مقابلة خاصّة مع الأمير هاري

');

أنجيلا ليفين

نيوزويك

إنها من أكثر صور الحداد المحزنة في العصر الحديث، بل وربما تكون أشدها قسوة –صورة الأمير هاري البالغ من العمر 12 سنة، منكّس الرأس يشد راحتيه، ويسير بحزن وراء نعش أُمّه الراحلة. كان هو، وأخاه الأكبر ويليام، ووالده الأمير تشارلز، وجده دوق ادنبره، وخاله تشارلز سبنسر، يمشون بخطوات بطيئة متثاقلة في 6 سبتمبر 1997، بعد 7 أيام من مصرع  الأميرة  ديانا إثر حادث سير مأساوي في باريس، عن عمر  عاماً.

وبالرغم من أن هذه الجِنازة قد مرّ عليها عشرون عاماً تقريباً، إلا أن ذكريات هذا اليوم الأليم لا زالت تغمر الأمير هاري حتى الآن.

ففي حواره الخاصّ مع «نيوزويك» يقول: «كانت أُمّي قد ماتت للتو، وكان يتعيّن عليّ أن أسير طريقاً طويلاً وراء نعشها، يحيطني آلاف الأشخاص وأنظارهم جميعاً موجّهةٌ نحوي، بخلاف ملايين غيرهم يشاهدونني عبر التلفاز».

وهنا تتجمد ملامحه ويقول: «في رأيي، لا يجب أبداً أن يُطلب من أي طفل أن يفعل مثل هذا الشيء، تحت أي ظرف، ولا أظن أن هذا من الممكن أن يحدث في يومنا هذا».

ولا يتردد الأمير في الاعتراف بأنه كان مرعوباً من ذلك اليوم، وأن صدمة وفاة والدته جعلته يعيش هائماً بلا دليل، على مدى عقودٍ من حياته. فأحاط نفسه بمجموعة من الشباب الأثرياء المتهورين.

وكان يدخن كثيراً ويُسرف في شرب الخمر، حتى أنه ذات مرةٍ ارتدى زيّاً نازياً في حفلة تنكريةٍ فاخرة!

بل وتم تصويره في لاس فيجاس وهو يحتفل عارياً بصحبة امرأة شبه عارية. فكان أكثر العزاب جاذبيةً في العالم -كما كان مصدر خزيٍ كبيرٍ للعائلة المالكة.

ومع ذلك، فقد أصبح هاري الآن يشع خليطاً من النجومية الملكية، والقبول والثقة وسعة الحيلة، خليط يُذكّر الكثيرين بأُمّه ديانا.

ولا شك أن رحلة التحوّل هذه، من شابٍ ثائرٍ ومتمرد وخارج عن السرب، إلى أحد أكثر الأمراء المحبوبين في العالم بأسره، قد إحتاجت إلى الكثير من إستكشاف الذات، ولا زالت أمامه بضع خطوات ليسلكها، ولكنه فخور بما حققه، ولا يسعه الانتظار لتحقيق المزيد والمزيد.

يذكّر(أي الأمير) أنه يتوق لأن يكون شخصًا مختلفاً عن الصورة التي تحملها الأذهان للأمير هاري.

الأمير هاري مع والدته الراحلة اللايدي ديانا والتي يذكرها بأنها كانت ذات روح مرحة وتحب الجميع. -الصورة: رويترز

الحياة العادية في وضع غير عادي!

كأفضل إنجازٍ لها على مدار العام الماضي تقريباً، حُظيت مجلة «نيوزويك» بشرف مصاحبة الأمير هاري (البالغ من العمر 32 عاماً) بينما هو يباشر أداء مهامه الملكية.

ولقد ذهبت لإجراء مقابلة شخصية مع الأمير في قصر كنسنغتون في وسط لندن؛ حيث يُقيم هو في جناح داخل القصر مُكوّن من غرفتين، بينما يُقيم أخوه وزوجته كيت في شقة مُكوّنة من 22 غرفة.

عندما قابلته، كان هاري يرتدي قميصاً باللون الأزرق الفاتح، مفتوح الرقبة، وسروال تشينو بني اللون، وحذاءً رماديّاً خفيفاً مصنوعاً من جلد الغزال.

وساعتها نهض من على كرسيه تحيةً لي، وقد اتسم حديثه بالدفء والحيوية، ولكنه كان حذراً إلى حدٍّ كبير، ففاجأني هدوءه في أثناء حديثه عن التحوّل في حياته على مدار السنوات القليلة الماضية.

يقول هاري: «بدأت رحلتي للبحث عن الذات وأنا في منتصف العشرينيات، كنت في حاجة لإصلاح الأخطاء التي كنت أرتكبها».

