كولومبيا: الانتظار في أجنحة (اليسار)

اعتاد غوستافو بيترو أن يكون عضواً في الجماعات الكولومبية المتمردة سيئة السمعة. وهو الآن سيترشح للرئاسة

روبرت فالنسيا

نيوزويك

قبل أكثر من ثلاثة عقود، اقتحمت جماعة إم -19 الكولومبية المتمردة التابعة ليسار الوسط، قصر العدل، المحكمة العليا في البلاد؛ لإدانة الرئيس آنذاك بيليساريو بيتانكور لخرقه هدنة كما يزعمون.

وأعقب ذلك حصار استمرّ 28 ساعة، بينما هاجم المسلحون لقتال القوات المسلحة، مما أسفر عن عشرات القتلى، وإحراق مبنى، وإغراق البلاد في الفوضى.

قبل شهر من الحصار، في أكتوبر/ تشرين الأول 1985، اعتقل الجيش الوطني مسلّحاً شاباً يدعى غوستافو بيترو -الذي لم يشارك في الاقتحام- وعذبته لعدة أيام في مدرسة الخيّالة العسكرية.  بعد إطلاق سراح بيترو؛ ساعد على صياغة معاهدة سلام بين المسلحين والحكومة.

والآن، يريد أن يكون الرئيس القادم لكولومبيا، ولديه فرصة شرعية.

أما بالنسبة للإعلام، كان بيترو، الذي يترشح لحركة “هيومانا” الكولومبية التقدمية، متأخراً قليلاً عن إيفان دوكي، أقوى منافسيه.( رُشّح دوكي من قِبل ديموقراطيك سنتر – وهو حزب يمين الوسط بقيادة الرئيس السابق ألفارو أوريبي فيليز).

وهذه ليست مغامرة بيترو الأولى في السياسة؛ فقد خدم بيترو البالغ من العمر 58 عاماً باعتباره عضواً في الكونغرس في أوائل العقد الأول من الألفية، وفي 2012 أصبح عمدة بوغوتا.

وفي 2013، تورط في فضيحة سياسية مزعومة حول برنامج الصرف الصحي في المدينة، والتي أجبرته على ترك منصبه بشكل مؤقت. حكمت المحكمة العليا لصالحه، وعاد إلى منصبه ليكمل ولايته.

ولكن في الوقت الذي يستعد فيه الكولومبيون للتصويت في 27 مايو/ أيار، تحظى الاضطرابات في فنزويلا المجاورة باهتمام أكبر من فترة إدارة بيترو لبوغوتا.

يقول النقاد بأنه لم يُدن بشكل مناسب حركة تشافيسمو اليسارية، والتي خلقت سياساتها أزمة إنسانية على طول الحدود الكولومبية.

لكن بيترو يقول العكس: لكن هذه ليست مجرد مناقشة أيدولوجية؛ في مارس/ آذار، أُطلقت النار على سيارته المضادة للرصاص خلال تجمع الحملة الانتخابية.

مع استمرار تحقيق السلطات فيما حدث، تحدث بيترو إلى نيوزويك عن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والزعيم الفنزويلي الراحل هوغو شافيز، ولماذا السياسة هي مسألة حياة وموت.

لنتحدث عن ترمب، كيف تتعامل مع رئيس الولايات المتحدة الذي تزداد نزعته الحمائية؟
سوف تساعدنا إجراءات ترمب فيما يتعلق بالتدابير التجارية الصارمة، خاصةً تلك التي تتعلق بالمنتجات الصينية بغير قصد؛ لأنها تسمح لنا بفرض تعريفة جمركية على الواردات الأساسية من المنتجات الزراعية والسلع الصناعية، والتي هي مهمة لحماية الزراعة والصناعة في كولومبيا.
هل ستعيد أيضاً التفاوض بشان اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها كولومبيا مع الولايات المتحدة في عام 2006؟

لن يكون ذلك ضرورياً من وجهة النظر القانونية بسبب ضريبة الانبعاثات الكربونية، والتي تقيس انبعاثات غازات الاحتباس الحراري على الواردات، وهي تعريفة اقترحتُها.

إن التدابير الحمائية التي اتخذها ترمب تساعد على إضفاء الشرعية على سياسة الحماية الكولومبية، لكن الوضع الذي اقترحه لحماية إنتاجية كولومبيا يقوم على التخفيف من تغير المناخ.

