ثورة السعودية… والصدمة العالمية

بقلم أمجد المنيف

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

الذين يعرفون السعودية من الداخل، معرفة حقيقية، ولا أقصد أولئك الذين يعرفونها عبر الصحافة أو لديهم صورة ذهنية بالية عنها، لا يمكن أن يصدقوا التسارع في التغيير.
الرياض لم تعد تؤمن بالمنطقة الوسط من كل شيء، تعبر بكل طموحها حتى نقطة الكمال..
التنمية هاجسها، لكنه ليس الهدف الكلي، إذ لديها مشروع واضح ومتنامٍ في التغيير الاجتماعي ومكافحة الفساد.
من يتابع التاريخ السعودي، في آخر ثلاث عقود تحديدًا، يدرك المنعطفات والتحديات التي مرت بها الدولة.
راهنت معظم مراكز الدراسات والاستشراف في الغرب على سقوط السعودية، مرات كثيرة، وحاولت تنظيمات وحكومات إرهابية المساهمة في ذلك، لكن هذه المملكة كانت تولد من جديد بعد كل منعطف.
الرواية الأكثر شيوعًا في الغرب بأن نهاية السعودية مرهون بنهاية حكم أبناء المؤسس الملك عبدالعزيز.
وها هي فرضيتهم –  والتي لن تكون الأخيرة –  قد تلاشت بعد وصول الأحفاد إلى سدّة القيادة.
عندما يسألني بعض الباحثين والصحفيين الغربيين عن أهم ما يحدث، أقول بأن الدولة أصبح لديها خطة عمل للمرة الأولى، خارطة طريق معلنة، متمثلة في «رؤية السعودية 2030».
ومثل أي خطة طموحة، هناك الكثير من الآراء حولها، معظمها إيجابي من خلال النظرة الاقتصادية المتخصصة… وبها الكثير من التحولات والصعوبات، وهذا منطقي، في حالة الرغبة في بناء اقتصاد جديد.
الشيء المختلف في عمل «الرؤية»، وهذا نهج حديث وشفاف، أنها قادرة على الاعتراف بالإجراءات التي اتضح عدم دقتها، أو إمكانية عملها بجودة أعلى وبطرق أخرى، أو أزمان مختلفة.
لذلك، ظهر قبل أيام الأستاذ محمد الجدعان، وزير المالية السعودي، ليقول إن هناك تعديلات محتملة قد يتم تطبيقها على برنامج التوازن المالي، وسيتم الإعلان عنها قبل إعلان ميزانية 2018، حيث إن الوصول إلى التوازن الصفري بحلول عام 2020 ليس هدفًا، بحسب الوزير، وإنما الوصول إلى إصلاح مالي مستدام في المدى المتوسط.
كما وأنه بالإمكان تمديد التوازن المالي حتى العام المالي 2023، للمحافظة على نسبة نمو مناسبة.
هذا النهج الجديد أسس له ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، بعدما رفع إلى الملك سلمان (من خلال المجلس الاقتصادي)، في رمضان الماضي، أهمية إرجاع البدلات للرواتب، بعدما تغير الظرف الاقتصادي.
وتمت مراجعة القرار وتعديله، وهذا جديد في ثقافة بروتكول القرارات في الرياض.
ومنذ نحو أسبوع، أو أكثر قليلاً، والمقالات الصحفية الغربية والتعليقات عن السعودية تتدفق بغزارة.
أظن أنه لم يُكتب عن السعودية في آخر عشر سنوات، رغم ما فيها من أحداث، بمثل كمية ما كتب في الأيام العشرة الماضية، ليست نصوصًا فحسب، وإنما ساعات بث فضائية مفتوحة، وبرامج متخصصة، والكثير الكثير من المنتجات المرئية، التي تحاول أن تنقل حدث الساعة، وتوجهه، وتستفيد منه في مشاريعها.
الحدث الأهم في السعودية، وفي المنطقة عمومًا، بل ربَّما في العالم، هو إيقاف الحكومة السعودية لعدد من المتهمين في قضايا فساد.