وكان هاري قد كشف خلال حوارٍ أجراه في شهر أبريل، أن كبته وحزنه على وفاة والدته دفعه إلى حالةٍ من «الفوضى العارمة» لمدة عامين بعد الوفاة، وأنه وصل إلى «حافة» الانهيار مرات عدّة.

وعندما كان في الثامنة والعشرين – بناءً على نصيحةٍ من ويليام – سعى للحصول على مساعدةٍ من مُتخصّص.

يقول: «توفيت أمي وأنا صغيرٌ جدّاً. كنت رافضاً لهذا الوضع، ولكني في النهاية أخرجت رأسي من الرمال وبدأت الإنصات لمن هم حولي، وقررت أن أستخدم دوري في الحياة لأمرٍ صالح.»

ويضيف الأمير الشاب: «والآن تغمرني الحماسة والشغف بالأعمال الخيرية، ومقابلة الناس وممازحتهم.»

«أحياناً أشعر بأنني لا زلت أعيش مثل سمكة زينة في وعاء، ولكنني أتكيّف مع الوضع بشكلٍ أفضل في الوقت الحالي، ولا زلت أحتفظ بذلك الجانب الشقي من شخصيتي أيضاً، وأستمتع به كثيراً، لذا أستطيع أن أتفهم سلوك الأشخاص الذين يتسببون لأنفسهم في الكثير من المشكلات».

ويوضح الأمير هاري كيف أن «الإحتفاظ بنمط حياةٍ عادية» هو الأولويّة الأولى بالنسبة له، فيقول: «لقد أسهَمت أمي بقدرٍ كبيرٍ في أن تُريني كيف تكون الحياة العادية، فمثلاً كانت تأخذني أنا وأخي لزيارة المُشردين.»

كما انه يقول انه يحمد الله أنه ليس «مُنعزلاً تماماً عن الواقع، فقد يندهش الناس من أسلوب الحياة البسيط الذي نحياه أنا وويليام؛ فأنا أتسوّق إحتياجاتي بنفسي، وعندما أبتعد عن ثلاجة بيع اللحوم في السوبر ماركت المحلي، أكون قلقاً من أن يلتقط لي أحدهم صورةً بهاتفه. ولكني مُصر على أن أعيش حياةً عاديةً إلى حدٍّ ما، وحتى لو كنت محظوظاً ورُزقت بالأطفال في المستقبل، بحيث يمكنهم أن يعيشوا حياةً عاديةً أيضاً». ويتوقف قليلاً ثم يضيف: «حتى لو كنت ملكاً سأشتري حاجاتي بنفسي».

ويبدو أن إصرار هاري على أن يظل شخصاً عاديّاً، ينعكس على حياته العاطفية كذلك.

فصديقته، ميغان ماركل، هي ممثلة معروفة، ومطلّقة، وداعمة قوية لحقوق المرأة، فضلاً عن أنها أمريكية الجنسية.

ولا تتفق أيٌّ من هذه الأوصاف مع الصورة التقليدية للعروس الملكية.

لكن الأمير يبقى مدافعاً قويّاً عن ميغان – وعلى قدرتهم على الاحتفاظ بعلاقة عاديّة إلى حدٍّ ما.

ففي نوفمبر/ تشرين الثاني من العام الماضي، وبناءً على طلبه، أصدر قصر كنسنغتون بياناً ينتقد فيه «موجة الإساءة والتهجم… والتشويه في الصفحة الأولى من إحدى الصحف الوطنية، والتلميحات العنصرية في التعليقات على المقال؛ والتحيّز الجنسي والعنصرية الصريحة من قِبل المتصيدين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي».

وأضاف البيان: «إن الأمير هاري يشعر بالقلق على سلامة السيدة ماركل، ويشعر بخيبة أمل عميقة لعجزه عن حمايتها. فليس من المقبول أبداً أن تكون العلاقة التي تجمع الأمير بالسيدة ماركل، والتي لم تتجاوز عدّة أشهر قليلة، مبرراً لتعرضها لهذه العاصفة الشعواء».

وقد علق أحد المُقربين من الأمير على الأمر، موضحاً أن هاري «لا يتعجل الأمور» – فيما يتعلق بالحديث عن التقدم لخطبتها.

ويضيف: «من الواضح أن علاقتهما تسير على نحوٍ طيبٍ للغاية، وأن بينهما الكثير من القواسم المشتركة، ولكنهما لا يزالا بحاجةٍ لمعرفة الكثير عن بعضهما البعض.»

ويقول المصدر إنهما بحاجةٍ لاكتشاف ما إذا كان بإمكانهما الاستمتاع بعلاقة عادية في ظل ظروف غير عادية بالمرة، أم لا.

