لفائف السوشي… غش في المأكولات البحرية

');

وينستون روس

نيوزويك

في كوخ صغير في يوجين، ولاية أوريغون، وفي حي كان يُعتبر حتى زمنٍ قريبٍ مكاناً يسهل فيه إيجاد مخدر الميث بدلاً من وجبة طعامٍ محترمة، يقوم تارو كوباياشي بتقطيع شرائح زهرية من سمكة تونا لم أر مثيلاً لها من قبل.

كوباياشي هو المالك ورئيس الطهاة لمطعم إسمه مامي، الذي لا يتسع لأكثر من ١٩ شخصاً في آنٍ واحد، وفي حال لم تقم بحجزٍ مسبقٍ، فقد لا يمكنك أن تحشر نفسك في المطعم قبل العاشرة مساءً على أقل تقدير. والأمر يستأهل أن تحشر نفسك في هذه الزحمة أو أن تتصل مسبقاً —وهذا لأن كوباياشي يتأكد بنفسه من مصدر أسماكه، من أين أتت ومن اصطادها ومن أي بقعة مياهٍ أتت.

لحم التونا الطازج المستعمل في تحضير سوشي التونا النيء. -رويترز

ولا يشتري كوباياشي الأسماك خارج موسمها، فهو يعتمد على تلك التي حان موسم اصطيادها ومهما حاول زبائنه أن يدفعوه لتقديم أسماك من خارج الموسم. وباستطاعة كوباياشي إخبارك لماذا هو مفضل أن تنتظر خمسة أيام قبل أن تقوم بتقديم لحم سمك التونا (لأن الوقت يسمح للحم التونا بالتخلص من آثار التوتر الذي تعانيه سمكة التونا عند اصطيادها والذي يؤثر في مذاق لحم تلك الأسماك)، أو كيف أن الجزء الأصفر  على لحم الإسكالوب المحُمّر القادم من نانتكت يعني أن المحارات هي أنثى. ومعرفة أسماكه ”أمر جد مهم،“ بحسب كوباياشي . وعندما يتم سؤاله عن اللحم المجهول الذي يتم تقديمه في مطاعم السوشي حول العالم، يُجيب كوباياشي ”أنتم تستحقون ما هو أفضل من ذلك.“

وقد تعتقدون أن هوسه بالتركيز على نوعية المأكولات وجودتها أمر مألوف في مطبخ يقدم أسماكاً نيئة، لكن الأمر لا يجري على هذا النحو. وحتى مع نشر مقال استقصائي في الصحف العام الماضي حول الغش الحاصل في أسواق السمك، حيث يتم بيع أنواع أسماك على أنها أسماك من نوع آخر، أو قطع لحم علف أو طعم للسمك على أنها قطع لحم أسماك حقيقية، مازال هناك الكثير من الأشخاص ممن يقعون ضحية لحوم أسماك غير حقيقية. ففي شهر نوفمبر من العام الماضي، قامت منظمة أوشيانا غير الربحية التي تُعنى باستدامة الثروة السمكية، بإصدار تقرير عن نظرتها للغش الحاصل في قطاع الثروة السمكية على الصعيد العالمي. الأخبار كانت بمعظمها سيئة. فعلى صعيد المعدل الوسطي، فإن نسبة الطعام البحري الذي يتم تصنيفه خطأً  كان نحو ٣٠ في المئة خلال العقود الماضية، بحسب تحليل لـ٥١ دراسة مقارنة عن القطاع تم نشرها عام ٢٠٠٥. ”إن منتجات السمك النهّاش مُصنفة بطريقة خاطئة على أنها ذلك؟“ يقول كوباياشي في معرض استناده لنسخة سابقة من تقرير لـ أوشيانا. ” إن هذا لجنون. يجب أن نُجنُّ غضباً كأمة.“

على أن الصناعة المتعلقة بالأسماك تتغير باستمرار. فرؤساء مطاعم السوشي أصبحوا ملمين بموضوع الغش، وتُجاهد الصناعة لملاقاة احتياجاتهم من السمك الحقيقي ذو المصدر الموثوق.

