د. أنور قرقاش: قطر تعيش في حالة نكران

ليلى حاطوم

نيوزويك الشرق الأوسط

قد تجد قطر نفسها وحيدةً وضعيفةً في مواجهة التهديدات والتحديات الإقليمية والدولية، محرومةً من حماية نظرائها الخليجيين، في حال استمرت في سياساتها الحالية، التي قالت الولايات المتحدة عنها إنها قد ضاقت ذرعاً بها، بحسب مسؤول خليجي رفيع المستوى.

ففي مقابلة مع “نيوزويك الشرق الأوسط”، حذّر وزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات، د. أنور قرقاش الدوحة من مغبّة استمرار دعمها لما أسماه بـ “الجماعات والأفراد الإرهابيين” و”المتطرفين”  في درب لن يؤدي إلا لمزيد من الضرر لسمعة قطر ومركزها.

“إذا لم ترد أن تكون جزءاً من الشراكة والتوافق الذي نتمتع به (كتلة دول مجلس التعاون الخليجي)، فلديك الخيار أن تكون وحيداً في الخليج، جزيرة لوحدك، ولتواجه تداعيات سياساتك بنفسك”، يقول قرقاش.

وكانت ثلاث دولٍ خليجيةٍ هي البحرين والسعودية والإمارات —التي تُشَكِّل حدود قطر البرية من الشمال والغرب والجنوب— قد فرضت عقوبات على الدوحة يوم الإثنين ٥ يونيو/حزيران ٢٠١٧. كما وتم منع المواطنين القطريين من دخول تلك الدول أو المرور بها أو العيش فيها، وبالتالي تم فرض حظر جويّ وبرّي وبحري على قطر، مما ترك لها منفذاً وحيداً: إيران.

وتقول الإمارات والدول الأخرى التي فرضت الحظر على قطر إنها كانت مُجبرة على اتخاذ مثل هذه الإجراءات كوسيلة أخيرة لحثّ قطر على تغيير السبيل الذي اتخذته، فَهُم يتهمون قطر بإيواء إرهابيين مطلوبين ومتطرفين وأفراداً ومجموعاتٍ مشبوهين.

حتى الولايات المتحدة، التي تملك قاعدة عسكرية مهمة في قطر، لم تتوانَ عن انتقاد قطر، حيث قام الرئيس الأميركي دونالد ترمب باللجوء لفضاء التويتر ليقول إن كل الأدلة في دعم الإرهاب والتطرف تُشير لقطر.

”خلال زيارتي الأخيرة للشرق الأوسط، قلت بإنه لا يمكن أن يكون هناك بعد اليوم تمويلاً للفكر المتطرف. القادة أشاروا إلى قطر وقالوا: أُنظر!“ كتب ترمب في حسابه الخاص @realDonaldTrump مُضيفاً أن ”هذه بداية النهاية لرعب الإرهاب!“

“.علاقات متوترة: هاجم الرئيس الأميركي دونالد ترمب مؤخراً، وبعنف دولة قطر ودعاها بدولة “ممولة للإرهاب.

وفي خطاب يوم الجمعة ٩ يونيو/حزيران، شديدة اللهجة لقطر، قال ترمب إن قطر تدعم الإرهاب “على أعلى مستوى” مطالباً إياها بالتوقف فوراً.

“إن دولة قطر تاريخياً كانت، للأسف، ممولة للإرهاب على أعلى مستوى… ولهذا فعلينا مسؤولية اتخاذ قرار: هل نأخذ الطريق السهل، أم نتخذ أخيراً الإجراء الضروري والصعب؟ يجب أن نوقف تمويل الإرهاب. لقد قررت أنا ووزير الخارجية ريكس تيليرسون وجنرالاتنا والقادة العسكريين، أنه قد حان الوقت للطلب من قطر بوقف تمويلها هذا —يجب أن يوقفوا تمويل (الإرهاب)— وتمويل الفكر المتطرف… علينا حل هذه المشكلة. لا خيار لدينا”، بحسب ترمب.

وترمب، الذي كرر مِراراً إنّه يُريد أن يُخفًِض من عديد الجيش الأميركي في الخارج، قد يُحقق هذا الأمر بِدءاً من قطر. فبالرغم من كل شيء، فهو الشخص الذي انسحب من اتفاقية دولية شهيرة في وقت ظن الناس أنه لن يفعل ذلك. وعليه، وفي حال سحبه للقوات الأميركية من قطر، فإن ذلك يترك الدوحة بلا غطاءٍ عسكريٍ مناسب.