ويضيف: «لا أعتقد أن تطوراً ما في هذا الشأن قد يحدث حتى نهاية العام».

فهل سيؤدي هذا الحرص البالغ من قِبل الأمير على أن يحيا حياةً «عاديةً» إلى إنهاء حالة الغموض التي لطالما غلف حياة العائلة المالكة؟

ويقول: «الأمر عبارة عن موازنة دقيقة، إننا لا نريد أن نضيع هذا التأثير الساحر. فجمهور البريطانيين بل والعالم بأسره يحتاج إلى مثل هذه المؤسّسات».

الاستثناء على القاعدة

إن الأمير يعلم تماماً أنه من السهل السخرية من مسعاه لعيش حياة «عادية»، بينما هو مقيم في قصر، ويتنقل في أنحاء المدينة في سيارات فارهة ذات نوافذ تحجب النظر عما بداخلها، ويمكنه استخدام علاقاته للحصول على ما يريد.

فليس باستطاعة الكثيرين التواصل مع قادة الجيش البريطاني كما فعل هاري، عندما طلبوا منه مغادرة وحدته في أفغانستان لأسباب أمنيّة؛ إلا أن الأمير مارس بعض الضغوط ليتمكن من البقاء في أرض المعركة. ومؤخراً، أقنع متحف التاريخ الطبيعي أن يظل مفتوحاً لوقتٍ متأخرٍ في إحدى الليالي حتى يتمكن هو وميغان من مشاهدة الديناصورات على انفراد.

يقول الأمير هاري بأنه يشعر بنفسه شخصا طبيعيا عندما يكون مع رفقته في السلاح. الصورة: رويترز

كما يبدو أنه يعلم أن ملايين الناس لا يريدونه أن يكون مثل أي شخصٍ آخر.

فتقريباً جميع من قابله أثناء متابعتي له خلال أدائه لمهامه الملكية كان في غاية السرور لمقابلة الأمير هاري.

ووصل الأمر في بعض الأحيان الى تساؤل البعض عما اذا كان هاري أميرا بحق، بسبب تواضعه.

وما لبث أن أحدهم توجّه إليه قائلًا: «إنك أميرٌ حقيقي!».

ومن المعروف أن هاري يندمج كثيراً عند الحديث مع الأطفال، ومصابي الحروب، وأي شخص آخر يمُرّ بطريقه وهو يسير في جولاته. ومن ثم، يبدو أن لديه قدرةً حقيقية على التواصل مع الناس، وخاصّة مساعدة الجنود وغيرهم من جميع الأعمار لتخطي الصعاب التي تواجههم.

وبعد اعترافه أنه ظل «منغلقاً على نفسه» لعقدين من الزمان تقريباً، يحرص هاري الآن على أن يُظهر للعالم أنه شخصٌ عطوفٌ وحساس.

فيقول مبتسماً: «أحياناً يتملكني قدرٌ هائلٌ من الشغف، وقد كان ذلك هو ما يؤدي بي إلى الوقوع في المشكلات في الماضي، ويرجع ذلك جزئيّاً إلى عدم قدرتي على تحمّل الناس وهم يراوغون، بدلاً من الحديث عن الأمر مباشرةً».

الرأس التي ترتدي التاج

أحد الأشياء العديدة التي يحرص هاري على «الحديث عنها مباشرةً»، هو إصلاح الملكية البريطانية؛ حيث يبدو أنه هو وويليام وكيت حريصون على إحداث هذا الإصلاح في القرن الحادي والعشرينز

يقول الأمير هاري: «الملكية هي نظام يسعى لتحقيق الخير للبشرية، ونحن نعمل على استمرار المناخ الإيجابي الذي حققته الملكة على مدى أكثر من ستين عاماً، ولكننا لن نحاول أن نتبع النهج نفسه».

فمن المرجح أن يكون الأمير ويليام، وترتيبه الثاني في ولاية العرش، خلفاً للأمير تشارلز في تولّي عرش البلاد، وفي حين أن ويليام محبوب، إلا أن سحر هاري وطاقته ساعدت كثيراً الأجيال الشابة على تجديد صورة الملكية بعد وفاة ديانا -وصعاب أخرى عديدة لحقت بالأسرة المالكة في الوقت نفسه تقريباً -والتي كانت تبدو بالغة الضرر.

يقول هاري عن ذلك: «نحن مهتمون بتحديث الملكية البريطانية لتلائم عصرنا الحالي، ولا نفعل ذلك لأنفسنا ولكن للصالح العامّ. هل هناك أي شخصٍ في العائلة المالكة يُريد أن يصبح ملكاً أو ملكة؟ لا أظن ذلك، ولكننا ننفذ مهامنا على أي حال، وفي الوقت المناسب».

