مفاوضات حتى الموت

المفاوضات السرية لتحرير بيتر كاسيغ من قبضة داعش والتي انتهت بإعدامه في العام 2014.

فمن كان السبب في موته؟

 

ستانلي كوهين

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

“سلسلة معارك لا تنتهي” هو الوصف الأدق لحياة محامي الدفاع الراديكالي في الولايات المتحدة، ستانلي كوهين.
فحياته مفعمةٌ بالتوتر والكثير من التعقيد، وقد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من قضية يتولاها أو حتى خارج قاعات المحكمة؛ بل وفي بعض الأحيان ترافقه هذه المعارك إلى فراشه. هو محاميّ الناشطين وخاصة المدافعين عن حقوق الإنسان وحرياته.

بداية المعركة

بيتر كاسيغ في صورة أرشيفية قبل اختطافه.

كنت قد أنهيت للتو عامين تقريباً من العمل المتواصل دون توقف في الدفاع عن سليمان أبو غيث، زوج ابنة أسامة بن لادن؛ حيث كانت الولايات المتحدة قد خطفت أبو غيث من الأردن فور خروجه من السجن في إيران، بعد أن ذاق طعم الحرية لفترة قصيرة لأول مرة خلال أحد عشر عاماً.
وقد تم اقتياده للمحاكمة في نيويورك مقيّداً بالأصفاد، معصوب العينين ومُغطى الأذنين، وتم تسليمه على الفور، بعد أكثر من عقدٍ من الزمان على حدوث هجمات 11 سبتمبر/ أيلول وفي مكانٍ لا يبعد كثيراً عن موقع تلك الهجمات.
كنت جالساً على كرسي من الجلد المَُهترئ ومحاطاً بأكوام من الملفات، وأنا أجاهد النعاس بينما أقرأ ملف رجل طاعن في السن، 87 عاماً، كانت تتم محاكمته بسبب دهسه لعدّاء في طريق جبلي مهجور، بينما كان العجوز مخموراً.
وما لبثت أن أغمضت عيناي حتى استيقظت فجأة من غفوتي على صوت رنين هاتفي.
“مرحبا، هل أنت السيد كوهين؟ اسمي محمد. نحن لم نلتقِ من قبل، ولكن أنا من المعجبين بك. أنا فلسطينيٌّ، وصديقٌ للأميركي بيتر كاسيغ، الذي اعتقلته داعش… لقطع رأسه. هل يمكنك تقديم المساعدة؟ إنه رجلٌ على خُلُق… وأنت تعرف الكثير من الأشخاص المهمين هنا”.
وعلى الرغم من إنني كنت مُجْهَداً ومشغولاً، إلا إنني لم أستطع رفض طلب المساعدة، على الأقل دون الاستماع إلى مشكلة الشخص الذي طلب مساعدتي.
ومن ثم دار حديثٌ بيني وبين محمد، أمتد نحو 20 دقيقة، أخبرني خلاله عن قصة كاسيغ، وهو أميركي وأحد عمال الإغاثة، وقد اختطفته داعش في الوقت الذي كان يُقدم فيه المساعدة للمحتاجين في سوريا.
وقبل أن ننهي حديثنا، وعدته أن أدرس الأمر، وطلبت منه أن يعاود الاتصال بي في غضون أسبوع.
بعد إنهاء المكالمة، حاولت البحث على قصة كاسيغ عبر الإنترنت، وعرفت أنه كان قد اعتنق الإسلام، وكان يُعرف منذ ذلك الحين باسم عبد الرحمن.
كانت تلك محاولة مني للتركيز على الأمر بعض الشيء حتى يتسنى لي متابعة نقاشنا عقب عودتي؛ إذ كنت في هذه الأثناء أعدُّ نفسي للسفر واللحاق بموعد الطائرة، لحضور محاكمة العجوز، التي كانت على وشك البدء في غضون أيام قليلة.
وبعد أسبوع، ولم يكن قد مضى وقتٌ طويلٌ على عودتي إلى نيويورك، رن هاتفي وكان المتصل صديقاً قديماً لي، يعمل كمصور صحفيّ، وكان قد خدم في الجيش قبل سنوات عديدة، خلال حقبة حرب فيتنام.
أعرب صديقي عن غضبه لعدم وجود أي دعم لصالح قضية كاسيغ، وسألني مباشرة عما إذا كان بمقدوري فعل أي شيء للمساعدة في هذه القضية.
وهكذا، وبعد استقبالي لمكالمتين هاتفيتين من شخصين ينتميان لخلفيتين مختلفتين، قررت التعمق في الموضوع وطلبت من زميلٍ لي أن يبحث عن خلفية عبد الرحمن (كاسيغ) وظروفه.


صورة أرشيفية لأصدقاء بيتر (عبدالرحمن) كاسيغ من المنظمات الإنسانية العاملة على الأرض في وقفة تضامنية تُطالب بالعدالة للرهينة الأميركي الذي أعدمه تنظيم داعش بعد مفاوضات لتحريره باءت بالفشل.

 

رسالة كاسيغ

“أول ما أريد أن أذكره هو كلمة “شكراً” لكما أنت وأمي على كل شيء فعلتماه من أجلي كوالدين، ولكل ما علمتماني وأريتماني إياه، وشهدتماه معي. لا يسعني أن أتخيل مدى القوة والالتزام اللذين تمتعتما به لتنشئة ابن مثليْ، وأقدر حبكما وصبركما وكل شيء آخر، وأنا أشعر بعميق الامتنان لكما.
من الواضح أنني خائفٌ جدًّا من الموت…
أتمنى لو أن الكلمات في هذه الورقة تستمر ولا تنتهي أبداً، وأن استمر في التحدث إليكما، وأن أعرف أنني معكما على ضفاف كل جدول وعند كل بحيرة، وكل حقل، وكل نهر؛ في الغابات وفوق التلال، وفي جميع الأماكن التي صحبتماني لرؤيتها. أنا أحبكما”.
كانت تلك الكلمات جزء من رسالة بيتر (عبد الرحمن) كاسيغ تم تهريبها من مقر اعتقاله لدى داعش.
انتقلت بي تلك الكلمات بعيداً إلى زياراتي لغزة أو لمخيمات اللاجئين أو لأنقاض منازل المدنيين التي لا يزال يتصاعد منها الدخان والتي أثّرت بي لسنوات عديدة.
اغرورقت عيناي بالدَّموع، وعرفت حينها إنه يجب عليَّ أن أحاول.

إدوارد كاسيغ، والد بيتر (عبدالرحمن) كاسيغ يتلقى العزاء من أحد الأصدقاء بعد قيام تنظيم داعش بذبح إبنه بيتر في العام 2014.

البحث عن خيط

“السلام-عليكم يا (X)، معك ستانلي. “كيف حالك”؟”
بهذه الكلمات، بدأت سباقاً يائساً ضد الزمن لإنقاذ حياة كاسيغ.
و “X” هو الإسم الرمزي الذي أعطيته لصديق كنت قد التقيت به، بالإضافة إلى اثني عشر معتقلاً آخر ممن كانوا معتقلين لفترات طويلة في غوانتانامو، وذلك خلال رحلاتي المتكررة إلى منطقة الشرق الأوسط والخليج، في أثناء استعداداتي آنذاك للدفاع عن “أبو غيث”.
ورغم سنوات العمل التي قضيتها في المحاكم والشوارع ممثلاً مختلف حركات التحرير الوطني مثل حماس وغيرها، إلا إنه لم يكن لديَّ سوى خبرة عملية بسيطة في التعاطي بشؤون تتعلق بتنظيم القاعدة، وليس لديَّ أي خبرة فيما يتعلق بتنظيم داعش.

ستانلي كوهين (باللحية يمين الصورة) مع الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في صورة أرشيفية غير مؤرخة.

