لماذا تغضبهم “السعودية الجديدة”؟

أمجد المنيف

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

“ما أعرفه عن السعودية هو أنها بلد تصعب زيارته، والآن هو ينفتح على العالم وهذا أمرٌ جيد”، هذا الكلام لأحد البريطانيين الذين استطلعت الـBBC آراءهم حول زيارة ولي العهد السعودي لبريطانيا.

بريطاني آخر، تحدث عن الأمير محمد بن سلمان، قائلاً: “أعتقد أن ما يقوم به شيء جيد، كاعتقال الأشخاص الذين ثبت تورطهم في الفساد”.

وقالت ثالثة: “عملنا على مشروع عن السعودية لأننا نعمل في مجال الإعلان، لذا نعلم عن جميع الأشياء التي يقوم بها (الأمير محمد بن سلمان) كالسماح للمرأة بالقيادة وأشياء أخرى. لديه نظرة تقدمية”.

وهناك آراء أخرى، كلها من الشارع البريطاني، وليست موجهة من الداخل العربي، تُترجم زيارة ولي العهد السعودي الأخيرة لبريطانيا بلغتها العفوية الشعبية، حديث الشارع، والترحيب بالانفتاح على السعودية، والتعاون معها، والمشاركة في مشروعها الحديث “السعودية الجديدة”، عبر “رؤية السعودية 2030”.

إن الحديث عن الحالة السعودية في بريطانيا، لا يختلف كثيرًا عنه في الولايات المتحدة الأميركية أو في فرنسا؛ واخترت الاستشهاد بلندن لأن صحافتها، وخصوصًا اليسارية منها، دأبت على مهاجمة المملكة العربية السعودية تحت ذرائع شتّى كحقوق الإنسان والمساواة، وتقوم بتوجيه الرأي العام هناك وفقًا لسياقات متنوعة.

لهذا، لم أكن محتاجًا للتقديم – من وجهة نظري – لأتحدث عمَّا تحظى به الرياض من دعم وتأثير عالمي، وإنما اخترت آراء من داخل الدول التي طالما حملت تصورات تقليدية عن السعودية القديمة، لتعبر بشكل واضح عن الطريقة التي ينظر بها الآخرون للسعودية الجديدة.  في الوقت نفسه، لم تكن تلك الاقتباسات لرجال سياسة واقتصاد، محكومين بمصالح وبروتوكولات ومجاملات، بل أناس عاديون، استوقفتهم الصحافة في عرض الشارع، ليتحدثوا بلا حسابات ولا أجندة.

الأمر المهم، الذي لا يبدو أن كثيرين قد استوعبوه، هو التغير الكبير في المشهد السعودي، الذي حمل تحولات في كل حقل؛ لذا بات من الطبيعي أن تسمع “لم تكن السعودية هكذا…”، أو أن هذا التصرف لم يكن معهودًا على الرياض، فهو لا يشبه طريقتها. وهذا صحيح ومعلوم.

لدى الرياض – اليوم – سياسة خارجية جادة وواضحة، أكثر من أي وقت مضى، ومباشرة في تصنيفاتها للحلفاء وغير الحلفاء. وباتت أقل اهتمامًا بمن يصفون أنفسهم بـ”المحايدين”. منظومتها الدفاعية مستعدة وعلى قدر عالٍ من التجهيز، يتزامن معه انفتاح على أسواق تسلُّح جديدة، كروسيا والصين، يرفدها حراك لا يتوقف نحو توطين المحتوى المحلي على هذا الصعيد، ونقل التقنية.

الاقتصاد يعيش أهم مرحلة تحول تنموية في تاريخ الدولة، ويتبنى المسؤولون السعوديون خطة طموحة لتنويع مصادر الدخل، والاستفادة من الموارد الكامنة، وإعادة هيكلة الأسواق. بالتوازي، تعيش السعودية حراكًا مجتمعيًا كبيرًا، تدعمه الأنظمة الحديثة في قطاع الترفيه والاستثمار، بالإضافة إلى بعض المراجعات لمجموعة من القوانين، التي لا تشبه المرحلة.

بلا شك أن السعودية رائدة في المنطقة، وذات تأثير كبير في التحالفات العربية والإسلامية، وتقود “التحالف العربي” في اليمن، و”التحالف الإسلامي العسكري”، ومن دول العشرين، ولاعب رئيس في منظمة الدول المصدرة للنفط “أوبك”…

ومع كل ما سبق وتقدم، هناك مشكلة قديمة، تمر وتغيب، وفقًا لمتغيرات مختلفة، لكنها مزروعة في العمق، لدى بعض المنتمين لبعض الدول العربية، والمتمثلة في عدم الرغبة بمشاهدة “الخليج الحديث”، إذ يعزّ عليهم أن يروا في الخليجي -الذي لطالما وضعوه في إطار البدوي التقليدي، الساكن وسط الصحراء- بإمكانات قادرة على إحداث هذا الحجم من التغيير، والانتقال لصورة رجل المدينة وباني الصحراء. الأمر لا يتعلق بالحقائق والأرقام، وإنما بالرغبة في اختزاله وفق سياق زمني قديم، والتغاضي عن كل التحولات والنجاح.

