في السعودية… آلاف الأمراء ومملكة واحدة

سلطان السعد القحطاني*
خاص بنيوزويك الشرق الأوسط 
كان الوصف الأكثر شيوعا عند الحديث عن السعودية هو “المملكة الهرمة”، وكانت التحليلات حول مستقبلها، وقيادتها، تظهر في خيال المتابع على شكل صور منوعة، بالأبيض والأسود، للاتحاد السوفيتي، وقياداته.
بيد أن الصورة تغيرت بشكل كامل بعد عامين من حكم الملك سلمان، حيث شهدت البلاد موجة قاسية من التغيير السريع الذي لم يدر حتى في ذهن أكبر المتفائلين. لم يكن أحد يتوقع أن هذا ممكن الحدوث في مملكة محافظة ترزح تحت وطأة التقاليد منذ عقود.
كان الرجل الذي قاد التغيير المذهل هو محمد بن سلمان، ولي العهد الشاب الذي يتولى صلاحيات واسعة، ويُعتبر الرجل الأقوى حاليا، والأكثر شعبية. إنها المرة الأولى في تاريخ السعودية التي يكون ولي العهد ابنا للملك، منذ تولي الملك سعود ولاية العهد قبل أكثر من سبعين عاما. وحين سيصبح ملكا فستكون المرة الأولى في تاريخ المملكة ان يحكم ملك ابن ملك وحفيد ملك.
إن هذا المشهد المتوقع يروي جزءاً كبيراً من القصة الجديدة في السعودية. 
إن الملك سلمان هو الملك الأخير من أبناء المؤسس، فبرحيله ينتهي جيل آل سعود الكبار. الآباء المؤسسون الذين شهدوا تأسيس الدولة، ورأوا كيف تحولت البلاد من الفقر الى دولة غنية.
عاش الملك سلمان طفولته في بيت طيني متواضع، ورأى المصاعب التي عاناها شعب المملكة ما قبل النفط، وركب الدرجة السياحية قبل الطائرات الخاصة، وتعلم بعضاً من اللغة الإنجليزية في بداية الشباب. لقد كان وجهاً من تاريخ المملكة نفسها، ومثالاً عليه، في كل مراحله.

الملك سلمان بن عبدالعزيز هو آخر أبناء الملك المؤسس للمملكة العربية السعودية فيما سيصبح إبنه ولي العهد الأمير محمد أول من يقود المملكة من جيل الشباب عندما يصبح ملكاً بدوره

والآن سيأتي جيل جديد لم يعرف شيئاً سوى البترول والثروة. وهذا يعني طريقة مختلفة في الحكم عن الجيل القديم.
مجيء محمد بن سلمان يعني نهاية الصحوة الإسلامية في السعودية، والتي كانت صدى للثورة الخمينية في إيران. فترة الصحوة كانت الوجه السني لذلك التغيير المزلزل على ضفة الخليج، ويبدو أن الأمير الشاب قرر أن تنتهي تلك الحقبة بأي طريقة، رغبة منه في فتح الباب أمام تحديث المملكة، ومواجهة الفكر المتطرف.
يعمل الأمير معظم اليوم، وتستغرق اجتماعاته ساعات طويلة، لدرجة أنها أنهكت بعض الوزراء.
تغيرت السياسة الخارجية للمملكة بشكل كبير منذ وصوله إلى السلطة. لقد تزامن مجيء الملك سلمان مع انحسار الدور الأمريكي في المنطقة خلال فترة الرئيس باراك أوباما. هذا ما جعل الأمير محمد يؤمن بضرورة أن تتدخل السعودية لتملأ الفراغ في المنطقة.
وهكذا بدء عملية عاصفة الحزم لقتال الميليشيات الحوثية المدعومة من إيران في اليمن، كما وإنشاء التحالف الإسلامي لمكافحة الإرهاب، الذي كان رغبة سعودية في مواجهة الإرهاب، وعزل إيران عن العالم الإسلامي. وكذلك انتهاج سياسة صارمة في وجه التدخلات القطرية في المنطقة، ومواجهة دعمها لتنظيم الإخوان المسلمين.
ولعل التغيير الأضخم هو مشروعه الاستراتيجي رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى سعودية جديدة بعيدة عن الاعتماد عن النفط، وأكثر تداخلاً مع الاقتصاد العالمي. هذه الرؤية ستغير وجه المملكة اقتصادياً واجتماعياً كذلك، حيث ستعزز من تواجد المرأة في سوق العمل، وتفتح المملكة أمام المستثمرين الأجانب.
لقد أثار هذا المشروع خشية الكثيرين. نعم إنه نوع من الإصلاحات التي قد تبدو قاسية، لكن في مجملها تهدف إلى تأمين مستقبل البلاد بعيداً عن النفط، وتخليص قيادته من مراقبة أسعار براميل النفط وتقلباتها.
إنه شخصية تتمتع بكاريزما عملية. منفتحة. رأى فيها الشباب الذين يُمثّلون نحو سبعين في المئة شخصية معبرة عنهم. إن سياساته الحالية نابعة من تمثيله لقاعدته السياسية التي تؤيده، وهي الشباب في المقام الأول. إنهم يُمثّلون شرعية جديدة لدولة جديدة، بخلاف ما تأسست عليه الدولة قبل ثمانين عاماً. لقد تغير الزمن ولا مجال للعودة إلى الوراء.
أمام السعودية عملية انفتاح كبرى، وهذا يستوجب إصلاح المؤسسة الدينية، وتحييد رجال الدين المنزعجين من الانفتاح، وفتح الباب أمام جيل جديد من الدعاة الذين لديهم آراء معتدلة.
يتوقع أن تقود المرأة السيارة وتفتح دور السينما هذا العام. سيتغير وجه المملكة كثيراً من كونها مثالاً على التطرف، إلى جنة الانفتاح. هذا بالتأكيد سيكون له الأثر الاقتصادي الكبير على المملكة.

