في بيتنا قرد! لبنان وتهريب الحيوانات

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

هي تجارة عالمية بمليارات الدولارات، تعتمد على التهريب أساساً إذ أن السلعة المنشودة حيوان برّي يرتفع ثمنه بمقدار ندرته، بخاصة تلك الحيوانات المهددة بالإنقراض.

في لبنان، لم تتوقف عمليات المتاجرة بالحيوانات المهددة بالانقراض رغم قانون الرفق بالحيوان الذي أقره المشرّع قبل أشهر ثلاثة.

أراد القيمون على هذا القانون الحديث حماية تلك المخلوقات، التي لا ناقة لها ولا جمل، سوى أنها تتنقل ملكيتها من تاجر إلى آخر ومن عصابة تهريب إلى اخرى، لتبقى الصناعة التي تدر الملايين على المُهرّبين والبائعين قائمة من دون تحرك المعنيين، إلا في ما ندر، لربما بسبب أماكن وطبيعة التهريب… فمن ضواحي بيروت التي تنعدم فيها الرقابة على هذه التجارة، إلى المعابر غير الشرعية بين سوريا ولبنان، حيث الحرب الطاحنة والتضاريس الجغرافية للمنطقة تجعل التهريب والبيع أسهل.

القرد “مسعود” هو أحد ضحايا التهريب في لبنان، وهو من فصيلة قرد البابون أو الربّاح المعروف علمياً باسم(Papio hamadryas) والذي تمكنت من تحريره لورا شتاينبخ، رئيسة جمعية Animals lives lebanon، بعدما رفضته عائلة لبنانية كانت قد تلقته بمثابة هدية الميلاد لأبنائهم مِن قِبَل صديق للعائلة، بحسب ما نقلت شتاينبخ في حديثها إلى نيوزويك الشرق الأوسط.

هذا الصديق نفسه كان قد اشترى البابون لقاء 1500 دولار أمريكي من متجر يبيع الحيوانات في مدينة صور الجنوبية، من دون الكشف عن اسم المتجر وهوية صاحبه.

تقول شتاينبخ، التي تدير ملجئاً للكلاب الشاردة جنوب لبنان، إن اتصالاً من أحد أصدقائها جاء فيه أن شخصاً يعرفه لديه كلبٌ يريد التخلص منه خارج بيته، فما كان منها إلا الذهاب لاحضار الكلب من إحدى البلدات الجنوبية، ليخبرها صاحب الكلب أن لديه قرداً استحصل عليه من خلال متجر لبيع الحيوانات في صور.

قامت لورا باقناع صاحب المنزل أن هذا النوع من القردة هو عدائي وشرس وليس أليفاً، ولا يمكن له أن يعيش بين الناس، خوفاً من الأمراض المصاحبة له، وكون أنه تم شراؤه بلا أي أوراق ثبوتية أو شهادات صحية.

تبرع صاحب المنزل بحرية قرد الرباح، وقامت لورا بنقله داخل القفص الصغير الذي بالكاد اتسع له، في محاولة للاتصال بالمعنيين في لبنان، لإخراج القرد إلى بيئته الأساسية في أفريقياً.

يُذكر أن كلفة تسفيره إلى الخارج تكلف ما بين 3000 دولار أمريكي فما فوق، وتطالب لورا المعنيين بضرورة إخراجه من تحت رعايتها.

مسعود ليس وحيداً!

فعلياً، القرد مسعود لم يكن وحيداً في عمليات التجارة. فقد قامت جمعية حيوانات لبنان (animals lebanon)  بتحرير ورعاية ستة قردة من بابون هامادرياس كانت متواجدة في لبنان لتسع سنوات، توفي أحدها قبل التمكن من انقاذه، وذلك بعدما وجدتها الجمعية تتضور جوعاً في أثناء قيامهم بإغلاق إحدى حدائق الحيوانات في لبنان. ومن المقرر أن تذهب هذه القردة إلى ملجأ خارج لبنان.

