في مكان ما في الجحيم

قد تصبح دولة الأردن قريباً أول الدول التي ينفد منها الماء تماماً، وربما لن تكون الأخيرة.

بيتر شوارتزستاين

نيوزويك

دائماً ما يكون فصل الصيف حارقاً في عمّان، الأردن، لكن يوليو/ حزيران الماضي كان قاسياً بشكل خاص لطارق القيسي، الميكانيكي الذي يعيش مع أسرته في الجزء الشرقي من المدينة.

فقد قامت عصابة من اللصوص بسرقة الكهرباء من الأسلاك عبر منزله، وقام مزوّد الكهرباء بقطع الخدمة عن الشارع كله لمدة أسبوعين. ومع عدم وجود مراوح أو ثلاجات أصبح الحي الخرساني الخالي من الأشجار كالفرن العالي الحرارة.

وفي اليوم التالي، فُتِحَت حفرة مجاري قريبة من منزل عائلة القيسي، فتغلّفت شقة طارق برائحة كريهة.

أحب الذباب هذه الرائحة، ولكن أطفاله الثلاثة الذين هم في سن الدراسة أُصيبوا بالمرض.

وفي الوقت الذي خفّض رئيسه راتبه مشيراً إلى بطء حركة العمل، اعتقد الميكانيكي الشاب أن لا شيء يمكن أن يزعجه.

يقول: “إنه الجحيم، ولكن يبدو أنه ليس أمامنا خيار”.

ولكن فقدانه المفاجئ لإمدادات المياه تركه يائساً تقريباً.

ومع عدم إمكانية الوصول إلى المياه التي توفرها الحكومة، كان على القيسي وجيرانه دائماً الاعتماد على خزانات خاصة لملء أحواضهم. لكن البناء الجديد عند سفح التل الذي يعيشون فيه قطع شريان الحياة هذا، فلم يعد بإمكان الشاحنات الكبيرة أن تقترب؛ لذا يعتمد المقيمون الآن على ما يستطيعون حمله خلال الطرق الوعرة وغير المستوية.

وأصبحوا غير قادرين على غسل ملابسهم كما ينبغي أو حتى غسل الأطباق، وهم يعوّدون أنفسهم ببطء على العيش في عالم بلا ماء تقريباً.

يقول القيسي، الذي يغطي وجهه بقع زيت السيارات والعرق “أصلُ إلى البيت متسخاً ولا أستطيع الاغتسال في بعض الأحيان. هذا أمر مهين! لا يجب أن يعيش أي شخص بهذه الطريقة”.

وقد يتشارك العديد من الأردنيين هذه المحنة إذا لم يتم اتخاذ إجراءات صارمة.

ونهر الأردن، الممر المائي الوحيد في البلاد، هو نهر ملوّث ومُستنفَد، في حين تم ضخ بعض مياهه الجوفية بشكل غير قابل للإصلاح تقريباً.

ومن المتوقع أن تنخفض الأمطار السنوية في البلاد بشكل كبير بسبب تغير المناخ، حتى مع استمرار زيادة عدد السكان.

والأردن بلد أفقر من أن تستخدم تقنية تحلية المياه عالية التكلفة وواسعة النطاق- أو إصلاح بنيته التحتية المتسربة.

ويُظهر النمو السكاني في البلاد بعض علامات التباطؤ؛ لذا لا يمكنه الاعتماد على واردات مياه أقل كما فعلت بعض دول الجزر قليلة السكان في المحيط الهادي والبحر الكاريبي.

أصبح نقص المياه سيئاً للغاية، وأثار بالفعل اشتباكات بين اللاجئين والأردنيين الأصليين، وأصاب الذعر المسؤولين المكلَّفين بسد الطلب المتزايد مع تناقص الإمدادات.

يقول علي صُباح، الأمين العام للتخطيط الإستراتيجي بوزارة المياه والري: “يجب أن نبحث خارج الأردن، لا يوجد المزيد من مصادر المياه هنا”.

قد تكون الأردن أول الدول التي تنفد منها المياه، لكنها لن تكون الأخيرة على الأرجح.

قد يزداد نقص المياه في الأردن سوءاً بشكل كبير قريباً بسبب التغير المناخي. ومن المتوقع أن تنخفض نسبة الأمطار التي تسقط بنسبة 30% بنهاية القرن

فمن المتوقع أن يزداد الطلب على الماء بحوالي 50% بحلول العام 2050.

