ماذا تريد السيّدة؟

  بقلم لينوكس صامويلز
ومساهمة من لاري جيغان

نيوزويك

يستمع اثنان في العشرينيّات من عمرهما يرتديان القمصان، مع وجود طنين خافت في مطعم “هاوس أوف ميموريز” وهو مطعم شهير في يانغون، بفارغ الصبر إلى أسئلة أحد الزوار عن أونغ سان سو كي، زعيمة ميانمار. 

يُزعم أن الجيش قام على بعد حوالي 600 ميل من المدينة الرئيسيّة بعمليّات التطهير العرقيّ ضد مسلمي الروهينغا في ولاية راخين الغربيّة، ويريد الزائر معرفة ما إذا كانوا يعتقدون أن سو كي قد تغاضت عن هذه الأفعال.

ويشيران بينما هما يمضغان سلطة المأكولات البحريّة والخضراوات المقليّة بصوت عالٍ إلى سائحين يابانيّين يتناولون الطعام في المائدة المجاورة، ويتمتم أحدهما للآخر قبل أن يصرّح أحدهم أخيراً بنبرة صوتٍ حزينة ومتحدّية في الوقت نفسه: “أنا أحبها”. “وعلى أيّ حال”، يقول عن الروهينغا: “هؤلاء ليسوا بورميّين”.

هذه عبارة شائعة ومشتركة بين بوذيّي بورما في ميانمار، الأغلبيّة العرقيّة في البلاد. إنهم ينظرون إلى سو كي (72 عاماً) باعتبارها واحدة منهم. وهي الابنة الصغرى المعشوقة للجنرال أونغ سان، الذي قاد المعركة ضد البريطانيّين قبل أن يغتاله السياسيّون المنافسون له قبل أشهر فقط من منح لندن الاستقلال للبلاد في العام 1947. وهي وطنيّة بشكل متطرف تعلمت في أكسفورد وعارضت النظام العسكريّ لعقود من الزمن ، وهو النظام الذي استولى على السلطة في العام 1962 وأدخل الحكم الدكتاتوريّ الى البلاد. إنها المنشقّة الجامحة التي أصبحت واجهة الاحتجاجات ضد الجيش في كل أنحاء البلاد في العام 1988، قبل أن يقوم الجيش بتضييق  الخناق عليهم، وقتل الآلاف من المواطنين. قضت السيدة، كما تُعرف سو كي في ميانمار، أكثر من عقد من الزمان تحت الإقامة الجبريّة. كانت مقاومتها شرسة للغاية، حتى إنها رفضت السفر إلى إنجلترا لحضور جنازة زوجها البريطانيّ، مايكل آريس، خوفاُ من ألا يسمح لها المجلس العسكريّ بالعودة إلى وطنها. في العام 1991، فازت بجائزة نوبل للسلام لالتزامها بالنضال السلميّ، من أجل الديمقراطيّة وحقوق الإنسان.

استمر هذا الكفاح لعقدين آخرين، وبحلول عام 2015 قرّر الرئيس آنذاك ثين سين إجراء انتخابات حرّة في محاولة للتأكد من أن الغرب لن يعيد فرض عقوبات اقتصاديّة تشلّ البلاد. فاز حزب سو كي، الذي يمثل الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطية (NLD)، وشكّل حكومة مدنيّة ترأسها الآن المُنشقّة السابقة مستشارةً للدولة.

ومع ذلك، اليوم وبعد مرور حوالي ثلاث سنوات على هذه المنافسة، أدانها النقاد لقيامها، من بين جرائم أخرى، بالتضحية بالروهنغيين عديمي الجنسية، والتراجع عن حرية الصحافة، وفشلها في إقامة سلام مع جماعات متشدّدة مختلفة، وأخيراً، للاعتقاد بأن بإمكانها جعل  الجنرالات يوافقونها الرأي حول كل ما سبق. يقول أنتوني ديفيس، المحلّل في شركة “جين”، وهي شركة بريطانيّة تقدّم معلومات عسكريّة ودفاعيّة وأمنيّة وطنيّة: “الحقيقة هي أن سو كي كانت رائعة باعتبارها رمزاً ديموقراطياُ يعمل من الخارج”. “لقد أخطأت بدخولها إلى السلطة. لقد أصبحت ستاراً ورهينة للجيش “.

