديف، رئيس الوزراء الحالي: إن الرقم كان ثلاثة وثلاثين مليار دولار، بما يقدّر بــ 3% من الناتج المحليّ الإجماليّ الروسيّ السنوي.

يقول النقّاد، في أثناء ذلك قام بوتين بحملة لفرض النظام بطريقة قاسية جداً، وخلق نظاماً معقداً للدعاية الحكوميّة لتشويه سمعة المنافسين المحتملين.

في الوقت نفسه، نرى الأشخاص المقربين لبوتين -أكثرهم غير منتخبين- قد زادت ثروتهم وقوّتهم بشكلٍ كبير.

ومع ذلك فإن ديوزيفا لا تبالي.

تقول إن الشباب في روسيا يرون بوتين بطل العصر الحديث الخارق، وتصرّ أنه “لا يوجد أي شخص آخر غير بوتين لديه القدرة على حكم روسيا في الوقت الحالي”.

ويشاركها أغلبية الروس إعجابها به، وفقاً لاستطلاع رأي نشره كلٌّ من منظمي استطلاعات الرأي المستقلّين والتابعين للدولة.

يقول أكثر من 80% من الروس: إنهم يوافقون على أداء بوتين كرئيس، وهذه النسب ظلت ثابتة منذ أن استولى الكرملين على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في 2014، وهي خطوة تؤيّدها الغالبيّة العظمى هنا.

ومن المفارقة، أنه على الرغم من ذلك يرى العديد من الروس -حوالي 50%- أن البلاد تتحرك في الاتجاه الخاطئ، وهو رقم ظلّ ثابتاً في السنوات الأخيرة، وفقاً لما ورد عن مركز ليفادا، وهو منظّم استطلاعات رأي مستقل مقره موسكو.

ما الذي يفسر عدم الانسجام المعرفي هذا؟

يقول المحللون: إنه في حين أن بوتين هو عملياً رئيس الدولة، لا يربط العديد من الروس بينه وبين فشل البلاد.

يقول مكسيم ترودوليوبوف، الصحفيّ الروسي الذي حرّر ذا رشا فايل، مدونة معهد كنان، وهو فريق بحث مقره واشنطن إن بوتين مسؤول عن كل الأشياء الجيدة، والتي هي غالباً غير ملموسة “عندما يُسأل الناس عن دولتهم وتطورها، فما يفكرون فيه هو الحكومة، والحاكم، والمحافظ، والرواتب، والمداخيل… إلخ”.

وربما يكون أفضل توضيح لهذه الظاهرة هو مقاطع الفيديو الكثيرة المنشورة على الإنترنت التي تحتوي على نداءات الروس العاديّين الذين يرغبون في أن يحلّ الرئيس مشاكلهم.

يهتف المدّعون أو يحملون لافتات تقرأ فيها “بوتين-بوموغي”، أي “بوتين-ساعدنا”.

ومن اللافت للنظر أنهم يخاطبونه باستخدام “ty”، وهي النسخة العامية للكلمة الروسية “أنت”، وتستخدم أيضاً عند مناشدة الله، أو في القرون السابقة عند مناشدة القيصر.

كان آخر فيديو نُشر على الإنترنت من قِبل معلمّين في منطقة كورغان على بعد حوالي ألف ميل من موسكو، ناشدوا فيه بوتين للتدخّل في خلاف يخصّ رواتب غير مدفوعة.

يقول فلاديمير كوشيولوف، المعلّم الذي نشر فيديو يناير: “كان هذا تصرفاً يائساً. ربما يحصل المعلمون في البلاد غير المستقرة على رواتب أفضل مما نحصل عليه”، ومع ذلك كان كوشيولوف متردداً في إلقاء اللوم في مصائبه على بوتين.

وأضاف، مستخدماً كلمة روسية تعني إما “الأب” أو “الكاهن”: “يعتمد الناس في روسيا دائماً على نوع الباتوشكا الخاص بهم لحلّ مشاكلهم”.