ووضع الإمداد يُنذر بكارثة أيضاً: إن 21 من أصل 37 من أكبر آبار المياه الجوفية في العالم قد تجاوزوا بالفعل المرحلة الحرجة وفقاً لـ”ناسا”، ويرجع ذلك جزئياً إلى الإفراط في استخراج مياه الشرب والتعدين. وفي الوقت عينه، يبدو أن الاحتباس الحراري يُقلل من سقوط الأمطار في بعض الأماكن.

وقالت منظمة الأرصاد الجوية العالمية إن اثنين من كل ثلاثة أشخاص سوف يواجهان نقصاً في المياه بحلول العام 2050، وقد يواجه مئات الملايين مشكلة المياه غير الصالحة على نحو خطير.

وتتعرض العديد من المدن الكبرى على هذا الكوكب للخطر بفعل عجزها عن التغلب على تحدي تزويد سكانها المتضخمين بالماء من خلال بنيتها التحتية الرديئة غالباً.

يعيش 4 مليارات شخص من سكان الكرة الأرضية حالياً في المناطق الحضرية، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد الإجمالي تقريباً بحلول منتصف القرن الحالي.

جفّت كينيا ونيروبي تقريباً هذا الصيف، في حين تعاني كايب تاون، جنوب أفريقيا، من أسوأ فترات جفاف لها منذ سنوات عدة.

ويبدو أن طهران، إيران تعتزم إدخال نظام تقنين المياه قريباً.

ويتوقع مديرو المياه في 40 ولاية في الولايات المتحدة أيضاً حدوث مشاكل في المياه خلال العِقد القادم.

ويمكن لنقص المياه في أفضل الأحوال أن يؤخر الاقتصاد العالمي بحوالي نصف تريليون دولار سنوياً، وفقاً للبنك الدولي.

ويمكن أن يؤدي ذلك في أسوأ الأحوال إلى الحرب والإرهاب.

وكما جاء في تقرير استخباراتي أمريكي شامل في العام 2012، فإن “استخدام المياه كسلاح أو لزيادة الأهداف الإرهابية سيصبح أكثر احتمالاً أيضاً بعد عشر سنوات”.

ويعتبر هذا الإنذار مُقلقاً للغاية في الشرق الأوسط في أعقاب ثورات الربيع العربي التي اندلعت تباعاً منذ العام 2010.

وكما هو الحال في أغلب المنطقة- والعالم- يذهب معظم الماء في الأردن، 65% على الأقل، إلى الزراعة، ويدرك بعض المسؤولين أنه لا يمكن أن تستمر الزراعة في التهام كل هذا القدر من الماء.

يقول أحد رجال الحاشية الملكية الكبار الذي طلب عدم الكشف عن هويته، لأنه ليس من المصرح له التحدث إلى الصحافة: “لا يمكننا أن نخبر الجيل القادم أننا خسرنا معظم مياهنا؛ لأننا زرعنا الكثير من الطماطم”.

وفي القصر الملكي، وهو رقعة كثيفة الأشجار ذات حراسة مشددة في وسط عمان، تقوم فرق من المستشارين المتخصصين بدراسة خيارات البلاد.

ولكن في منطقة غير مستقرة يكره صنّاع السياسة، التنازل عن إنتاج الطعام كلياً . يقول آرون وولف، أستاذ الجغرافيا وخبير المياه في جامعة ولاية أوريغون: “من بعض النواحي، حدث ذلك منذ زمن سحيق. إن كنت غنياً، تحل [الأزمة]، إن كنت فقيراً تموت”.

لم تمتلك الأردن أبداً الكثير من الماء.

ولكنها خلال معظم حقب التاريخ استطاعت تزويد سكانها باحتياجاتهم من الماء. وتغير كل ذلك بعد أن ظلّت الأردن طوال سبعين عاماً تنظّف الفوضى التي أحدثتها أكبر جيرانها.

نهر الأردن، الممر المائي الوحيد في البلاد، هو نهر ملوّث ومُستنفَد، وقد تم ضخ مياهه الجوفية بشكل غير قابل للإصلاح تقريباً. في الصورة سد الملك طلال.

أولاً، فرّ مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين عبر الحدود عقب إنشاء إسرائيل في العام 1948، بعد عامين من تأسيس الأردن، وهذا أدى إلى زيادة احتياجات الدولة الجديدة من الماء إلى ثلاثة أضعاف بين عشية وضحاها.

