فلسطين واحتمال الانتفاضة الثالثة

رأي وتحليل

حروب كلامية: القدس والعالم

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

لا جديد تحت الشمس.

هي ليست المرة الأولى التي تحاول فيها إسرائيل الإستحواذ على كامل القدس خلافاً للمواثيق والقوانين الدولية والتي تتضمن قرارات أممية بشأن المدينة الأقدس لثلاثة ديانات سماوية، فهي مدينة ولادة النبي عيسى المسيح، ومرقد النبي ابراهيم الخليل والمدينة التي أُسرِيَ إليها النبي محمد المصطفى.

هو مسلسل عربي طويل حافل بأبطال وأشرار مشرقيين ومغربيين. عمره 68 عاماً، أي منذ أن صوّت الكنيست الإسرائيلي (البرلمان الإسرائيلي) في 13 ديسمبر/ كانون أول من العام 1949 لصالح جعل القدس عاصمة للكيان الوليد.

الإقتراح كان قد قدّمه رئيس الوزراء الإسرائيلي دافيد بن غوريون ووافق عليه الكنيست.

والمفارقة أن العالم رفضه آنذاك كما رفضه يوم الجمعة الماضي 8 ديسمبر 2017.

وفي 30 تموز من العام 1988 قام الكنيست بإصدار قانون يعتبر القدس عاصمة إسرائيل، ومن ضمن ذلك القسم الشرقي من المدينة التي كانت إسرائيل قد احتلتها في العام 1967.

القوات الإسرائيلية تعتقل فتىً فلسطيني خلال مواجهات مع متظاهرين فلسطينيين في الضفة الغربية كانوا يحتجون على قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنقل السفارة الأميركية للقدس بعد إعلانه القدس عاصمة إسرائيل يوم ٣ ديسمبر، ٢٠١٧

ومجدداً، وفي حالة نادرة، وقف مجلس الأمن ضد القرار الإسرائيلي، فيما قامت عدة دول أجنبية بنقل سفاراتها من القدس إلى مدن إسرائيلية كتل أبيب احتجاجاً على قانون الكنيست المسمى ”أورشليم القدس عاصمة إسرائيل“.

فما أشبه البارحة باليوم، مع الفارق أنه لو تمت معالجة جذور المشكلة التي لم تنطفىء منذ احتلال بريطانيا للقدس في 9 ديسمبر العام 1917، ولغاية اليوم بسبب ضبابية مواقف بعض الدول الكبرى وتمنّع الآخرين عن اتخاذ قرارات حازمة يتم تنفيذها، لما كُنا وصلنا إلى ما نحن عليه الآن في الشرق الأوسط: عملية سلام صدئة يتكرر صدى إسطوانتها المشروخة بحلول لا يتوافق عليها الجميع.

وكيف لهم أن يتوافقوا إذا ما كان طرف من أطراف النزاع مستمراً في سياسة قضم الأراضي الفلسطينية التي كان من المفترض أن ينسحب منها في مايو/ أيار 1999، أي بعد 5 سنوات من توقيع اتفاقيات أوسلو وملحقاتها.

نحو 60 قراراً أممياً صدر بشأن القدس ولا تنفيذ، كان آخرها قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر في مثل هذا الشهر أيضاً بتاريخ 23 ديسمبر 2016. وكأن قدر المدينة أن تُباع في كل عيد ميلاد كما تم بيع صاحب الميلاد بـ٣٠ قطعة من الفضة.

والقرار 2334/2016 يقضي بأن إنشاء إسرائيل للمستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967، ومن ضمنها القدس الشرقية، لا يتمتع بأي شرعية قانونية. كما و“يطالب“ كالعادة، إسرائيل ”بوقف فوري لجميع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية“. وينص القرار على عدم الاعتراف بأي تغيرات في حدود 4 يونيو/ حزيران 1967.

يُذكر أن أول قرارات مجلس الأمن الدولي المتعلقة بالقدس كان قرار تدويل القدس وكان قد صدر أيضاً في شهر ديسمبر، وتحديداً التاسع منه في العام 1947، وتَبِعَه قرارٌ آخر في نفس اليوم والشهر من العام 1949 وهو القرار الأممي رقم 303 الذي أعاد تأكيد وضع القدس تحت نظام دولي دائم، بما ”يجسد ضمانات ملائمة لحماية الأماكن المقدسة، داخل القدس وخارجها… وتضم مدينة القدس بلدية القدس الحالية، بالإضافة إلى القرى والبلدان المحيطة بها، بحيث تكون أبو ديس أقصاها شرقاً، وبيت لحم أقصاها جنوباً، وعين كارم أقصاها غرباً (بما في ذلك أيضاً المنطقة المبنية في موتسا)، وتكون شعفاط أقصاها شمالا“… وطلبت الأمم المتحدة من مجلس الوصاية إعداد النظام الأساسي للقدس… ”دون الإجحاف بالمبادئ الأساسية لنظام الحكم الدولي في القدس“ … وشددت على وجوب عدم سماح مجلس الوصاية ”بأية أعمال تقوم بها أية حكومة أو حكومات مهتمة بالأمر لتحويله عن تبني النظام الأساسي للقدس وتنفيذه“.

