لبناني يعيد الموسيقى إلى الأيادي المبتورة

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط

لم تترك الحروب التي دارت بين البشر أحداً من دون تحقيق خسائر. لا يزال علي سرحان يتبادر إلى ذهنه صور الحرب الأهلية اللبنانية في العام 1975 التي نالت شظاياها من يده فأخذتها معها. فقد علي يده حينما تمكنت قذيفة مدفعية من تفريقه عن أصدقاءه الأربعة الذين كانوا يختبؤون سوياً في أحد المقاهي في منطقة النبعة بينما كانوا يلعبون الورق.

37 عاماً مرّوا وعلي سرحان (51 عاماً) يحلم بأن يستعيد يده، ويستعيد أصحابه ليلعبوا الورق مجدداً. هذا الحلم سيتحقق الجزء الأول منه بعدما شاءت الصدف أن تلعب دوراً كبيراً في جمع علي سرحان مع الشاب منار حركة(26 عاماً)، الذي يبذل كل جهده في صناعة ذراع إلكترونية تعيد استقلالية الأشخاص الذين فقدوا أذرعتهم خلال الحوادث.

“لم أصدق يوماً أن المزحة التي أطلقتها بين زملائي في العمل ستتحول إلى حقيقة إلكترونية ملموسة بعدما وعدت زملائي أنني سأقوم بصناعة أطراف إصطناعية ليستفيد منها كل الذين فقدوا أطرافهم”، يقول الشاب الجامعي منار حركة في حديث إلى “نيوز ويك الشرق الأوسط”. المزحة التي أطلقها الشاب العشريني، كانت قد نتجت عن معاينته لطفلة بترت الحرب السورية ذراعها، إثر سقوط قذيفة جوية في حي باب عمرو في حمص قبل عامين، وذلك في إطار عمله مع منظمةIRC(INTERNATIONAL RESCUE COMMITEE) في إحدى مخيمات اللجوء السوري في لبنان.

عيون الطفلة هند الزرقاوان دفعا الشاب للتفكير أكثر في محاولة إعادة ذراعها المبتورة، لأنه بحسبه “لا يمكن ليد واحدة أن تمسح دمعة الطفولة المتدحرجة على خدود اللاجئين الصغار”.

إنسانية حركة منطلقة من حالة الطفلة هند والحالات الأخرى التي يلمسها يوميا في مخيمات اللجوء السورية، والتي بلغ عددها الإجمالي 1300 مخيم. المزحة تحولت إلى واقع عندما تقدم منار بفكرة صناعة يد إلكترونية إلى الأستاذ المشرف على مشروع تخرجه ضمن اختصاص علوم المعلوماتية والاتصالات في الجامعة العربية المفتوحة. تباحث حركة مع استاذه حول الفكرة والتي تحمل تعريف اليد الروبوتية أو “BIONIC ARM”، إلا أن الأستاذ نفسه لم يكن متأكداً من قدرة منار على تحقيق النتيجة المرجوة، ولكن ذلك لم يمنع منار من تحدي الاستاذ.

لم يكن يعرف منار عن مشروعه معلومة واحدة. تقدم بفكرة المشروع في نوفمبر الماضي في العام 2015 وتمت الموافقة على المشروع. قرأ منار عدداً كبيراً من الأبحاث العلمية عن الهندسة الميكانيكية وحركة اليد وهندستها الداخلية، الأمر الذي وضعه أمام السؤال الأكثر أهمية: هل يمكن لليد الروبوتية أن تقلد يدّ الإنسان؟

بداية الانسان منذ ألاف السنوات توضح أن الجنس البشري لم يكتفِ بقدراته الجسدية لتنفيذ الأعمال اليومية، على غرار المشاكل التي كان يواجهها في قطف الثمار، والتي عالجها مع مرور الوقت بالاستعانة بجذع شجرة ليستطيع قطف الثمار، وهذا ما يشير إلى أن الإنسان يمكنه أن يطور نفسه جسدياً وذهنياً بشكل ديناميكي وفعال.

الجواب على السؤال ظهر حين استطاع منار محاكاة كيفية وصل الذراع الروبوتية إلى الأعصاب. يقول منار: “لقد قرأت الكثير من الكتب الطبية عن حركة اليد “anatomy” والهندسة الميكانيكية والكهربائية، وقمت باستشارة عدد من الأطباء، واستطاع أحدهم أن يمدني بكتب طبية عن تشريح اليد”.

وجد حركة أن “هناك مشروعاً كان قد انجز سابقاً لهدف غير طبي، ولأهداف لها علاقة بجهاز تحكم يتم ارتداؤه في اليد ويستخدم للتحكم بالتلفزيون وهو جهازmyo armband، ولقد استعنت بهذا الجهاز وقمت بتغيير برمجته لربطه بالذراع الالكترونية”.