إذا لم يكن مصدر المأكولات البحرية موثوقاً، فلربما ما تأكله لم يكن بالسمكة المصنفة في لائحة الطعام! ولربما تأكلون أسماكاً أدنى نوعية منها. -رويترز

وتُعبر مدينة أوريغون في بورتلاند إحدى مراكز المأكولات البحرية ذات المصدر المعروف والموثوق في الولايات المتحدة. ففي مطعم بامبو سوشي، أي سوشي الخيزران، في بورتلاند، فإن كل مُكَوِّن على لائحة الطعام يُبيّين نوع السمك المستعمل، وهو ما يوفر للزبائن معرفة نوع السمك أو المأكولات البحرية الأخري التي يتناولونها، ومصدرها. ويُعتبر مطعم بامبو واحد من حفنة قليلة من مطاعم السوشي على صعيد أميركا ككل التي تُقدّم لزبائنها معلومات عما يأكلون ومصدر الطعام الذي في صحونهم. والسبب الذي نادرا ما تسمعه هو أنه من الصعب تخزين المأكولات البحرية ذات الجودة العالية لفترة طويلة، بحسب مؤسس المطعم، كريستوفر لوفغرين. ”معظم مطاعم السوشي المحلية هي مطاعم ما نسميه بـ الأم والأب (مطاعم عائلية محلية صغيرة)،“ يقول لوفغرين. “إذا ما إحتاجوا للسمك، سيتصلون بموردهم المحلي الذي سيسألهم عن المبلغ الذين هم على استعداد لانفاقه علـى السمك وبالتالي ينتهون بشراء أسماك ضمن مقدرتهم المادية لتقديمها للزبائن لاحقاً.“

على أن هذه الأسماك المتوسطة الأسعار لا يعتبرها لوفغرين مقبولة، فهو يريد جميع أسماكه أن تكون ذات جودة عالية وبأسعار مقبولة، ولهذا فهو قد قام بالمفاوضة على صفقة طويلة الأمد مع إحدى أفضل مراكب الصيد التي استطاع ايجادها. وقد احتاجه الأمر، من أجل بناء خط توريد مستدام، نحو ١٨ شهراً، لكنه ومع كل هذا الجهد، فهو قد استطاع التغلب على أكبر عقبة في طريق مشروعه، ألا وهي الغش في نوعية لحوم الأسماك والمأكولات البحرية. فتوريد المأكولات البحرية للولايات المتحدة يعتمد على سلسلة معقدة من المصادر. فنحو ٩٢ في المئة من المأكولات البحرية المستهلكة في أميركا هي مستوردة بحسب فيل ويردال، رئيس شركة ترايس ريجيستر ومقرها سياتل، والتي تُقدّم نظام تعقّب لأصل الطعام لزبائن في ٤٠ دولة. فمعظم ما يصل للموانيء حول العالم يأتي عبر عشرات الألاف من الصيادين . ولا يوجد نظام تعقّب لكل هذه الصناديق والحمولات. وبينما ينتقل الصيد من منصة لمرفأ ولمعمل تصنيع ومن ثم لشاحنات التبريد، فإنها معرضة في أي وقت لتبديل أو خلط في أوراق تعريفها. الشارون ممن لديهم نفوذ قد يستطيعون الوصول لمكان قريب في المرفأ للتأكد من ومعاينة البضاعة التي دفعوا ثمنها. لكن مطاعم السوشي الصغيرة ليس باستطاعتها فعل ذلك.

سمكة التونا ذات الزعانف الصفراء هي من الأسماك المطلوبة في تحضير طبق السوشي الياباني الخاص بها. -رويترز

وقد تبين أنه في إيطاليا، فإن ٨٢ في المئة من النماذج التي حصلت عليها أوشيانا وحللتها، هي نماذج تم تصنيفها بشكل خاطيء من السمك النهّاش إلى أبو سيف، وبالأخص عند وصولها للمطاعم أو المحال التجارية. ومن المفارقة أن سمكة السلور الأسيوي ذات اللحم الأبيض، يتم تقديمها للزبائن على أنها لحم ١٨ نوعاً من الأسماك الأغلى ثمناً ويحدث الخلط عند إنتقال هذه اللحوم بين البائع والشاري. وفي دراسة أعدتها جامعة UCLA و جامعة لويولا ماريماونت وتناولت ٢٦ مطعما بين عامي ٢٠١٢ و٢٠١٥، فقد تبين أن نحو نصف المأكولات البحرية في لوس أنجيليس هي مُصنّفة بغير صفتها الحقيقية.