ثم تلا ذلك موجات من العراقيين والمزيد من الفلسطينيين على مدى العقود اللاحقة، وهو ما أضاف إلى العبء الكلّي.

وانتقل في السنوات الأخيرة إلى عمّان أيضاً العديد من لاجئي ليبيا واليمن الذين دمرتهم الحرب، في الوقت الذي تفاقمت فيه الحرب الأهلية في سوريا، والتي أرهقت في نهاية المطاف جارتها الجنوبية بأكثر من مليون من مواطنيها العطشى.ويبدو أنه لم يكن هناك تقريباً أي جنسية شرق أوسطية لم تستضِفها الأردن.

ولعب الأردنيون دورهم في النمو السكاني أيضاً.

فمعدل الخصوبة في البلاد يصل إلى 3.38، وهو أحد أعلى المعدلات في المنطقة.

وكما يقول الخبراء الإستراتيجيين التابعين للحكومة، فإنه على الرغم من كل هذا، إلا أن هذه الزيادة السكانية ليست وحدها المسؤولة عن استنفاد إمدادات الأردن من الماء.

(على الرغم من إصرارهم أن اللاجئين السوريين، الذين جاءوا من أرض أقل جفافاً، ليس لديهم تفهم كاف لممارسات الحفاظ على المياه).

لكن بسبب النمو الكبير الذي حصل على شكل تدفقات مفاجئة، لم تكن السلطات قادرة على التخطيط بشكل صحيح من سنة إلى الأخرى.

وهكذا ومع استمرار تجاوز سكان الأردن لكل التوقعات، فقد تخطوا توقعات العام 2035 البالغة 9 ملايين، وذلك في أوائل 2015، وقد لجأ المسؤولون المذهولون إلى غزو جميع مصادر المياه التي تظهر أمامهم- وكان لهذه الغزوات آثار مدمرة.

تقول ميسون زعبي، رئيس المجلس الأعلى للسكان، وأمين عام سابق لوزارة المياه والري، إستُنزٍفَ إلى الآن “عشرة من آبار المياه الجوفية الاثني عشر في البلاد”.

ويقوم مهندسو المياه في بعض الأماكن بالتنقيب على عمق ميل؛ بحثاً عن اكتشافات جديدة.

ويقول الخبراء إن السلطات لا تملك الخيار.

وبحسب رائد نمري، خبير المياه في ميرسي كوربس ونائب رئيس ابتكارات وتقنيات المياه، وهو برنامج الحفاظ على المياه المموَّل من الولايات المتحدة: “إن نوعية الماء آخذة في الانخفاض، وكمية الماء آخذة في الانخفاض، لكن يجب عليك توفير الماء للناس”. وأضاف: “إنها قضية أمن قومي”.

ويتمتع الأردنيون بنحو 3% من استهلاك الأمريكيين، حيث تبلغ حصة الفرد من المياه 90 متراً مكعباً في السنة، وهي إحدى أدنى حصص الفرد من المياه في العالم. ولكن الدولة ليست بعيدة عن اللوم فيما يتعلق بالمحنة المائية التي تعاني منها.

فربما تُفقد نصف المياه المستخرجة بسبب رداءة وضع الأنابيب التي تسمح بتسرب المياه.

وتقوم طائرات الرش في أماكن جافة أخرى في عمّان بريّ الخرسانة وهذا بمثابة التدمير الذاتي.

وبسبب الثقوب في شبكة التوزيع، يضطر مشغلو محطة المياه إلى ضخ المياه بقوة للحفاظ على الضغط داخل الأنابيب، وبهذا يتم تبديد الكثير من الماء أثناء النقل.

وفي الواقع يذهب حوالي 20% من الكهرباء المنتجة في الأردن إلى ضخ وتوزيع المياه في أنحاء البلاد، وفقاً لوزارة المياه والري.

وعلى الرغم من هذا الإنفاق الضخم، غالباً ما يكون التدفق ضعيفاً عند وصوله إلى السكان الذين يحصل العديد منهم على المياه التي توفرها الحكومة فقط كل بضعة أسابيع، ولا يملكون الوقت الكافي لملء خزانات الأسطح التي يستخدمونها للتغلب على المصاعب التي يواجهونها حتى التسليم التالي للماء.