أونغ سان سو كيي كانت يوماً ما ناشطة في مسائل حقوق الإنسان… أما اليوم، فهي متهمة بالتغاضي عن المجازر التي يتعرض لها أقلية الروهينجا المسلمة هناك

إلا أن الجنرالات ليسوا سعداء بأيّ غطاء قدمته. يقول أحد كبار الضباط المتقاعدين الذين لهم صلات مع القائد العام، كبير الجنرالات أونغ هلينغ: “لم تقم بدورها في هذا الخصوص وفشلت في حماية الجيش من الضغط الغربيّ”. (مثل الآخرين الذين تمّت مقابلتهم لهذه القصة، طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسيّة الموضوع. لم تردّ سو كي ولا مكتبها على طلبات التعليق).

كان سقوط سو كي سقوطاً حاداً. لكن الكثيرين يقولون: إنها ضحية لتوقّعات عالية من أولئك الذين كانوا يرونها دائماً على أنها خليط بين الأم تيريزا وجان دارك. واحتجّت في مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانيّة العام الماضي قائلة: “أنا مجرد سياسيّة”. بعد فوزها في الانتخابات، انتقلت من ناشطة خارجيّة إلى مطّلعة سياسيّة أساسيّة، ولكنها مطّلعة عالقة بين حكومتين متوازيتين. ظاهرياً هي رئيسة ميانمار، ولكنها مقيّدة من قبل الجيش القويّ للبلاد، الذي لا يزال مسؤولاً عن طريق الولاية الدستوريّة. ويقول محلّلون: إن حزبها لم يظهر مهارة كبيرة في الحكم أو المناورة حول عصابة الجنرالات الماكرة. ويعتقد كثيرون أن سو كي  أصيبت بالشلل بسبب حذرها وحاجتها إلى السيطرة، فلقد فشلت في تحسين أزمة الروهينغا لأنها حذرة للغاية من العداء الشديد للأغلبية العظمى للمجموعة المسلمة.

يقول خين زاو وين، وهو سجين سياسيّ سابق يدير الآن معهد تامباديبا في يانغون، وهو مؤسسة بحثيّة للدفاع عن الرأي العام: “إنها قوميّة”، وأضاف: “كثير من البورميّين يكرهون الروهينغا، وهي من بينهم”.

قبل ثلاث سنوات، عندما سعت سو كي إلى الفوز، كان أتباعها مبتهجين، ولكنهم كانوا أيضاً مدركين للعقبات التي تنتظرهم. نعم، كان الجيش قد سمح للنتائج بأن تصمد – لكنه فعل ذلك وهو يعلم أنه سيحتفظ بمعظم السلطة. في العام 2008، فرض الجنرالات دستوراً جديداً يحتفظ للجيش بنسبة 25٪ من مقاعد البرلمان، إلى جانب السيطرة على الوزارات الرئيسيّة: الدفاع، ومراقبة الحدود، والشؤون الداخليّة. وضع آخرها الجيش مسؤولاً عن البيروقراطيّة المترامية الأطراف التي تجمع الضرائب وتسجل كل شيء من شراء الأراضي إلى الوفيّات. وقد جعلت هذه السلطات للجيش وصولاً استثنائياً إلى المعلومات الشخصيّة والتجاريّة للمواطنين، بالإضافة إلى مصادر الثروة في البلد.

أدخلت القوات المسلحة أيضاً فقرة في الدستور تمنع أيّ شخص لديه أفراد في أسرته من المواطنين الأجانب من أن يكون رئيساً. ويرى النقاد أن هذا الحكم كان يهدف صراحةً إلى إحباط سو كي، التي لم تكن متزوجة من آريس فحسب، بل أنجبت منه ولدين من الرعايا البريطانيّين. عندما فازت الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة، اتخذت سو كي  لقب مستشار الدولة؛ لأن الدستور منعها من أن تكون رئيسة للبلاد. (يصرّ المسؤول العسكريّ المتقاعد على أن المبادئ الواردة في دستور عام 2008 هي أفضل ضمان لاستمرار السلام والاستقرار في البلاد).