وقد عزّزت دعوة بوتين التلفزيونيّة السنويّة هذه الصورة باعتباره شخصية أبويّة مهيمنة قادرة بسرعة على حل مشكلات الروس. ووُصفت الدعوة بأنها “محادثة مع الشعب”، فهي كثيراً ما تصوّر بوتين، وهو يحث المسؤولين على الهواء، ويرشدهم للقيام بإصلاح المساكن أو توصيل أنابيب الغاز إلى الأماكن النائية.

قدّم بوتين ذات مرة فستاناً لطفلة صغيرة من عائلة فقيرة، ودعاها إلى حفلة رأس السنة في الكرملين.

يقول ترودوليوبوف: “[إنه] سحر بوتين”، و”في تصوّر الشعب، [هو] المسؤول عن كل شيء”.

بالنسبة إلى بعض الروس، الرئيس ليس مسؤولاً عن كل شيء، بل هو كل شيء. كما قالها فياتشيسلاف فولودين، رئيس البرلمان الروسي، في عام 2014: “لا توجد روسيا اليوم لو لم يكن هناك بوتين”. على عكس الدول الغربيّة، حيث يُنظر للساسة غالباً باعتبارهم أشخاصاً عاديين، فإن بوتين بالنسبة إلى ملايين الروس هو تجسيد حيّ يتنفس للبلاد.

وهذا هو السبب في أن انتقاد “الزعيم الوطني” كثيراً ما يُفسر على أنه انتقاد لروسيا الأم. قالت لي إحدى المشاهير مرةً، مع التشديد على شرط عدم الكشف عن هويتها، لأنها تدعم السلطات علناً: “أنا لا أحب بوتين خصوصاً أو حزبه روسيا الموحدة، لكني لن أحلم أبداً بانتقاد أيّ منهم لأنّي محبّة لوطني”.

وقد أدّت مثل هذه المواقف إلى محادثات ساخنة في المنازل في جميع أنحاء روسيا.

تصرخ أولغا، وهي سيدة تبلغ من العمر خمسة وسبعين عاماً من مدينة فارونش، وهي مدينة في وسط روسيا، في ابنتها سفيتلانا، البالغة من العمر أربعين عاماً: “أنتِ خائنة لبلدك!”، بعد أن انتقدت بوتين.

(كلتا السيدتين طلبتا تغيير اسميهما في هذه المقالة؛ لرغبتهما في الحفاظ على السريّة).

تقول أولغا، التي تتلقى معاشاً حكوميّاً شهريّاً قدره 8000 روبل فقط أي (142 دولاراً)، وتعتمد على المساعدات الماليّة من ابنتها لتدبّر أمرها: “أشعر بالإهانة لروسيا عندما تقول أشياء سيئة عن بوتين”.

وينعكس هذا الإخلاص لبوتين في الثقافة الشعبيّة. فخلال الفترة الرئاسيّة الأولى لبوتين، سجّل الثنائيّ الغنائيّ الشعبيّ المسمى سينغينغ توغيذر نجاحاً كبيراً بأغنية انتشرت بسرعة. يقول مقطع من هذه الأغنية: “أريد رجلاً مثل بوتين، مليئاً بالقوة”. ولاحقاً في 2015، طرحت تيماتي، إحدى أكبر نجمات الراب في روسيا مقطعاً صوتيّاً يسمى “صديقي هو فلاديمير بوتين”، والذي يحتوي على عبارات مثل: “الشعب كله تحت تأثيره، هو رائع وبطل خارق”. والآن، ومع استعداد روسيا للانتخابات الرئاسيّة في مارس/ آذار، أثار مغنٍ يسمى فياتشيسلاف أنتونوف القلوب الوطنيّة بلحن موسيقى الروك المثير الذي يتعهد بمرافقة بوتين في “المعركة الأخيرة” ضد الناتو.

لا يقتصر الأمر على الأغاني فقط، فهناك لوحات جداريّة وصور وتماثيل لبوتين، بما فيها تمثال برونزي بالقرب من سانت بطرسبورغ، الذي يصوّر الرئيس الروسي إمبراطوراً رومانيّاً. كل هذه مظاهر لما يقول عنه النقاد عبادة لشخصيّة الزعيم الروسيّ منذ فترة طويلة، والتي بدأت في الازدياد بسرعة كبيرة أثناء المواجهة مع الغرب على شبه جزيرة القرم.

