قلبٌ عجوز

أعداد متزايدة من الأطفال تُعاني من فرط التوتر، وهو عاملٌ أساسيٌ في الإصابة بأمراض القلب

كاري أرنولد

نيوزويك

إن «صغر السِّنِّ» ليس عاملاً نمطيّاً للخطر، يتبادر إلى الذهن عند التفكير في احتمالية الإصابة بأمراض القلب الخطيرة، ولا نتوقع أيضاً من طبيب الأطفال أن يبحث عن علامات هذه الأمراض في الفحص السنويِّ للأطفال.

في آب/أغسطس، قامت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال بتنقيح توجيهاتها وإرشاداتها في فحص وتشخيص وعلاج ضغط الدم المرتفع لدى الشباب، وكانت المرة الأولى التي حدَّثت فيها الأكاديمية هذه المعايير منذ عام 2004. وسهَّلت التوصيات الجديدة الإجراءات التشخيصية لضغط الدم المرتفع لدى الأطفال والمراهقين؛ إذ جعلت تعريف ضغط الدم المرتفع أقرب إلى معايير المرض لدى الكبار، وغيَّرت المصطلح «بري-هايبرتنشن»، أَيْ «مرحلة ما قبل الإصابة بضغط الدم المرتفع»، إلى «ضغط الدم المرتفع».

لقد سهَّلت هذه التغييرات مهمة الأطباء في ملاحظة التهديد الصحيِّ المتزايد، الذي ظلَّ خفيّاً لمجرد أن حدوثه أمر لا يُصدَّق؛ فالأطفال والمراهقون باتوا عرضةً لأمراض القلب التي ارتبطت دائماً بالشيخوخة.

يقول ديفيد كالبر، طبيب الأطفال والطب الباطني في جامعة كايس ويسترن ريزيرف: «نحن نرى أن ارتفاع ضغط الدم هو ذلك المرض الذي يقترب من شخص ناهز عمره الخمسين عاماً، ولكن حاليّاً أصبح هذا المرض شائعاً حتى بين الأطفال الصغار!»

ويشير هذا التحول إلى المشاكل القادمة؛ إذ يؤثر ارتفاع ضغط الدم الآن على 3.5% من الأطفال في الولايات المتحدة، أو أكثر من 2.5 مليون شخص مصاب تحت سِنِّ 18 عاماً.

قد يكون هذا الرقم تافهاً مقارنةً بإصابة ثلث البالغين في أمريكا بارتفاع ضغط الدم، لكن يقول كالبر إن هذه النسبة بين الأطفال والمراهقين ما زالت مُقلِقة. ووفقاً لدراسات وبائية، ارتفعت معدلات الإصابة بضغط الدم المرتفع لدى الأطفال والمراهقين مع ارتفاع معدلات البدانة في مرحلة الطفولة.

وبدون التدخل الطبي، سيصبح الأطفال المصابون بضغط الدم المرتفع أشخاصاً بالغين مصابين بضغط الدم المرتفع، وهذا عامل خطر لاحتمال الإصابة بأمراض القلب القاتلة.

وقد عملت آلاف الدراسات على الربط بين ارتفاع ضغط الدم لدى البالغين وحدوث النوبات القلبية، والسكتة الدماغية، والذبحة الصدرية، وأمراض الشرايين الطرفية؛ فتقول جانيت دي جيسيس، مسؤولة أحد البرامج في المعهد القومي للقلب والرئة والدم: «أصبح هذا التهديد هو السبب الرئيسي وراء ضرورة إجراء فحص جيد للشباب. إن الأطفال الآن لا يتمتعون بصحة جيدة كما كانوا من قبلُ، وهذه التوجيهات والإرشادات ستصبح ذات قيمة كبيرة في هذا النطاق».

وهناك أسباب عديدة لإصابة الأطفال والبالغين بارتفاع ضغط الدم، على سبيل المثال: يمكن أن يتسبَّب ارتفاع نسبة الدهون في الدم في تكوين الترسبات على الشرايين، مما يتسبَّب في حدوث ضيق وتصلب الشرايين، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم. أما ذوو الوزن الزائد، فلديهم كمية دم كبرى تضغط بقوة أكبر على جدران الشرايين. وكذلك يتسبَّب التدخين في الإضرار بالشرايين، ويؤدي إلى حدوث الالتهابات. أما مشاكل الكلى، وانْقِطاعُ النَّفَسِ الانْسِدادِيُّ في أثناء النوم، حتى الأدوية ومشاكل الغدة الدرقية؛ فكل ذلك قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم!