ويقول جيسون ماير، المدير التنفيذي لجمعية “حيوانات لبنان”، في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن “هناك المئات من الرئيسيات (فصيلة القردة والشيمبانزي وما يشابهها) في لبنان، والغالبية العظمى من تلك الحيوانات هي من القرود والقردة الفرفية (قرد العالم القديم) التي تتواجد عادة في معظم أنحاء أفريقيا”.

ويشير ماير إلى أن معظم هذه الحيوانات تم تهريبها إلى لبنان، بينما تم تزويج وتوالد حيوانات أخرى مُتاجر بها حالياً في البلاد، موضحاً أنه يتم استيراد نسبة ضئيلة من هذه الحيوانات بشكل قانوني من قبل حدائق الحيوان العاملة على الأراضي اللبنانية، وبعضها يحمل شهادات صحية وتصاريح قانونية من قبل وزارة الزراعة.

بحسب القانون، يحق لوزارة الزراعة مصادرة الحيوانات الممنوعة غير الأليفة في لبنان، بحكم قانون الرفق بالحيوان رقم 47/2017 الذي وقع عليه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال عون في شهر آب من العام 2017، ودخل حيز التنفيذ في شهر سبتمبر من العام نفسه. ويقول مصدر خاص في وزارة الزراعة، في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط إن معظم هذه الحيوانات تُهرّب عبر المعابر غير الشرعية بين سوريا ولبنان، أو يتم توليدها في بيوت خاصة، لا سلطة للدولة اللبنانية عليها، في ضواحي العاصمة بيروت، أو في أطراف لبنان.

بابون هامادريس ليس حيواناً أليفاً ولا يمكن اقتناءه في المنزل. صورة خاصة بنيوزويك الشرق الأوسط

ويضيف المصدر أن عدداً من التجار القادمين من مصر وبعض الدول الافريقية، قبل إصدار قانون الرفق بالحيوان، كانوا يستغلون ضعف الرقابة الأمنية في مطار بيروت، ويحضرون معهم تماسيح حديثي الولادة في حقائب السفر، يبلغ طول الواحد منهم 15 سنتم، ليستطيعوا بيعهم لعدد من الأثرياء بآلاف الدولارات، إلا أن جهاز الجمارك استطاع في الفترة الأخيرة التنبه لهذا الأمر.

وفي العام الماضي، نشرت مجلة THE NATIONAL تحقيقاً عن القرد سعيد (22 عاماً)، وهو القرد الأخير من فصيلة هامادرياس الذي بقي حياً في حديقة حيوانات السبيل في الجزء الغربي من محافظة حلب، بعد مرور 6 سنوات على اندلاع الحرب الأهلية في سوريا.

من جهته، يقول ماير إنه لا يمكن الجزم في ما إذا كان البابون الذي حُرِّر َمن صور، قد أتى من سوريا، نظراً لأن علم الوراثة وفحوصات الحمض النووي لا يمكن أن تعطي أي إشارة لذلك، كما أنه لا توجد وثائق رسميةً تشير إلى أي تاريخ لوجود القرد في لبنان، على الرغم من المعلومات التي تشير إلى أن هناك حركة تهريب نشطة ما بين داخل سوريا وخارجها.

ويقول ماير إن الجمعية لديها قردان من نوع غينوس الحنجرة البيضاء(White-throated guenon) تم تهريبهما من غانا وصودرا في مطار بيروت، وسيتم أيضا إرسالهما إلى ملجأ قريباً. وعادة ما تستغرق هذه العملية أشهراً عدة نظراً لأنها تتطلب تصاريح من مكاتب اتفاقية التجارة الدولية بالأنواع الحيوانية والنباتية البرية المعرضة للانقراض(CITES) في البلدان المستوردة والمصدرة، ومجموعة من الفحوصات والتصاريح البيطرية والصحية، ويتطلب أحياناً وضع الحيوانات في الحجر الصحي لفترة معينة. ولا يوجد لدى الجمعية ملاذ آمن دائم للحيوانات المهددة بالانقراض، بل مركز إنقاذ صغير، حيث يتم تأمين الحماية للحيوانات قبل إرسالها إلى ملجأ في بلد آخر، بعدما يتم تحضير وتخصيص صناديق نقل خاصة واجراء ترتيبات دقيقة مع شركات الطيران.