ويعتبر الوزير قرقاش أن تغريدات ترمب عن قطر “صريحة جداً وإستثنائية”، مضيفاً أن ما يقوله ترمب في العلن “يتم قوله خلف الأبواب المغلقة من قِبل العديد من السياسيين الأوروبيين والأميركيين والعرب”.

ولهذا فإن قرقاش يعتقد أنه من الضروري أن “يتم التطرق لقضية تمويل ودعم الإرهاب والتطرف في العلن”، وليس في الخفاء.

وفي خضم كل هذا هرعت طهران لنجدة الدوحة، التي تُشكِّل علاقتها الودية بقطر شوكة أخرى، على دول مجلس التعاون الخليجي معالجتها، وفتحت لها مجاليها الجوي والبحري. كما ووعدت إيران نظيرتها الصغيرة عبر مياه الخليج بشحن المواد الغذائية والمساعدات متى تريد. وقد قامت تركيا بقطع الوعد نفسه لقطر.

ويعتقد البعض أن من شأن هذه الإجراءات التي اتخذتها دول الخليج الثلاث بحق قطر أن تدفع بالدوحة نحو أحضان إيران، إلا أن قرقاش يؤمن بأن هذه الإجراءات هي “ضرورية”.

“تعرفين أن هذا الخوف موجود”، يقول قرقاش، في إشارة إلى المخاوف من أن تستغل طهران الوضع لصالحها، ولكنه يعود ليشرح أن دول الخليج لن تقف صامتة إزاء التعامل مع قطر “وازدواجيتها في التصرف ودعمها للتطرف والإرهاب”، فقط لأن “هناك مخاوف من الظروف المحيطة”.

ولربما هذه المخاوف كانت السبب في صبر المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة  والبحرين كل هذا الوقت قبل ان تقوم بتصعيد الأمور “لأن المسألة معقدة”.

وسط كل هذه التطورات، قام عدّة مسؤولين إيرانيين باستعمال حساباتهم على وسائل التواصل الإجتماعي ومنها تويتر وغيرها من الوسائل الإعلامية التقليدية لكي ينتقدوا قرار مقاطعة قطر. ووصل الأمر ببعضهم لتوجيه دعوة للدول الخليجية لكي تحل خلافاتها عبر الحوار.

“إن الجيرة هو أمر دائم لأنه لا يمكن تغيير الجغرافيا. وسائل الضغط لم تكن يوماً الحل. الحوار أمر ضروري، خاصة خلال شهر رمضان المبارك”، بتلك الكلمات عبر حسابه الخاص @JZarif على تويتر توجه وزير خارجية إيران جواد ظريف للدول الخليجية.

لدى دول مجلس التعاون الخليجي تخوّف من استغلال إيران للتوتر في علاقتهم مع قطر من أجل تحقيق مآربها الخاصة. إلا أن هذا التخوف، بحسب الوزير الإماراتي أنور قرقاش لن يمنع الخليجيين من اتخاذ اجراءات ردعية. في الصورة، الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي فاز بولاية ثانية في مايو، ٢٠١٧. -رويترز

“لا أعتقد أننا بحاجة للنصحية من إيران. هذا أولاً. أعتقد أن إيران ستحاول استغلال الوضع، ومثلما ذكرت سابقاً فإنه ليس من مصلحة قطر التصعيد في هذا الإتجاه”، يقول قرقاش، المعروف بانتقاده الدائم لمحاولات إيران للتدخل في الشؤون الداخلية لجيرانها.

بالنسبة له، فإن “إيران تراقب المشهد عن كثب لترى إذا ما كان باستطاعتها أن تحقق أفضلية استراتيجية من خلال كل هذه الأحداث”.

لكن عندما يتعلق الأمر بقطر، فإن قرقاش يُسارع ليشير إلى أنها شريك وأن “موقعها الطبيعي هو داخل بوتقة دول مجلس التعاون الخليجي”.

“قطر، مثل كل دول مجلس التعاون الخليجي، لديها مصالح مع إيران وهذا أمر مقبول. لكن هذه المصالح في وقت تقاطب في المنطقة، فيجب علينا أن نُرسِل رسالة موحدة وواضحة، وليس رسالة تَفَرُّق، وأعتقد أن هذا الأمر في غاية الأهمية”، يشرح الوزير بجدية.