بعد التعمق في قدرة هذا الجهاز، بدأ منار بدراسة الأعصاب المسؤولة عن حركة اليد وتحليلها. فقد تمكنت المجسّات(SENSORS) الموضوعة على اليد، من إلتقاط الفولتاج الكهربائي الذي يمر داخل العصب وصولاً إلى العضل، ولكن بقيت الصعوبة الأكبر في تحليل الفولتاج المتغير مع كل حركة تقوم بها الذراع”.

أثبت عمل منار أن حركة اليد شديدة التعقيد، وسبب تطور البشر هو القدرة التي يقدمها الأصبع الكبير المعروف بـ “الإبهام”، وهو السبب الأول لإظهار الفرق بيننا وبين حيواني الغوريلا والشمبانزي. وللقضية يقول الباحث في علم التطور سيرجيو ألميسيجا(Sergio Almécija) في دراسة نشرت في العام 2015 في موقع answersingenesis إن “يد الإنسان لم تتطور كثيراً منذ أن تشعبت عن يد حيوان الشمبانزي، ومن المؤكد أن الأخير أظهر تطوراً أكثر من البشر”.

في الوقت نفسه يشير ألميسيجيا إلى أن البشر استطاعوا تطوير عقولهم وقدراتهم الإبداعية بعدما استطاعوا النزول من الأشجار، وبعدما استطاعوا أن يتحكموا بالعالم من خلال أيديهم. البراعة اليدوية في تنفيذ الأعمال أعطت الأجداد فرصة للتفكير بصناعة الأدوات المكونة بداية من الأحجار ومن ثم الحديد وذلك للتكيف مع العالم ولتطوير أنفسهم وطريقة عيشهم.

قدرة الإنسان في التعامل مع الأشياء برشاقة بحسب ألميسيجيا تعتمد على الإبهام، بسبب التصميم المثالي لعظام هذا الأصبع، الذي يأتي بشكل تناسبي مع عظام اليد، وباقي الأصابع. كل منحنى في محيط العظام في نهاية الإبهام (pollical distal phalanx) يعزز قدرة الإنسان على الشعور بالتحكم في الغرض الذي يحكم قبضته عليه، على عكس حيوانات الشمبانزي والغوريلا الذين لا يمتلكون هذه المميزات العظمية. فهم يقومون بوضع الشيء الذين يريدون التحكم فيه في راحة يدهم ويقومون بنقله بين الإبهام والسبابة.

أما برمجياً، لم تكن لغة البرمجة الخاصة بالذراع الإلكترونية موجودة في لبنان. واجه منار صعوبات كبيرة في إيجاد خبراء برمجة، ولكنه استطاع القراءة عن هذه اللغات على الانترنت، ووجدها في عدد من الكتب الإلكترونية. وقد اكتشفت أنه ينقصنا كخريجين من الجامعات الرسمية والخاصة إلى خبرات كبيرة في الجانب الإبداعي، بحيث يتوجه معظم الطلاب للجانب الخدماتي ويبتعدون كل البعد عن الجانب الصناعي”.

كيف تعمل اليد؟

بعد أشهر من الأبحاث والقليل من النوم، وجد حركة طريقه إلى صناعة الذراع الإلكترونية. وجد على الانترنت “myo armband” وهي آلة صغيرة يمكن ارتداؤها في الذراع، تستخدم عادة للتحكم في أجهزة الكمبيوتر والهواتف من خلال الحركة، من دون لمس الأجهزة. وهي تعمل من خلال IMG SIGNAL، أي تقوم بتلقي الإشارات من اليد عبر العضل والعصب وتقوم بقراءتهم عبر MICRO CONTROLLER اسمه ARDUINO  وهي لوحة إلكترونية سهلة الاستخدام قادرة على قراءة المدخلات على جهاز استشعار موصول بتقنية البلوتوث تخفيفاً لاستعمال الكابلات، وتستطيع تحويلها إلى أوامر، وحركات ميكانيكية.

اليد –النموذج تستطيع القيام بثماني حركات فقط وهي تحريك الأصابع وبسط الكفّ والإشارة إلى شيء معين وفتح الباب وغيرها من الحركات، وهي مصنوعة من مادة pla وهو نوع من البلاستيك العضوي الذي لا يؤدي إلى أية أعراض جانبية، وهي مادة صديقة للبيئة ويمكن بسهولة أن تتحول إلى سكر، ويتم استخدام هذه المادة في الطابعات الثلاثية الأبعاد، وقد تمت صناعة اليد عبر طابعات 3D، التي لا زال مصنعيها يحتكرون السوق.

يقول حركة إنه “عندما قررت انجاز الذراع في لبنان، استعنت بجمعية arcenciel التي أرشدتني إلى الشاب علي سرحان الذي كان المساعد الأول في إتمام التجارب العملية خلال عملية البحث. المرحلة الأصعب في المشروع كانت دراسة الأعصاب المسؤولة عن حركة اليد وتحليلها. فقد تمكنت المجسّات من إلتقاط الفولتاج الكهربائي الذي يمر داخل العصب وصولاً إلى العضل، ولكن بقيت الصعوبة الأكبر في تحليل الفولتاج المتغير مع كل حركة تقوم بها الذراع”.