إن ارتفاع ضغط الدم ليس مجرد علامة على أن هناك مشكلةً ما في الجسم، ولكنه في حَدِّ ذاته مشكلة أيضاً؛ فارتفاع ضغط الدم يزيد خطر الإضرار بالشرايين. وقد يؤدي الضغط الزائد على القلب إلى أن تصبح عضلة القلب أكثر سُمْكاً، مما قد يعُوق قدرة القلب على توصيل الدم والأكسجين والموادِّ المُغذِّية للجسم. ويجعل تسلسل الأمراض هذا ضغط الدم المرتفع أحد عوامل الخطر الرئيسية التي تؤدي إلى أمراض القلب، وفقاً لجمعية القلب الأمريكية. وهناك عوامل أخرى، منها: السِّمنة، وارتفاع الكوليسترول، والتدخين، والخمول البدني، وداء السكريُّ.

الأطباء في حيرة من أمرهم

تقول كاريسّا بايكر سميث –العالمة الاختصاصية في علم الأوبئة في جامعة ميريلاند، وعالمة البيانات الأساسية للإرشادات الجديدة للأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال- إن المشكلة تكمُن في أن معظم هذه الأمور تظلُّ مجهولةً حتى وقوع الكارثة، وهي مرحلة متأخرة جدّاً لعلاج أي ضرر.

وأشارت بايكر سميث إلى عدد من الدراسات التي قدَّمت دليلاً قاطعاً على أن أمراض القلب تعُود أسبابها إلى مرحلة الطفولة، بالرغم من أنها لا تظهر غالباً حتى سِنِّ البلوغ. وقامت دراسة المحددات الباثولوجية لتصلب الشرايين لدى الشباب في التسعينات، ودراسة بوجالوسا للقلب التي بدأت في 1973، بقياس انتشار الشرايين الضيقة والمتصلبة (تصلب الشرايين) لدى المراهقين والشباب الذين ماتوا عن طريق الخطأ. وكشفت هاتان الدراستان عن روابط قوية بين تصلب الشرايين -وهو مؤشر بارز على أمراض القلب لدى البالغين- والتدخين، ومستويات الكوليسترول، وارتفاع ضغط الدم. تقول بايكر سميث: «أريد حقّاً أن يفهم الناس -وخاصةً الآباء- أن ارتفاع ضغط الدم يحدث للأطفال؛ فنحن نرى أمراض البالغين لدى الأطفال».

وتتحدَّى هذه النتائج المعتقدات القديمة التي تقول إن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال يحدث بشكل رئيسي نتيجة العيوب/التشوُّهات الخِلقية التي أثرت في الكلى والقلب. صحيح أن الوراثة تُمثل خمس كل حالات ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال دون سِنِّ 18 عاماً، لكن باقي الحالات هي حالات ارتفاع ضغط الدم على «نمط إصابة البالغين»، وهي ناتجة عن تقارب العوامل البيولوجية والبيئية.

وقد وثَّقت دراسات وبائية كبيرة نفَّذتها مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها زيادة ارتفاع ضغط الدم الانقباضي والانبساطي لدى الأطفال بين عامي 1988 و2000، وهو ما يشير إلى أن زيادة ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال ليست فقط نتيجةً لزيادة الوعي. وعلى الرغم من أن البالغين لديهم مستوى محدد لمشاكل ارتفاع ضغط الدم المحتملة، فإن التعرُّف على هذا المستوى المحدد لمشكلات ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال أكثر تعقيداً؛ لأن ضغط الدم لدى الأطفال في مرحلة النموِّ يختلف حسب العمر والطول والجنس. حتى عندما أدرك الأطباء مشكلات ضغط الدم لدى الأطفال، بذلوا جهداً كبيراً من أجل تفسير تلك النتائج. تقول الدكتورة/ سوزان لازوريك، طبيب الأطفال وطبيب وقائي في جامعة كارولينا الشرقية: «كان الكثير من الأطباء في حيرة كبيرة من أمرهم».