وبحسب القانون أيضاً، يقول مصدر وزارة الزراعة أنه لا يمكن لأي أحد اقتناء او امتلاك الحيوانات المهددة بالانقراض في منزله وهي حيوانات مدرجة على اللائحة الحمراء للاتحاد الدولي لصون الطبيعة(IUCN RED LIST).

ويقول ماير إن قانون حماية ورعاية الحيوان جعل هذه القضاياً أكثر وضوحاً، وخصوصاً في ما يتعلق بدور السلطات، والعقوبات والإجراءات التي يمكن ان تتخد عند انتهاك بنود القانون، بحيث يوجد قيود واضحة حول استخدام الحيوانات المهددة بالانقراض، ولا يمكن الاحتفاظ بأكثر الأنواع عرضة للخطر، أو استخدامها بأي شكل من الأشكال خارج حدائق الحيوان المرخصة ومراكز الإنقاذ، وطبعاً بموافقة مسبقة.

هذا الموضوع لم يكن ليتحقق لولا جهود الجمعية، وقد حث ذلك وزارة الزراعة في العام 2010 على الانضمام لاتفاقية التجارة الدولية لحماية النباتات والحيوانات البرية المعرضة للخطر، بحيث دخل لبنان إلى الاتفاقية في العام 2013، ليصبح لبنان الدولة رقم 178 الموقعين على هذه الاتفاقية.

ما هو قرد البابون (الربّاح)؟

يوجد خمسة أنواع مختلفة من قردة البابون، ولكل فصيل نظام سلوكي خاص، ولكنها بالتأكيد ليست حيوانات أليفة، ولا يمكن ابقاءها بين الأطفال أو في المنازل. يشار إلى هذه القردة على أنها قردة “العالم القديم” وتعيش في مجموعات عائلية كبيرة، وتتواجد في معظم أنحاء جنوب الصحراء الكبرى وفي القرن الأفريقي وأجزاء من الشرق الأوسط.

يتواجد نوع هامادريس في شمال شرق أفريقيا. وهو موجود أساساً في إثيوبيا، على الرغم من أن نطاق الحيوانات من هذا الفصيل يمتد من تلال البحر الأحمر وسواكين (السودان) من خلال إريتريا وجيبوتي (وخاصة في جبال غودا) إلى شمال الصومال. كما توجد في تلال البحر الأحمر في شبه الجزيرة العربية الجنوبية الغربية مقابل القرن الأفريقي، بحسب ما يذكر موقع اللائحة الحمراء التابعة للاتحاد الدولي لصون الطبيعة(IUCN).

تصنف هذه الفئة من القرود “الأقل اهتماماً” بحسب دراسة أعدها( Gippoliti, S. & Ehardt, T.) في العام 2008، ولا يوجد أي تهديدات واسعة النطاق قد تؤدي لانخفاض أعدادها (هناك نحو 2000 قرد هامادريس في جيبوتي وحدها، والتي ارتفعت بعدما سجلت تراجعاً ملحوظاً في العام 1990 حينما اعتُبِرَت نادرة)، وهي مصنفة منقرضة في مصر حالياً.

في الوقت الحالي، تعمل جمعية “حيوانات لبنان” على وقف الاتجار بالأنواع المهددة بالانقراض وإنقاذ تلك الموجودة في لبنان، بعدما اهتمت الجمعية على مر السنوات بعدد من أنواع القردة المختلفة والأسود والنمور والدببة والضباع والذئاب والتماسيح والطيور.

Facebook Comments

Post a comment