ما الذي يطمح إليه محمد بن سلمان؟

أمجد المنيف

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

لست متأكدًا، إن كنت حسن الحظ أم لا، أن أكون من جيل الثمانينيات في السعودية، الساكنين في مرحلة ما بعد الطفرة، وما قبل التقنية بثورتها الحقيقية، حتى أصبحنا مُعلّقين في تمرحل لا مزايا كثيرة تغريه، ولا علاقة واضحة مع المستقبل.

أستطيع وصف جيلي، والذي يليه تقريبًا، بجيل التمرد أو التغير، أو أيًا كانت المفردة، ولكنها قد توصف بالمنعطف؛ من حيث كسر الجمود الساكن في الكثير من الأشياء، الأشبه بالثوابت، وبعضها يندرج تحت بند الأعراف. وهذا الأمر ربمَّا لا يكون بشجاعة كاملة من الجيل، وإنما سياقات كثيرة أدت إلى ذلك، إحداها العولمة، وكذلك الانفتاح على الآخر، ولو كان بشكل بطيء، إلا أنه كان عاملاً مهمًا ومؤثرًا.

منذ سنوات قريبة، وأنا أتحدث مع الأصدقاء، وبعض المعارف في الدوائر الصغيرة، عن مستقبلنا، (وعادة ما نتحدث بقلق، وهذا شيء طبيعي)، تنامى الأمر تدريجيًا مع تزايد المشكلات التنموية، وخاصة فيما يتعلق بالتعليم والإسكان والصحة، وهذه كانت إجابتي في لقاء على قناة “الحرة”، في عام 2013 – إن لم تخني الذاكرة – عندما سُئلت عمَّا يشغل الشباب السعودي كأولوية، وهذا بالتأكيد يأتي موازيًا مع سيطرة التذمر على المناخ العام. وبالضرورة، مثل أي حديث تطرح فيه الحلول، تكون الهجرة لدى البعض خيارًا، وقد تكون مجرد كلام لا أكثر، لكن لا يمكن تجاهلها في قائمة الإجابات، من أجل محاولة التفتيش عن مستقبل أقل تحديًا في مجتمعات أخرى.

الأماني وحدها، لا يمكن أن تغيِّر المجتمعات، والرغبة بلا منهجية لا تُجدي. التغيير يحتاج إلى جرأة ومخاطرة، تبعاته تسبق مزاياه، ولا يمكن أن يقوم به، إلا من يؤمن به. من السهل التحجج بالظروف والمعطيات والبيروقراطية، وهو حلٌّ سهل ومختصر ومقبول، والقوة تكمن دائمًا في تجاوز كل ذلك؛ ما يعني أن لديك معركة كبيرة مع أعداء التغيير، والمنتفعين، بكل ألوانهم ودوافعهم.

لو طُلب رأيي – قبل عامين – في شكل التغيير الذي أنشده في المجتمع، لكان رأيًا غير متفائل، ولربَّما أجبت ساخرًا، والكثير ممن يعرفونني جيدًا يدركون ذلك، إضافة إلى مقالاتي النقدية المنشورة التي توضح وجهات نظري إلى حدٍّ بعيد؛ إذ كنت أقرب إلى التشاؤم، معتقدًا حاجتنا لسنوات ضوئية للفوز بالحل.

وحتى تكون الأمور أكثر وضوحًا، ومن أجل رصد وأرشفة الوضع للأجيال، وشرح مسببات التشاؤم، كنا بحاجة إلى إصلاحات سياسية واقتصادية وتنموية، وتدابير عدلية، ومراجعة لملف الحقوق والمرأة والحريات.
السؤال الذي يقفز هنا: هل تغيَّر كل هذا للأفضل؟ مباشرة أقول: لا. لكن ما حدث من تغيير، لا يمكن تصديقه حتى في الخيال الرجعي، وهذا الأمر ينطوي على كافة الصعد، بعضها تغيَّر كليًا، وغيرها نسبيًا، وأخريات بشكل بطيء، وبعضها ينتظر؛ لكن التسلسل الإصلاحي – إن كان وصفي دقيقًا – يبدو مبشرًا، ويتعاطى مع الملفات وفقًا لتسلسل التوقيت.