شهدت كولومبيا في السنوات الأخيرة زيادة في إنتاج الكوكا، كيف تتعامل مع تهريب المخدرات؟

لا يمكن أن نبني جدول أعمالنا على المخدرات مثل العقود الماضية.

إن الحرب على المخدرات هي فاشلة، وهذا معترف به في كولومبيا والولايات المتحدة، وفتحت هذه الحرب الباب للعنف على مصراعيه في جميع أنحاء الأمريكتين، من بالتيمور إلى البرازيل.

أقترح سياسة زراعية أسميها استبدال الأرض وإضفاء طابع ديمقراطي على الأراضي الخصبة. لا تنمو أوراق الكوكا على أرض خصبة، وإذا أمكن نقل المزارعين إلى حقول صالحة للزراعة، فسوف ينتجون سلعاً زراعية أساسية أكثر ربحية.
ولكن كيف تتعاون مع الولايات المتحدة عندما يعتزم وزير العدل جيف سيشنز وترمب مواصلة السياسة الصارمة لمكافحة المخدرات، بل أنهما يفكران في عقوبة الإعدام لتجار المخدرات؟

يمكن أن تقود الشعبية أحزاب الجناح اليميني في الولايات المتحدة إلى الاعتقاد بأن فرض العقوبات الصارمة يمكن أن يُنهي استهلاك المخدرات.

الحقيقة هي أن عدد الوفيات الذي وصل لأكثر من 60.000  شخص في العام 2016، بسبب الجرعات الزائدة من المخدرات غير المشروعة ووصفات طبية من الأفيون؛ يوضح أن سياسة الولايات المتحدة فاشلة، وتؤدي إلى المزيد من الوفيات.

أيادي مليئة: مزارع يحمل بعضاً من محصول أوراق الكوكا. يرى بيترو أن الحرب الأميركية على المخدرات قد فشلت.

قال وزير الخارجية الأمريكي السابق ريكس تيلرسون: إن دول أمريكا اللاتينية يجب ألا تسمح للصين أو روسيا بتدمير سيادتهم أو أن يستسلموا لنفوذهما، هل توافق؟

إن التفكير في السياسات باعتبارها مناطق رمادية أو التفكير فيها بطريقة ثنائية هو أسوأ مدخل لفهم المجتمعات.

هذه سياسة ساذجة، بل هي سياسة غبية. لا يتعلق الأمر بالإخلاص للولايات المتحدة أو روسيا أو الصين، إنه يتعلق بتشكيل علاقات مع سياسات الحياة، بمعنى أولئك الذين يرغبون في تخفيض التغيير المناخي من أجل مستقبل أفضل.

لنتحدث عن فنزويلا، ما الدور الذي تعتقد أن على الولايات المتحدة القيام به في الأزمة الإنسانية؟

إن أفضل دور يجب أن تقوم به الولايات المتحدة الآن- وهذا اقتراح لأني احترم سيادة كل دولة- هو أن تبقى بعيداً عن الوقود الأحفوري. ومع ذلك، فهذا ليس مفهوماً تُحلله نخبة رجال السياسة التقليدية لدينا أو إدارة ترمب.

النظام الفنزويلي، من جانبه لم يكن ليستمر لو لم يكن العالم لديه طلب أكثر على النفط. لذلك كان يمكن أن يكون النقاش حول السياسة الفنزويلية مختلفاً جداً بين المعارضة وإدارة [نيكولاس] مادورو اليوم، ولكن هناك خلاف حول عائدات النفط بين جماعات المصالح.

أثناء مقابلة مع خورخي راموس في يونيفيجين في شهر مارس/ آذار هاجمك منتقدوك لأنك لم تستطع الإجابة عما إذا كان تشافيز ديكتاتوراً. هل تعتقد أن هذه المقابلة أضرت بفرصك في أن تصبح رئيساً؟

على الإطلاق. سمعت عبر سماعة الأذن “هل كان تشافيز ديكتاتوراً أم لا؟”

ولكن هناك اختلاف بين سنوات تشافيز وسنوات مادورو – وكل من يريد أن يحلل فنزويلا بعمق يجب أن يحدد هذا الاختلاف، الذي لم يكن مسموح لي القيام به …

إذا سألتني عما إذا كان تشافيز ديكتاتوراً، سأقول: لا. إذا سألتني ما إذا كان مادورو ديكتاتوراً، سأقول: نعم. هما غير متشابهين في هذه الحالة.