ومن هذا المنطلق، يقول قرقاش إنه ليس من العدل أن تقوم العديد من الجهات والأشخاص باتهام الإمارات العربية المتحدة وحلفائها بالإستئسادعلى قطر، فيما هم لم يقوموا بفرض عقوبات على إيران.

“أستطيع القول إن هذه المقارنة هي مقارنة غير عادلة. هناك فارقٌ كبير. وأعني بذلك أن قطر هي عضو في مجلس التعاون الخليجي. هذه ليست دولة لا تنتمي للمجموعة وتنتهج سياسات لا نقبلها بالمطلق”، يقول قرقاش غامزاً من قناة إيران.

بالنسبة له، بينما إيران هي الطرف الغريب عن المجموعة، فإن قطر بالمقابل هي دولة عضو في المجموعة “جلست معهم دوماً إلى نفس الطاولة على مدى السنوات الماضية وناقشت معهم قضايا وجوانب أمنية ودفاعية”، لكنها احتفظت بأسلوب الإزدواجية بالنسبة لكيفية تعامها مع مواضيع تتعلق بـ “التطرف والإرهاب”.

وشدد الوزير أيضاً على أن الإجراءات التي تم تطبيقها حتى الآن، لا تستهدف “أذية القطريين”، بل تم استعمالها “لإرسال رسالة واضحة وهي القول ان هناك مشكلة والقول بأن ندع الحكمة والروية تسيطران على الوضع”.

مكاتب الخطوط القطرية في البحرين، حيث قامت السلطات البحرينية والاماراتية والسعودية والمصرية بحظر موقع الشركة. والشركة تعمل على إيجاد حلول للمسافرين ممن قطعوا تذاكرهم قبل قرار الحظرالخليجي على قطر وشركاتها. -رويترز

ومع تحقق الحظر على قطر، وباستثناء طيران الدول الخليجية الثلاث بالإضافة لمصر، فإنه بات يتوجب على الخطوط الجوية العالمية تحويل مسار رحلاتها عبر الأجواء الإيرانية القريبة، وسلطنة عمان والكويت والعراق وبقية الدول التي لم تُشارك في الحظر على قطر.

وبالتالي، فقد أصبحت مسارات الرحلات أطول، ومن المتوقع أن يرتفع مستوى التضخم إذا ما استمر الحال على ما هو عليه  في قطر، حيث أن الدوحة تعتمد بشدة على الاستيراد بدلاً من الإنتاج الداخلي.

وقد قامت الشركات داخل قطر، خاصة شركات الأغذية والمستوردين بنشر إعلانات وطلبات عبر الشبكة العنكبوتية طالبةً موردين جدد، حيث قامت مسؤولة إحدى مجمعات التسوق في الدوحة بالطلب عبر صفحة الفايسبوك الخاص بها من منتجي مشتقات الألبان والأجبان والحليب في لبنان بالتقدم بعروض توريد لقطر.

في المقابل، فإن موقع الخطوط الجوية القطرية ومركزها الدوحة، والتي تعاني بسبب الحظر الجوي من إلغاء وتأجيل وتحويل لمسار الرحلات، على الإنترنت قد تم حظره في الإمارات، مما شكّل استحالة على أصحاب الحجوزات المسبقة بتعديل او إلغاء حجوزاتهم خاصّة بعدما تم اجبار تلك الخطوط على تحويل مسارها.

الأزمة الحالية

إن العلاقة بين دول مجلس التعاون الخليجي الثلاث وقطر كانت متوترة في السابق، لكن هذه العلاقة أصبحت أسوأ بين تلك الدول والدوحة بعدما فشلت هذه الأخيرة بتحقيق أي من التزاماتها التي وافقت عليها في اتفاقية العام ٢٠١٤ مع بقية دول مجلس التعاون.

هذه الواجبات تتضمن كبح الذراع الإعلامي للدوحة، أي قناة الجزيرة من التعرض للدول الخليجية ومصر، وقطع الدعم عن المتطرفين، والأشخاص المشبوهين، والجماعات الإرهابية، بمن فيهم أشخاص منتمين لتنظيم الإخوان المسلمين ومنظمات مرتبطة بالقاعدة وحماس وحركة الشباب في الصومال وغيرهم.