ومن خلال الدفاع عن أبو غيث، تغيَّر هذا الأمر.
فعلى مدى عامٍ كاملٍ، التقيت مع هؤلاء الرجال (معتقلو غوانتانمو) في كثير من الأحيان إلى حدٍّ ما.
وعرفت أنهم تعرضوا جميعاً للتعذيب من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، ابتداءً من قندهار وباغرام… وانتهاءً بغوانتانامو.
وكانوا جميعاً قد اعتُقِلوا على أيدي الباكستانيين- فيما عدا واحداً منهم- وباعوهم للقوات الأميركية مقابل مُكَافَأَة قدرها خمسة آلاف دولار عن كل فرد.
وكان هؤلاء هم الأوفر حظاً، فقد علمت أن هناك غيرهم الآلاف من العرب ممن تم إعدامهم على يد الولايات المتحدة أو حلف شمال الأطلسي في أفغانستان.
كل هؤلاء الرجال كانوا يعرفون أبو غيث، ليس بوصفه عضواً في تنظيم القاعدة، ولكن من أيام عمله في الخليج كإمام ومدير لإحدى المدارس، وبعضهم يعرفه من خلال الفترة القصيرة التي عاش فيها في قندهار، في الأيام التي سبقت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.
أصبحت أنا و(X) أصدقاء على الفور بمجرد أن التقينا، أنا بلغتي العربية الركيكة، وهو بلغته الإنجليزية المليئة بالمفردات العامية التي اكتسبها خلال الفترة التي قضاها في معتقل غوانتانامو.
من بين جميع الرجال الذين تعرفت عليهم، كان هو وحده متورطاً في أعمال تنظيم القاعدة؛ وكان بقية الرجال (مدرسين وعمال وسائحين)، في المكان الخطأ وفي الوقت الخطأ.
وكان رجل واحد، على وجه التحديد، هو من يتحدث موضحاً كيف انتهى الحال بالكثير من العرب في غوانتانامو بدون تهمة وبدون محاكمة.
فقد قضى أنس (ليس اسمه الحقيقي) سنوات في السجن هناك بسبب ساعته الرولكس. حقًّا! بسبب ساعة يد تم القبض عليه ورميه في معتقل لسنوات.
فوفقاً لتقارير وزارة الدفاع الأميركية- التي رُفِعَت عنها السرية-، عندما تم القبض على أنس، أصبح موضع شكوك كبيرة بسبب ارتدائه لساعة رولكس في معصمه؛ “حيث إن ساعة رولكس هي الخيار المفضل لدى تنظيم القاعدة عند استخدام أجهزة توقيت العُبوَات النَاسِفة” قبل سنوات.
وكان أنس قد تلقى هذه الساعة كهدية بعد انضمامه لفريق الألعاب الأولمبية، وكانت هذه الهدية سبباً في سرقة سبع سنوات من حياته وحياة عائلته.
وماذا كانت جريمته؟ كان في أفغانستان يساعد في إعداد دوري رياضي للشباب في وقت وقوع هجمات 11 سبتمبر/ أيلول.
قبل وقت قصير من مكالمتي للسيد (X)، سمعت من صديق مشترك، أنه هو وعدد من علماء دين مسلمين قد لعبوا دوراً بارزاً في عملية التفاوض الناجحة الهادفة إلى إطلاق سراح 45 فرداً من قوات حفظ السلام التابعين للأمم المتحدة الذين كانوا محتجزين كرهائن من قِبَل جبهة النصرة (ذراع تنظيم القاعدة في بلاد الشام) لمدة أسبوعين في سوريا.
وإذا كان هناك ما يمكن عمله لإنقاذ حياة بيتر، فقد رأيت أن هذا ما يجب فعله.
وبمساعدة أحد المترجمين تطرقنا أنا و(X) للحديث بإيجاز عن بعض الأصدقاء القدامى والأماكن التي نعرفها، ثم سرعان ما تحولت المناقشة إلى بيتر كاسيغ، وبادرت بالسؤال عما إذا كان هناك شيء يمكن عمله لإنقاذ حياته، فرَدّ عليّ متسائلاً: “لماذا؟”
فسردت عليه فحوى خطاب كاسيغ إلى والديه، وذكرت له أمر المكالمتين اللتين تلقيتهما في هذا الخصوص.
وبالنسبة لي، كان ذلك كافيّاً. فهذه الصدفة أصبحت فجأة حقيقة واقعية؛ ولقد تفهم الأمر، وقال إنه سوف يعاود الحديث معي في وقتٍ لاحقٍ.

الوصول لداعش

وفي ساعات الصباح الأولى من اليوم التالي، اتصل بي (X) وقال إن مصادر موثوقة تواصلت مع داعش مباشرةً.
وأكمل قائلاً أن عبد الرحمن كاسيغ لا يزال على قيد الحياة وهو يعتقد أننا نستطيع إطلاق سراحه على الأرجح.
وفي إشارته الحذرة التي كنت أتوقعها منه، سأل (X) كم سأستغرق من الوقت للحضور إلى المنطقة على وجه السرعة بهدف إجراء المزيد من المناقشات… مضيفاً أن حضوري إلى هناك ستعتبره داعش دليلاً على جديتنا.
وافقت على الأمر، ولكن فقط تحت شرط واحد وهو وجود ضمان أن عبد الرحمن كاسيغ هو على قيد الحياة حتى في أثناء سفري وخلال المحادثات بين الأطراف.
لم يمضِ وقت طويل على تلك المحادثة حتى اتصل بي (X) مرة أخرى ليخبرني بموافقة داعش على ما اشترطته.
بعد أن أغلقت الهاتف، ظللت واقفاً في مكاني متجمدًا بلا حراك وتجمد الوقت والمكان، فيما بدا وكأنه الأبدية.
فعلى الرغم من أنني شاركت أحياناً في مسائل ومباحثات علنية غاية في الحساسية في منطقة الشرق الأوسط، كانت هذه المشاركة مختلفة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُسافر فيها ستانلي كوهين إلى الشرق الأوسط للمفاوضة بشأن إطلاق سراح مختطفين. لكن قضية كاسيغ كانت مختلفة بالنسبة له هذه المرة.

فمع عدم تمتعي بأي خبرة مع داعش، وتواصلي منذ وقت قصير نسبياً مع (X) ومصادره، والغياب الملحوظ للنصائح المعتادة والحماية التي استمدها من العلاقات طويلة المدى مع العملاء والأصدقاء في منطقة الشرق الأوسط، بقيت هنا وحدي تماماً.
قبل عدة سنوات، تحركت بسرعة لإنقاذ حياة أحد “أصول” (عملاء) المخابرات الأمريكية في غزة، والذي كُشِفَ أمره في المراحل الأولى من عملية ابتزاز موجَّهة من جانبه ضد زعيم سياسي بارز في ذلك الجيب الساحلي (غزة) قبل فترة طويلة من بدء الحصار الإسرائيلي. لذا استغرق الأمر سلسلةً من الرحلات والمناقشات لترحيله بسلام من الأراضي الفلسطينية، بدلاً من إطعامه للأسماك.
فهل تدخلت حينها لأنه كان عميلاً أو كان أمريكيّاً؟
الجواب هو “بالطبع لا”، لم يكن هذا لب الموضوع نهائيًاً؛ فمن الناحية السياسية، كان قتله سَيُعدّ “عملية” سيئة بالنسبة لقطاع غزة.
وبعد حوالي أربع سنوات من التدخل في غزة، شاركت في مفاوضات تسليم شريط تضمن عملية قطع رأس مراسل صحيفة وول ستريت دانييل بيرل على يد خالد شيخ محمد، عندما حصل عميل لديَّ وهو صحفي باكستاني محلي على الشريط من القاعدة.
وعلى الرغم من طلب تقديم محمد لمسؤولين أمريكيين، إلا أنه لم يكن يعرف كيفية التصرف حيال ذلك، ناهيك عن أن الأمر ألقى بظلاله المخيفة عليه لحيازته الشريط وتواصله مع القاعدة.
ومرة أخرى، كنت قادراً على التواصل مع مصادري التي أثق بها للوصول لأفضل نتيجة بدون وقوع أي ضرر لعميلي.
وإذا كان مقدراً للجهود المبذولة من أجل كاسيغ أي فرصة للنجاح، فالخبرة الشخصية علمتني أنه لا يمكن تنفيذ الأمر بمعزل عن المساعدة وبدون مصادر تعرف الوضع جيداً، ولو حتى من مصادر موثوقة داخل حكومة الولايات المتحدة الأميركية.

