ماذا ينتظر السعودية؟

مقال رأي

أمجد المنيف

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

لم يتمالك توماس فريدمان دهشته، وهو يكتب عن لقائه بالأمير محمد بن سلمان، التي كانت تتدفق منه بين الحروف، يُصرِّح بها أحيانًا، وتُصرِّح عن ذاتها مرات… ويمكن اختصار إعجاب الصحافي المخضرم، الضليع بشؤون الشرق الأوسط، بعبارته هذه: «فقد مر وقت طويل جدًا منذ أن تكلَّم معي أي زعيمٍ عربي بسيل عارم من الأفكار الكبيرة التي ترمي إلى إحداث نقلة في بلاده».
لا يتوقف الأمير عن رفع السقف، في كل مرة يطل بها. كنت أقول إن سقف الأمير أعلى من وعي الوزراء، وأبعد من إدراك الإعلام المحلي، ويجب أن نعمل على ملاحقته. القناعة تطورت، الإعلام العالمي صار قريبًا من تأخر المحلي، مقارنة مع ما يصرِّح به الأمير، فما يقوله أجرأ مما ينتظرون.
على الرغم من وصف ما يحدث من تغييرات إيجابية في السعودية بـ «الربيع»، وتحديدًا في مطلع ما كتبه عن اللقاء؛ فإنني لا أميل لوصفها بذلك، لأننا نأتي من خلفية ما يسمونه بـ «الربيع العربي»، الذي تبيَّن أنه يقوم على أرضية مؤدلجة، وتدعمه حكومات إرهابية، وتمَّ اختطافه وتوجيهه وتشويهه. أميل دائمًا، وأردد كثيرًا، قول «السعودية الجديدة».
نقطة هامة، لا بدَّ من البدء بها، وهي أن الأمير لا يتحرَّج من التعليق على أي شيء، على عكس مسؤولين سابقين يعملون بمنهجية الانتقاء، وتحديدًا عندما سأله فريدمان: ما الذي يحدثُ في فندق الريتز؟ وهل كانت هذه هي لعبة السُلطة الخاصة به، التي يهدف من خلالها إلى إزالة مُنافسيه من أعضاء عائلته ومن القطاعات الخاصة؟. مجيبًا: «إنه لأمر مضحك، أن تقول بأن حملة مكافحة الفساد هذه كانت وسيلة لانتزاع السلطة»، مشيرًا إلى أن الأعضاء البارزين من الأشخاص المحتجزين في الريتز، قد أعلنوا – مسبقًا – بيعتهم له ودعمهم لإصلاحاته، وأن الغالبية العُظمى من أفراد العائلة الحاكمة تقفُ في صفه.

صورة جوية من الأرشيف لمدينة مكة

محليًا، وهو الأهم، أو هكذا أعتقد، يشغل الأمير ملفي «الفساد» و «التطرف»، ثم تأتي الأمور الأخرى، لأنهما المعوقان للبلاد سابقًا، وستكون كذلك في المستقبل، في حال عدم التعاطي معها بشكل صارم. لهذا، معظم المناهضين لـ «السعودية الجديدة» ينتمون إلى فئتين: مناصرو الفساد، وداعمو التطرّف.. وهناك أقلية ينطلقون من أسباب أخرى، يعارضون أشياء محددة، لا رفضًا تامًا.
ما الذي كان يقوله الأمير في لقاء «نيويورك تايمز»؟ أو ما تلخيص حديثه؟.. في نظري، كان يُركِّز على الآتي:
• أولاً: القول بجدية التغيير، وأنه مطروح في كافة المجالات والتخصصات والقضايا، والأهم أنه لا مجاملات إطلاقًا.
• ثانيًا: شرح تفصيلات التسوية مع المتهمين بالفساد، وهو السؤال الذي كان يُتداول محليًا وعالميًا.
• ثالثًا: التأكيد على استقلالية النيابة العامة، وهذا مهم جدًا، ما يعني حصول أي متهم الآن، أو مستقبلاً، على محاكمة عادلة وواضحة.
• رابعًا: تقديم الإسلام المعتدل كأولوية. وأظن أن هذا سيكون أثره على كل العالم، وليس متعلقًا بالسعودية فقط.
• خامسًا: تطمين المستثمرين على مستقبل العمل في السعودية، من ناحية العدالة والاستقرار الأمني والسياسي.
• سادسًا: وضوح ومباشرة السياسة الخارجية، التي تغيرت معه كثيرًا، وحددت طرق التعاطي مع الملفات المختلفة.
وماذا بعد؟.. من المهم الإشارة إلى بعض التحديات، التي تأتي في سياق الحديث عن التغيير في السعودية، وهي كالتالي:
– يُنتظر إعلان تفاصيل أكثر عن المتورطين في قضايا الفساد، ما يمنح الثقة أكثر بجدية النتائج.
– العمل على تشريع الأنظمة التي تعالج مكامن الخلل السابقة، والتي ساهمت في حصول حالات الفساد.
– تقديم تقارير دورية عن «رؤية السعودية» تجيب على بعض الأسئلة، وتوضح المنعطفات، بكل أنواعها.
– دعم مؤسسات المجتمع المدني، لتكون رافدًا في عمليات التصحيح، ومرجعًا مهمًا للكثير من القضايا.
عدت لصديقي المشاكس، الذي تحدثت عنه في المقال الماضي هنا، صاحب السؤال: ألا تعتقد بأننا نعمل أسرع مما هو ممكن؟!»، وقلت إنني أجبته: «لقد تأخرنا، أكثر مما يجب»، وأخبرته بإجابة الأمير، فهي أكثر وضوحًا وإقناعًا، حيث قال لتوماس: «إنني أخشى أنه في يوم وفاتي، سأموت دون أن أحقق ما يدور في ذهني، إن الحياة قصيرة جدًا، وقد تحدث الكثير من الأمور، كما أنني حريص جدًا على مشاهدته بأم عيني، ولهذا السبب أنا في عجلة من أمري». وهذا يقول شيئًا واحدًا، أن العمل حقيقي، ننتظر منه نتائج سريعة، وليست مجرد شعارات واستعراضات، أو طريقًا للوصول للسلطة.. كما يزعم البعض! والسلام

ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان مع رئيس شركة مايكروسوفت بيل غايتس

Facebook Comments

Post a comment