وعليه، فإن الأزمة، بحسب د، قرقاش، “هي وليدة التراكمات وليست بالمرة أمراً وقراراً فُجائياً… إن دعم قطر للتطرف والإرهاب لَهُوَ على نطاقٍ واسعٍ… وقد استلزم الأمر وقتاً طويلاً ويمكنني القول إن صبر السعودية كان مثيراً للإعجاب. فالسعوديون كانوا صبورين جداً في هذا الأمر، لكن الأمور بلغت حدّها ونواجه أزمة جدّية كل الجد”.

لم تحترم قطر أي من التزاماتها التي وافقت على تنفيذها في اتفاقية العام ٢٠١٤، ويتوجب عليها بالتالي تحقيق هذه الالتزامات قبل أن توافق الدول الخليجية الثلاث على إعادة وصل ما انقطع من علاقات مع الدوحة بحسب الوزير قرقاش. -رويترز

“لقد وصلنا لاتفاقية عام ٢٠١٤ بعد مسيرة طويلة من النقاش حول ما يتوجب على قطر فعله بالنسبة لموضوع التطرف المتعلق بالإخوان المسلمين والعديد من الافراد القاطنين في الدوحة المحرضين على اللااستقرار في المنطقة… لكن منذ العام ٢٠١٤ لم يتغير شيء وتطورت الأمور للأسوأ. لقد رأينا مؤشرات على أن قطر تدعم الجماعات المرتبطة بالقاعدة في سوريا وليبيا ومالي. لهذا، استطيع القول إن الوضع أصبح أسوأ”، يردد قرقاش.

وبالنسبة للدول التي قاطعت قطر فهي تعرف “ان الوضع دقيق وصعب”، لكن في الوقت عينه لا يمكن لهذه الدول العودة للوراء الى ما كان الوضع عليه سابقاً. “لا يمكننا فعل ذلك”، بحسب تأكيد الوزير الإماراتي، الذي حافظ على هدوئه.

ويضيف قرقاش أن دول الخليج كانت قد علّقت “آمالاً كبيرة” على أمير قطر الشاب، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عند تسلمه الحكم منذ بضعة سنوات، وأنه “سيُحدث تغييراً في مسار الأمور”.

“للأسف” يقول قرقاش، “لم نرَ أي مؤشر على هذا التغيير من ثلاث أو أربع سنوات لليوم”.

أدلّة ملموسة

وكشف قرقاش لـ “نيوزويك الشرق الأوسط” بعضاً من الأدلّة التي بحوزة دول مجلس التعاون الخليجي، والتي تتضمن أسماء “أفراداً عدّة” ممّا اسماهم قرقاش بأفراد مُدرجين على لوائح العقوبات في الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة.

أولئك الأفراد، بحسب الوزير، “متواجدون حالياً في قطر، يجوبون الشوارع بحرية، ويتنقلون بطبيعية ويجمعون التمويل (للأعمال الإرهابية ودعم التطرف)”.

واللائحة التي كشفها قرقاش لنا، والتي أوقعت الدول الخليجية الثلاث بالإضافة لمصر عقوبات على المدرجين فيها تتضمن الأسماء الآتية: “خليفة محمد تركي السبيعي، الذي يؤيد ويروّج للشهير خالد شيخ محمد. وهو يقوم بجمع الأموال لمختلف التنظيمات الشبيهة بالقاعدة… وهو مدرج على لوائح العقوبات في الأمم المتحدة وأميركا”.

مؤسسة الشيخ عيد الخيرية التي شملتها الإمارات والبحرين والسعودية ومصر في لائحة المؤسسات القطرية المحظورة. -رويترز

ومن الأسماء الأخرى التي كشفها قرقاش “عبدالمالك يوسف عبدالسلام. وهو أيضاً مرتبط بشبكة القاعدة. وهذا الشخص مدرج على لوائح العقوبات في الأمم المتحدة وأميركا. ولديكِ مؤسسة محمد بن عيد الخيرية في قطر وهي مدرجة على لوائح العقوبات في الأمم المتحدة وأميركا لكنها لا زالت تعمل في قطر وتجمع الأموال. وهناك شخص إسمه عبد الرحمن النعيمي، الذي أسس منظمة لحقوق الإنسان إسمها كرامة. هو أيضاً مرتبط بالقاعدة و مدرج على لائحة العقوبات في أميركا”.