إذا كان لديك خلاف كبير، عليك أن تأتي إلينا، إلى الكرملين، إلى بوتين، ونحن سنساعدك.

لكن هناك اختلافات واضحة عن العبادات الشخصيّة الأكثر تقليديّة التي كانت قائمة في الاتحاد السوفيتيّ، والصين، وأيضاً كوريا الشمالية في الوقت الحاضر. يقول سام غرين، مدير معهد روسيا في كلية كينغز في لندن، لا يعيد بوتين تشكيل البلاد في صورته الخاصة. وبدلاً من ذلك، فإن عبادة شخصيته هي أحد أعراض نقص المؤسسات التي قد تنافسه على السلطة. يقول: “ أُضعفت قوى البرلمان والمحاكم والدستور وحتى الكنائس لخدمة حَكَم واحد، وضامن واحد، ورمز واحد”.

علاوةً على ذلك، فإن عبادة شخصية بوتين، عكس الوضع تحت حكم ستالين، ليست مدفوعة بالقمع السياسيّ الجماعيّ. فبدلاً من معسكرات العمل الإصلاحية والإعدامات المعجلة، يعتمد الكرملين بشكل أساسيّ على مستشارين غامضين يشكّلون صورة بوتين بعناية ويحافظون عليها. يقول جليب بافلوفسكي، مستشار الرئيس السابق في الكرملين: “عملنا باستمرار على هذه الأسطورة التي تقول إن بوتين يقرر كل شيء، وإنه لا بديل لبوتين، خلال فترتي رئاسته الأولى والثانية”. “تماماً كما علم الجميع أن الاتحاد السوفيتيّ كان دولة لينين، فإن روسيا هي دولة بوتين بالنسبة إلى غالبيّة الروس اليوم”.

ويقول بافلوفسكي: إن شعبيّة بوتين بُنيت بشكل كبير على ذكريات التسعينيات، عندما لم تُدفع الرواتب والمعاشات التقاعديّة لأشهر تحت حكم الرئيس بوريس يلتسين. جاءت تلك المصاعب في أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتيّ، وهي فترة من الحرمان الكبير لملايين الروس.

ومع ذلك، تزامنت السنوات الأولى لرجل الاستخبارات السابق في منصبه مع زيادة كبيرة في الأسعار العالميّة للنفط، منتج التصدير الرئيسيّ في روسيا، وارتفعت مستويات المعيشة بشكلٍ كبير. يقول بافلوفسكي: “أنت تتعامل مع أمةٍ من الناجين. يتذكر الناس عندما كانوا بالكاد قادرين على إطعام أنفسهم وأُسرهم. وعلى الرغم من وجود تفاوت هائل في الثروة، فإن الناس ينظرون إلى ما لديهم الآن على أنه حسن حظ، وليس شيئاً ينبغي اعتباره أمراً مسلّماً به”.

عمل بافلوفسكي، معارض الاتحاد السوفيتيّ السابق البالغ من العمر ستة وستين عاماً، في الكرملين تحت حكم كلٍّ من يلتسين وبوتين. وكان أحد مهندسي “الديمقراطية الموجهة” في روسيا قد فُصل من منصبه في عام 2011؛ لمعارضته الفترة الرئاسية الثالثة للرئيس بوتين. ويتذكر قائلاً: “لقد رسمنا قصة كاملة عن جاسوس كان قد أخفى نفسه بين السلطات، ثم ظهر فجأة، وذهب إلى جانب الشعب”. “كما لو أن بوابات الكرملين قد فُتحت، وخرج منها رئيس الشعب، الذي – على عكس يلتسين والقادة السوفييت قبله – تحدّث بلغة الشعب. كان مثل الإنتاج المسرحيّ، وسرعان ما تعلم بوتين دوره. كان مثل الممثّل الذي تعلّم وأتقن الدور المسند إليه”.