ما الذي يجعلهما مختلفين؟

خلال فترة ولاية شافيز، كان يعتمد على سعار النفط المرتفعة، وكان بإمكانه أن يمارس نفوذه السياسي.

مادورو، من ناحيةٍ أخرى، يصارع الانخفاض في أسعار النفط.

سمح شافيز ببعض التعددية؛ بسبب محاولة الانقلاب ضده في 2002 وعدة إضرابات أخرى. كان عليه أن يحتفظ أو يزيد تلك التعددية. مادورو، من ناحية أخرى، يقتل.

لكن خلال سنوات شافيز، كان يوجد على سبيل المثال قنوات تلفزيونية تديرها المعارضة.

لكن سمح شافيز بإغلاق راديو كاراكاس تيليفيجين، وهي قناة تلفزيونية معارضة، في عام 2007!.

لكنه حافظ على درجة من التعددية.

اليوم، لا تستطيع فنزويلا إيجاد حل لمشاكلها. خلال سنوات شافيز، كان يوجد انتخابات، خسر استفتاء 2007 للبقاء لفترة أطول في السلطة، لكنه تقبل خسارته.

لا أستطيع أن أجد أعضاء من المعارضة يقولون إن هناك تزويراً خلال الفترة التي أُعيد فيها انتخابه، حيث كان هناك نوع من الإجماع على أن أغلبية الفنزويليين كانوا يدعمون شافيز.

وذلك كان بسبب أن أسعار البترول كانت مرتفعة، محولةً فنزويلا إلى فقاعة منفجرة، وهو أمر لم يتوقعه شافيز للأسف.

كان شافيز يدرك أن اقتصاد فنزويلا يحتاج إلى الانتقال من اقتصاد قائم على النفط إلى اقتصاد أكثر تنوعاً، لكنه اعتمد أكثر على بترول بلاده حتى نهاية فترة ولايته.

الآن، يبذل مادورو الجهود للحفاظ على سعر أعلى للنفط، وهو لا يسمح بالانفتاح من أجل الحوار الوطني لحل المشاكل. هذا ما نسميه ديكتاتورية.

هل لا تزال تؤيد ادعائك بأن شافيز كان رئيساً جيداً؟

ليس هذا ما قلتُه.

ما أقوله هو أن شافيز لم يكن ديكتاتوراً. سواءً كان قائداً جيداً أو سيئاً، فهذا قرار يرجع إلى المجتمع الفنزويلي.

لم نرَ نهجاً استبدادياً عميقاً تحت حكم شافيز، على الرغم من مواءمة فنزويلا للنموذج الكوبي. يحارب مادورو لزيادة إنتاج النفط، بدلاً من التفكير في الانتقال إلى اقتصاد أكثر إنتاجية – وأغلق أي منتديات ديمقراطية للاحتجاجات الاجتماعية.

إذا أصبحت رئيساً، كيف ستتعامل مع مادورو في الوقت الذي تتعامل فيه مع أزمة فنزويلا الإنسانية؟

من المنظور الكولومبي، يتعلق الأمر كله بالابتعاد عن الفحم والنفط.

قد يمهد ذلك الطريق لنموذج مثالي لفنزويلا. كلما كنا أغنى، سنكون أكثر قدرةً على مساعدة المجتمع الفنزويلي…ليبقى بعيداً عن النفط.

ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا تحولت كولومبيا إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وزوّدت فنزويلا بمزيد من المواد الغذائية حتى نتمكن من الحد من هذه الهجرة الجماعية الهائلة.

صوّت لبيترو: مع أن البعض يتخوّف من إمكانية تحويل بيترو كولومبيا إلى فنزويلا أخرى، إلا أنه من المرشحين الجادين في الشارع الكولومبي.

ما المشكلة الفنزويلية؟ لا تستطيع التحرر من قيود النفط،  لكن هذه المشكلة لا يمكن حلها إلا بين الفنزويليين.

يمكن أن يشير خصومك السياسيين إلى نشاطك السابق مع إم-19 في المناظرات الرئاسية المستقبلية، كيف ستتغلب على تلك الهجمات؟

أظهر لنا تاريخ إم-19 أن السلام ليس اتفاقاً مع الجماعات المتمردة، بل هو اتفاق مع المجتمع في السعي لإصلاحات اجتماعية لجعل كولومبيا، التي هي واحدة من أكثر بلدان العالم التي لا تتمتع بالمساواة، وجعلها بلداً منصفة.