الشيخ يوسف قرضاوي، مواطن مصري-قطري مقيم في الدوحة وعلى ارتباط وثيق بحركة الإخوان المسلمين المحظورة في الخليج والذي ترفض الدوحة ترحيله. -رويترز

وهذه الأسماء المذكورة ما هي إلّا عيّنة من “كاتالوج ضخم يمتد من مالي إلى البحرين”، من دون أن ننسى شخصيات متعلقة بحركة حماس والاخوان المسلمين كالشيخ الديني المتطرف يوسف قرضاوي، خاصّة وأن تنظيم الاخوان المسلمين محظور في دول مجلس التعاون الخليجي وموجود على لائحة الحركات الإرهابية التي أصدرها الخليج منذ أكثر من عام ووقعت عليها قطر.

لكن، بالنسبة لقرقاش، فإن سياسات قطر “تواجه الفشل وهي مُكلفة كثيراً لناحية الضرر الذي لحق بسمعة قطر ومكانتها  ولناحية التكلفة المالية أيضاً”، وهو أمرٌ لا يستطيع الوزير ولا الدول السبع التي قطعت علاقتها بقطر أو خففت من التمثيل الديبلوماسي معها يستطيعون فهمه.

“ما أريد قوله هو أن قطر تقوم بصر كل هذه المبالغ لتحريك كل هذه الأمور من أجل ماذا؟ حقاً السؤال هو من أجل ماذا؟”، يسأل الوزير، الذي تبنى مقولة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي الشهيرة: “كفى يعني كفى”.

وبهذا، فإن قطر كدولة، في عيون العديد، قد أصبحت “أكبر… مروّج للإرهاب والتطرف على أصعد عدّة: التمويل والعمل اللوجيستي والإعلام خاصة فيما يتعلق بشيوخ متطرفين. وأعني أن كل المشايخ أصحاب الفتاوي المتطرفة هم في قطر الآن”.

لا وجود للهيمنة

على صعيد آخر، نفى قرقاش، وبشدة، اتهامات قطر بمحاولة الدول الخليجية ممارسة الهيمنة عليها ومصادرة قرارها واستقلالها.

“لا أحد يُطالب بالسيادة على قطر واستقلالها مثلما تزعم هذه الأخيرة”. وفي محاولة منه لشرح الموقف، يشير قرقاش إلى حقيقة أن العديد من دول مجلس التعاون الخليجي “تمتعت على مدى السنوات الماضية بسياسيات مستقلة ولم يكن هذا الأمر يُشكّل مشكلة، كما وأنهم لم يتفقوا في العديد من المواقف”، ومن ضمنها العلاقة مع إيران، والتي يصفها قرقاش بالمتفاوتة بين دولة وأخرى في الخليج.

فبينما علاقة الرياض بطهران هي في الجانب الأقل وِداً —إن لم تكن منعدمة— تشوبها اتهامات متبادلة بدعم المجموعات المتطرفة، فإن علاقة الإمارات بإيران يمكن وصفها بالرسمية الحذرة، حيث أن الامارات تتهم طهران بالاستمرار في احتلالها للجزر الثلاث المتنازع عليها بين البلدين. أما سلطنة عمان من الناحية الأخرى، فهي تتمتع بعلاقة متينة مع إيران.

وفي معرض شرحه أن الإختلاف لا يؤدي للهيمنة، أعطى قرقاش مثالاً على عدم توافق دول مجلس التعاون الست بالنسبة لموضوع العملة الموحدة، “وبالرغم من بعض الاختلافات، إلا أننا صمدنا معاً”.

فقد حاولت الدول الخليجية لسنوات التوافق حول العملة الموحدة، التي انسحبت منها عمان والإمارات، والأخيرة تحفظت على موضوع مكان مقر المصرف المركزي الخليجي الذي أصرت السعودية على استضافته.

“الأمر يتعلق بشريك مزدوج المعايير ويدعم الإرهاب والمتطرفين”، يعيد قرقاش التشديد على هذه النقطة.

اتفاقية جديدة

ومع وضع سنوات من النقاش والتفاوض خلفهم وتوقيع العقوبات على قطر، مع امكانية تصعيد الاجراءات العقابية بحسب قرقاش، فإنه يتوجب على قطر تحقيق البنود التي وافقت عليها في العام ٢٠١٤ قبل إضافة بنوداً جديدة.

“على قطر أن تحترم اتفاقية عام ٢٠١٤ لأنها وافقت على عدة واجبات وعليها أن تحترم التزامها قبل التطرق لأمور أخرى”.