بلغت تكلفة صناعة الذراع 1200 دولار في لبنان. وجد حركة أن التكلفة مرتفعة، خصوصاً بعدما لاحظ أن سوق طباعة المواد ثلاثية الأبعاد محتكرة من قبل بعض الشركات. يشير حركة إلى أنه قام بطباعتها خارج لبنان بكلفة 800$، موضحاً أنه “لو قدر لي أن أقوم بتنفيذها وطباعتها في أميركا أو أوروبا لكانت أقل تكلفة مما هي عليه الآن، وكنت أعمل على صناعة الذراع خطوة بخطوة، لأنني كنت أنتظر أن أقبض راتبي الشهري من المنظمة لكي أستطيع تنفيذ الخطوات الناقصة، وقد بلغت التكلفة الاجمالية حتى الان 2000$، وفي حال أردت تنفيذها مجدداً، ستكون تكلفة صناعتها منخفضة، وسيستطيع أي شخص شراءها ليستعيد استقلاليته، والمعلومة الأهم أن يداً كهذه لا تحتاج الى جراحة ولا تحتاج إلى الكثير من التدريب، كما يستطيع مستخدم هذه اليد أن يحمل ما مقداره 15 كيلوغرام في كل إصبع وبوزن إجمالي 60 كيلوغرام لكل اليد”.

لمن تصنع هذه اليد؟

انطلاقا من الهدف الإنساني، يقوم منار بتصنيع هذه الذراع للأشخاص الذين فقدوا أذرعتهم خلال الحوادث، وليثبت لمحتكري هذه الصناعة أنه يجب أن نقدم هذه اليد بأقل سعر ممكن ليستطيع ذوي الحاجات الخاصة أن يستخدمونها في سبيل استعادة استقلاليتهم. الهدف من هذه اليد بحسب حركة، هو تمكنها من إعطاء صاحبها فرصة لعب الموسيقى على البيانو، “وأعتقد أن هذا الحلم قاب قوسين أو أدنى من خمس سنوات”.

لا يفكر حركة في الحصول على أي تمويل مادي من أحد، نظراً لكون الممول” ينظر إلى العامل الربحي، أكثر من العامل الإنساني، ولذلك أعمل بهدوء على إنجاز هذا المشروع”، كما يضيف أن “الذراع لم تصبح جاهزة بعد ليتم طرحها في الأسواق العربية والعالمية، لأنني بحاجة إلى إضافة عدد كبير من التعديلات والحركات وأجهزة الاستشعار، وأتمنى ألا تبلغ كلفتها أكثر من 5000$، وأعمل في الوقت الحالي على نموذج أكثر تطوراً”.

ما هو مستقبل الذراع؟

لم يكن منار يعرف كيف سيقوم بتنفيذ هذا المشروع الصناعي، لكن الإصرار على المتابعة والقراءة المعمقة للأبحاث العلمية “ساعدتني في تخطي عقبة الطب والهندسة، بحيث لا نحتاج إلى أن نكون أطباء أو مهندسين لننفذ مشروعاً معيناً، لا بل يمكننا أن نقرأ ونستعين بعدد من الخبراء والمختصين للمساعدة، لنستطيع الوصول إلى حلّ لأية معضلة قد تقع أمامنا، والدراسات مفتوحة المصدر باللغة الإنكليزية ساعدتني على إيجاد الثغرات التي كنت أجهلها، وهذا ما شجعني على التعلم من أخطائي في كل مرة”.

تشكل اليد النموذجية خطوة أساسية نحو المشروع الأهم: “يد عازف البيانو” كما يصفها حركة، بحيث يعمل على صناعة ذراع تقلد ذراع الانسان الطبيعية، وخصوصاً قوة اليد الجديدة على حصول التماس بين الابهام والبنصر، وسيحقق منار حلمه بجعل اليد قادرة على إرسال الأوامر من الدماغ إلى الأعصاب، ومن ثم إلى العضل، لتبدأ الحركة الميكانيكية، على أن يكون الطرف مليئاً بالطاقة الكهربائية. وسيستفيد عازفو الآلات الموسيقية من الذراع الجديدة، ومن المؤكد بحسب منار أن هذه الذراع لن تكون “حلماً بعيداً لأي شاب/ة أو طفل/ة أو أي محتاج، وهدفي إنساني لا مادي”.

لاقى ابتكار منار حركة إعجاب الأساتذة في جامعته. وقد كرمته جمعية “الأمل للرعاية والتنمية الاجتماعية” باعتباره أحد المهتمين بتطوير قدرات ذوي الاحتياجات الخاصة، بينما لا تزال أجهزة الدولة اللبنانية غائبة عن الطاقات الإبداعية المتوفرة لدى مواطنيه، والتي تستغلها الدول المتطورة في المهجر.