إذا لم نعترف بأن هذا هو السبب الأساسي للاتجار بالمخدرات أو العنف أو الفقر، فسيكون لدينا رؤية مشوهة عن بلدنا.

إذا هُزمت الحركة المحافظة التي يقودها أوريبي، والمعروفة باسم اليويبيزمو، وفزت بها ، يجب أن نناقش مع قيادتها العليا كيف يمكننا الانتقال بسلام من ملكية كبيرة غير منتجة إلى نموذج إنتاجي.

بالحديث عن الاقتصاد، يعتقد المحللون أن الأسواق الكولومبية تخاف منك، هل يجب أن يكونوا كذلك؟

إن ما يريده المستثمر الأجنبي هو مجموعة من القواعد الواضحة، لذا إليك قواعدي: رجال الأعمال الذين كرسوا جهودهم للطاقة النظيفة مثل الطاقة الشمسية مرحب بهم. ونرحب بأولئك الذين يريدون مساعدتنا في تصنيع الإنتاج الغذائي.

أولئك الذين يريدون مساعدتنا في أعمال البرمجة، وعلوم الويب والكمبيوتر مرحب بهم.

الآن، عندما يتعلق الأمر بالأعمال الاستخراجية، مثل تعدين المعادن الخام في الأراضي البرية، والتكسير، والتنقيب عن النفط والفحم، فلن يجدوا حكومة صديقة.

مرشح آخر يساري الاتجاه تزداد شعبيته في أمريكا اللاتينية وهو المكسيكي أندريس مانويل لوبيز أوبرادور. هل تعتقد، على الرغم من التجربة الفنزويلية، أن اليسار لا يزال لديه مستقبل في منطقة قد تكون قد سئمت منه؟

لم أعد أرى العالم على أنه يمين مقابل يسار. يرى العالم السياسة اليوم باعتبارها مسألة حياة مقابل موت…

يوجد كيانات تدعم وتعزز الحروب، وتشييد الجدران، وكراهية الأجانب، واقتصاديات الوقود الأحفوري.

تلك هي سياسات الموت. أنا لا أعرف لوبيز أوبرادور، لكن أود ذلك لأنه سيكون لدينا الكثير لنتحدث عنه. يمكن أن يكون هناك أيضاً تغيير سياسي في البرازيل إذا تمكن [لويز] إيناسيو لولا دا سيلفا من الترشح مرة أخرى.

ينطبق هذا أيضاً على بيرو.

مع خلع الرئيس بيدرو بابلو كوتشينسكي وسقوط إيديولوجية الزعيم السابق ألبرتو فوجيموري، يمكننا أن نشهد فرصة جميلة لصعود الكتلة التقدمية.

سيكون هذا محوراً مختلفاً تماماً عن المحور المكون من كاراكاس وماناغوا وهافانا.

وأملي هو أن يبزغ هذا الفجر الجديد في التقدمية الأمريكية اللاتينية وسط اقتصاد منتج.

هل ستعيد التفاوض على اتفاقية السلام التي توصلت إليها الحكومة مع القوات المسلحة الثورية لكولومبيا (FARC) قبل أكثر من عام؟

يجب احترام اتفاقية السلام، ويجب ألا يُشهر بهم؛ لأن الكولومبيين لم يعودوا يصدقون الفكرة الخاطئة التي تقول إن بلادنا سوف تسلم إلى الجماعات المتمردة.

حصلت القوات المسلحة الثورية لكولومبيا وهي الآن حزب سياسي، على عدد قليل من الأصوات بلغ عددها 50.000 في انتخابات الكونغرس.

إن المعاهدة مع القوات المسلحة الثورية ليست من أهم المواضيع التي تشغل الكولومبيين.

عندما تصوت البلاد في شهر مايو/ أيار، هل تعتقد أنك ستفوز؟

هذا احتمال وارد.

لأول مرة منذ خمسة قرون، فإن الشخص الذي لم يكن عضواً في النخبة التي حكمت البلاد لديه فرصة للفوز بالرئاسة – هذا، إن لم يغتالوني.

Facebook Comments

Leave a Reply