واليوم، يُلقي المدافعون عن سو كي اللوم على هذا الدستور؛ لأنه يمنعها من وقف الطرد القسريّ والتشويه والقتل والاغتصاب للروهينغا في ولاية راخين. بدأت الحملة العسكريّة على مجموعة المسلمين في السبعينيّات. وقد بدأت الأزمة الأخيرة في أغسطس/ آب الماضي، ومنذ ذلك الحين، فرّ نحو 700 ألف من سكان البلاد من الروهينغا البالغ عددهم نحو 1.1 مليون إلى بنغلاديش. وتقول الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان: إن الجيش قام بمذبحة، حيث أحرق قرى الروهينغيين الفارّين. يشير أنصار سو كي، بدقة، إلى أنها لا تملك السيطرة على الجنرالات. يعمل الجيش بشكل مستقل، حتى إنه يضع الميزانيّة الخاصة به، والتي بلغ مجموعها في العام 2017 ما قيمته 2.14 مليار دولار، أي ما يقرب من 14٪ من نفقات الدولة.

ويدّعي الساخرون أن الضباط العسكريّين يريدون تخريب أيّ محاولة للتوصّل إلى اتفاق مع المجموعات العرقيّة في البلاد، ناهيك عن الروهينغا المكروهين. يقول زين لين، وهو مستشار إعلاميّ أدى أحكاماً بالسجن في سجنين منفصلين باعتباره سجيناً سياسياً: “إنها [سو كي] تتحدث عن السلام والمصالحة، ويطلق الجيش المزيد من الهجمات في المناطق العرقيّة”. “إنه يحدث الآن في ولاية كاشين.”

يقول الضابط المتقاعد لمجلة  نيوزويك: يريد الجنرالات السلام، “لكننا لن نسلم السلطة أو الأرض إلى الجيوش العرقية”. وعلى أية حال، اندلع قتال جديد في أوائل إبريل/ نيسان بين الجيش وجيش استقلال كاشين، وهي ميليشيا تضم 8000 مقاتل، وفقاً لما ورد عن جين. حتى الآن، أدّت أعمال العنف إلى تشريد أكثر من 6000 من الكاشين من منازلهم في ولاية أقصى شمال ميانمار، الواقعة جنوبي الصين. “والحقيقة هي أن داو سو لم تكن تريد حمام دم آخر في هذا البلد”، يقول زين لين، مستخدماً تعبيرات الاحترام البورميّة للمرأة الأكبر سناً أو المرأة ذات المنصب الرفيع. “إنها تريد الوحدة مع كل الجماعات العرقيّة، تريد عقداّ سياسياً. لهذا السبب كانت حذرة للغاية “.

لم ترفض سو كي الفظائع ضد الروهينغا فقط، بل لم تستخدم في الواقع كلمة روهينغا أبداً، الأمر الذي يؤكد كما يقول البعض عدم رغبتها في الاعتراف بهم باعتبارهم مجموعة منفصلة يحق لها أن تتمتع بحقوقها. ويقول النقاد: إنها قلّلت ما وصفته الأمم المتحدة بـ “أعمال الإبادة الجماعيّة” و “حالة نموذجيّة للتطهير العرقيّ”. في سبتمبر/ أيلول الماضي، في تعليقاتها الأولى حول الأزمة، ألقت سو كي اللوم على “أخبار مزيفة” لإثارة التوتّرات المرتبطة بالإسلام، مستشهدةً ب “فيض ضخم من المعلومات الخاطئة”. في مارس / آذار 2017، رفض مكتبها مزاعم الاعتداء الجنسيّ على نساء الروهينغا على أيدي الجنود البورميّين على أنه “اغتصاب مزيّف”.

يقول كين زو وين بمعهد تامباديبا: “إنهم يقولون،” أين هي الأدلة على الاغتصاب “. “حسناً، الدليل موجود في جميع من هناك [في راخين]، وخاصةً في النساء. إذا أُجريت اختبارات الحمض النوويّ، فسيكون هذا هو الدليل. بالنسبة لأونغ سان سو كي، فإن قول “أرني الدليل” ليس كافياً.