المواجهات بين الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية أسفرت عن مقتل وجرح العشرات من الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة حتى الآن

ما الذي تغيّر؟

قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي يُشَبِّهَهُ العديد من السياسيين والمحللين والمثقفين حول العالم ب”الثور الهائج في محل الخزفيات الصينية”، وفي معرض تنفيذه لوعد كان قد قطعه العام الماضي، في أثناء ترشحه للرئاسة، لمجموعة آيباك الداعمة والراعية لمصالح إسرائيل والعلاقات الإسرائيلية-الأميركية، بإعطاء ما لايملك، وأعني بذلك القدس الشرقية على أقل تقدير، إلى من لا يحق له، وأعني بذلك إسرائيل.

وهذا أشبه بوعد بلفور البريطاني، لكن بصيغة جديدة.

وآيباك، بحسب سياسيون عرب هي ”منظمة صهيونية“ تدفع بأجندة و ”مصالح إسرائيل قُدُماً عبر السيطرة على مراكز القرار في الولايات المتحدة الأميركية“.

في العام الماضي وقف ترمب أمام آيباك ووعد بالعمل على تحقيق هدف منشود وهو جعل القدس العاصمة الوحيدة لإسرائيل، كل القدس.

ألم تكن تلك إشارة لكافة الدول العربية والإسلامية والدول العالمية المُدافعة عن حقوق الإنسان أن الشخص الأكثر صفاقة في تاريخ الرئاسة الأميركية، كما تصفه صحافة بلده، سيعمل من أجل تحقيق هذا الأمر؟ فلماذا لم يتحوّطوا ضده ولماذا لم يعملوا على وقف الغرور والعنجهية “الترمبية” بدلاً من استقباله وحتى الإستثمار في منتجات بلاده العسكرية كما حصل على طاولة المؤتمر الشهير عندما زار ترمب السعودية؟

وزراء خارجية الدول العربية اجتمعوا بشكل طاريء يوم السبت 9 ديسمبر، أي بعد ثلاثة أيام من إعلان ترمب أن القدس هي عاصمة إسرائيل ليشجبوا الإعلان ويعلنوا دعمهم، الكلامي حتى لحظة نشر هذا المقال، لـ ”القضية“ التي تحولت من صراع عربي-إسرائيلي إلى صراع فلسطيني-إسرائيلي. ولم يتم اتخاذ أي قرار ناجع أو حازم.

لا أدري ما كان يشغلهم في الأيام الثلاثة الأولى، بَيْدَ أنّه يُسجّل لمصر سرعة تحركها في الطلب مع 7 أعضاء آخرين غير دائمين في مجلس الأمن لاجتماع عاجل لأعضاء المجلس لبحث خطورة إعلان ترمب. وبحسب أحد الدبلوماسيين اللبنانيين، ”غَضِبَ العرب واستنكروا وشجبوا لكنهم لم يُعلنوا قطع علاقات مع دول تموّل إسرائيل مثلاً، أو يفرضوا حصاراً جوّيا وبريّاً عليها، ولم يُقدِّموا حلولاً للمسألة وكيفية التوصل إلى مجابهة تداعيات القرار الأميركي، ما عدا في كلمة لبنان خلال الإجتماع، والتي دعت لحلول سريعة ولمزيد من الضغط على المجتمع الدولي“.

قنابل غاز مسيل للدموع أطلقتها القوات الإسرائيلية لتفرقة المتظاهرين الفلسطينيين

أتى اجتماع العرب بعد يوم من اجتماع مجلس الأمن الطاريء الذي رفض قرار ترمب جملة وتفصيلاً، ومجدداً دون أي حل أو عقوبة أو قرار يسمح بوقف حفلة الجنون التي تجتاح الشرق الأوسط كلّما عنّ على بال مسؤولو الإنتدابات والإحتلالات السابقة والحديثة أن يحركوا أحجارهم في مستعمراتهم السابقة والدول التي استقلت عنهم.

ولم نسمع أحداً يُعلّق على الكلام الذي صدر عن نائب ترمب ”مايك بنس“ في فيديو حديث، يشدد فيه على وقوف الإدارة الأميركية مع إسرائيل التي قال عنها ”إنها أعز حلفائنا في العالم… وليعرف العالم أنه من القدس، العاصمة الأبدية وغير المقسمة والموحدة للشعب اليهودي والدولة اليهودية بأنني ودونالد ترمب فخورين بالوقوف إلى جانب إسرائيل وأن الشعب الأميركي فخور بوقوفه إلى جانب إسرائيل“.

فرنسا كانت أول من أعلنت عدم تأييدها لقرار ترمب.

عدة دول أوروبية تعهدت بعدم نقل سفاراتها من تل أبيب، فيما قالت ماليزيا، وهي دولة إسلامية، إنّها مستعدة لتحريك جيشها إن لزم الأمر.