الأف.بي.آي. والخيط المفقود… هل قامت الحكومة الأميركية بخطوة غير محسوبة أدّت لمقتل بيتر كاسيغ؟

 

الأف.بي.آي على الخط

من وجهة نظري، كلمتا “موثوق” و”مصادر” لا يمكن المزج بينهما تماماً، ناهيك عن الصدى الذي يحدثاه عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أمضيت أكثر من 30 عاماً أعارض الحكومة في المحاكم وخارجها، وعلى الرغم من أنني بدأت أُظهر قدراً ضئيلاً من الاحترام، إن لم تكن ثقة، لبعض خصومي، فإجمالاً، لقد رأيت مؤسسات وأشخاص يعيشون حياة فاسدة للغاية لا تقودها المبادئ، بل تسيطر عليها الغاية وأهداف أنانية مدمرة ومحدودة.
وعلى الرغم من الخوف، وصلت إلى المدَّعي العام الفيدرالي لقضايا الإرهاب، الذي تعاملت معه في العديد من القضايا على مر السنين الماضية.
ورغم حدة معاركنا في أحيانٍ كثيرة، فقد وجدت أنه شخصٌ يتمتع بالنزاهة، ويمكن الوثوق به.
وماذا كانت إجابته؟
“إن هذا أعلى من مستوى مسؤوليتي، سأعاود الاتصال بك”.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، عاود التواصل معي وقال إن هناك مشرفاً كبيراً في مكتب التحقيقات الفيدرالي من واشنطن (أف.بي.آي.)، على الانتظار على خط منفصل، وهو المسؤول بالكامل عن أوضاع الرهائن في الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من عدم معرفتي بهذا الشخص، وافقت على التحدث إليه ما دام المدَّعي العام سيبقى معنا على الخط.
خلال الأيام القليلة التالية، استمرت المكالمات ذهاباً وإياباً بين ثالوث مؤلف من المدَّعي العام ومشرف مكتب التحقيقات الفيدرالي وبيني.
وعلى الرغم من عدم مشاركة (X)، على نحو مماثل لي، فهو كان على دراية كاملة بهم وبأهدافهم والحدود التي وضعتها، بما في ذلك رفضي التعريف به وذكر اسمه.
بالنسبة لي، كانت هذه المكالمات المتبادلة محاولةً لوضع بروتوكول يمكن استخدامه عند ومتى تدعو الحاجة إلى المساعدة من الحكومة، وليس لأي سبب آخر.
وعلى الرغم من عدم اليقين بشأن ما قد يعنيه ذلك، وبالنظر إلى حقيقة أنني كنت على وشك المغادرة إلى الشرق الأوسط والتوجه إلى مناطق وأشخاص مجهولين (بمن فيهم داعش)…
في المقابل، فإن القيام بخلاف ذلك كان سيُعَدُّ أمراً طائشاً.
ورغم أن مشرف مكتب التحقيقات الفيدرالي (لندعوه بوب) مارس ضغطًا لفرض إجراء يجعله مطَّلعاً على جهودي، بما في ذلك معرفة هوية الأشخاص الذين التقيت بهم، وأين ومتى تحدث نقاشاتنا ومحتواها الرئيسي، فقد رفضت ذلك.
وحينما أعلمته بالأمر، اقترح أن أحافظ على تواصل وجهاً لوجه مع “الأصول” الحكومية أينما أكون، من أجل “سلامتي” الخاصة.
وهو ما أراه تعبيراً متناقضاً.

نحو الشرق الأوسط تحت رقابة المخابرات

ومع صعودي على متن الطائرة مع مترجم خاص، كان الاتفاق الوحيد الذي توصلت إليه مع “بوب” هو أنني اتابع الموضوع كمواطن خاص، وأنه لا يمكنني تقديم أي تعهدات نيابةً عن الحكومة، وأن أحافظ على اتصال دوري معه فقط ليتأكد من أنني بخير.
وعندما استقريت في مقعدي واستعددت للإقلاع، ضحكت بيني وبين نفسي على ضغط بوب لمعرفة أين ومتى سأكون، كما لو أن الصور المرئية من هاتفي المحمول في حد ذاتها وشبكة المراقبة العالمية والمخبرين لن يستطيعوا إمداده بمسار موثق جيداً لرحلتي.

لطالما كان ستانلي كوهين ناشطاً ومدافعاً عن حقوق الإنسان مما سمح له بالاختلاط مع الحركات النضالية في الشرق الأوسط مما أعطاه إسماً موثوقاً بينهم

كنت قد سافرت من قبل للخارج عشرات المرات خلال حياتي وخلال فترة عملي، وعلى خلاف العديد من الأشخاص الذين يرون أن مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية أمر يبعث على التوتر الشديد، فبالنسبة لي كان ذلك ترحيباً بفترة راحة من الكدح والهزيمة التي رافقت طويلاً مجتمعاً ينظر إلى نفسه بوجه عام على أنه استثنائي، ولكنه في أعماقه، يعرف أنه ضائعٌ.
بعد حوالي 12 ساعة، غادرت الطائرة، وراودني شعورٌ بالقلق للقاء (X) في بلد زرتها في كثير من الأحيان دون حصول حوادث.
غير أنني، وبمجرد وصولي إلى تلك الدولة، احتُجزت لأول مرة من قبل طاقم الأمن في المطار الذين كانوا من الواضح أنهم يتوقعون قدومي، حيث اقتادوني إلى مكتبهم بمجرد وصولي إلى بوابة التأشيرات.
ومن الغريب، أنه لم يُطرح عليَّ أي سؤال.
وما لفت انتباهي إنه في لحظة بدت الأمور غريبة، حيث كان الجميع يقومون بإجراءات ليس لها معنى وبدون هدف معين، وكان رجال الأمن يمشون بسرعة من حولي، حتى وصل المشرف للترحيب بي وتزويدي بالتأشيرة.
هذه الممارسة بدت وكأنها طقوس دينية، على الرغم من الجهد المبذول لإنقاذ كاسيغ، وأضحت معتادة في كل مرة أدخل أو أغادر أي بلد، سواء في الخليج أو الشرق الأوسط، كان رجال الأمن يلقون القبض عليَّ لفترات متفاوتة خلال الأشهر التي تلت. “حاذق أنت يا بوب… شخص حاذق بالفعل”.

أين كاسيغ؟

لا توجد أماكن في العالم تمتاز بحسن الضيافة والدفء مثل الشرق الأوسط والخليج.
وبوجود الكثير لأفعله في وقت زمني ضيق، وفي طريقي إلى الفندق تمنيت ولو لمرة أن يكون هذا حدثًا مختلفاً.
ولكنني كنت مخطئاً.
بعد ساعتين، وصل (X) على نحو متوقَّع، ومعه الكثير من الطعام… وستة من أصدقائه لتحيَّتنا (أنا والمترجم).
وعلى الرغم من عدم معرفتي بالرجال الآخرين، لكن جميعهم أخبروني أنهم تابعوا عملي وأنهم يكنون الاحترام لذلك العمل في المنطقة على مر السنوات، وأرادوا فقط أن يحظوا بالفرصة لتحيَّتي وتوجيه الشكر لي شخصياً.
خلال الساعات القليلة التالية، تبادلنا الكثير من الطرائف والضحك، وأومأت في أثناء ذلك إلى (X) مشيراً إلى ساعتي، ولكنه ابتسم فقط وهز كتفيه.
أخيراً غادر الرجال واحداً تلو الآخر، وكانت الساعة تدق 2:00 فجراً عند مغادرة آخر شخص متمنياً لي ليلة سعيدة.
وأخيراً تركونا بمفردنا لنتحدث سويًاً.
قال (X) “إنه بخير”، ويقصد بذلك عبدالرحمن (كاسيغ)، ورحنا نتحدث حتى شروق الشمس لوضع خطة عن كيفية شروعنا بالعمل. وكانت هذه هي الأخبار السارة، بينما بدت الأخبار السيئة وكأنها تتوارد ساعةً تلو الأخرى.
بدايةً، وعلى عكس المفاوضات التي انتهت بتحرير الرهائن التابعين للأمم المتحدة، كانت داعش وحشاً مختلفًاً تماماً عن جبهة النُّصرة؛ إذ كانت داعش-بعد كل ما تفعله-ليست مهتمة بأن يُنظر اليها باعتبارها تنظيمًا يتصرف وفق العقل والمنطق بل كانت تركز على استغلال عرض المشاهد الوحشية علانيةً -والتي لم تكن تنم سوى عن سادية لا معنى لها- كأداة تنظيمية لجذب المقاتلين.