حجم الأعمال الخيرية التي ينوي هو والأمير ويليام وكيت القيام بها، والتي لطالما شكّلت جزءاً ضخماً من الصورة العامّة للملكة – سيكون مركزاً أكثر.

حتى العام الماضي، كانت الملكة رئيسة 600 جمعية خيرية، ودعمت الأسرة المالكة 3000 جمعية اخرى.

وفي الوقت الذي سيتولّى فيه وليام العرش سيكون هذا الرقم قد انخفض كثيراً.

ولكن أحد المصادر المقربة من هاري يُصر على أن هذا ليس نتيجةً للكسل.

ويضيف المصدر, (يفضل المسؤولون في شؤون العائلة المالكة عدم الكشف عن هُويّتهم؛ حتى يمكنهم الحديث عن الأسرة بحريةٍ أكبر)، «انهم سيركزون على جمعيات بعينها، يتحرّون عنها بدقة شديدة في البداية، ثم ينضمون إليها على نحوٍ منتظم.»

وبحسب المصدر, فان «الشيء الوحيد الذي لا يريدونه (يقصد العائلة المالكة) هو أن يعتبرهم الناس مجموعةً من المشاهير».

ويؤكد هاري هذه الفكرة قائلاً: «نحن نستغل وقتنا بحكمة، فلا نريد أن نحضر ونصافح الموجودين، ولكن لا يكون لنا دورٌ حقيقي».

مِن إيتون لأفغانستان 

يرى هاري نفسه في ثلاثة أدوار رئيسة في حياته العمليّة، ولا يمكن اعتبار هذا الأمر مهنةً بحد ذاته، ولكنه أقرب شيءٍ ممكن.

الأول هو أن يُكمل مسيرة أُمّه الراحلة.

يقول: «دائماً ما ينبئني حدسي بما قد تنتظره أُمّي مني لأكمل العمل الذي لم تتمكن من إكماله».

فمنذ عشرين عاماً عندما كان الخوف غير المنطقي من الإصابة بمرض الإيدز على أشده، نشرت ديانا صوراً لها وهي تصافح رجلاً مُصاباً بمرض الإيدز، وهذه اللفتة وحدها غيرت الرأي العامّ.

وذات مرة صرحت ديانا في مقابلةٍ تلفزيونية: «أريد أن أكون ملكةً في قلب الناس»؛ واستمر معها اللقب، وخاصّةً بعد وفاتها.

وفي ديسمبر/ كانون أول الماضي أجرى الأمير هاري تحليل اختبار فيروس نقص المناعة البشرية في باربادوس، أمام مجموعة ضخمة من المُصوّرين.

وفي عام 2006 أسّس جمعية خيرية أسماها «سنتيبيل» مع الأمير سيسو، أحد أفراد أسرة ليسوتو الحاكمة، والذي فقد أُمّه هو الآخر عندما كان صغيراً.

وجمعية «سنتيبيل»، والتي تعني «لا تنساني» تُحيي ذكرى والدتي الأميرين، من خلال مساعدة الأطفال الفقراء في دول جنوب إفريقيا، وهي الدول التي يوجد فيها ثاني أعلى معدلات للإصابة بمرض الإيدز في العالم.

في الأول من ديسمبر من العام ٢٠١٦، قام الأمير هاري بالخضوع لفحص الإيدز إلى جانب المغنية العالمية ريهانا لنشر التوعية بالنسبة للمرض. الصورة: رويترز

كما ترأس هاري جمعية خيرية مناهضة للألغام وأسماها «هالو تراست»، والذي يستكمل فيها مسعى أُمّه «للتخلص من الألغام الأرضية».

أما الدور الثاني فهو دعمه لجدته الملكة إليزابيث الثانية، التي تبلغ الآن 91 عاماً من العمر وتعد أقدم حاكم ملكي في العالم مايزال في الحكم حتى اليوم.

وبحسب الأمير هاري, فهي توكل بعضا من مهامها لحفيديها طوال الوقت.

«كان عظيماً من الملكة أن تترك لي حرية الاختيار، فكانت تقول لي: خذ وقتك وفكر في الأمر جيداً».

وثالث خط لحياته العملية هو شيءٌ لم يكن لأفراد الأجيال السابقة من العائلة المالكة أن تُفكر في فعله ولو للحظةٍ واحدة.

وهذا الأمر هو: أن هاري مُصِرٌ على كسر الوصمة المحيطة بالمشاكل العقلية، وهو شيء يفعله هو وويليام وكيت بدعم من الحكومة البريطانية.