ينتقدوننا إذا قمنا بالإصلاح، وإذا لم نقم به

الكثيرون، ممن ذكرت أعلاه، وآخرون غيرهم، يستخدمون ذات الحجج التي كانوا يهاجمون السعودية بها (غياب أشياء أو منعها)، لمهاجمتها بعد السماح بتلك الأشياء وتوفرها. لا يهمهم الإصلاح الحقيقي ولا الحقوق ولا العدل، ولا حتى جودة الحياة. إنهم يبحثون عن كل ما يشيع السلبية، وينشر الاحتقان، ويسبب الفوضى.. لكنهم يفشلون! يحاولون أن يؤطروا السعودية في سياقات قديمة، لا تشبه حيويتها وريادتها وطموحها. لا أحد يمكن أن يقف في وجه التاريخ والتقنية والتغيير، الحقيقة أقوى دائمًا من الأحلام.

بالعودة للوراء قليلاً، نجد أنه إبان الخمسينيات والستينيات، كانت هناك فجوة حقيقية بين العرب في رؤية بعضهم لبعض، ولنكون أكثر تحديدًا، الرؤية التي روج لها المعسكر الناصري الذي كان يصف نفسه والدول المنخرطة في فلكه بالدول التقدمية، مقابل الدول الرجعية، وهو هنا يشير للدول الملكية، وعلى رأسها السعودية ودول الخليج.

أكثر من نصف قرن مضى، كان فيه حال الدول “التقدمية” أكثر استقرارًا، ولديها – حينذاك – من الموارد وشروط التنمية ما يجعلها – اليوم – في مصاف دول مثل: كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وغيرها. في مقابل ذلك، كانت الدول الملكية التي يوصمها هذا المعسكر بالرجعية، في حالة يصح وصفها بـ”شظف العيش”، وفقر على مستوى الموارد والثروات والبنية التحتية.

لم يرث الملك سعود أو الملك فيصل – على سبيل المثال – ما ورثه عبدالناصر من النظام الملكي الذي انقلب عليه من بنية تحتية متقدمة، وموارد دخل وضعت – حينها – مصر ضمن دول العالم المتقدم. والأكثر أهمية، أنه بعد ازدهار اكتشاف النفط كسلعة هي الأثمن في عصرنا الحديث، كانت عراق البعث وليبيا القذافي الذي ثار على الملكية، وبما تملكانه من موارد نفطية هائلة وغير نفطية، مؤهلتين لأن تقارعا أكثر الدول الأوروبية تقدمًا. مضى أكثر من نصف قرن على هذه الحال، تأخرت الدول “التقدمية”، وتقدمت الدول “الرجعية”.

اليوم لا يمكن أن إنكار مستوى الأمن والاستقرار في الدول الملكية، حتى تلك الفقيرة الموارد منها، في مقابل ما آلت إليه أحوال الدول الثورية. وعلى الرغم من أن الحقيقة باتت واضحة ترويها أحداث التاريخ، فإنه – مع الأسف – لا يزال هناك بعض العرب ممن هو متلبسٌ بهذه النظرة الدونية والتحقيرية للدول الملكية، وخصوصًا للمملكة ودول الخليج، إذ لا يرى فيها أنها دول مؤهلة لصناعة تنمية، وبناء دولة حديثة كما هو العالم المتقدم.

هذه الرؤية المبنية على احتقار ثقافي ضمني لا علاقة لها بشروط التحليل الموضوعي للواقع، ربَّما يجعل من حق عرب الخليج استعارة سؤال الكاتب الأميركي فريد زكريا الشهير، بُعيد أحداث سبتمبر: “لماذا يكرهوننا؟”، أو ربَّما “لماذا يحتقروننا؟!”. سؤال نتمنى أن يسبر الباحثون في الخليج أغواره، واستكناه جميع جوانبه؛ لأن ما نراه من مظاهر التقليل من بعض الأخوة العرب لمحاولات دول الخليج في إطلاق البرامج التنموية يجعلنا بالفعل نتساءل في ذهول عن جذور هذه النظرة الشوفينية المتعجرفة لقدرات أبناء شعب الخليج في التطوير والتحديث.

السؤال: هل يمكن إطلاق وصف “الدول العربية القديمة”؟ كما قال زير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد يومًا “أوروبا القديمة”.. وبغض النظر عن اختلاف السياق، لكن من الضروري التنبه لولادة عهد جديد.

اليوم، أكتب وولي العهد السعودي يجول في أميركا، يلتقي أهم المسؤولين في شتى القطاعات، بعد استقبال كبير في البيت الأبيض، ولقاءات مع مؤسسات ومنظمات سياسية ودبلوماسية وأمنية واقتصادية وثقافية، واهتمام بالقيادات الدينية؛ انفتاح على الآخر، بكل ما يملك من معرفة وثقافة، ونقل التجربة وفق الأطر المحلية.

كيف تختصر المشهد؟ وقع الأمير محمد بن سلمان، أخيرًا، مذكرة تفاهم مع “سوفت بنك” لإنشاء أكبر مشروع للطاقة الشمسية في العالم لإنتاج 200 غيغاوات في السعودية بقيمة إجمالية تصل إلى 200 مليار دولار، وغيرها من الشراكات أكثر وقعًا وأهمية.

من طبيعة الشعوب العربية التعلق بالقادة، الأقوياء الذين يصنعون الفرق.

الوطن العربي – اليوم – يفتقد القائد الملهم، وأظن أن ما يفعله الأمير محمد بن سلمان للسعودية والسعوديين حلم كل عربي، أظنه الأيقونة العربية المتجددة، المجدد الشاب، الذي ينطلق من تاريخ جدّه، متجهًا إلى المستقبل. إنها المعادلة الصعبة، التوفيق بين أعمدة الخيمة الراسية وأرجل الروبوت المتأهبة للقفز.

والسلام

Facebook Comments

Leave a Reply