وبالرغم من أنه رفض قول ما إذا كان هناك بنوداً جديدة سيتم فرضها على قطر هذه المرة —بحسب ما تناقلته شائعات عن طلب الدول المعنية من قطر إغلاق مكاتب الجزيرة— إلا أن قرقاش أعاد التأكيد على أن “قطر لم تحترم التزامها بموجب اتفاقية عام ٢٠١٤. كان هناك أزمة، واليوم هناك أزمة أكبر، لأنه في أساسها، كان يجب التعامل مع الموضوع ذاته وليس عوارضه. لا يمكنك حل الموضوع عبر اللجوء للإعلام”.

قناة الجزيرة، الذراع الإعلامي لقطر والتي تؤمن دول الخليج الثلاث التي قطعت علاقتها بالدوحة بأنها أداة لبث التحريض والفتنة. ويُعتقد أن من المطالب الجديدة لإعادة العلاقات الى مجاريها، هو إغلاق الجزيرة أو منعها من بث أخبارا تحريضية. -رويترز

وإذا ما كان هناك من فرصة حقيقية لحل هذه الأزمة، يشرح قرقاش، “فإنها تقع على كاهل قطر المطلوب منها حاليا أن تعود  أدراجها… أن تضع خطة وتتأكد من أنها ناجحة بعكس ما حدث العام ٢٠١٤ عندما وضعنا خطة ولم تتقيد بها قطر”.

“لقد كنت جزءاً من عملية المفاوضات عام ٢٠١٤، وكانت مرهقة وطويلة وصعبة. وبنهاية الأمر لم يتقيد أحد بمضمونها. القطريين لم يحترموا جزءهم من الاتفاقية التي وقع عليها أمير قطر. لذا، في الحقيقة، لا يمكننا إعادة نفس الكرة من جديد ونتوقع نتائج مختلفة. نحتاج لالتزام واضح وجدي من قطر تقول فيه بأنها ستقوم بإحداث التغيير في تصرفها لناحية دعم الأجندات الداعمة للإرهاب والتطرف في هذه المنطقة… والكاتالوج يضم البحرين، وحركة الشباب، والصومال، وجبهة النصرة في سوريا، بالإضافة لمئات االملايين التي دفعتها قطر بشكل فديات متعددة لجماعات ارهابية، ناهيك عن لعبها لدور الناطق لجماعة الإخوان المسلمين، ودعم اللاإستقرار في مصر”.

وللآن، يُشير الوزير، إلى عدم رؤيته لنية حقيقية من قطر بالقيام برحلة العودة لأدراجها.

وعلى أي حال، فإن التعليقات التي أصدرتها قطر وتُظهر تحدياً واضحاً في التصريحات الرسمية القطرية ومنها قول وزير الخارجية بأن قطر: “قد تحوطت للامر منذ زمن”.

التوسط لحل أم التصعيد؟

حتى اليوم، هناك ثلاث دول أعلنت نيتها في القيام بمساعٍ حميدة من أجل رأب الصدع بين الدول الإخوة الخليجية في خلافها الذي طال وتأزم. فرئيس فرنسا الشاب إيمانويل ماكرون قد اتصل بأمير قطر، بينما تيليرسون عرض دعم الولايات المتحدة لحل الموضوع قائلاً إن اتحاد دول مجلس التعاون الخليجي وقوته يصبان في مصلحة الولايات المتحدة العليا.

ومن ثم هناك الكويت، التي قام أميرها الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح البالغ من العمر ٨٧ عاماً باتخاذ قرار سريع وحاسم فزار ثلاثة بلدان في ثلاثة أيام محاولاً تقريب وجهات النظر، ولربما، بحسب المؤشرات، فإن الوضع متجه للحلحلة.

ولقد اتصل الشيخ صباح بأمير قطر طالباً منه تخفيف التوتر والامتناع عما يمكنه ان يؤدي لإثارة مشاعر جيرانه عبر القيام بأفعال أو إبداء أقوال من شأنها أن تؤجج الخلاف. ولقد استجاب الشيخ تميم للطلب وبادر فوراً بإلغاء خطاب كان من المزمع أن يلقيه في اليوم التالي بعد فرض العقوبات على بلاده، فيما أبدى وزير خارجية قطر ترحيبه بمبادرة الشيخ صباح.