يقول هاري عن هذا الأمر: «هم يملكون الأموال، ونحن نملك القدرة على مخاطبة الجمهور».

فلا ينكر الأمير أن جهوده الخيرية في هذا الشأن قد مكّنته من التغلب على بعض مشاكله الخاصّة. وفي أكثر من مناسبة، عندما أكون بصحبته يُعلن: «أنا مؤمنٌ بأن الإنسان قادرٌ على التغيير»، ويبدو واضحاً أنه يتحدث عن نفسه ولو بشكلٍ جزئيّ.

وفي عام 2012، أطلق هاري وويليام وكيت مؤسّسة «رويال فاونديشن»، وأحد برامجها «فول إفيكت» والذي يسعى لتنمية حب الرياضة لدى الأطفال الذين يأتي الكثير منهم من خلفية محرومة، ومعرضين للانضمام لعصابات، على أمل أن يحفزهم لتبني مسارٍ إيجابيٍّ أكثر.

ولقد رافقت هاري في زيارة لمشروع «فول إفيكت»، في مدينة نوتنغهام بوسط إنجلترا.

أول مكان توقف فيه هاري كان أمام مركز نوتنغهام الوطني للجليد، والذي قابل فيه 30 شابّاً وفتاةً في سن التسع سنوات، والذين لم يهتموا كثيراً بالجانب «العادي» فيه؛ فكانوا يريدون أن يتلمسوا الأبهّة والفخامة؛ وكان هاري يرتدي قميصاً أزرق اللون، مرفوع الأكمام، بينما لم يكن يضع القميص في السروال البني الذي كان يرتديه بطريقةٍ مرتبة.

فمن الواضح أنه لم يأبه كثيراً لما لو انحنى الناس لتحيته عند اللقاء، أم لا.

وبدلاً من ذلك، قال نُكتةً قصيرةً وجعل الأولاد والبنات يضحكون ويتصرفون على طبيعتهم.

وقد شاهده الأطفال بعيونٍ تملؤها الدهشة وهو يُلقي كرة الرجبي ويركل كرة القدم معهم.

وبعد عشرين دقيقة، تحدث مع مجموعة من الشباب تتراوح أعمارهم بين سن 16 الى 24 سنة، وهم جزءٌ من مبادرة تحت رعاية مؤسّسة «رويال فاونديشن» لتقديم فرصة التدريب على أن تكون مدرباً رياضيّاً.

وغالبية هؤلاء الشباب أتوا من أُسرٍ مُفكّكة، ولم يجدوا لهم مكاناً في النظام التعليميّ، وبالتالي لم تُتَح أمامهم الكثير من الفرص في الحياة. وذكر لي أحدهم أنه يتعيّن عليه مرافقة أشقائه السبعة للمدرسة، قبل حضوره إلى العمل.

بينما كانت محطته التالية هي مركز راسل للشباب في سانت آن، وهي منطقة محرومة، يوجد بها استوديو تسجيل شهير يديره تريفور روز، وكان هاري يزوره بانتظام منذ عام 2003.

يقول روز: «هذا المكان بمثابة ملاذ آمن للأطفال المحرومين من المدرسة ومراكز الشباب والمراكز الرياضية، والكثير منهم تعرض لصدماتٍ عنيفة، أو طُردوا من منازلهم، وكان عليهم مواجهة مشاكل إدمان الكحوليات والمخدرات، بالإضافة إلى مشكلات أخرى متعلقة بانخفاض الثقة بالنفس وعدم تقدير الذات».

وقبل وصول هاري، بدا غالبية الشباب متعالين عن الإهتمام بزيارةٍ ملكيّة، ولكن روز لم يأبه لذلك، «فعندما تعمل مع شبابٍ معرضين للخطر، تجد أنهم لا يثقون بالناس بسهولة، ولكن عندما يدخل هاري فسوف ترون كيف أنه سيكون واحداً منهم».

وقد كان ذلك، فلقد صافح هاري الكثير منهم وربت على ظهر الصبيان واحتضن البنات وألقى النكات، وفي خلال دقائق كان مُحاطاً بالعديد من المراهقين الذين كانوا في غاية التعالي منذ دقائق، يرجونه أن يلتقط معهم صورة «سِلفي»، وهو ما فعله بسرور.

كل من يلتقي بالأمير هاري يحبه على الفور، وبخاصة الأطفال، فهو شخص غير متكلف وودود. الصورة: رويترز

ويقول روز: «إن هذا من شأنه أن يُحدث فرقاً كبيراً مع الأولاد، فعندما يعلمون أن هناك أميراً يرعاهم، وأن هذه الشخصية القريبة من الناس التي يبدو عليها هاري، ليست هي ما يتوقعه الناس منه، نظراً لكونه أميراً.