يقول سمير كوخ، وهو موظف مدني متقاعد، يعيش في حي بيادر في العاصمة: “تحصل الشوارع على المياه التي نحتاجها!”

وتتسبب السرقة أيضاً في خسائر فادحة.

وقد استغلت مجموعات ثرية ومقترنة بالعائلات الكبيرة وزعماء القبائل مصادر المياه في الأردن لعقود. وإدراكاً منها لاعتماد النظام الملكي على دعمها السياسي، فقد استباحوا لأنفسهم الحصول على سيول الماء الحر دون الخوف من أي عواقب.

يقول الزعبي: “هناك تدخل سياسي لأن بعض الأسر الكبيرة لديها مزارعها”.

ويُفقَد 30 مليون متر مكعب على الأقل في الآبار غير القانونية كل عام، وفقاً لوزارة المياه والري، على الرغم من اشتباه خبراء مستقلين في أن الرقم قد يكون أعلى من ذلك بكثير.

وفي الوقت الذي أشعل فيه النقص الشديد في الماء فتيل الصراع بين اللاجئين السوريين والمواطنين الأردنيين، خاصةً حول الرمثا في الشمال، كان أصحاب الأراضي ذوو السلطة يسرفون في شرب المياه الجوفية. يقول محمد عطية، وهو مزارع في وادي الأردن الجنوبي: “في بلد قد ينفد منه الماء، هناك قانون للضعفاء والفقراء فقط”.

تقع مزرعة عطية التي من المفترض أن تكون مزهرة في الوادي، مع تربتها الخصبة الشهيرة على بعد بضع مئات من الأمتار تحت مستوى سطح البحر.

لكن مع إمدادات المياه التي تبلغ ملوحتها خُمس ملوحة مياه البحر، لا يمكنه زراعة أي شيء غير أشجار النخيل سقيمة الشكل. يقوم هو وجاره، سليل إحدى العائلات الرائدة في المنطقة، بتجميع ما يتبقى من المياه العذبة لريّ أشجار الموز الخاصة به، ويساور عطية القلق فقد لا يكون باستطاعته قريباً زراعة أي شيء على الإطلاق.

ويواجه البعض الآخر وضعاً أكثر صعوبة إلى حد بعيد؛ فقد استهلكت المجاري (حفر التصريف) بالفعل بعض الحقول على بعد عدة أميال إلى الجنوب بمحاذاة البحر الميت، وذلك بالإضافة إلى عدم وصول مياه نهر الأردن الآن إلى البحيرة، وهي أكثر الأماكن انخفاضاً على سطح الأرض.

وتنخفض مستويات السطح حوالي متر سنوياً، آخذةً معها كل شيء من الطرق وحتى محاصيل الأرز. ويعتمد المشغلون الآن في بعض المنتجعات على الجانب الإسرائيلي من البحر الميت على العربات المقطورة التي تجرها الجرارات لنقل الضيوف أكثر من نصف ميل إلى الشاطئ.

الملك عبدالله ملك الأردن

وقد يزداد نقص المياه الأردني سوءاً بشكل كبير قريباً؛ بسبب التغير المناخي.

ومن المتوقع أن تنخفض نسبة الأمطار التي تسقط في البلاد بنسبة 30% بحلول نهاية القرن، ووفقاً لمشروع المياه الأردنية بجامعة ستانفورد، ستجفّ التربة وتقلّ المحاصيل.

وبما أن الإمداد وصل إلى أدنى مستوياته والطلب يزداد- خاصةً في الزراعة؛ حيث تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى مزيد من التبخر ومن المحاصيل العطشى- فحتى العائلة المالكة تُعد نفسها للمشاكل.

يقول الأمير حسن بن طلال، عم الملك والرئيس السابق للمجلس الاستشاري للأمين العام للأمم المتحدة: “على الرغم من أن مساهمة الأردن كانت قليلة في التأثير الوشيك للتغير المناخي، إلا أنه من المتوقع أن يعاني على مستوى أكبر بكثير من الدول الأخرى”. وحتى مع مستويات هطول الأمطار الحالية، فلم يتمكن الأردن من ملء أكثر من 60% من شبكة الخزانات والسدود لديه.

ولطالما كانت هناك تداعيات مستمرة للطبيعة الجغرافية الصعبة لأرض المملكة.

كان الأردن دائماً تحت رحمة سياسات الماء الخاصة بجيرانه؛ إذ يقع الأردن عند مصب سوريا وإسرائيل، وتوجد أكبر آبار المياه الجوفية الخاصة على الحدود السعودية والسورية.