عندما عادت الحفلات الغنائية – يجب أن نقول عادت وليس بدأت، لأنها كانت موجودة في زمن ما قبل “الصحوة” – قالت لي مراسلة “رويترز” الأميركية، في حديث خاص في إحدى المناسبات: “كنت في الرياض قبل التغيير، وعاصرته، وسعيدة بهذه التحولات.. الرحلة طويلة، لكن البوادر جيدة. قد لا يسمح بدخول النساء الآن، ولكن عودتها مهمة، سيسمحون لاحقًا”. والآن أكتب بعدما تمَّ السماح بدخول النساء والعوائل للحفلات.

بالرجوع إلى جيلي، أعتقد أن معظم المنتمين إليه، استبشروا خيراً بصعود الأمير محمد بن سلمان للسلطة، الذي أستطيع وصفه بـ”عرَّاب التغيير”، وهذا الفرح منطلق من قربه العمري إليهم، وإدراكه للاحتياجات والمتغيرات، وفهم لغة المرحلة، وتصنيف الأولويات بعناية. ولهذا، لا يمكن الحديث عن “السعودية الجديدة” دون المرور بالحديث عن الأمير ورؤيته.

هناك نقطة في غاية الأهمية، قد نتحاشى الحديث عنها أحيانًا، ولكن واجب ذكرها، لسهل فهم شخصية ولي العهد السعودي، تتمثل في حصول أمراء آخرين على فرص مشابهة، لقيادة التحول وصنع سعودية شابة، وتجاوزوا الفرصة دون تحقيق مكاسب تنموية كبيرة. وأستطيع إرجاع ذلك إلى إسناد الأمير، الكثير من الملفات لمسؤولين “تكنوقراط”، وإيمانه بالدور الاستشاري ومنح الأفراد المميزين قبل الجهات، تقديم الرؤى والمقترحات. والأهم من هذا، أنه وضع منهجية للمملكة، أسماها “رؤية السعودية 2030”. ولن أكون مبالغًا، لو قلت: لأول مرة تصبح لدينا خطة عمل، مربوطة بمؤشرات أداء لمتابعة المنجز.

ومثل أي تغيير، هناك رأي شعبوي، مختزل في قضايا محددة، وهو مقبول وواضح، قد لا يجد استيعابًا أو تقبلاً كبيرًا للتغييرات، وتحديدًا الاقتصادية. وهناك آراء متخصصة أو حكومية أو نخبوية، تدرك التحولات على المدى البعيد. لذلك نسمع – من فترة لأخرى – بشعارات الممانعة، ومحاولة ربط أي شيء سلبي بـ”الرؤية”، وهو مفهوم، على الأقل بالنسبة لي.

في بلد كالسعودية، اعتماه شبه كلي على إيرادات النفط، لن يكون التغيير الاقتصادي فيه سهلاً، خاصة مع طبيعة المجتمع. لذلك، فإن أي محاولة لتنويع مصادر الدخل، مصيرها اثنين: إمَّا الفشل.. وإمَّا تشريع الأنظمة الجادة، وهو ما يبدو تعمل عليه الحكومة السعودية، وتحديدًا عبر الاستفادة من كل ما يمكن أن يدر أرباحًا.

وهناك ميزة إضافية للأمير، تجب الإشارة إليها لفهم طبيعة التدابير الاقتصادية التي يقوم بها، وهو أنه مغرم بالاقتصاد، وخاض تجاربه الخاصة في البورصة، مر عبر بيئة الأعمال، ويفهم لغة الربح والخسارة، وتعنيه كثيرًا مفردة الاستثمار، وهذا الأمر مكَّنه كثيرًا من اختصار الوقت، في خلق موارد جديدة.

من الضروري القول: إنه لا يمكن التعاطي مع “الرؤية” من خلال تصريحات بعض المسؤولين “المتهورين”، أو الذين تنقصهم المهارات الاتصالية في توصيل المعلومة؛ لأنهم يسيئون إليها، من خلال تقديمها بشكل غير لائق.. وشخصيًا، ما زلت أعتقد بأن “رؤيتنا” لم تأخذ نصيبها الإعلامي الذي يجب.

كما يُفترض أن تكون هناك مؤتمرات أو لقاءات أو بيانات شهرية، تشرح التطورات والإخفاقات، وتجيب عن الأسئلة والمغالطات.
الملف الاقتصادي يحظى بأهمية بالغة من الأمير، في رحلة التغيير الكبيرة، لكنه ليس الملف الأوحد، فقد حظيت الملفات السياسية والعسكرية والاجتماعية، وأخريات غيرها، باهتمام نوعي؛ وهو ما ترجم في قيادة المملكة بشكل واضح في المنطقة، وتأثيرها عالميًا.