إنه لا يريد أن يُصافح أيديهم ويلقي عليهم التحية فحسب، بل إنه يريد أن يصبح جزءاً من رحلتهم. وأعتقد أن تفانيه هذا يساعده جزئياً على وضع حياته في الإطار الصحيح».

تلقى هاري تعليمه في كلية «إيتون» المُخصّصة لأبناء النخبة (التي يقول انه كان يبغضها)، ثم قضى خدمته في الجيش لمدة 10 سنوات.

وكان يقود طائرة مقاتلة في مهام في أفغانستان، وكان يحب كثيراً كونه مشاركاً في وحدةٍ مقاتلة في تلك الدولة، وقد حزن كثيراً عندما تلقى أمراً بمغادرة الجبهة. فالعائلة الملكية وقيادة الجيش كانوا يخشون أن يصبح هدفاً سهلاً لمقاتلي طالبان الذين يبعدون عنه بضعة أميال فقط، مما يضعه هو وزملاؤه في خطرٍ داهم.

ومن الواضح أن تجربته في الجيش قد غيّرته وجعلت منه إنساناً أفضل، وأعطته مسعى شخصيّاً للغاية: وهو الدفاع عن المجندين والمجندات الذين تعرضوا للإصابة في ساحة القتال.

وفي عام 2014، أطلق دورة ألعاب «إنفيكتوس» للمعاقين، والتي لاقت نجاحاً ساحقاً، وأصبحت الآن حدثاً سنويّاً.

وقد كان الحديث عن الصدمات والاكتئاب هو محور تركيز مركز عمليات الطوارئ في خدمة الإسعاف في لندن، والذي يتلقى نحو 5000 اتصال للإبلاغ عن حالاتٍ طارئةٍ يومياً، ويُرسل سيارات الإسعاف إلى جميع أنحاء لندن.

وكانت هذه الزيارة للترويج لفاعلية «تايم تو توك»، وهي إحدى برامج حملة «هيدز توجيذر» للحديث عن مشكلات الصحة العقلية، ومرةً أخرى يعود هاري لتجربته في الخطوط الأمامية في أفغانستان، ليعبر عن تعاطفه مع العاملين في سيارات الإسعاف والمسعفين.

ويتذكر كيف كان هو كقائد مروحية، يأتي لينقل مجندين ومجندات تعرضوا للإصابة.

يقول هاري: «تهبط بالطائرة وتسلم المصابين ثم تتوجه للقيام بمهمةٍ أخرى، ولا تعرف أبداً ما إذا كان ذاك الشخص قد نجا أم مات».

ثم توجّه إلى إثنين من المسعفين بحديثه مضيفاً: «إنه لأمرٌ مذهل أن يكون عليكم التعامل مع هذا كله يوميّاً، فأنت لا تدري ما قد تلاقيه؛ فقد تتعرض لهجوم أو إساءة أو أيّ شيء من هذا القبيل. ليس من المنطقي أبداً أن نتصوّر أنكم تمرّون بكل ذلك ولا تتأثرون، فأنتم بشرٌ في النهاية. أحسنتم عملاً يا رجال».

ثم تحدث في حوار مُطوّل مع دان فارنوورث، وهو مسعف من مدينة بلاكبول وأبٌ لأربعة أطفال، ويعاني من اضطراب ما بعد الصدمة، بعد التعامل مع حالة صعبة للغاية شملت تعرض طفل للإيذاء، وموته نتيجة ذلك.

وتحدث فارنورث عن دخوله في حالة نفسية سيئة للغاية، وكيف أنه كان خائفاً من أن يقر بذلك لأن ذلك قد يعني عدم السماح له بالعمل.

عندها أومأ له هاري وتحدث إلى فانورث كما لو كان معالجاً نفسيّاً، وليس أحد أفراد الأسرة المالكة المُدللين: «من المهم جداً أن تُعبّر عما بداخلك. لو ظللت محتفظًا بمخاوفك لنفسك لأسابيع وشهور وأعوام فسوف تتحوّل إلى مشكلات حقيقية. ليس ضعفاً أن تفصح عما بداخلك، بل إن عين القوة هو أن تُعبّر عما بداخلك لتتخطى الأمر وتأخذ خطوةً للأمام. أعرف أشخاصاً لا يريدون أن يعبّروا عما بداخلهم؛ لأنهم لا يريدون المخاطرة بفقدان وظائفهم. ولكنهم في تلك الحالة يخاطرون بفقدان وظائفهم؛ وذلك لعدم قدرتهم على التأقلم».

