قرار ترمب بشأن القدس يصب في مصلحة العرب -رأي

بقلم: إكرام إبراهيم*

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

يجب ألّا  يدع العرب التصويت الأممي —الذي أدان بأغلبية ١٢٨ صوتاً قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل- أن يضللهم. فعلى الرغم من أن تصويت الغالبية كان ضد القرار، إلّا أن الأمر بعيدٌ كل البُعد عن عكس نتائجه. لقد ولّى زمن لوم الآخرين، وقام العرب، حتى هذه اللحظة، بمُطابقة الوصف الكلاسيكي عنهم بأنهم عاطفيين؛ فهم قاموا بإعلان دعمهم غير المحدود لفلسطين، لكن من دون اتخاذ أي إجراء بنَّاء. على العرب إستخدام قرار ترمب ليكون بمثابة نداءَ إنذارٍ وفرصةً للإستيقاظ ومواجهة حقيقة ضعفهم. عليهم أن يعلموا أن السفينة لا تُبحِر إلّا بحلفاء أقوياء. وعليهم أن يعترفوا أن وقت إنتظار المُخَلِّص قد ولّى وعليهم أن يكونوا هم من يعمل لتخليص أنفسهم.

في الأسبوع الماضي اجتمعت أكثر من 50 دولة إسلامية في إسطنبول بهدف إدانة قرار الرئيس ترمب. وجاءت هذه القمة بعد اجتماع عاجل لجامعة الدول العربية من أجل الغرض نفسه، وقد خَلُصَ الاجتماعان إلى إصدار مذكرة مماثلة، دون اتخاذ أي إجراء؛ وفي الوقت نفسه اكتظت فيه شوارع المدن الإسلامية والعربية الرئيسية مثل جاكرتا ولاهور والقاهرة وعمان وبيروت واسطنبول والقدس بالمتظاهرين واللافتات التي ترفض هذا الواقع القسري.

ولكن هذا الغضب سوف يمر، وعندما يحدث ذلك سيتحتم على القادة العرب مواجهة بعض الحقائق الصعبة حول التحديات المحلية والإقليمية الخاصة بكلٍ منهم؛ من النتائج العكسية لثورات الربيع العربي والحرب الأهلية القائمة في سوريا إلى التطرف العنيف الذي غالباً ما ينفجر في المجتمع بشكلٍ عام، وهكذا فإن القادة العرب ليس لديهم نقص في المشاكل التي لا علاقة لها بالقدس، أو حتى الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. ولطالما استُخْدِمَت القدسُ كصرخة حشد واستنفار على مر الأجيال. لكن يبدو أن غرضها السياسي كان عذراً للتقاعس. والآن بعد أن سلب ترامب هذا العذر على ما يبدو، يجب على كل دولة عربية أن تقف قوية بمفردها، قبل أن تكون قوية معاً.

المجتمع الدولي رفض إعلان ترمب. في الصورة فلسطينيون يقومون بإغلاق فم الرئيس ترمب في لوحة رُسِمت له بالماضي على جدار الفصل الذي أقامته إسرائيل.

بالنسبة للإسرائيليين لم يكن إعلان ترمب مفاجأة، ولكنه حمل معه الخوف من اندلاع العنف. إن معظم الإسرائيليين يعتبرون القدس (الغربية والشرقية) عاصمة لهم منذ استيلائهم على القدس الشرقية في حرب الأيام الستة عام 1967. ومن ناحيةٍ أخرى يعتبر الفلسطينيون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية في المستقبل. ووفقاً للأمم المتحدة فإن القدس خاضعة لرقابة دولية حتى يتم إجراء مفاوضات سلام. ويمثل قرار ترامب أول اعتراف دولي بالتحرك الإسرائيلي.