الرهينة بيتر (عبد الرحمن) كاسيغ

في الحقيقة كانت داعش، عند هذه المرحلة، قد قطعت شوطاً طويلاً في عملياتها النصف شهرية الغريبة التي قامت خلالها بقطع رؤوس الأسرى من موظفي الإغاثة والصحفيين والمسافرين.
وكان مقرراً قطع رأس عبد الرحمن (كاسيغ) في العملية المقبلة، على الرغم من تأجيل القرار.
كذلك لم تكن داعش منفتحة للمبادرات “الرمزية”، مثل الإفراج عن الرهائن دون الحصول على شيء ذو قيمة كبيرة في المقابل… سواء كانت فدية كبيرة من المال أو المعدات، أو الإفراج عن “جنودهم”.
فلقد جئتُ إلى طاولة المفاوضات دون أي من هذه الخيارات.
وأخيراً… كان من أكثر الحواجز تَهْوِيلاً للجميع: أن قيادة داعش كانت غاضبةً من أعضاء وقادة سابقين في تنظيم القاعدة الذين كانوا كثيراً ما ينتقدون تنظيم داعش علناً لوحشيته المنهجية ضد المدنيين والنساء وغيرهم من المسلمين.
كانت الوحشية التي تعرّض لها هؤلاء الأشخاص بالذات هم في صميم تفكيرنا عندما بادرنا للعمل على تحرير عبد الرحمن (كاسيغ).
ومع تقدم شمس الخليج في السماء، وبينما أنا أفكر في هذه العقبات، ودَّعت صديقي وذهبت للنوم في محاولةً مني للحصول على قسط من الراحة -كنت في أشد الحاجة لذلك بسبب عناء السفر (نتيجة فرق التوقيت).
لكنني لم أستطع. فقد ظللتُ أسمع كلمات بيتر كاسيغ الأخيرة لوالديه تدور في رأسي مراراً وتكراراً.
في ذلك المساء عاد (X) لمزيد من المناقشات المطوّلة التي استمرت مرةً أخرى حتى الساعات الأولى من الصباح، وغطت تلك المناقشات مجموعةً واسعةً من العقبات المُحتَمَلة.
كانت إحدى المشكلات هي التوتر الاستراتيجي داخل المجموعة التي كان يعمل فيها (X).
وعلى الرغم من التزام المجموعة الكامل بتحرير كاسيغ، فإن بعض أعضائها أرادوا البدء في برتوكول طويل المدى مع داعش لإنهاء هجماتها ضد المدنيين، حيث أنهم يرون أن هذه الأعمال لا تمت للإسلام بصلة.
ورغم موافقتي على الهدف، فقد عارضتُ الخلط بين المسألتين باعتباره تعقيداً إضافياً في القضية لا داعي له، ومن المرجح أن يؤخر الجهد المحدود جدًّا للإفراج عن كاسيغ.
كان من المفترض أن يستمر هذا الحوار حتى أول مناقشة رسميَّةٍ مع داعش بعد وصولي… لكنهم تخلوا أخيراً عن فكرة البروتوكول.
كذلك لم ينظر آخرون إلى إطلاق داعش لسراح كاسيغ كمجرد علامة على حسن النية… وحتى بالنسبة لعامل الإغاثة (كاسيغ) الذي كان قد اعتنق الإسلام قبل القبض عليه.
بالنسبة لهم ظل السؤال المزعج يدور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية مستعدة للإفراج عن أسرى داعش أو حتى عن أبو غيث كجزء من صفقة كاملة.
وعندما لحظت على الفور أنه لا يوجد احتمال لمثل هذا التبادل، رد (X) بمزحة كلاسيكية من غوانتانامو “لا يمكن أن تلوم شخصاً لمحاولته”.
لقد كانت تلك هي إحدى اللحظات القليلة التي تشاركنا فيها الضحك، والتي تخللت جهودنا المُضنية على مدار الأيام المقبلة.
وفي نهاية اجتماعنا اتفقنا على أن يواصل (X) محادثاته مع داعش من خلال وسطاء، في حين سافرتُ أنا للتحدث مع آخرين مهتمين بلقائي.
كان من بين الذين رأيتهم خلال الأسبوع التالي محاربين قدامى في غوانتانامو وأعضاء سابقين في تنظيم القاعدة وبعض علماء الدين وغيرهم من الناشطين.
وفيما عدا اجتماع واحد غير متوقع، بدت المناقشات وكأن ليس لها علاقة بعملية تحرير كاسيغ.
وعلى ما يبدو، فهي كانت بمثابة فرصة للبعض لاستخلاص الاستنتاجات عني وعن نواياي.

داعش هي وحش مختلف تماما عن جبهة النصرة (التي هي ذراع القاعردة في بلاد الشام)

وجهاً لوجه مع داعش

في الاجتماع المفاجئ الذي تم في مركز تسوق محلي صغير، وتقريباً كفكرة لاحقة، سأل رجلان الكثير من الأسئلة التفصيلية عني.
كانا مهتمَّين على وجه التحديد بكيفية انضمامي للجهود المبذولة من أجل إنقاذ كاسيغ، وعلاقة الحكومة الأمريكية بهذه الجهود.
كما وسألوني عن الأمر الذي قد توافق الولايات المتحدة على فعله مقابل الإفراج عن كاسيغ.
وقد عرفت بعد وقت طويل أن هؤلاء الرجال كانوا أعضاء في داعش.
على الرغم من أن كاسيغ كان لا يزال على قيد الحياة، ومع بداية رحلة العودة إلى البلاد، لم أكن متفائلاً… لأن كل الذين التقيتُ بهم، حتى المؤيدين منهم لقضية تحرير كاسيغ، كانوا متحفظين حول نجاح هذه الجهود.
وأكثر ما أدهشني عندما التقيتُ بـ (X) في المطار، أنه هنأني بالرحلة الناجحة… مشيراً إلى أنه نتيجةً لذلك وافق الجميع على المضي قدماً في خطتنا.
الأهم من ذلك، علمت بعد يوم أو نحو ذلك من الراحة أني سأسافر إلى الأردن للقاء عالم ديني معروف وهو أبو محمد المقدسيّ.
وقد قيل لي إنه من سيتولى قيادة مواصلة المفاوضات مع داعش.

من الخليج إلى الأردن: مفاوضات عالقة

المقدسيّ!
كنت قد سمعتُ عنه ولكني لم ألتقِ به من قبل. وهو باحث أردني- فلسطيني، يُنظر إليه كمرشد روحي لتنظيم القاعدة… وأبو مصعب الزرقاوي على وجه الخصوص. اتجه الزرقاوي لتأسيس داعش في العراق بعد أنباء عن انقسامه عن مرشده، على الأقل جزئيّاً، بسبب هجمات الزرقاوي على المدنيين.