وربما يكون هذا التعاطف قد ظهر أكثر من خلال تعامل هاري مع الرجال والنساء الذين خدم معهم في الجيش.

كما أنني رافقت هاري خلال زيارته لمركز «هيلب فور هيروز» للتعافي، وكان يوماً صحواً وبارداً في الوقت نفسه، وإجتمعت مجموعة صغيرة من الرجال وهم يتحدثون، بينما يصنعون دعامات خشبية طويلة لباب «أيرون أيدج هاوس»، وهو مشروع مبنى علاجي.

وبالقرب منهم نار مشتعلة لتدفئهم، لتساعدهم فيما بعد في تناول غذاءٍ ساخن.

كانوا جميعاً جنوداً سابقين بالجيش البريطاني، وتعرضوا لإصابات خطيرة على أرض المعركة.

ومع أن جراح أجسادهم قد إندملت إلى حدٍّ كبير إلا أنهم أتوا للاستفادة من الخدمات النفسية والمتعلقة بالسلامة العقلية، التي تُقدم ضمن برنامج «هدن ووندز»، وهو برنامج يقدمه «هيلب فور هيروز» للمحاربين القدامى الذين يعانون من الاكتئاب والضغط النفسي والغضب والقلق، ومشكلات مع تناول الكحوليات.

وكان هاري متعاطفاً معهم، ولكنه كان يمازحهم في الوقت نفسه. ولقد اعترف للمحاربين القدامى – وكررها لي لاحقاً -أنه يفتقد زمالة وحياة الجيش، «ومواقف الكوميديا السوداء في تلك الأيام».

قام الأمير هاري بممارسة بعض الضغوط من أجل أن تسمح له القيادة العسكرية البريطانية بالعودة لساحة المعركة في أفغانستان بعدما تم سحبه من هناك مخافة أن يتم إستهدافه ووحدته. الصورة: رويترز

وكان سؤاله الأول لمايك داي، وهو قائد قناصة سابق أصيب إثر انفجار قنبلة يدوية في أفغانستان في عام 2009، وشملت إصاباته كُسراً في الظهر، وشظايا في الرأس والجسم؛ وقد دخل في صلب الموضوع مباشرةً حيث قال: «إذن ما هو أكبر تأثير أحدثته الإصابة على حياتك؟».

وفكّر داي للحظة، ثم قال بهدوء: «إنني لم أعُد أبداً كما كنت».

وكانت لحظة مؤثرة وحساسة، ولكن هاري لم يهتز وقال: «إن أحد أكبر التحدّيات التي عليكم مواجهتها، هو أن تعرفوا كيف تحيون، وليس مجرد أن تكونوا أحياءً.

وأومأ داي برأسه قائلًا: «لقد جئت إلى هنا أربعة أيام في الشهر، وقد ساهم ذلك بالفعل في اكتشافي أفضل ما في شخصيتي».

وبدا الفريق المساعد لهاري متردداً بشأن نقله إلى موعده التالي، وقال للجنود إبان مغادرته: «أحسنتم صنعاً يا رجال».

وبعد الزيارة بقليل، قال لي الأمير: «نحن نرتدي الزي نفسه. إنني أرى الكثير من شخصيتي في هؤلاء الرجال. إنهم بحاجةٍ للحصول على فرصة؛ كي يُثبتوا أنفسهم، ويكونوا شخصاً أفضل».

الجراح الكامنة 

عندما يكون هاري في مُهمّة، فإنه يتصرف بثبات وإتزان ووُدٍّ كبير، ولكن في اللحظات الأهدأ يبدو متوتراً ومنزعجاً.

لا شك أنه عاش حياةً مُرفّهةً بدرجةٍ فوق المعتاد، ولكنه أيضاً عانى الكثير من الألم في الـ 32 عاماً التي عاشها.

فكان والداه غير متوافقين على الإطلاق، وانفصلا بعد أن انقلبت قصة زواجهما التي تشبه القصص الخيالية لكابوس بعد زواجٍ دام 11 عاماً. وعاد تشارلز لعشيقته القديمة كاميلا باركر بولز، وكان لديانا مجموعة متنوّعة من العشاق، وآخرهم دودي الفايد بن محمد الفايد، المالك السابق لمتجر هارودز الضخم، والذي توفي معها في هذا الحادث الذي وقع في باريس.

وعندما يُسأل هاري عن عائلته، فإنه يتحدث بلا تردد عن الملكة: «إنها إنسانة غير عادية»، وعن أُمّه الراحلة: «كان لديها حس فكاهيٌ رائع، وكانت على الدوام تريد أن تجعل الأشياء ممتعةً لنا، كما كانت توّد حمايتنا».