يذهب آخرون إلى أبعد من ذلك في انتقاد السيدة. يقول فيل روبرتسون، نائب مدير هيومن رايتس ووتش قسم آسيا: “يرتكب الجيش جرائم ضد الإنسانيّة ضد الروهينغا”. “ثم، وبدون تفسير، تخرج [سو كي] للدفاع تستراً عليهم”.

الجيش وسو كيي وجهان للسلطة في ميانمار

ومع ذلك، فإن دعم الروهينغا والجماعات العرقيّة الأخرى علناً ليس إستراتيجيّة سياسيّة رابحة. لا يوجد لدى ميانمار استطلاع رأي موثوق، لكن المحلّلون يقولون: إن الأغلبيّة الساحقة من البورميّين البوذيّين تكره الروهينغا، الذين يعتبرونهم أجانب ويدعون أنهم “بنغاليّين”. وقد جلبهم المستعمر البريطانيّ مما يعرف اليوم ببنغلاديش للعمل، فظلوا عديمي الجنسية دون أي حقوق في البلد التي هاجروا إليها منذ ما يقرب من قرنين من الزمان. حاول المجلس العسكريّ على مدى عقود تعزيز سلطة الأغلبيّة البورميّة من خلال منحها السيادة على جميع المجموعات العرقيّة الأخرى. يقول الدكتور ما ثيدا، وهو جراح، وكاتب وناشط، ومساعد سو كي السابق، وسجين سياسيّ سابق: “إنهم (الجيش) يحاولون ضمان السيادة البورميّة. “إنه من ناحية متعمد ومن ناحية أخرى يمثّل عدم كفاءة من جانب السلطات”.

يعترف الجيش بـ 135 مجموعة عرقيّة تشكّل 25٪ من سكان البلاد البالغ عددهم 54 مليون نسمة. يشكّل البورميّون، أو طائفة البامار 75 في المئة. تشمل أكبر مجموعات الأقليّات شان، وكارين (أو كايين)، وراخين، وكاشين وتشين. واستغلّ البورميّون هذه الجماعات لأجيال، تحت رعاية رجال عسكريّين أقوياء مؤخراً. لجأ الكثيرون إلى المقاومة، مما أدّى إلى إنشاء “المنظمات العرقيّة المسلحة” البالغ عددها 21 منظمة والتي تعمل الآن في البلاد. منذ عام 2012، دفع الجيش وحكوماته شبه المدنية – والآن الإدارة الحاكمة – للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لتحقيق مصالحة وطنيّة، وإنهاء الأعمال العدائيّة، وتدمير الجماعات المسلّحة.

ويقول الضابط المتقاعد: “لا يمكن التوصل إلى اتفاق إلا إذا وقّعت الجماعات العرقيّة على اتفاق وقف إطلاق النار”. لكن تلك المنظمات تطالب بالحكم الذاتيّ في مناطقها. اتفاق وقف إطلاق النار لا يحلّ هذه القضية، لذلك لم يوقّع على الاتفاق سوى أقلّ من نصف هذه الجماعات.

في العام 2015، دعم العديد من الناخبين العرقيّين الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة، أغوتهم، مثل أي شخص آخر، سو كي. تقول شيري زاهو، وهي ناشطة سياسيّة من تشين والمدير الإقليميّ لمعهد بروجكت 2049، وهو مركز فكر مقرّه الولايات المتحدة: “إن التشين لم يصوّتوا لصالح الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة. لقد صوّتوا لصالحها “. “ظنّ الناس العاديّون أن أونغ سان سو كي ستأتي وتطعمهم الطعام بنفسها”. يجب أن تعرف شيري أنها خاضت انتخابات البرلمان في ولاية تشين وخسرتها أمام المرشح من حزب سو كي. وتقول: إن تشين لا تزال أفقر ولاية في ميانمار، تخلو من الطرق الجيّدة والكهرباء الكافية والمستشفيات الملائمة. “الآن، يدرك الكثيرون أن سو كي لن تنقذهم” ، كما تقول: “يجب على الناس أن ينقذوا أنفسهم”

يبدو أن الكاشين قد شهدوا إدراكاً مماثلاً للحقائق في ولايتهم، خاصةً بعد هجمات الجيش في أبريل/ نيسان، الثوران الأخير أثناء القتال المتقطع الذي يعود تاريخه إلى عام 2011، واختراق هدنة وقف إطلاق نار استمرت 17 عاماً. وافقت حكومة الولاية التي يديرها حزب سو كي على المخيّمات وأجازت عمليات الإنقاذ للنازحين بسبب النزاع. لكن جيش ميانمار أعاق مثل هذه الجهود، على ما يبدو لإخفاء مدى الاضطراب.