ويؤكد كالبر هذا الأمر بوضوح أكثر قائلاً: «إذا راجعت السجلات الإلكترونية الطبية [للأطفال]، فسترى أن بيانات ضغط الدم مُسَجَّلة، ولكن لم يُشخِّص أطباء الأطفال قَطُّ ارتفاع ضغط الدم»، فلم يكن أطباء الأطفال يدركون أن ما هو مستوى ضغط الدم المرتفع؛ لذا ظلَّت هذه الحالات بين الأطفال غير ملحوظة.

معالجة الأضرار الصحية

أدَّت مثل هذه التحديات، بالتزامن مع زيادة الدراسات الطبية حول ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال، إلى قيام كالبر والدكتور/ جوزيف فلين -طبيب أمراض الكلى في جامعة واشنطن- بالدعوة في عام 2004 إلى مراجعة التوجيهات والإرشادات التي كانوا قد وضعوها. وقادت بايكر سميث مراجعة ما يزيد عن 15،000 دراسة منشورة عن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال منذ 2004؛ من أجل إنشاء قاعدة دقيقة تُمكِّنهم من استخلاص النتائج التي توصَّلوا إليها. وبذلك، أعادوا النظر في مدى جودة المعايير الحالية، وما يتعلَّمه العلماء عن ارتفاع ضغط الدم لدى الأطفال والمراهقين.

ويظهر في الوثيقة النهائية -المُكوَّنة من 74 صفحةً- عدة تغييرات جوهرية في التوصيات السابقة، تشمل: كيفية قياس العاملين في مجال الصحة لضغط الدم، وكيفية تشخيص الأطباء لارتفاع ضغط الدم، وكذلك المصطلحات المستخدمة.

وبدلاً من فحص ارتفاع ضغط الدم في كل زيارة لمركز الرعاية الصحية، تُوصِي المعايير الجديدة بفحص ارتفاع ضغط الدم فقط في الزيارات السنوية للطفل ذي الصحة الجيدة، ابتداءً من سِنِّ الثالثة.

ويمكن أن تؤثر العديد من العوامل المؤقتة/العابرة في ضغط الدم، مثل التوتر والكافيين، مما قد يؤدي إلى بيانات غير دقيقة وتحاليل غير ضرورية. ولهذا السبب، أوصى الأطباء بفحص ضغط الدم في الفحص الطبي العام فقط. ويحتاج الأطباء إلى العديد من قراءات ضغط الدم؛ لتشخيص ضغط الدم المرتفع.

وقد غيَّر الفريق الطبي أيضاً جداول ضغط الدم للأطفال إلى المعيار المستخدم للكبار، وهو 120/80 ملم زئبق. ويقول كالبر إن هذا التغيير يُستخدَم في سِنِّ 18 عاماً؛ لذا يكون ضغط الدم لدى الطفل في سِنِّ 17 عاماً و364 يوماً غير طبيعي، ثم يكون على ما يرام في اليوم التالي. وتبدأ الجداول الجديدة نقل الأطفال إلى علامات البالغين في سِنِّ 13؛ اعتماداً على الطول والوزن. ويوفر هذا التغيير المزيد من الاتساق، وسوف يُسهِّل الانتقال إلى معايير ضغط الدم لدى البالغين.

أما لدى «دي جيسيس»، فإن أهمية المعايير الجديدة الخاصة بضمان التشخيص والعلاج المناسب لارتفاع ضغط الدم في مرحلة الطفولة أمر لا يُمكِن المبالغة فيه. وعندما يكون الأطفال صغاراً، يمكن إخضاعهم للعلاج من أي ضرر قد يحدث للقلب والأوعية الدموية، ويكون ناجماً عن ارتفاع ضغط الدم أو ارتفاع نسبة الكولسترول؛ إلا إن إمكانية العلاج قد تنخفض بمرور الوقت مع الوصول إلى مرحلة البلوغ.

عدَّل كالبر وفلين وبيكر سميث وزملاؤهم جداول ضغط الدم؛ لتشمل الأطفال ذوي الأوزان الطبيعية فقط. وقرَّر أطباء الأطفال افتراض ارتفاع ضغط الدم لدى طفل ما بمقارنته بمجموعة من الأطفال الأصحَّاء؛ ولكن تزايد عدد الأطفال المصابين بزيادة الوزن والبدانة -وهما سِمتان مرتبطتان بقوةٍ بضغط الدم المرتفع- قد تسبَّب في انحراف تلك البيانات المرجعية. تقول بايكر سميث إن وضع المعايير وفق الأطفال ذوي الأوزان الطبيعية فقط يوفر تعريفاً أفضل لضغط الدم الصحيِّ.