المجتمع الدولي والفلسطينيون رفضوا إعلان ترمب. في الصورة فلسطينيون يقومون بإغلاق فم الرئيس ترمب على لوحة رُسِمت له بالماضي على جدار الفصل الذي أقامته إسرائيل.

مظاهرات ولكن…

لن نقول إن المظاهرات الغاضبة والعارمة اجتاحت العواصم العربية لإظهار تأييد للقدس ولفلسطين وللقضية الفلسطينية.

مظاهرة خجولة في الكويت، ومظاهرات في المغرب العربي وبضعة دول أخرى، ومظاهرات في لبنان إنتهت إحداها بحرق ساحة عوكر على بُعد كيلومتر من السفارة الأميركية، وتكسير زينة الميلاد المرفوعة ووشم حيطان بيوت أثرية بشعارات ”القدس عربية“ وغيرها مما لا يُسمِن ولا يُغني عن جوع. ولكأن قدر القدس أن تتحرر على الورق عبر حرق دول أخرى.

مُظاهرات الضفة الغربية وغزة هي الأعنف. عشرات الشهداء الفلسطينيين المدنيين بالقصف الجوي والبري على قطاع غزة المُحاصر منذ 10 سنوات والذي انتفض لِنُصرة القدس. وعدة شهداء وجرحى في الضفة الغربية حيث المواجهات الأعنف والتي تستمر حتى اليوم مع ترشيح أن تتصاعد وتيرة اعمال العنف، حيث يحاول العديد من الفلسطينيين دورياً الوصول للمسجد الأقصى بالرغم من وجود عوائق وحواجز عسكرية إسرائيلية كثيفة.

إنتفاضة الفلسطينيين التي بدأوها منذ اللحظة الأولى لإعلان ترمب لقراره ”اللاشرعي واللامشروع“ يبدو أنها باتت كرة ثلج، حيث تزداد حدة المواجهات مع جنود الإحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية ولا حل في الأفق.

مشهد عام للأقصى وقبة الصخرة وجزء من المدينة العتيقة. صورة من الأرشيف- رويترز

في المقلب الآخر

في مقابل كل هذا، وفي إطار التراجع المتزايد لشعبيته، تظاهر آلاف الإسرائيليين في تل أبيب، العاصمة الحالية لإسرائيل، طالبين محاسبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بسبب جرائم تتعلق بالفساد ومنها قبول هدايا ورشاوي.

ويبدو أنه كلّما هبطت شعبية رئيس وزراء أو حدث تغيير في هيكلية قادة القطاعات في الجيش الإسرائيلي، تحصل أعمال عنف وشغب وحتى حروب يعتقد البعض أنها لتشتيت الانتباه الداخلي عن الإخفاقات التي تُلاحق المسؤولين الإسرائيليين في كسب ود الشعب الإسرائيلي، وآخرهم نتنياهو، أو محاولة لإثبات الذات لدى القادة الأمنيين والعسكرين. فهل سنشهد حرباً على الجبهة الشمالية أم مواجهات في القطاعين الأوسط والضفة؟

أم أن الأمر كله محاولة جديدة لتشتيت انتباه العالم عن الجولان المحتل الذي قال نتنياهو حديثاً إنه سيعمل على ضمه لإسرائيل، وذلك خلافاً للقرارات الدولية.

فإسرائيل على ما يبدو تأخذ حبوب مناعة ضد القرارات الدولية بحيث لا تتأثر فيها، والجولان، الذي هو أرض سورية بامتياز وباعتراف العالم، بات يضم مستوطنات إسرائيلية غير شرعية، وهناك محاولات إسرائيلية مستمرة لتهويد تلك المنطقة الإستراتيجية.

لكن كل ذلك يتوقف على ما سيقرره الفلسطينيون أنفسهم.

فهل سيستمر الفلسطينيون هذه المرة بالدفاع عن القدس وفلسطين بعدما سئموا انتظار العالم والعرب تحديداً من أجل إنصافهم وإنقاذهم، ليتحول التحرّك إلى انتفاضة ثالثة؟

والسؤال الأهمّ: هل تستطيع إسرائيل مواجهة ثلاث جبهات في نفس الوقت: (سوريا-الجولان)، (الجنوب اللبناني) والداخل الفلسطيني وجنوبه (الضفة وغزة)؟

التاريخ أثبت في الماضي أن لا جيش نظامي يستطيع تقسيم نفسه على ثلاث جبهات معظمها تُديره مجموعات تتخصص في حروب الشوارع.

الكرة بملعب صُنّاع القرار العربي والعالمي.

عدة مسؤولين روحيين وسياسيين ومنهم الفلسطينيون رفضوا مقابلة مبعوث ترمب لمباحثات السلام، ولا يمكن لأحد أن يلومهم، فالرجل هو سبب المشكلة ولن تحلّها مفاوضات مشروطة مسبقاً بقراراته.

وميزان القوى في الحرب القادمة لا يُرجّح كفّة أحد، فهل يختار العالم مسار سلامٍ جديد هذه المرة، أم سندخل نفس النفق المُظلِم الذي نشهده كل عقد في هذه المنطقة؟

من مواجهات الضفة الغربية

Facebook Comments

Leave a Reply