كانت هذه حالة أخرى من حالات تراخي “حكومتيّ” الدولة. “لدينا كيانان يعملان بشكل منفصل”، يقول القس هكالام سامسون، السكرتير لجمعية كاشين المعمدانية، في مكالمة هاتفيّة من ماي أيتكينا، وهي مدينة في كاشين غارقة في الاحتجاجات المناهضة للجيش. ما يقرب من نصف سكان الولاية البالغ عددهم حوالي 800 الف هم من الطوائف المعمدانية، وتوفّر المنظّمة الإنجيليّة المساعدة للقرويّين والنازحين. يقول القس: “نحن مشوّشون جداً بشأن أونغ سان سو كي”. “إنها لا تركز على القضايا العرقيّة. إنها تركز على الديمقراطيّة والتعامل مع الحكومات الغربيّة. هذا هو السبب وراء خيبة أمل الناس فيها. إنها مقربة جداً من الجيش “.

ومن غير المرجّح أن تخفّ حدّة خيبة الأمل هذه مع استمرار تصاعد العمليات العسكريّة ضد الجماعات العرقيّة. في منتصف مايو/ أيار، قُتل ما لا يقل عن 19 شخصاً في ولاية شان، عندما قاتل الجيش جيش التحرير الوطنيّ تا انغ، وهي جماعة متمرّدة معروفة بعملياتها ضد زراعة الأفيون، بالقرب من الحدود مع الصين. يقول هكالام سامسون: إن إستراتيجية السلام التي تتبعها سو كي قد انهارت.

بعد سنوات من قذف القنابل الكلاميّة على الجنرالات، تبقى علاقة سو كي بهم مضطربة. وتقول بشكل خاص: إنه  “لا علاقة لها، ولا اتصال” بينها وبين الجنرال مين أونغ هلاينغ، حسب كلام شخص يعرفها. حاولت التقرّب من الجنرال بعد الانتخابات، لكن العنف في راخين أنهى ذلك الجهد. يقول شخص آخر يعرف سو كي: إن قادة “الحكومتين” تصارعوا منذ ذلك الحين. ولكن بروح الواقعيّة السياسيّة، تخلت السيدة عن الإدانة والمواجهة مع الجيش. يقول الشخص الثاني المقرب منها: إنها تعترف على نحو خاص بأن الجيش ينخرط في التطهير العرقيّ في راخين – لكنها لن تستخدم أي شيء قريب من تلك اللغة علناً.

يعترف منتقدو سو كي بقيودها الدستوريّة، لكنهم يقولون: إنها أضاعت فرصة للاستفادة من شعبيّتها بعد انتخابات 2015 مباشرةً. يقول ديفيز، محلل جين: “كانت تتمتع بدعم دوليّ كبير – بما في ذلك الصين – والدعم المحليّ الضخم”. “كان هذا هو الوقت المناسب للسياسيّ الذكيّ للضغط من أجل تغيير دستوريّ. فربما تراجع الجيش. كان يمكن أن يكون لديها نصف مليون بورميّ في شوارع رانغون في غضون نصف ساعة “.

ربما، ولكن الجيش نادراً ما تردّد في قتل الآلاف. يقول بو بو أوو، عضو الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة في البرلمان، إن سو كي والحكومة المدنيّة اختارتا اتخاذ “نهج تطوريّ” لعدم استخدام العنف و “عدم وجود أيّ شخص في الشوارع”. وأوضح أن الجنرالات هم المسؤولون، لذا “يتعين علينا اختيار طريقة أخرى “- على ما يبدو للتحدث بهدوء وبدون تهديد.