مسؤول القاعدة أيمن الظواهري في صورة أرشيفية

وكان قد أُفرِج عن المقدسيّ من سجن أردني حديثاً آنذاك.
وخلال محادثة طويلة مع أحدهم على الهاتف للتنسيق… ارتفع صدى تبادل إطلاق النار في خلفية المكان الذي فيه مُحدّثي، وأمكنني سماعه عبر سماعة الهاتف في السيارة. علمتُ بعد ذلك أن المتَّصِل كان في سوريا وكان يؤكد على أن كاسيغ ما زال على قيد الحياة.
في الأردن، دق قلبي بسرعة عند اقتراب السيارة من مبنًى متواضع من الحجر الرملي، مكوَّن من ثلاثة طوابق، بدرج مواجه للشارع.
وبدأ هذه الدقات تشتدّ عندما بدأتُ بالصعود على الدرج الحجري.
كنتُ في اليوم السابق موجوداً في مؤتمر صحفي لكل الشخصيات في بيت أبو قتادة، وهو رجل دين سلفيّ أردنيّ سلمته المملكة المتحدة قبل عدة سنوات ليمثل للمحاكمة في الأردن بتهم الإرهاب وتم تبرئته منها.
وعلى الرغم من وجود المقدسي أيضاً، إلّا أننا كنا قد تواصلنا بشكل مختصر عند ترحيبه بي في الأردن ودعاني لرؤيته في منزله في اليوم التالي.
طرقتُ الباب، فتحته فتاة صغيرة ببطء، تختبأ جزئيًا خلف الباب ولا يظهر منها سوى وجهها المتورّد وكتلة من شعرٍ بنيّ مجعَّد منسدل.
عندها ابتسمت لأنها لا تعرف من نحن، ووصل المقدسي فجأة ليرحب بنا داخل المنزل. هي شقة متواضعة بها أصوات الكثير من الصغار.
وتم اقتيادنا إلى غرفة خلفية واستقرينا في المكتبة.
وأستطيع القول أننا في الغرب يتم التلاعب بنا عندما يصفون لنا العلماء السلفيين المتعصبين، العالقين في فضاء الماضي، والمدفوعين بالرؤية الضيقة التي ولّدتها العقول والخبرات القاسية. وهو وصف مقنع إلى حد كبير.
أنهى أبو محمد المقدسي محادثة بسرعة وهو يجلس في مكتبته المتخمة بالكتب.
والمقدسي رجل ذكي وعلى دراية واسعة بالأحداث العالمية… يذهب الى ما هو ابعد من هؤلاء المدفوعين من التنظيم اللاهوتي وأبعد من الحدود الجغرافية للدول.
قبل أن يتطرق حديثنا لكاسيغ تحدثنا مطوّلاً حول مجموعة كبيرة من الأحداث العالمية المعاصرة بما في ذلك العدوان الإسرائيلي على غزة في الصيف، وارتفاع عنف الشرطة في الولايات المتحدة، والتوتر في أوكرانيا وشبه جزيرة القرم.
وخلال تبادلنا الحديث كانت ابنته تجلس بجوار والدها تختلس نظرات خاطفة متكررة إليَّ، ونحن نستمتع بإمدادات لا تنتهي من القهوة وبالطبع من الحلوى الأردنية اللذيذة.
وكما بدأ حديثنا فجأة عن فلسطين، تحول حديثنا مرةً واحدةً ليتطرق إلى كاسيغ.
وليس غريباً أنه كان من الواضح أن لا حاجة لي أن أقضي الوقت لأشرح له من هو بيتر كاسيغ، أو لماذا أسعى لإخلاء سبيله.
وكان يعلم أيضاً أنه رغم معرفة حكومة الولايات المتحدة بجهودي، فإني لم أكن هناك كممثل لها.
وصف المقدسي داعش بأنها “أسوأ كابوس في الإسلام”، وأوضح أنه مستعد للمساعدة بكل ما يستطيع فعله.
وتمنى أن تكون جهود تحرير كاسيغ بدايةً لإبعاد داعش عن اعتداءاتها الوحشية على المدنيين والتي وصفها بأنها “ليست أقل من اعتداء كامل على الإسلام أيضًا”.
اتجه المقدسي للحديث عن بعض القيادات الدينية في داعش كطلاّب سابقين ضلّوا طريقهم بعيداً عن تعاليمه.

أبو محمد المقدسي (يسار بالرداء الأسود) مع أبو قتادة في صورة من المؤتمر الصحفي الذي حضره ستانلي كوهين في الأردن.

وأشار على وجه الخصوص إلى “تركي البنعلي” الذي كان من المفترض أن يصبح مفتياً… أو مستشاراً دينيّاً رئيسياً لتنظيم داعش… والذي أذِن له المقدسي قبل ذلك بسنوات بتدريس أعماله (أعمال المقدسيّ).
وبدا المقدسي والبنعلي في مرحلةٍ ما أقرب إلى الأب وابنه من المعلم وتلميذه.
كان متفائلًا بأنه إذا ما أُتيحت له الفرصة بالحديث مع البنعلي وداعش، فلربما قد تكلل تلك الجهود بالنجاح…
ولكنه كان محكوماً بموجب شروط خروجه الحديث من السجن، إذ أنه كان ممنوعاً من مقابلة أي من أفراد داعش أو الحديث معهم.

بوب وداعش والبنعلي

سألتُ المقدسي عندما كنت استعد لمغادرة منزله عن أسماء أعضاء داعش الذين يشعر بالحاجة إلى الحديث إليهم لتعزيز جهودنا. ورغم ذكره ثلاثة أسماء لكنني اليوم لا أستطيع تذكر غير تركي البنعلي.
“مرحباً بوب، كيف حالك؟”
بهذه الكلمات استطعتُ الوصول إلى جهة اتصال مكتب التحقيقات الفيدرالي والذي وافق على مساعدتي في جهودي قبل مغادرتي الولايات المتحدة.
ورغم إني ظللتُ على اتصالٍ دوريٍّ معه أثناء سفري كما هو متفق عليه… فقط لأخبره أني بخير… كانت هذه المرة الأولى التي طلبت منه مساعدة بعينها:
“قابلتُ للتو المقدسي (كنتُ قد أخبرتُ بوب مسبقاً بأنني سأقابله) وهو وافق على المساعدة، لكنه لن يستطيع الوصول لداعش بموجب شروط خروجه من السجن.
هناك ثلاثة رجال يريد أن يتحدث إليهم، لكن من الواضح أنه لا يمكنه ذلك حتى توافق سلطات الأمن الأردنية.”
وأردفت “إضافةً لذلك فأنا أضع أربعة شروط خاصة بي، والتي يجب الموافقة عليها حتى نكمل مسيرتنا:
لا يمكن استخدام محادثات المقدسي في أي وقت ضده لأي غرض كان.
المكالمات إن تمت الموافقة عليها ستكون غير مراقبة وسيقوم بها من هاتفه الخاص… في الوقت والمكان الذي يختاره.
لا يمكن مشاركة فحوى المكالمات أو فحصها من أي شخص آخر… بما في ذلك مسؤولي الاستخبارات سواءً في الأردن أو الولايات المتحدة.
هو ليس مطالباً بتقديم نُسَخ لأي شخص من أيٍّ محادثات له مع داعش، بما في ذلك الرسائل النصية ورسائل البريد الإلكتروني”.
وأشار بوب عند انتهاء المكالمة إلى أن طلباتي هذه “ليست من صلاحياته”، لكن سيتم عرضها على السلطات في الولايات المتحدة والأردن لتتم الموافقة عليها إن أمكن.
بقيتُ على اتصال بالمقدسي خلال اليوم أو اليومين التاليين… وكذلك (X) الذي استمر في التعامل مع داعش التي أصبحت الآن على علم تام بوجودي في المنطقة.
ما زال كاسيغ على قيد الحياة، وتفاجأ المسؤولون في الولايات المتحدة بتوقف عمليات قطع الرأس النصف شهرية مع الحادث الأخير قبل سفري للخارج.