وهذا ما حاولت الصحافة العالمية الحديث عنه، لكون الأسماء الموقوفة من الأسرة الحاكمة، ووزراء حاليين وسابقين، ورجال أعمال مهمين، وغيرهم من الأسماء الكبيرة، وذلك في سابقة نوعية في تاريخ المنطقة.
كان التعاطي الصحفي الأجنبي ينقسم إلى جزأين رئيسين:

مؤيد ومعارض، وبينهما يأتي خط من التكهنات والتباين.

  • القسم الأول يستند إلى أهمية مكافحة الفساد، بكل أشكاله، وهذا هو الطبيعي بحسب كل الأعراف والقوانين العالمية، وحتى الرغبة الشعبية في السعودية.
  • والقسم الثاني يزعم بتقويض نفوذ المتهمين، ومحاولة تمكين السلطة في خطوط أحادية.

وقبل أن أعرج على هذه الفرضية الثانية، سأمر على نقاط مهمة، لا بدَّ من الإشارة إليها، لفهم طبيعة التناول المضاد للقرارات من قبل بعض الصحف الأجنبية، رغم أهميتها، وهي كالآتي:

  1. تعتمد العديد من التقارير الصحفية على صورة نمطية قديمة عن الرياض، تحاول أن تجعل منها أرضية لتحليل المشهد، وهذا غير عادل، لأن «السعودية الجديدة» لا يمكن التعاطي مع تفاصيلها بمعطيات قديمة لم تعد تعمل. لكنه يظل منطقيًا أحيانًا إلى حد ما، كما أعتقد.
  2. غياب المعلومة، بكل أنواعها، كان مؤثرًا في اتخاذ مواقف الكتابات الراصدة، التي تحاول مجاراة الحدث، بغض النظر عن دقة ما ينشر، وهو مفهوم في كل أفرع الصحافة حيال كل القضايا، وهذا النوع من الكتابة آني، لا يبرح يومه أو اليوم التالي، لأنه عبارة عن تسجيل موقف لا أكثر.
  3. السعودية حليف قوي للإدارة الجديدة للولايات المتحدة، ومعظمنا يعرف أن ترمب لا يحظى بقبول كبير في الإعلام الغربي، والأميركي على وجه التحديد، ويبحثون عن إفشال مشاريعه من أي مدخل كان، لذلك يراهنون على مثل هذه الأحداث للإضرار بسياسته، خاصة أن الرياض كانت وجهته الأولى في أول رحلة خارجية رسمية بعد تنصيبه.
  4. الصحافة الفاسدة، المدفوعة من قبل حكومات وتنظيمات وأفراد، تحاول تحقيق أهداف مختلفة: صراع نفوذ وابتزاز مالي، والبحث عن أمجاد شخصية تتمثل في بعض الشخصيات التي لا تحضر في سوى الأحداث السعودية.

أظن أن هناك عوامل أخرى، لها علاقة في حداثة هذا النوع من القضايا، ووجود ظروف سياسية وعسكرية حادة، وسياقات متنوعة، ولكن تتكشف يومًا بعد يوم، ولقد حاولت أن ألخصها من وجهة نظري الخاصة.
عودة إلى تقويض النفوذ، ومحاولة استيلاء محمد بن سلمان على العرش، كما ادعت العديد من التحليلات الأجنبية، وقالت بأن متعب بن عبدالله، كان منافسًا على الحكم ولا بدَّ من إبعاده. الحقيقة، وهي شبه معروفة، أن الأمير متعب لم يكن قريبًا من الحكم يومًا، حتى في زمن الملك عبدالله، ولم يمنحه الملك عبدالله أي منصب متقدم في الحكومة، سوى وزير.
الأمر الآخر، عادة تكون محاولة الوصول للحكم من قبل أشخاص يكونون خارج دائرة الحكم، ويصارعون للوصول، وهذا لا ينطبق على الأمير محمد، الذي يعد الرجل الثاني في الدولة، ولي العهد.. قد تكون هذه الفرضية قابلة للنقاش في أزمنة قديمة، لكنها ليست منطقية أبدًا، وفق ما نعرفه في السياسة، والأنظمة الملكية.
وهناك أمر واجب الذكر، يغيب عن عدد كبير من الصحفيين الغربيين، وكذلك الباحثون والمستشارون السياسيون، وقد لا يعيه من يعيش خارج السعودية، وهو يتمثل في قبول شعبي للأمير محمد بن سلمان، وهذا يعود إلى أسباب مختلفة، منها:

  • أن أي مجتمع شاب لديه هاجس (المستقبل)، والتمدد والتعاطي مع المتغيرات.
    وهذا ما كان يحسه السعوديين (70% شباب) في السابق، وأنا أحدهم؛ لكن الأمير محمد، بدد هذه المخاوف من خلال الإصلاحات في المستويات المختلفة، كما أنه شاب قريب من الشباب، يتحدث لغتهم ويعي احتياجاتهم، ويرونه الأنموذج والقدوة.
  • قاد الأمير عددًا من الملفات السياسية، وتحديدًا في العلاقات الخارجية، وساهم في تحسين العلاقة مع أميركا وروسيا، وكان سببًا في إعادة وهج الرياض كقائدة في المنطقة، وقادرة على توجيه بوصلة التحالفات والتقاطعات بحسب مصالحها.
  • يثق كثيرون بـ «رؤية السعودية 2030»، وحتى الذي لديه موقف متردد؛ في انتظار الدورة الاقتصادية لتقييم النتائج، وهو واضح، ولذلك يربطون أحلام الرؤية وأحلامهم بشخص الأمير، كونه عرَّابها.
  • الإصلاحات المجتمعية الكبيرة، والاهتمام بالترفيه والمعرفة والتقنية، التي تحتاج إليها المجتمعات الطبيعية، والتي غيبت طويلاً في السعودية، عاد بها الأمير محمد، ورسخ مفهومًا أكثر مدنية، يعنى ببناء الإنسان والمؤسسات.

أستطيع أن أقسِّم أحلام التغيير في المملكة إلى قسمين: أحلام شعبية، وأحلام نخبوية.

  1. الأولى تركز على تفاصيل ترفيهية بالدرجة الأولى، مطالبة بخيارات أكثر، يرتقي بعضها إلى مستوى الحقوق الشخصية.
  2. أمَّا القسم الآخر، فسقفها عالٍ غالبًا، لكنه مؤطر أيضًا. ما حدث في الرابع من نوفمبر تجاوز الكثير مما يُنتظر.
    لا يمكن السير للأمام دون «تصفير العداد»، وهو مصطلح يعني العودة لمنطقة الصفر، وهو ما تريده الحكومة السعودية للانطلاق للأمام، حتى لا تتعثر في المراحل اللاحقة بسبب قضايا قديمة.

    منظر عام لمكة المكرمة

    لذلك كان لا بدَّ من إغلاق كافة الملفات المشبوهة، ومحاكمة الفاسدين، وبناء ثقافة عدلية صارمة حديثة، تعطي الثقة بالقضاء والاطمئنان بالاستثمار، وترفع من أهمية مكافحة الفساد، بكل أشكاله.
    الثقة هي المنصة الأهم للانطلاق، ولا بدَّ من تلوين المناطق الرمادية، ومنحها الألوان التي تناسب المرحلة. سألت الأمير محمد بن سلمان يومًا: كيف سيثق الناس بالرؤية ونتائج الخطط الخمسية لم تكن كما يجب؟ قال: «الخطط الخمسية منهجية وزارة.. والرؤية مشروع ملك». بنظري، لا يمكن إخراج أي حدث في السعودية عن مسار الرؤية، لأنها تعبر بوضوح عن مستقبل السعودية، وتشرح كل ما يحدث.
    وسألني صديقي المشاكس: «ألا تعتقد بأننا نعمل أسرع مما هو ممكن؟!».
    أجبته: «لقد تأخرنا، أكثر مما يجب». والسلام.