واعترف المشرّع عندما طُلب منه تحديد بعض إنجازات سو كي في العامين الماضيين بأن “الدستور الصارم للغاية يصعب تغييره”، ثم يسرد الإصلاح الضريبيّ – “زاد الدخل الضريبيّ إلى حد كبير” – والتحسين في التعليم والرعاية الصحيّة. إذا كان هذا يبدو ضئيلاً، فهو كذلك، كما يقول خين زاو وين، السجين السياسيّ السابق. يمكن أن تفخر بالحكومة لتبسيطها للوائح تعزيز الاستثمار، ومقترحات تحسين البنية التحتيّة المتداعية في البلاد. لكن لا يزال هذا قليلاً، كما يذكر. ألقى المسؤولون الحكوميّون في الغالب خطابات عن القضايا السياسيّة الصعبة، كما لو أنهم يستطيعون الحديث عن مشاكل البلاد القائمة.

يقول كياو كياو هلاينغ، رئيس مجلس إدارة سمارت، وهي مجموعة من شركات النفط والغاز “الفعالية منخفضة، والشغف قليل”. ويعني أن الحكومة تعين المسؤولين ليس لمهاراتهم أو حماستهم لملفات معيّنة ولكن بناء على علاقاتهم بسو كي. يقول: “كل شيء يزداد صعوبة”. “لا أحد يريد اتخاذ قرار. كل أمر يجب أن يعود إلى داو سو أو الوزير … الذي يرسله إليها”. يعبّر المسؤولون المذعورون تعبيراً صامتاً ملوّحين بأيديهم في الهواء، يقول مصوراً البيروقراطيّين:” ماذا تريد السيدة؟ “ما الذي ستفعله السيدة؟” ، ويضيف: “إنهم ليسوا خائفين منها. إنهم خائفون من فقدان مراكزهم “.

الروهينجا، بين سندان اللجوء في بنغلادش ومطرقة الجيش في ميانمار

يقول بعض المحلّلين: إن استخدام سو كي لأسلوب إدارة متعجرف ويعمل بمفرده لا يفيد. حتى قبل فوز الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة في انتخابات عام 2015، أعلنت أنه في حين أن الدستور يمنعها من أن تصبح رئيسة، فإنها ستكون “فوق الرئيس”. فعلاً، عمل الرئيس المدنيّ – سابقاً هتين كياو، الذي استقال في مارس/ آذار، والآن وين ميينت – صلة وصل لسو كي. السيدة هي أيضاً وزيرة الخارجية. يقول كين زاو وين: “لديها شكل حكومة شخصيّ ومركزيّ، وجميع الوزراء خائفون منها كثيراً، ولا يجرؤون على انتقادها”. يمكن لهذا النظام المركزيّ أن ينجح إذا كانت سو كي أكثر حسماً، كما يقول المنتقدون. لكن كما يقول كيو كياو هلاينغ من سمارت: “إنها تركّز بشدة على النتائج في اتخاذ القرارات”.

ويقول محللون: إن مثل هذا الارتباك قد يضرّ باحتمالات انتخاب سو كي في العام 2020. وقال روبرتسون من هيومن رايتس ووتش لنيوزويك: “كان لديها أمل أفضل في أن يركز الشعب البورميّ على ماضيه الأسطوريّ بدلاً مما أنجزته في السلطة عندما يذهبون إلى صناديق الاقتراع مرة أخرى في العام 2020”. لكن السيدة تنوي الفوز، حتى لو لم تكن قادرة

على الترويج للعديد من الإنجازات. يصرّ بو بو أوو، المشرّع في الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة، على أن الناخبين أقل تركيزاً على القضايا الكبيرة، مثل الفيدراليّة والسلام، وأكثر اهتماماً بتحسين الكهرباء وجمع القمامة، وإنشاء مواقف جديدة للسيارات وملاجئ للكلاب. يقول: “أحاول أن أحلّ كل مشكلة على حدة”. “وما زالوا يعتقدون أن الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة هي أفضل طرف يمكن أن يعالج مثل هذه القضايا.”