في عهد الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان تم إدخال إصلاحات عدة إجتماعية واقتصادية وحتى سياسية، ولعل أكثرها إثارة للنقاش كان السماح للمرأة بالقيادة

يقوم الأمير محمد بزيارات سريّة لكافة المناطق المتوقع تحويلها إلى أماكن سياحية أو قد تحمل فرصة مشاريع استثمارية ناجح. إنه يتحرك كما يتحرك المدراء التنفيذيون في الشركات العالمية الكبيرة. ولقد زار كل جزر الساحل الغربي قبل أن يطلق مشروع البحر الأحمر، وهو المالديف السعودية. وقضى عدة أيام في صحراء الربع الخالي بحضور عدد من رؤساء الشركات الدولية لتشجيع الاستثمار. إنه في كل مكان بدون أن تراه بالضرورة.
نعم يتوقع أن يتولى العرش قريبا.
من سيكون ولي عهده؟
هذا هو السؤال الكبير في المملكة. أباه اختار أن يكون آخر ملك من ابنا عبد العزيز المؤسس، فهل سيكون آخر ملك من الأحفاد. لقد تم تعديل نظام في هيئة البيعة يمنع من أن يكون اثنان من نفس الفرع في الحكم. وهذا يعني أن أخاه المفضل الأمير خالد بن سلمان، السفير السعودي في واشنطن، لن يكون ولياً للعهد، وإن كان يتوقع له أن يكون له مستقبل كبير في المملكة.
هل يختار من محمد بن عبد الرحمن، نائب أمير الرياض الشاب، او ينتقل للجيل الرابع ويختار وزير الداخلية الأمير عبد العزيز بن سعود، أو نائب أمير المنطقة الشرقية الأمير احمد بن فهد، او نائب أمير منطقة الجوف الأمير عبد العزيز بن فهد بن تركي، وبهذا يفتح المجال لابنه سلمان مستقبلا ليكون له دور في السياسة السعودية؟
لا أحد يعرف سوى محمد بن سلمان نفسه.
قبل أن يمارس الأمراء الشباب أعمالهم فإنهم يتدربون في الديوان الملكي لساعات طويلة، تبدأ من السابعة صباحاً. ولعدة أشهر شوهد عدد من الأمراء الشباب الذين تولى بعضهم مناصب هامة، والبعض سيفعل ذلك قريبا، وهم يتدربون على مهامهم الجديدة.

ويبقى السؤال: من سيكون ولي عهد محمد بن سلمان

لا تزال الآلية غير واضحة كما كانت على الدوام. لقد كانت قصة الخلافة في السعودية محاطة بالكثير من الغموض، ولا تزال حتى الآن. يخيّل إليك أنك تعرفها لكنك لا تعرفها. لكن الأسرة دائما كانت لديها إحساس بالمسؤولية كبير جداً.

هذا ما يجعل المملكة مستقرة.
لا توجد تحديات حقيقية لمستقبل الأمير الشاب. لا أحد يعرف تاريخه الصحي لكن المعلومات تشير إلى أنه لا يعاني من أي مرض. داخل الأسرة استطاع تكوين مروحة من التحالفات مع الجيل الجديد، الأمر الذي نال رضى آباءهم الكبار. ولديه استراتيجيات للتعامل مع رجال الدين المتطرفين.
إن أخطر أعداءه قد يكون برميل النفط إذا انخفض سعره قبل إتمام خططه الطموحة، أو إذا تغلب الفساد على مشروعه الكبير رؤية السعودية 2030.

* سلطان السعد القحطاني هو رئيس تحرير موقع الرياض بوست