ومنذ خمسينات القرن العشرين، خفّض بناء السدود والتوسع الزراعي في سوريا حجم نهر اليرموك الرئيسي، الذي يشكل رافداً رئيسيّاً لنهر الأردن، بنسبة 60% على الأقل، ونادراً ما كان سد وهدة، أكبر سدّ أردني على نهر اليرموك، ممتلئاً حتى ربعه.

يقول باحثون في ستانفورد إن السلطات في عمّان لم ترَ شيئاً من هذا بعد.

ويمكن أن يؤدي الجفاف في جميع أنحاء المنطقة والنمو السكاني في مراحله الأولى إلى تقليص حصة الأردن من اليرموك إلى 75% بحلول العام 2050.

في حين أنه من المحتمل أيضاً أن يقل الوصول إلى المياه الجوفية، مع أمطار أقل، ومياه نهر أقل، وعدد سكان أكثر، ومياه جوفية متعثرة بالفعل، ذلك أن الأرقام لم تعد تعبر عن شيء.

يقول صبحي العبادي، أحد سائقي سيارات خزانات المياه الذين يقدر عددهم بـ30 ألفاً، والذين يخدمون المنازل والمنشآت غير المتصلة في منطقة العاصمة: “نحن نصلي إلى الله للمساعدة؛ لأن لا شيء [آخر] سوف يساعدنا هنا”.

كل صباح، بدءاً من الرابعة صباحاً ينتظر العبادي مع العشرات من سائقي الشاحنات لخمس ساعات لملء خزّاناتهم في الشارات، وهي بئر جنوبي عمّان مباشرةً.

وينتشرون من هناك في جميع أنحاء المدينة، منتظرين أن ترن هواتفهم.

لم تمتلك الأردن أبداً الكثير من الماء… ومع تزايد تدفق اللاجئين والنمو المضطرد في عدد السكان المحليين، فإن السلطات غير قادرة على التخطيط بشكل صحيح من سنة لأخرى.

تمتلك معظم الأحياء خمس أو ست محطات انتظار، حيث يمكن للسائقين إيقاف سياراتهم ويغفون بداخلها.

يقول العبادي وزملاؤه إن تحديات العمل تزداد كل عام.

فقد ارتفعت أسعار البنزين فارتفعت التكاليف، في نفس الوقت الذي تقوم فيه “العائلات الكبيرة” بضرب السوق اعتماداً على آبارهم الخاصة.

ويبدو أن الصيف قائظ الحرارة، مما يزيد الطلب الذي يمكنهم من الوصول لنقطة التعادل أي الأرباح تساوي التكاليف.

يقول العبادي: “اعتقدنا أن هذا عمل آمن؛ لأنه إذا نفدت المياه عند أحدهم فسوف يفعل كل شيء لشراء المزيد. لم نعد متأكدين من هذا بعد الآن”.

ويمتلك الأردن، مع ذلك، بعض الخيارات الأرضية؛ وتأخذ الحكومة الأمور بجدية أكثر فيما يتعلق بمعالجة أسباب أزمتها- من إطلاق حملات تنظيم الأسرة إلى رفع أسعار الماء والسيطرة على الخزانات الخاصة بالعائلات الكبيرة.

يقول سامر تالوزي، الأستاذ في الجامعة الأردنية للعلوم والتكنولوجيا وعضو في مشروع مياه ستانفورد: “سيظل هناك أشخاص فوق القانون، لكن هناك حملة لتقليل عددهم وأملاً في تقليل تأثيرهم”.

وارتفعت أسعار المياه السكنية بالفعل ثلاثة أضعاف على مدى السنوات القليلة الماضية، من حوالي 8 دولارات إلى 25 دولاراً للربع الواحد، على الرغم من أن البنك الدولي يقول إن أسعار المياه ما تزال منخفضة.

كما أن منظمات الإغاثة والتنمية، مثل ميرسي كوربس، قد استخدمت الأئمة للتشجيع على الحفاظ على المياه في خطب الجمعة.

وهناك بعض الإشارات إلى أن الدولة تدرك أخيراً ضرورة إصلاح قطاعها الزراعي.

وبالفعل، حوالي ربع المزارع تعمل بمياه الصرف الصحي المعالجة، وهناك خطط لمضاعفة هذا الرقم.