قد يكون بو بو أو على حق. لا تزال “الرابطة الوطنيّة من أجل الديمقراطيّة” تحظى بشعبيّة، وليس لدى الناخبين الكثير من الخيارات. البديل الأفضل هو في الأساس الجيش، من خلال حزب التضامن والتنمية التابع للاتحاد. يقول البعض: إن الجنرالات مقتنعون بضرورة ترك الحكم للمدنيين وبدلاً من ذلك التركيز على تعزيز القوات المسلحة وكسب المال. ويقول آخرون: إن مين أونغ هلاينغ يمكن أن يتحدّى بجدية سو كي في العام 2020.

هل سيترشح؟ هناك بعض المؤشرات، لقد ظهر بشكل علنيّ ويستخدم الآن وسائل التواصل الاجتماعيّ. وعادةً ما تصدّ القوات المسلحة الجماهير الداعمة للديموقراطيّة في ميانمار، لكن الجنرال يكتسب بعض الجاذبيّة بين البورميين البوذيين لأنه اتخذ إجراءات صارمة ضد الروهينغا والجماعات العرقية الأخرى. حتى إن بعض البورميّين يرونه مدافعاً عن الإيمان.

بعد أن سمح لسو كي وحزبها بالسيطرة على معظم الوزارات، يلومها بسهولة على فشل السياسات ويمكنه أيضاً استخدامها درعاً ضد التذمّر الدوليّ بشأن كون البلاد بعيدةً عن الديمقراطيّة. كتب جين دافيس: “بالنسبة إلى مين أونغ هلاينغ، الجيش … سوف يعزّز الدعم عن طريق شعبيّة حقيقيّة بين العديد من البورميّين باعتباره زعيماً قادراً وقوياً … سافر إلى الخارج على نطاق واسع في الوقت الذي يُظهر فيه نفسه في البلاد مدافعاً عن الأمة البوذيّة التي ترى نفسها محاصرة على نحو متزايد”.

لكن مدى شعبية الجنرال هو موضع جدل. على الرغم من دعم الجماهير له، يشكّك بعض زملائه في طموحاته. يقول الضابط المتقاعد: “يجد الكثيرون في الجيش أن هذا الأمر كارثة”. “يعتقد العديد من الضبّاط الصغار أنه مهتم أكثر بالسلطة الشخصيّة والثروة أكثر من اهتمامه بمصالح البلاد”.

إذا تفوق مين أونغ هلاينغ على سو كي، يمكن أن تسيطر القوات المسلحة بشكل كامل على البلاد مرة أخرى. يقول ما ثيدا: “كان الجيش دائماً متعطشاً للشرعيّة”. “مع دستور 2008 ومن ثم الانتخابات، حصلوا عليها. لهذا السبب لن يكون هناك انقلاب عسكريّ آخر. إنهم لا يحتاجون إلى انقلاب “. حتى إنهم سيكونون أقل حاجة إلى الانقلاب إذا ما فازوا في صندوق الاقتراع.

ويبدو أن سو كي، التي ربما لن يكون لها يوم هالة قداسة مناسبة تماماً، مصممة على تجنب مثل هذه النتيجة. يقول كين زاو وين: إن عدم رغبتها في مواجهة الجيش حول أزمة الروهينغا، أو التقدم بفارق كبير جداً على الجنرالات في عملية السلام، يؤكد على اعترافها بالمخاطر السياسيّة. كذلك يفعل افتقارها الواضح للجهد في إطلاق سراح اثنين من مراسلي رويترز الذين سجنوا في ميانمار منذ ديسمبر/ أيلول الماضي، عندما كانوا يحققون في مقتل 10 من روهينغا في ولاية راخين. كما أن عدم ثقة سو كي في الصحافة الحرة، يتجلى في ندرة المقابلات والتعليمات التي تصدر من حين لآخر لمساعديها بعدم التحدث إلى الصحفيين.

ومع ذلك، حتى الآن، يعلن مؤيدوها الذين خاب أملهم عن ولائهم لها بينما يعبرون أيضاً عن شعورهم بالإحباط. هكالام سامسون، زعيم كاشين، هو واحد منهم. “نحن نعرف أنها وحدها لا تستطيع تحريك هذا الوحش”، يقول لمجلة  نيوزويك. “لهذا نصلي من أجلها. مازلنا نحبها “.

Facebook Comments

Leave a Reply