وعلى الرغم من أنه ناقد لبوتين، رأى بافلوفسكي في البداية أن حكم الزعيم الروسيّ يعدّ فرصة لتحقيق الاستقرار في بلدٍ كان يواجه خطر التفكك أثناء فوضى الانهيار لفترة ما بعد الاتحاد السوفيتي، ولكن تحقيق هذا الإنجاز كان له ثمن. يعترف بافلوفسكي قائلاً: “في العقد الأول من الألفيّة الثالثة، خلال فترة بوتين الرئاسيّة الأولى، دمرنا الوعي بالعمليّة السياسيّة”. “نفّذنا سياسة الديمقراطيّة الموجهة: إذا كان لديك خلاف كبير، عليك أن تأتي إلينا، إلى الكرملين، إلى بوتين، ونحن سنساعدك على حله. لا يمكنك تقديم التماس إلى أي شخصٍ آخر. وكان المقصود من ذلك أن يكون إجراءً مؤقتاً، أوعلاجاً مؤقتاً. كان من الضروري أن تتاح الفرصة للناس للتعافي من أهوال العقد الماضي، ولكن اتضح بعد ذلك أن هذا كان مناسباً جداً، ناهيك عن كونه مربحاً جداً للسلطات، وهذا هو أحد الأشياء التي أشعر أنّي مسؤول عنها، للأسف”.

كان هناك إستراتيجية أخرى لمنع بوتين من أن يرتبط شخصيّاً بأي فشل، و”لهذا السبب لم نسمح له بالذهاب إلى موقع كارثة كورسك”، يقول بافلوفسكي مشيراً إلى وفاة 118 بحاراً على متن غوّاصة روسيّة تعمل بالطاقة النوويّة، والتي غرقت في عام 2000.

وعلى الرغم من كل خططه السرية الماكرة أثناء وجوده في الكرملين، يصرّ بافلوفسكي على فكرة أن بقاء الروس في حالة ثابتة من عبادة بوتين هو أسطورة. يقول: “هذه دعاية؛ دعاية قويّة جداً”، ويضيف: “إن الدولة الروسيّة ضعيفة جداً. هذا ليس نوعاً من آلة الحكومة القويّة. بل هي تعوّض عن ذلك بالطرق التي عملنا عليها في التسعينيات والعقد الأول من الألفيّة الثالثة؛ الدعاية الإعلاميّة مع التلاعب السياسيّ”.

دوما ما يتم تصوير رجل الكي جي بي السابق والرئيس الروسي الحالي على أنه شخصية ديناميكية وقوية ولا تتأثر بعوامل الطبيعة… بالمختصر، فإن الدعاية له تصوره وكأنه الرجل الخارق

وعلى الرغم من تفاخر بعض مؤيدي بوتين الأكثر حماساً، فإنه من غير الواضح بالضبط مدى عمق هذا التفاني. ولم يشارك الرئيس الروسيّ يوماً في مناظرة مع مرشح رئاسيّ منافس. تقول شخصيّات المعارضة: إنه بسبب الموافقة الكبيرة جداً عليه، لا يرغب الكرملين في اختبار شعبيّة بوتين من خلال السماح له بمناقشة مرشحين مستقلّين مثل: أليكسي نافالني الناشط في مكافحة الفساد، والذي مُنع من الانتخابات الرئاسيّة المقبلة. وعلى الرغم من أنه حصل في الاقتراع على نسبة اثنين في المئة فقط في جميع أنحاء البلاد، فإن نافالني هو السياسيّ الوحيد القادر على إخراج الروس إلى الشوارع، فقد حصلت تحقيقاته على الإنترنت عن الفساد عالي المستوى على ملايين المشاهدات على موقع يوتيوب. وفي عام 2013، وهي المرة الوحيدة التي سُمح له فيها بالترشّح للمناصب العامة، حصل نافالني على ما يقرب من 30% من الأصوات في انتخابات رؤساء البلديّات في موسكو، على الرغم من منعه من الظهور على التلفزيون الحكوميّ. ويقارن نافالني نسبة تأييد بوتين بنسبة روبرت موغابي، الديكتاتور الزيمبابوي الذي أُزيح من السلطة في انقلاب عسكريّ العام الماضي. وقال نافالني مؤخراً: “بصرف النظر عن نسبة تأييده البالغة 90%، أين كان مؤيدو موغابي عندما أُطيح به؟ “كانوا حيث لا يمكن أن يراهم أحد. هذه هي القصة المعتادة مع الديكتاتوريّين. نسب التأييد هي خرافة”.