ويتحدث أقل عن ويليام وكيت، ولا يكاد يذكر أباه أو زوجة أبيه على الإطلاق، ولا عجب في ذلك؛ إذ إن العالم بأسره بات يعلم الآن كيف تسببت هذه العلاقة في تعاسة ديانا وولديها.

لم يكن باستطاعة أحد ملء الفجوة التي أحدثتها وفاة ديانا، ويبدو أن هاري قد كبر بدون أن يكون لديه شخص يمكنه الاعتماد عليه عاطفيّاً. ولقد ساعدته كيت في سد بعضٍ من هذا الفراغ.

فعندما أُعلنت خطبتها على ويليام وصفها هاري بالأخت الكبيرة التي لطالما تمناها.

وكثيراً ما يذهب لشقتهما في قصر كنسنغتون؛ حيث تُعد له وجبةً من الدجاج المشوي، الذي يقال إنه أحد أطباقه المفضلة.

يذكر أحد المقربين من العائلة المالكة أن شخصية هاري تختلف كثيراً عن شخصية ويليام، وأنهما مختلفان كثيراً من الناحية العاطفية.

ويؤكد المصدر على أن: «هاري يحمل قلبه في راحتيه، بينما ويليام انطوائي وهادئ. ولقد ربط بينهما وضعهما الفريد وتجربة فقدان أُمّهما في سنٍّ صغيرٍ جداً، ولكنهما لم يكونا متلازمين على الدوام؛ فحينما كان ويليام يدرس في الجامعة، لم يتقابلا على الإطلاق».

ويوضح مصدر آخر من الدائرة القريبة من هاري الفروق بين الأميرين قائلاً: «ويليام كان أكثر نجاحاً من الناحية الدراسية، ولكن فيما يتعلق بالتعامل مع الناس فإن هاري يتفوق عليه وعلى كيت أيضاً، وخاصّةً مع الأطفال. فهاري عطوفٌ وشغوفٌ بالأطفال، وهي الصفة التي لا يتحلى بها لا ويليام ولا كيت،» وربما تكون حقيقة أنه أصبح لديهما طفلين قد تكون سبباً في ذلك.

كذلك، فإن هاري لديه جانباً عمليّاً أكبر من ويليام.

يقول هاري: «يمكنني عمل الأشياء بيدي.»

في العام 2014، أطلق الأمير هاري دورة ألعاب «إنفيكتوس» للمعاقين، والتي لاقت نجاحاً ساحقاً، وأصبحت الآن حدثاً سنويّاً الصورة: رويترز

ولا ريب أن ذلك كان أحد الأسباب التي جعلت الخدمة في الجيش الإنجليزي تناسبه كثيراً.

ففي نهاية عام 2007، طار هاري سرّاً إلى أفغانستان وعمل كمراقب جوي أمامي في مقاطعة هيلماند؛ حيث كان يُرشد الطائرات المقاتلة للأهداف المشتبه فيها الخاصّة بطالبان.

وبعد عشرة أسابيع، تمّ تسريب مكان خدمته للصحافة، وسُحب من الموقع لأسباب أمنيّة.

ويقول عن ذلك: «شعرت باستياء شديد، فوجودي في الجيش كان المَهرب الأمثل بالنسبة لي، وشعرت بأنه يمكنني أن أحقق شيئاً بالفعل».

وفي عام 2012، سُمح له بالعودة إلى أفغانستان حيث قاد هجمةً بالمروحيات على مخيم باستيون في مقاطعة هيملاند.

يقول هاري عن ذلك: «كل ما أردته هو أن أثبت أن لديّ مهارات معينة، على سبيل المثال: قيادة طائرة أباتشي -بدلاً من أن أكون فقط الأمير هاري. وشعرت أيضاً أنني واحدٌ من هؤلاء الشباب، وكان يمكنني أن أنسى أنني الأمير هاري وأنا معهم.»

وعندما عاد لأرض الوطن في عام 2015 كان غاضباً لأن حياة الجيش قد سُلبت منه.

ولكنه في النهاية قرر التخلي عن حزنه، ومتابعة مسيرته بإصرار، بحثاً عن هُويّة جديدة تجعله يشعر أن الحياة لها معنى غير كونه فرداً من العائلة المالكة.

لقد أخبرني أن عليه أن يُسرع في مسعاه هذا: «لكي أحقق شيئاً في حياتي، أشعر أنه لم يعد هناك سوى نافذة صغيرة؛ حيث ما زال الناس مهتمين بي قبل أن يسحب [أبناء ويليام] البساط من تحت أقدامي، وأنا أنوي الاستفادة من هذه الفرصة على النحو الأكمل.»

Facebook Comments

Post a comment