والتقى الشيخ صباح بالعاهل السعودي الملك سليمان في جدة، وبنائب رئيس الإمارات وولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، والشيخ محمد بن زايد آل نهيان في دبي قبل العودة والقيام بتوقف قصير في قطر لنقل وجهات النظر التي تطابقت بين السعودية والامارات وهي أن على الشيخ الشاب أن يعود أدراجه وينفذ اتفاقية عام ٢٠١٤ قبل أي شيء، بحسب مصادر ديبلوماسية.

أمير الكويت، الشيخ صباح الصباح كان قد التقى بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز في جدة ومن ثم نائب رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، قبل ان يعرج على قطر لنقل الرسائل التي حملها في سعيه لتخفيف التوتر في الخليج.

“نحن أيضا نريد حلّ المسألة والوسيط الذي يُصلح الأمور يمكن أن تكون الكويت أو الولايات المتحدة الأمريكية أو أياً كان. لكن هذه المسألة تتوقف على تأكيد صريح وواضح من قطر بتغيير مواقفها ومسارها بعيدا عن دعم الارهاب والمتطرفين. هذا هو لب الموضوع. كما تعرفين، لا يمكنك مناقشة موضوع أنني أريد أن تسمحوا لي بدعم الإرهاب بنسبة ٥٠ في المئة بدلاً من الـ٧٠ في المئة التي  كنت أقوم بها. أو مثلاً إسمحوا لي بدعم (ذراع القاعدة في سوريا) جبهة النصرة بنصف المبلغ الذي كنت أمولها بها. كلا، الحقيقة أن الأمر يتعلق بالتغيير في الاتجاه وأعتقد أنه متى ما رأينا مؤشرات تدل على حدوث هذا التغيير، فساعتها يمكن الحديث عن وضع خطة”، يقول قرقاش.

ويضيف أن أمير الكويت هو “قائد استثنائي ومحنك وفي باعه سنوات عدّة من الخبرة في العلاقات الدولية، وهو شخصية محترمة جداً. لكن كما تعلمين، فإن الوسيط ناجح بقدر ما تأتي الرسالة من الجانب القطري”.

“إذا كانت الرسالة القطرية كالآتي: نحن لم نفعل شيئاً وأن المشكلة كلها تتعلق بسوء فهم حصل، فساعتها نعرف إننا لا نتجه لأي حلحلة”، يضيف قرقاش أنعلى قطر الاعتراف بالمشكلة ومتى ما تقبلتها، فيمكن عندئذٍ الكلام عن حل عبر الوساطة.

على أن قرقاش استبعد قبول قطر لخطئها والاعتراف به قائلاً: “أعتقد أنهم يعيشون في نكران. يُمكنك أن تري من خلال إعلامهم أنهم ما زالوا في حالة من النكران”.

“ما أراه حالياً… هناك نوع من النكران وأن هذا الموضوع سوف تتم تسويته من خلال الجهاز الإعلامي (القطري) الرائع. إنها (قطر) كانت دوماً تحوّر القصص وتغير من السرد عبر الاتكال على عامل الوقت، وأن الوقت كفيل بتفتيت هذا التوافق الموجود بين الدول بالنسبة لموضوع قطر”.

للآن، يقول الوزير قرقاش إن “من شأن الإجراءات التي تم اتخاذها أن تكون كافية لإحلال العقل والمنطق في حسابات قطر. وأن تؤدي لتغيير إيجابي”، لكنه حذّر في الوقت نفسه أن ثلاثة دول وحلفائها  “جاهزين لاتخاذ المزيد من الإجراءات”.

إن كل هذه الاجراءات تقول: “إذا كنت (قطر) جاهزة لتكوني شريكتنا، فعليكِ أن لا تعمدي إلى التقليل من شأننا. عليكِ أن لا تقللي من شأن البحرين. عليكِ أن لا تحاولي دعم أو أن تدعمي الانفصاليين في المملكة العربية السعودية ولا المعارضة ورموزها أيضاً”.

موقف الإمارات من التطرف

يقول قرقاش بكل فخر إن بلاده كانت دوماً “واضحة في موقفها من التطرف والإرهاب”، وأن ذلك الموقف هو “صفر تحمل”، لمثل هذه الممارسات. “الأمر هو بصراحة أبيض وأسود في هذه المسألة. لا يوجد أي مبرر”.

وبحسب قرقاش ، فإن “الوسيلة الوحيدة لمقاربة الموضوع هو معالجة ومناقشة موضوع الفكر المتطرف والتسلح في الإسلام، ومن ثم مجابهة هذه الأجندت والقصص المتطرفة”.

Facebook Comments

Post a comment