وأيضاً هناك الابتعاد عن زراعة المحاصيل التقليدية والاتجاه نحو الزراعة المائية وغيرها من التقنيات الزراعية الموفرة للماء.

كما يعتقد الخبراء أن ما يجب أن تفعله المملكة في النهاية، سيكون معقداً من الناحية السياسية، لكن الأردن لديه نظام إداري تسلسلي يؤهله للقيام بذلك. يقول صُباح ، مسؤول المياه والري: “إذا كان الملك يدعم أمراً، فهذا يعني أن مجلس الوزراء يدعم أمراً”.

وفي جزء صخري تعصف به رياح الصحراء الأردنية، يقدم مشروع غابة الصحراء الكبرى، وهو مشروع نرويجي، نموذجاً يحتذى به لكيفية احتفاظ الأردن ببعض الإنتاج الغذائي على الرغم من نقص المياه.

ويتضمن هذا المشروع، وهو النموذج الأول من نوعه في العالم، نقل الماء في أنابيب من البحر الأحمر القريب، وتحليتها باستخدام تكنولوجيا الطاقة الشمسية، ثم إعادة تدويره بين الصُوَب الزراعية.

ومع عدم وجود مياه سطحية سواء أمطار أو أرضية، فهم يفكرون في زراعة 130 طناً من الخضروات في السنة كبداية.

هذه الإصلاحات ضرورية، لكن على المدى الطويل، لن يكون هناك ما يكفي لتعويض العجز في المياه في الأردن، خاصةً إذا، كما هي التجربة التي تمر بها البلاد، لم يعد اللاجئون السوريون إلى وطنهم.

وتبلغ ميزانية الأردن الحالية للمياه أقل من مليار متر مكعب، ولكن بحلول العام 2025، من المتوقع أن تصل إلى 1.4 مليار على الأقل.

ويبدو أن تحلية المياه على نطاق واسع ستتيح للمملكة فرصة لتلبية احتياجاتها.

يقول نيمري من مؤسسة مرسي كوربس: “في مرحلة ما، يجب أن يحدث ذلك. إذا كنت تريد الوصول إلى مرحلة لا ينفد فيها الماء، فيجب أن يحدث ذلك”.

ويبدو أن واحدة من أكثر المخططات طموحاً، والمعروفة باسم “مشروع من الأحمر إلى الميت”، تتضمن أيضاً أخذ الماء من البحر الأحمر وتحليتها وإلقاء المياه المالحة في البحر الميت لإبطاء اختفائها.

لكن لتنجح هذه الخطط الكبيرة، سوف يحتاج الأردن، وهو بالفعل أحد المستفيدين الكبار من المساعدات الأمريكية، إلى مساعدات خارجية أكبر بكثير.

لقد أنفقت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أكثر من 800 مليون دولار على مشاريع المياه في الأردن منذ العام 2000.

والحكومة في عمّان تقريباً مفلسة، بينما مخطط البلاد- مع ساحل قصير ينحدر بعيداً جداً عن المراكز المأهولة بالسكان- غير مناسب بشكل استثنائي مع حلول تحلية المياه الفعالة من حيث التكلفة. يقول الأمير حسن: “إن الاستثمار الضخم اللازم القيام به… يتجاوز موارد الأردن إلى حد بعيد”.

وأضاف: “إن مساعدة المجتمع الدولي ضرورية للتغلب على مشاكل المياه”.

يتمتع الأردنيون بنحو 3% من استهلاك الأمريكيين، حيث تبلغ حصة الفرد من المياه 90 متراً مكعباً في السنة، وهي إحدى أدنى حصص الفرد من المياه في العالم.

ومع ذلك فهناك عدد قليل يراهن على المملكة. فقد أظهرت في الماضي مقدرة طبيعية ملحوظة على البقاء، وظلّت ثابتة في حين تراجع جيرانها.

حتى عندما واجهت أعظم تحدياتها، فهناك سبب للاعتقاد بأنها تستطيع القيام بذلك مرة أخرى.

يقول القيسي، وهو الميكانيكي المحروم من الماء: “نحن بلد اللاجئين”، ويظهر القيسي عربة تسوق معدلة يخطط هو وجيرانه لاستخدامها في نقل خزانات المياه الكبيرة الخاصة بهم إلى التلة التي يعيشون عليها. ويضيف “واللاجئون هم من الناجين”.

Facebook Comments

Post a comment