استطاع الأمير أن يرأب الصدع في العلاقات السعودية الأميركية، وأن يرمم كل مشكلات الإدارة “الأوبامية”، وتحديدًا في اللقاء الشهير مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، كأول مسؤول عربي يلتقيه في البيت الأبيض، حتى قفز بالعلاقة من الجيدة إلى التأثير على ترمب، لاختيار الرياض وجهة أولى له، في أول رحلة رسمية منذ وصوله لسدة الحكم.

استطاع الأمير محمد بن سلمان في زمن قصير من إعادة رأب الصدع في العلاقات بين بلاده والإدارة الأميركية

وتماشيًا مع التعاطي الدائم مع كافة الملفات بالتوازي، دون أن يؤثر أحدها في الآخر، تقول صحيفة لاكروا الفرنسية “إن الأزمة الخليجية، واصطفاف الدول العربية والخليجية مع السعودية، ضد دعم الدوحة للإرهاب، وما تعانيه قطر جراء المقاطعة، يثبت أن هيبة المملكة ونفوذها يتعزز كل يوم رغم تركيزها على إصلاح اقتصادها”.

أعتقد أن دعوة الأمير محمد بن سلمان لإنشاء تحالف إسلامي عسكري لمحاربة الإرهاب، أوضحت القوة السياسية للسعودية في قيادة الدول الأعضاء، والعسكرية من خلال هذا التكوين، رغم الانشغال في حرب اليمن ومحاربة “داعش”، وإرادة السعودية الكبيرة في محاربة الإرهاب.

وكان مركز ‘تشاتام هاوس’ قد نشر تقريرًا للباحثة جين كينينمونت، أكدت فيه نائب رئيس برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا “أن ملاحظة التغيير الذي طرأ على السعودية منذ تولي الأمير محمد بن سلمان وزارة الدفاع، لا يتطلب جهدًا أو بحثًا، فقد تغيرت السياسة الخارجية السعودية بشكل كبير، حيث قادت المملكة حرب إعادة الشرعية في اليمن، وهي الحرب الأولى التي تقودها السعودية منذ تشكيل الدولة، كما قادت السعودية الإمارات والبحرين ومصر لمقاطعة قطر المتهمة بدعم الإرهاب”.

وهو “سيد كل شيء” بحسب الإعلام الغربي، الذي وجده مسؤولاً مُلمًا بكافة الملفات بدقة، شفافًا على عكس التحفظ التقليدي، وهو يجيب عن الأسئلة مباشرة، ويسمي الأشياء بمسمياتها. يتحدث عن الأحلام والتغيير والشباب والمعوقات والجيش والاقتصاد والسلطة، شاب في الثلاثين يُغيِّر في ملامح مجتمع إيجابًا، ويؤثر في جيله كرمز، قريب منهم ويلتقيهم، ويتبنى الأفكار الحديثة.

التقرير الفرنسي نفسه، المنشور في لاكروا  أشار إلى أن صعود الأمير محمد بن سلمان إلى مسرح السلطة والأحداث، غيَّر بدرجة كبيرة من صورة المملكة، التي يشرف فيها الأمير الثلاثيني على خطة تحديث الاقتصاد والمجتمع في سابقة لم تعهدها المملكة من قبل. ويؤكد أن “رؤية 2030” من المنتظر أن تزيد من قوة ونفوذ المملكة، التي تعد أكبر قوة اقتصادية في المنطقة، رغم انخفاض أسعار النفط.

في يوم تنصيبه وليًا للعهد، سألني مذيع “العربية” عن الأمير محمد بن سلمان، فقلت: رجل لا يطرح آراء ولا تكهنات… يتحدث فقط بالحقائق والأرقام، سواء من خلال اللقاءات الخاصة، أو المتلفزة والمعروفة.

ولأجيب عن سؤال العنوان، أو لأحاول أن أجيب، فإنني أستطيع القول بأنه يطمح لبناء سعودية شابة، قوية في كل المجالات، عصرية وديناميكية.. لكنه لن يتحقق ذلك، ما .لم نؤمن بكل هذا أولاً. والسلام

 

أمجد المنيف هو كاتب سعودي ومدير عام مركز سمت للدراسات @Amjad_Almunif

Facebook Comments

Post a comment