وكشفت العديد من التحقيقات التي أجراها صحفيّون معارضون أن الكرملين يصارع ليجعل الروس يحضرون – على الأقل طواعيةً – مسيرات دعم الرئيس، وأنه يضطر إلى استخدام التهديد مع موظفي الحكومة أو الطلاب لتعزيز الإقبال. كيف سيكون الحضور لو لم تُجبر السلطات الناس على الذهاب إلى تجمّعات مؤيّدة لبوتين؟ هذا ما قرر نشطاء المعارضة في تيومين، وهي مدينة نفطيّة يزيد عدد سكانها بقليل عن نصف مليون شخص في غرب سيبيريا، معرفته. ففي 31 من ديسمبر/ كانون الأول، نظّم هؤلاء الناشطون مسيرةً كانت على الورق/ظاهرية دعماً لفترة رئاسية رابعة لبوتين، متظاهرين بتأييد الكرملين. أُعلن عن الحدث في وسائل الإعلام المحليّة وعلى شبكة الإنترنت، وبدأت المسيرة في فترة ما بعد الظهر، في غير ساعات العمل، في وسط المدينة. وكان الحضور سبعة أشخاص فقط كما ذكرت صحيفة نوفايا غازيتا، وهي صحيفة معارضة صديقة.

وبالعودة مرةً أخرى إلى معرض “بوتين الخارق”، فإن الولع ببوتين المعروض هو أيضاً ليس بسيطاً جداً كما يبدو. فمن النادر أن تكون الأمور بسيطة في روسيا. يقول ألكسندر دونسكوي، وهو سياسيّ معارض سابق، الذي موّل المعرض وحلم بتحقيقه: “بالنسبة إليّ، فإن هذا المعرض هو فعل للتصالح مع حقيقة أن بوتين سيكون رئيساً إلى الأبد”. قضى دونسكوي عمدة مدينة أرخانجيلسك في شمال روسيا السابق تسعة أشهر خلف القضبان بسبب ما يقول إنها كانت تهم احتيال ملفّقة، بعد إعلان خططه للترشّح للرئاسة في عام 2008. يقول دونسكوي: “معظم الناس في روسيا لا يعتقدون أن ثمة خطأ في أن يظلّ شخص واحد في السلطة مدى الحياة، مثل قيصر. لديهم إيمان طفوليّ بالسلطات”. “إن معرض “بوتين الخارق” هو انعكاس لذلك. طرحتُ الأسئلة ووجدت شخصاً يحب حقاً بوتين بصدق، وطلبت منه أن يعمل باعتباره منظماً ومراقباً للمعرض”.

هذه طريقة واحدة، وإن كانت غير عادية للتعامل مع فترة بوتين الممتدة في السلطة. يسلك آخرون نهجاً أكثر واقعية. ففي يناير/ كانون الثاني، عندما فتح مكتب حملة بوتين الانتخابية في وسط موسكو، وانتظر العشرات في طابور بجانب لافتة مكتوب عليها: “رئيس قوي، روسيا قوية “، كان الكثيرون ينتظرون طلب المساعدة لحل مشاكل السكن ومشاكل أخرى.

وقال رجل مسنّ أعطى اسمه فقط أوليغ: “آمل أن يتمكن بوتين من مساعدتي”. “لكن حتى لو لم يفعل ذلك، فسأصوّت له في كل الأحوال -أنا وطني”.

كانت ناتاليا شيفتسوفا أيضاً في الطابور، وهي سيدة في منتصف العمر -واحدة من الآلاف الذين استثمروا مدّخرات حياتهم في شقق مشروع البناء جنوبيّ موسكو في عام 2006، ولا تزال الشقق قيد الإنشاء. تقول شيفتسوفا: إن مسؤولي الحكومة غير قادرين -أو غير راغبين- على مساعدتها لاسترجاع أموالها، وتقول: إن أملها الوحيد الآن منذ فترة طويلة في زعيم روسيا.

تقول شيفتسوفا: “أنا لا أؤيد بوتين، ولكن من غيره يمكنني الذهاب إليه طلباً للمساعدة؟ هذه هي الديكتاتورية. ليس لديّ أي خيار آخر”.

هل هناك من رياضة لا يمارسها بوتين؟

Facebook Comments

Leave a Reply