وكذلك، ألغى الفريق الحاجة إلى فحص «الإيكو» (الموجات الصوتية على القلب)، إلا إذا احتاج الطفل إلى دواء. ويعكس هذا التغيير ارتفاع عدد الأطفال المصابين بضغط الدم المرتفع دون مشاكل القلب الخِلقية الأساسية. أما أولئك الذين يعانون من ارتفاع حادٍّ في ضغط الدم وهم في حاجة للدواء، فقد أظهرت الموجات الصوتية للقلب مضاعفات أكثر شيوعاً لدى البالغين، مثل: تضخم البطين الأيسر، وسَمَاكة عضلة القلب.

وأخيراً، غيَّرت مجموعة مراجعة الإرشادات مصطلح «بري-هايبرتينشن/ما قبل ارتفاع ضغط الدم»، الذي يُستخدَم للإشارة إلى الأطفال الذين كان ضغط الدم لديهم مصدر قلق، ولكنهم لم يستوفوا التعريفات السريرية لضغط الدم المرتفع. أما الطريقة الجديدة المستخدمة للتعبير عن الإصابة لدى الأطفال، فوُضِعت للتعبير عن الإنذار بالمرض. يقول لازوريك: «يميل الآباء إلى سماع عبارة «ما قبل ارتفاع ضغط الدم»، ويعتقدون أنها ليست مشكلةً؛ لأنها مرحلة ما قبل المرض؛ ولكن هذا ليس ما نحاول قوله!»

ويمكن للاعتماد المتزايد على الأجهزة المتنقلة لقياس ضغط الدم أن يُشكِّل تحدِّياً لتطبيق هذه المعايير؛ فعلى الرغم من أن هذه الأجهزة توفر دقةً متزايدةً في قياس ضغط الدم، ليس بمقدور كل أطباء الأطفال استخدامها. يقول لازوريك إن زيادة إمكانية استخدام هذه الأجهزة المتنقلة ستكون عاملاً أساسيّاً في تنفيذ التوصيات.

وعلى الرغم من أن بعض هذه المعايير قد يبدو أكثر تحفظاً -فحص ضغط الدم في الزيارات الوقائية الدورية فقط، وتقليل توصيات إجراء الموجات الصوتية على القلب- فإنها بالفعل تقلل احتمال الإفراط في تشخيص ضغط الدم المرتفع لدى الأطفال. تقول بيكر سميث: «لا أحد يريد أن يُشخِّص حالة أطفال بمرض ليس لديهم، أو يعطيهم علاجاً لا يحتاجون إليه».

ولا يمكن لأي معايير أن تقضي على خطر الإفراط في التشخيص، ولكن بالنظر إلى أن العلاج الأوليَّ للأطفال المصابين بارتفاع ضغط الدم عبارة عن تغييرات في النظام الغذائي والنشاط بدني، تقول بيكر سميث إن هذه النصيحة منخفضة المخاطر، وقد تفيد العديد من الأطفال، حتى أولئك الذين لا يعانون من ارتفاع ضغط الدم.

ولكن تحقيق هذه التغييرات ليس بالأمر السهل، خاصةً في ظل ثقافة مليئة بالأطعمة المالحة والدهنية مثل البيتزا والتاكو. تقول دي جيسيس إن البداية المُبكِّرة، وتكوين السلوكيات الصحِّيَّة، يُمكِّنان الآباء من أن يُعلِّموا أطفالهم أن يتَّخذوا قرارات جيدة بشأن الطعام وممارسة التمارين الرياضية، كلما كبروا وأصبحوا أكثر تحمُّلاً للمسؤولية.

يقول لازوريك: «حتى البالغون يشعرون بالعناء لاختيار الماء بدلاً من الصودا أو العصير؛ فكيف نتوقَّع من طفل في سِنِّ العاشرة أن يتَّخذ القرار الصحيح؟!»

وبالنسبة للأطفال المصابين بارتفاع ضغط الدم، فإن الأمر يتطلب منهم نموّاً سريعاً نتيجة الإصابة بمرضٍ ما كان يصيب سوى البالغين.

Facebook Comments

Leave a Reply