سباق ضد الوقت

في الصباح الباكر، استيقظتُ على مكالمة من بوب الذي أشار سريعاً إلى أنه “لقد تمت الموافقة”… على كل الشروط والأحكام المطلوبة. وسألته قبل إنهاء المكالمة أن يرسل لي بريداً إلكترونيًاً بحديثنا وبالموافقة لأشاركها مع المقدسي، ووافق على طلبي.
تلقيتُ البريد الإلكتروني بعد دقائق قليلة، ولاحظتُ وجود اسم مكتوب بعنوان محليّ يشيران إلى أن موافقة الجانب الأردني على ما تقدم، وتم إبلاغها لبوب من خلال أصول محلية.
في وقت لاحق من ذلك الصباح، قابلتُ أنا ومترجمي المقدسي في الفندق، مباشرةً بعد وصول تقريره الأسبوعي لسلطات الأمن الأردنية… وهو أحد شروط إطلاق سراحه من السجن.
حتى قبل أن تُتاح لي الفرصة لأشاركه البريد الإلكتروني الذي تلقيته، أخبرني أنه تم إعلامه سابقاً ذلك الصباح أن خطتي المقترحة للاتصال بداعش قد تمت الموافقة عليها كما حددتها أنا، مع تحذيرٍ إضافيّ بأن محادثاته مع الأشخاص الثلاثة لا يمكن أن تتضمَّن أيَّ أمور أخرى غير محاولة الحصول على حرية كاسيغ.
وقد وافق.
حرصاً على مواصلة الجهود، أراد المقدسي أن يجري فوراً اتصاله الأوَّل مع تركي البنعلي. ولمزيد من الحذر والأمن الإضافي اقترحتُ تأجيل الاتصال حتى نشتري هاتفاً خلويًّاً جديدًا، والحصول على رقم جديد يمكننا إجراء المكالمة منه.
لكن في ذلك اليوم، عندما ذهبنا لشراء هاتف جديد، تحولت الأمور بسرعة إلى نوع من الكوميديا السوداء المليئة بالأخطاء.
ففي مكان قريبٍ من الفندق اضطُر المقدسي، ذلك الرجل المتواضع، إلى الخروج من سيارته التي يزيد عمرها عن 10 سنوات بعدما توقفت فجأة ولم نتمكن من إعادة تشغيلها. فتح المقدسي غطاء السيارة واختفى تحته.
ها هو أحد أكبر علماء المسلمين المؤثرين من ذوي النفوذ، وهو على وشك التحدث لداعش في مفاوضات لإنقاذ حياة رهينة، يقف في منتصف طريق ضيق يسحب وينظف أسلاك سيارته بينما ترتفع أصوات السيارات بأبواقها المحتجة والعالقة في الازدحام المروري خلفنا.
وانطلقنا بعد ذلك بدقائق… وتكرر نفس المشهد مرتين، حيث تحولت رحلة مدتها نصف ساعة للوصول إلى سوق قديم، الى رحلة طويلة استغرقت ثلاث ساعات.
عندما وصلنا إلى متجر بيع الهواتف قبيل إغلاقه بقليل تقدمتُ أنا والمقدسي لنجد أنفسنا ”نتجادل” حول نوع الهاتف الذي سنشتريه. كان المقدسي يميل إلى شراء أرخص نوع ممكن… وهذا النوع من الهواتف يحتاج إلى تطبيق يتم شراؤه في مكان آخر… وأصررتُ أنا على شراء هاتف ذو تكنولوجيا عالية ومزود داخليّاً بكل التطبيقات اللازمة.
خسرتُ أنا، واشترينا النوع الرخيص وخسرنا يوماً كاملاً حيث لم يكن بالإمكان تحميل التطبيق المطلوب على هذا النوع من الهواتف تحديداً.
في صباح اليوم التالي، انطلقنا مجدداً، لكن هذه المرة بسيارة مستعارة، إلى متجر بيع الهواتف ذات التكنولوجيا العالية، واشترينا الهاتف المناسب.
وبعد فترة ليست بطويلة اتصل المقدسي بتلميذه السابق وترك رسالة.

منع الأمن الأردني أبو محمد المقدسي من التواصل مع أشخاص مشبوهين كشرط من شروط إطلاق سراحه لكن مكتب التحقيق الفيدرالي الأميركي قال بأنه تواصل مع الأردن بشأن السماح للمقدسي بكسر هذا الشرط من أجل المساعدة في إطلاق سراح كاسيغ.

عندها جلسنا في مقهى يقع مباشرةً مقابل الشارع الذي توجد فيه آثار مسرح روماني قديم، وكان الشارع يعجُّ بالسياح الذين يقفون لالتقاط الصور، سرح تفكيري وسافرتُ فجأةً دون أن أترك طاولتنا الصغيرة.
كان المقدسي ومترجمي يتحدثان عن أطباق الطعام المفضلة، ويتبادلان الحكايا العائلية عندما اجتاحني فجأة أمر غريب، تقريباً بغرابة اللحظة.
لم تكن المرة الأولى. فقد حدث ذلك مسبقاً خلال سنواتي الطويلة التي قضيتها في المنطقة؛ حيث وجدتُ نفسي على نحو غير مفهوم أحاول إعادة فهم كيفية وصولي إلى هذا المكان والزمان.
لم تكن رحلة طويلة… فقد عدتُ فجأةً إلى الحديث، حين هزتني رنة هاتف المقدسي. كان ذلك تركي البنعلي يتصل رداً على رسالة المقدسي.
تتحدث الوجوه عن القدر الذي تحمله النفوس… أكثر من الكلمات نفسها في كثير من الأحيان.
عندما كنتُ جالساً أشاهد المقدسي وهو يتحدث مع طالبه السابق، كان من الواضح أنه على الرغم من كون الحديث محرجاً في بعض الأحيان، إلا إنه مبني على دفء وماضٍ غنيّ.
كان بإمكاني أن أسأل مترجمي عما يتم مناقشته، ولكننا بدلاً من ذلك قمنا وعبرنا الشارع لنجلس على المقاعد الحجرية الأثرية للمسرح الروماني؛ للحصول على بعض من أشعة الشمس والتأمل في التاريخ.
بعد مرور نصف ساعة، انضم إلينا المقدسي وهو يشكرنا على إتاحة الفرصة له للتحدث مع تلميذه السابق على انفراد.
ومن الواضح أنهما قد تحدثا كثيراً في الأيام القليلة التالية… عبر الصوت أحياناً، وفي أحيان أخرى عبر الرسائل النصية أو رسائل البريد الإلكتروني.
كنتُ حاضراً أثناء تبادلهما الحديث في عدة مناسبات، وسنحت لي فرصة استعراض الرسائل النصية أو البريد الإلكتروني، بعد انتهاء حديثهما.
وعلى الرغم من أنهما لم يذكرا اسم عبد الرحمن كاسيغ في حديثهما، إلا أن تركي البنعلي أشار عدة مرات إلى أنه يعرف ما يريده المقدسي، وقال أيضًا إنه صعبٌ ولكن يمكن تحقيقه.
ومن المفهوم أن معظم اتصالاتهم كانت موجَّهةً إلى محاولة إعادة بناء علاقتهم الشخصية التي انقطعت بمرور الوقت، وفقاً لبنعلي، بسبب هجمات المقدسي المتواصلة والعلنية على داعش.
كتب تركي البنعلي في وقتٍ ما في إحدى رسائله أنه شعر بألم تعجز الكلمات عن وصفه لهجوم معلمه الذي يحبه عليه، وعلى ما كان في الواقع قد تعلمه منه.
ورد المقدسي ببساطة أنه من الواضح أنه قد فوّت الدرس.
قلّت رؤيتي للمقدسي أكثر فأكثر خلال الأسبوع، وعلى الرغم من استمرار حديثنا على الهاتف، إلا أنه بدا معزولاً، بعيداً، غير قادر أو غير مستعدٍّ للحفاظ على اللقاءات… رغم استمرار تفاؤله بالنسبة لجهوده.
ومن الأمور المثيرة للاهتمام أن تزامن ابتعاده مع سلسة من الاتصالات الهاتفية التي تلقيتها من (X) يخبرني فيها عن الحاجة للقائي به مجدداً هو ومجموعة من أشخاص آخرين؛ وذلك لتحديث شخصي لجهودي وجهودهم.
التقيتُ المقدسي في يومي الأخير في الأردن في وقت متأخر من بعد الظهر، خارج الحاجز الأمني للفندق مباشرةً.
لم يكن نفس الشخص المتفائل الذي أمضيتُ الكثير من الوقت معه في الأيام الماضية؛ فهو الآن على ما يبدو حادّ، عصبيّ، ومتجرد من ابتسامته وحس فكاهته.
عندما تحدثنا شخصيًّا لمرة واحدة وأخيرة، وعدني في مكالمة تليفونية في تلك الليلة المتأخرة أنه سيشير إلى قضية الإفراج عن عبد الرحمن…
وكان متفائلاً بأن الإفراج عنه سيحصل قريباً بعد ذلك.
وعندما دعوته لتناول عشاء واحد وأخير، رفض طلبي مشيراً إلى أن قوات الأمن طلبت منه الحضور لرؤيتهم.
ورأى أن ذلك طلباً غريباً؛ مبرراً ذلك بأنه ذهب لرؤيتهم قبل عدة أيام.