وفي حين أن الأثار المترتبة على هذا الاعتراف الدولي لا تزال غير واضحة، فإن الأمر الحيوي الآن هو أنه يوجد أكثر من 300 ألف فلسطيني يعيشون في القدس الشرقية يشعرون بعدم الأمان والهزيمة وعلى وشك النزوح. لقد أصبح مصير المفاوضات الدبلوماسية حول حل الدولتين غير معروف. وفي الوقت نفسه لم تتعهد أي دولة بأن تحذو حذو ترمب. وأعلن الاتحاد الأوروبي أنه لن يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل. كما وعد رئيس تركيا رجب طيب أردوغان بفتح سفارة في القدس الشرقية. وقد أعدت مصر مشروع قرار للأمم المتحدة يسلط الضوء على “القدس كَكِيان عربي”.

وينتقد بعض المواطنين العرب في بلدان مختلفة قادتهم للاحتفاظ بعلاقاتهم الدبلوماسية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وهم يتهمون قادتهم بالانحياز تجاه إدارة ترمب وتفضيل مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل على مصالح دولهم. بل على العكس من ذلك، يمكن أن يستيقظ هؤلاء القادة على حقيقة أن دولهم ضعيفة وممزقة. لقد قرروا إيلاء الأولوية للنمو المحلي على القومية العربية.

الوحدة هي قوة فعالة لا هوادة فيها. وإذا توحد العرب؛ فيمكنهم إحداث تغيير حقيقي وحاسم في فلسطين. ومع ذلك لم يسبق أن كانت الدول العربية أكثر انقساماً من ذلك. فالمملكة العربية السعودية منشغلة بالقتال في اليمن. ودول الخليج ومصر تقفان ضد تهديد قطر وإيران.

تستجمع مصر قواها عقب مرورها بثورة شعبية وفترة حكم عسكري. بينما تحاول كلاً من ليبيا والعراق شق طريقيهما وسط دوامة الإرهاب الداخلي والانقسامات القبلية. وتشتعل في سوريا آتون الحرب الأهلية.

ومع ذلك فلا يوجد خيار أمام الدول العربية سوى مواجهة واقعها والتركيز على بناء دولها بشكل فردي قبل أن تُظهِر الغضب. يجب على الشعوب جنباً إلى جنب مع قادتهم أن يكونوا واضحين مع أنفسهم بشأن مقدار الجهد المستعدين لبذله لاستعادة القدس. إن المجتمع الدولي يخشى من غضب العرب، ويحترز لما يمكن أن يقدموا عليه من أعمال عنف، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه قلق بشأن تكتيكاتهم. يجب أن يتغير هذا الوضع، ولكنه لن يتغير إلا بتغيير السلوك، من حيث استغلال طاقة الغضب إلى بناء الأمم.

ومن ناحيةٍ أخرى فإن غياب العمل الجماعي قد يُفسَّر على أنه قبول بالأمر، كما أن من شأنه أن يفتح الباب لمزيدٍ من “الهزائم”. وكما قال وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري خلال الاجتماع الطارئ للجامعة العربية “إذا لم نفعل شيئاً حول قرار ترمب، فسيكون هناك الكثير والكثير من المآسي”. إن هذه ليست دعوة للسلبية أو التقاعس، بل هي دعوة للتكهن بما بعد العاصفة وما وراء الغضب، إنها دعوة لاختيار كل خطوة بعناية، بحيث تكون خطوة تأخذنا باتجاه هدفنا، وليس بعيداً عنه.

لقد تعلمت التركيز على الجزء الممتلئ من الكوب. وفي هذا الموقف الذي نحن بصدده؛ وهو اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل، فإن الجزء الخفيف الممتلئ من الكوب يتمثل في مواجهة الواقع، وفي الاعتراف بأن السفينة تبحر فقط في وجود حلفاء أقوياء. وفي قبولنا لحقيقة “أن الأشخاص الذين ننتظرهم ليخلصونا هم أنفسنا” كما تقول المؤلفة أليس ووكر. لقد مضى زمن انتظار المخلّص، إن هذا الجيل يجب أن يكون هو مخلّص نفسه. وعلى أيدينا أن تكون أكثر قوةً قبل أن تعلو أصواتنا.

*   إكرام إبراهيم، صحفية وعضو زمالة في برنامج إدوارد إس ماسون، كلية كينيدي – جامعة هارفرد.

Facebook Comments

Post a comment