ورويدا، فقد بدأ قطاع المأكولات البحرية يشهد يقظة وتجاوباً مع المخاوف من عمليات الغش. وفي عام ٢٠١٦، أطلق الرئيس الأميركي آنذاك، باراك أوباما، برنامجا لمراقبة واردات المأكولات البحرية للولايات المتحدة، والتي، في حال لم تقم الإدارة الأميركية الجديدة بسحق هذا البرنامج، فإنه من المتوقع له أ يبدأ العمل في مطلع يناير من العام ٢٠١٨. ويقوم البرنامج على فرض قيود تشدد من الرقابة على نوعية ومصدر المأكولات البحرية المستوردة، وتؤسس لعمليات معاينة عشوائية مستقبلا للتأكد من صحة وجودة الواردات ومطابقتها للتصنيف المذكور على غلافها. على أن البرنامة لا يغطي كافة أنواع الأسماك والأكولات البحرية، ”إلا أنه يُعتبر بحد ذاته خطوة أفضل من لا شيء،“ بحسب بيث لويل من أوشيانا.

وفي يناير من هذا العام، قام معهد الثروة السمكية الوطني بمقاضاة الحكومة الفيدرالية الأميركية من أجل وقف رقابة البرنامج المذكور أنفاً. وبحسب ما ذكره الناطق الرسمي بإسم المعهد، غافين غيبونز لمجلة نيوزويك، فإن هناك قواعد ممتازة ومؤهلة للرقابة على المأكولات البحرية وكشف الغش. ويؤكد أن كل ما يحتاجه الأمور هو تفعيل هذه القواعد. ففي عام ٢٠١٦ قام مكتب المدعي العام في مقاطعة سانتا كلارا من كشف مطعم في شمال كاليفورنيا يحاول تمرير سمك تيلابا المستولد في المزارع على أنها لحوم سمك أبوموسى، وكان حجم الغرامة $١٢٠ ألف دولار. وفي عام ٢٠١٥، قام المدعي المدينة العام في سان دييغو بتغريم ثمانية مطاعم سوشي لقيامهم بغش زبائنهم لناحية نوع ومصدر الأطعمة.

العديد من المأكولات البحرية التي تجدها في صحنك قد تكون أسماكاً مخلوطة بـ طُعم السمك وغيرها من المواد. لذا فالسؤال عن أصل الطعام ونوعه أمران ضروريان. -رويترز

،يبدو أن هذا النوع من الرقابة في الظل بالاضافة لاستيراد أجود أنواع الأسماك، بيدو أنه يفيد المطاعم. ففي عام ٢٠٠٨، أي نفس العام الذي افتتح فيه مطعم بامبو سوشي أول مطاعمه في بورتلاند، قام بخدمة ٣٠ ألف زبون. وبعد ثمانية أعوام، إرتفع هذا الرقم لـ٣٦٠ ألف زبون.وزبائن لوفغرين لا يسألون كثيراً عن أصل الأسماك التي يتناولونها كما كانوا يفعلون منذ أعوام خلت، حسبما يقول. إلا أن هذا يمكن أن يعود الى أن زبائن بامبو سوشي يثقون المطعم ومنتجاته. أما بالنسبة لمطاعم  الأم والأب (مطاعم عائلية محلية صغيرة) ”فهم لا يزالون غير مهتمين… ما يهمهم هو هل هناك زيون آتٍ  أم لا.“

إن حجم الصيد الذي يوافق عليه مجلس الرقابة على البحار قد ارتفع ٦ في المئة منذ العام ٢٠١٤ فيما ارتفع عدد المطاعم والمصانع والمتعهدين المتعاملين مع المجلس من ٢٨٧٩ إلى ٣٣٣٤. وهو ما يدل على سبب اكتظاظ مطعم مامي في معظم الليالي. ”أريد لأطفال الناس أن يتناولوا هذه التونا،“ يقول كوباياشي، مشيراً إلى شريحة حمراء من سمكة ذات عين كبيرة. ”لقد تم اصطيادها في المياه المنتشرة بيننا وبين هاواي. إنه جزء من عملي أن أعرف ما هو الأفضل.“

Facebook Comments

Post a comment