خيانة من الداخل؟

لديَّ فطرة جيدة قد تفتح لنا أحيانًا طريقًا إلى أحداث لم تكتشف بعد.
كانت هذه إحدى المرات التي أثبتت فيها موهبتي صحتها، عندما اتضحت الأمور. فعندما صعدتُ إلى الطائرة، انتابني شعورٌ غريبٌ بأن هناك أمراً سيئاً جداً يحدث.
وكانت هذه المرة الأولى التي ينتابني فيها مثل هذا الشعور منذ بداية الرحلة.
بعد ذلك بثماني أو تسع ساعات، ذُعرت لسماع قرع على باب غرفتي.
فتحتُ الباب لأجد مترجمي يبدو عليه الاستياء والاضطراب بسبب شيء رآه على التليفزيون.
أخذني إلى غرفته حيث كانت تظهر نشرة في الجزء العلوي من الشاشة باللغة العربية، كُتب فيها أن مسؤولي الأمن الأردنيين قد اعتقلوا أبو محمد المقدسي مرة أخرى، بتهمة إرهابية غريبة.
خرجتُ مسرعاً من الغرفة، اتصلتُ فوراً ببوب، لم يكن موجوداً فتركتُ له رسالة.
ثم اتصلتُ بـ (X) الذي علم للتو أيضاً بما حدث.
اتفقنا أن نتقابل في فندقي في أقرب وقت ممكن… سيستغرق الأمر حوالي 30 دقيقة بالسيارة.
عاود بوب الاتصال بي بعد ذلك بوقت قصير… ناكراً أي معرفة له باعتقال المقدسي أو بأسباب هذا الاعتقال.
صدقتُ كلامه، فقد بدا مصدوماً تماماً مثلي، وقال عدة مرات إن كل الأخبار التي وصلته من مصادره في عمّان كانت مبشّرة.

هل تواصل الأف.بي.آي حقاً مع نظيره الأردني؟

ووعدني بمتابعة قضية المقدسي والاتصال بي مجدداً في أقرب وقت ممكن.
وعند غروب الشمس وصل (X) وهو يائس؛ للحصول على إجابات عما حدث في الأردن في اليوم السابق.
وعلى الرغم من قضائي الكثير من الوقت معه على مدى السنوات القليلة الماضية، لكنني لم أره من قبل في مثل هذه الحالة من الذعر التي كان فيها.
بالتأكيد، فهذا هو الرجل الذي نجا من سنوات السجن والتعذيب على يد الولايات المتحدة وحلفائها بثبات وكرامة لا تتزعزع… رجل ليس من المحتمل أن يفزع بسبب أحداث غير متوقعة.
ومع ذلك كان الوضع هنا مختلفاً؛ كان (X) محور جهود دولية للإفراج عن عامل إغاثة أمريكيّ، ولأني أمريكي آخر، طلبتُ منه ذلك، ولأن هذا هو الأمر الصحيح الذي يجب القيام به.
في هذا الجهد كان (X) قد جنّد مجموعة من الأصدقاء والناشطين للمساعدة… بما فيهم واحداً من أبرز العلماء المسلمين الذي عاد مرة أخرى إلى السجن، على ما يبدو، بسبب جهودنا… تلك الجهود التي تمت الموافقة عليها، كما اعتقدت، من أعلى مراكز الحكومة في الولايات المتحدة والأردن.
وراجعتُ أنا و(X) على مدى نصف ساعة أو نحو ذلك كل ما حصل في عمّان، بمساعدة المقدسي أو من غيره، وتشاركنا محتوى المحادثات ليس فقط مع تركي البنعلي، بل أيضاً رسائلي الإلكترونية التي تبادلتُها مع بوب والتي أعطتنا التغطية الكافية، كما ظننتُ، والتي بدأنا على أساسها طريقنا نحو تحقيق المهمة.
ورغم إنني أخبرته عن التغيير الذي طرأ على تصرفات المقدسي في الفترة الأخيرة، لم يكن لديَّ تفسير لذلك… ولا هو أيضاً.
ومع ذلك، فقد أصبح من الواضح سريعاً أن (X) كان يعرف بالفعل الكثير مما أخبرته عن الأحداث في الأردن… بما فيها اتصالات المقدسي مع البنعلي وحقيقة أننا كنا نتقدم نحو الإفراج عن كاسيغ.
وعلى الرغم من أن (X) لم يعبر عن شكه في نزاهتي، إلا أنه أشار لما كنتُ قد أدركته بالفعل… وهو أن البعض قد ينظر لهذا الجهد بأكمله كحيلة لإعادة اعتقال المقدسي.
ورفض (X) هذه النظرية، وأشار إلى أن لا أحد في المنطقة يعرفني شخصياً، ولا يعرف سمعتي، وقد يوصلهم هذا لمثل تلك الاستنتاجات الجامحة/ المجحفة.
وذكر أيضاً أن زيارته هذه بالذات عارضها بعض أصدقائه بسبب الأحداث في الأردن.
في هذه المرحلة، وفي لحظة خاطفة، خطر في ذهني فجأةً فكرة أن الحكومة ربما كانت قادرة ليس فقط على إعادة اعتقال المقدسي، بل أيضاً على التوصل إلى تعريضي للخطر بطريقة ما، في المنطقة التي اعترضتُ فيها لفترة طويلة على سياساتهم، خاصةً تلك المتعلقة بدول الوكالة مع قدر من النجاح.
ومع ذلك لم يكن لديَّ الكثير من الوقت للتفكير في هذه الفكرة، فقد رن الهاتف.
كان بوب هو المتصل. ما زال يبحث عن كيفية انحراف هذه الخطة عن مسارها، وأشار إلى أن كل ما عرفه أن الاعتقال كان من جانب سلطات الأمن الأردنية فقط… ولأن المقدسي قد خرق شروط الإفراج عنه باتصاله بقادة داعش!
وعند سماعي لذلك، صرختُ عبر الهاتف بأن هذه الأمور تحديداً تمت الموافقة عليها كتابةً، بالاتفاق مع سلطات الأمن الأردنية، وأنه يجب عليه فعل كل ما في وسعه للإفراج عن المقدسي… وفوراً.
أنهيتُ المكالمة بقولي أنه اذا لم يستطع هو او مكتب التحقيقات الفيدرالي القيام بذلك، اذاً يجب أن يأتوا بأحد من وزارة الخارجية او البيت الأبيض للقيام بذلك.
والآن أصبحت تلك النية السيئة تهديداً أساسياً لحياة كاسيغ.
لم يمضِ وقت طويل حتى قام (X) ورحل…أخبرني وهو يرحل أنه قد سمع كل ما يحتاج إلى معرفته في هذه المرحلة، وكان في طريقه إلى اجتماع مع آخرين قد شاركوا في جهود إطلاق سراح بيتر كاسيغ.

في دائرة الرفض والموت

في صباح اليوم التالي، مرّ (X) لزيارتنا بشكل غير متوقع؛ فقط ليودعنا… لأن وكالة الأمن الداخلي اتصلت به وبآخرين، وأخبرتهم أنه لم يعد من المصرح لهم رؤيتي بعد ذلك.
وعند مغادرة (X)، التفت إليَّ ليخبرني أنه سمع أخباراً عن المقدسي أنه بخير، وأنه لا يعتقد أنني لعبتُ دوراً في اعتقاله، وأنه يطلب مني المساعدة في محاولة الإفراج عنه.
كانت هذه المرة الأخيرة التي رأيتُ فيها (X).
رحلات العودة من الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة بالنسبة لي هي دوماً أكثر الرحلات صعوبةً.
فعلى الرغم من اشتعال التوتر في بعض الأحيان واتقاد الشعور بالعنف في المنطقة، إلا أنني دائماً ما أفتقد ارتفاع أصوات الدعوة إلى الصلاة “الآذان”.
ورغم أنني شخص غير مؤمن .. إلا إن هذا الشعور يتملكني.
كانت رحلتي هذه على وجه الخصوص مؤلمة.
فقد تركتُ خلفي (X) والمقدسي.
عندما أقلعت الطائرة، انخفضت معنوياتي مع كل ارتفاع نحو الأعلى؛ فقد أمضينا أسابيع لإنقاذ حياة بيتر كاسيغ من المصير المحتوم الذي أصبح مؤكداً الآن.
ومن المؤكد أن الخيانة تسببت في تراجع مسيرة حريته -التي كانت تسير بوتيرة بطيئة لكن ثابتة. تلك الحرية التي كانت تعني لكاسيغ عودته إلى جداول المياه والبحيرة والحقول التي كتب عنها في رسالته التي كانت ستصبح “رسالة الحب الأخيرة لوالديه”.
ومع سماع أول صوت للموسيقى في سماعة الأذن الخاصة بي، تمنيتُ أن أجد بعض الراحة في النوم الذي من المتوقع أن يكون… عميقاً، غير أنني كنتُ أعرف أني لن أنعم به.
بعد وصولي مرهقاً إلى مكتبي مرةً أخرى، اتصلتُ ببوب على أمل أن أسمع أخباراً جيدةً عن المقدسي.
لم يكن لديه أية أخبار. وتلقيتُ بدلاً من ذلك بريداً صوتيّاً.
وبعد ذلك بوقت قصير، تلقيتُ معاودة اتصال من نائب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي.
وعلى الرغم من أنه شكرني على جهودي، إلا أن رسالته كانت، وعلى نحو متوقع، تقتصر على عذر ملفوف بالاعتذار عما حصل خطأً… ولماذا.
وفي الواقع لقد صُدِمتُ لسماعي محاولة الولايات المتحدة ترويج تلك القصة المزيفة بأنها (الولايات المتحدة) لم تكن تعرف أن الأردن قد قررت اعتقال المقدسي… وبذلك لا يمكنها فعل شيء لإصلاح الوضع.
واتصلتُ ببوب عدة مرات خلال الأيام القليلة التالية، ومع أنه أكد لي أن استمرار الجهود لمعرفة ما ينبغي فعله، فكلانا كان يعرف أنه لا فائدة من هذه الجهود.
أنا لا ألوم بوب.
ولم يساورني الشك في أنه كان بديلاً غير مقصود لمجموعة من الحكومات التي اتخذت قراراً مقصوداً عشية النجاح المحتمل بالتضحية بكاسيغ في سبيل المنفعة السياسية.
وأخيرًا، فإن الأشخاص غير التابعين للحكومة يمكن أن يحققوا ما لا يبدو أن الحكومات نفسها قادرة على تحقيقه، فهي رسالة سيئة للجمهور الذي يبحث عن ضمان يُشير إلى أن قادته يستطيعون القيادة.
وهذا صحيح على وجه الخصوص، حيث كان الرجال القادمون للإنقاذ هم معتقلين سابقين في غوانتانامو وعلماء مسلمين مشهّرين بسبب معتقداتهم.
وفجأةً بعد أيام قليلة، رددتُ على الهاتف لأسمع أصواتاً مألوفة كانت لمترجمي و(X) الذي أراد أن يسلم عليَّ، ويؤكد لي أن أموره كلها هو وزملائه على ما يرام.
ومع أن المقدسي ما زال في السجن، إلا أنه أرسل سلامه لي… شاكراً لي جهودي التي بذلتها لصالحه.
وما أدهشني كثيراً أن (X) أشار إلى أنهم يريدون المحاولة مرةً أخرى للإفراج عن عبد الرحمن كاسيغ والذي ما زال على قيد الحياة.
ومع ذلك فإن هذا الأمر يتطلب أن ترفع حكومتهم عنهم حظر أي اتصال مباشر بي.
تحدثنا مرة أخرى أنا وبوب خلال الأيام القليلة التالية، حيث حاول حل المشكلة.
وفي وقت متأخر من الليل، اتصل بي واقترح أن أبدأ في البحث عن رحلة جوية؛ فمن الواضح أن الحظر ومعنوياتي قد يُرفعان قريباً.
تلقيتُ مكالمة ثانية من بوب بعد ساعات، يطلب مني فيها أن أتأكد من “مصادري في الخارج” لأنهم سمعوا أنه قد تم قطع رأس عبد الرحمن.
اتصلتُ فوراً ب (X) الذي شكك في صحة المعلومات، وقال لو كانت هذه المعلومات صحيحة كان من المرجح أن يسمع بها، ولكنه لم يسمع عنها شيئاً.
وعندما أغلق السماعة وعدني أنه سيعاود الاتصال بي قريباً.
وبعد وقت قصير، رنّ الهاتف. كان (X) ولن أنسى أبداً رسالته الموجزة “أنا آسف، لقد انتظرنا طويلاً جداً…لقد رحل”.

عندما قام جهاز الأمن في الأردن باعتقال المقدسي، نسف بذلك المفاوضات القائمة لتحرير كاسيغ. فهل كانت الحكومة الأميركية مسؤولة عن التقصير في ابقاء قنوات التواصل مفتوحة؟

من قتل بيتر كاسيغ؟

إن الفكرة القائلة بأن أي من مراقبي مكتب التحقيقات الفيدرالي أو حتى مدرائهم يمكنهم الموافقة بأنفسهم ومن جانب واحد على خرق اتفاقية بين الحكومة ودولة أجنبية… ومن ثمّ إصدار الحكم بالموت ضد مواطن أمريكي/ رهينة أمريكية… هي حقًّا محض هراء.
وبالمثل يستحيل أن نفهم وقوف عضو تابع للسلطة التنفيذية للحكومة مكتوف الأيدي بينما تلغي دولة أجنبية أخرى اتفاقاً يهدف إلى حماية ذلك المواطن الأمريكي (أو أي مواطن أميركي بالمطلق)… وبهذا الفعل، يضمنون موته.

ويبقى السؤال: من هو المسؤول عن مقتل بيتر كاسيغ؟

ومع ذلك، فهذا هو بالضبط ما حدث هنا، في دائرة الموت؛ حيث ادَّعى مكتب التحقيقات الفيدرالي جهله بشأن خرق الحكومة الأردنية للاتفاقية من جانب واحد… ثم ادعاء مكتب التحقيقات العجز عن التدخل، مع دولة قد تلقت مساعدات بمليارات الدولارات، لمجرد مطالبتها بالالتزام بالاتفاق ذاته الذي كانت طرفاً معروفاً فيه في المقام الأول. وهنا، لا ينبغي أن يكون هناك شك في أن قرار السماح بالقبض على المقدسي… ومن ثمَّ نسف جهود إنقاذ بيتر كاسيغ، لم يكن ليُتخذ دون علم وموافقة خاصة على أعلى مستوى يمكن الوصول إليه في حكومة الولايات المتحدة.
وعلى الرغم أن رأس بيتر كاسيغ قد قُطع بسيف معقوف يحمله قاتلٌ داعشيٌّ، إلا أنه حمل في النهاية توقيع الولايات المتحدة الأمريكية.
كان الرئيس الأميركي (آنذاك) باراك أوباما في حديثه بعد وقتٍ قصيرٍ من تأكيد أخبار قطع رأس بيتر كاسيغ: “لقد أُخِذ منّا بفعلٍ شريرٍ للغاية”، وفي هذه المسألة تحديداً، يمكننا جميعاً أن نتفق معك سيدي الرئيس.