مقال خاص: ثِقوا بنا فنحن أطباء

 ماريو ستيفان
المدير التنفيذي لمنظمة أطباء بلا حدود في دولة الإمارات العربية المتحدة
خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

==============

تتصاعد سحب سوداء من الدخان في سماء ميانمار، فيما تمتد طوابير من الناس على مد البصر؛ بعضهم يحمل أغراضاً منزلية وأواني أو حقائب بلاستيكية، وأكثرهم لا يحمل شيئاً. 

هؤلاء الناس هم في طريقهم إلى مخيم للاجئين في كوكس بازار في بنغلاديش، وهو مكان موحل كثير التلال ومكتظ بالناس، حيث يعيش فيه الآن نحو مليون نسمة.

ما أريده منكم الآن هو أن تتوقفوا معي لبرهةٍ وتلقوا نظرة على هذه الأزمة من منظور طبي، حيث نرى بشراً مستضعفين لا حيلة لهم وهم بحاجة للمساعدة. 

نحن منظمة أطباء بلا حدود، وهي منظمة دولية طبية وليست جماعة من جماعات حقوق إنسان. قد يبدو هذا الفارق واضحاً لكنني غالباً ما أشدد عليه للتأكيد على حقيقة أن اهتمامنا الأساسي هم مرضانا وعلاجهم. وهذا لا يعني أننا لا نتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان عندما نشهدها. بل إن تبليغ ما نراه يُعتبر أحد مبادئ عملنا الأساسية، فنتحدث عن الظروف التي نشاهدها – ذلك أن أولويتنا بلا منازع هي الحفاظ على حياة الناس. 

ما نؤمن به هو أن نقل أحداث معينة، حتى لو كان ذلك عكس تيار الإعلام، أو كان شوكة تخز جنب حكومة ما هو أمر جوهري إذا كان سيؤدي إلى تأمين الرعاية الطبية لمزيد من الناس. في الوقت الراهن علينا أن ننقل الظروف الحرجة التي يعيشها اللاجئون الروهينغا في مخيم اللاجئين في بنغلاديش. فالمخيم يضيق بسكانه الذين لا يجدون تحتهم  ما يتوسدونه سوى التراب المبلل الذي بات ينخر عظامهم؛ ولا تظللهم من حرارة الشمس ومياه الأمطار سوى صفائح بلاستيكية؛ ولا يتوفر لديهم الماء النظيف للشرب أو الاستحمام أو الصرف الصحي. 

ولعل أسوأ جوانب الأزمة الحالية هو أن لا شيء جديد فيها. فمنذ نهاية السبعينيات كان الروهينغا يتعرضون لموجات من العنف المتعمد في بلدهم ميانمار، تتبعها موجات نزوح فلجوء نحو البلدان المجاورة، إلا أن الموجة الحالية هي الأكبر. وبعيداً عن جانب العنف، لا يعتبر خيار العودة مغرياً: فالروهينغا محرومون من الجنسية في ميانمار وبالتالي  هم محرومون من الحقوق والخدمات الأساسية. 

لاجئون روهينجا يعبرون نهر ناف باتجاه بنغلاديش. -الصورة من أطباء بلا حدود

سبب هذه المشكلة هو الوضع السياسي، لكنه ليس المرض الذي نحاول علاجه. فهذه الفئة من الناس لم تكن تحصل على الرعاية الصحية، وإن حصلت عليها فهي في حدها الأدنى. قلة قليلة حصلت على اللقاحات التي نعتبرها روتينية ويأخذها أطفالنا بشكل معتاد.

ولتبيان الأثر الذي تركه عدم حصولهم على اللقاحات، يمكننا تأمل مسألة لافتة للنظر: وهي تفشي الدفتيريا بين اللاجئين الروهينغا في بنغلاديش (حتى فبراير/شباط كانت أطباء بلا حدود قد عالجت نحو 5,000 شخص من الدفتيريا في كوكس بازار). وإن مجرد وجود هذا المرض لهو أمر مُخجِل. فهذا النوع من الأمراض لم يعد موجوداً تقريباً في الدول الغنية. ومن باب المقارنة، لم تشهد المملكة المتحدة خلال الأعوام العشرين الماضية سوى أربع حالات من الدفتيريا. قبل عام 1942 (ومعرفة اللقاحات) كان هنالك ما معدله 55,000 إصابة سنوياً، ينتج عنها ما يقارب 3,500 وفاة (معظمهم من الأطفال). وهذا يعطينا لمحة عن عدد الأرواح التي يمكن إنقاذها إذا ما تم تقديم الرعاية الطبية الملائمة للروهينغا بطريقة مستدامة. 

ومن الأسباب الأخرى التي تثير القلق هو اكتظاظ المكان وعدد الناس الساكنين في مخيم اللاجئين المذكور أعلاه، لا سيما في ظل غياب الخدمات الأساسية. وقد كان توفير الماء النظيف والصرف الصحي أولوية لفرقنا منذ شهر أغسطس/آب. لكن، وعلى الرغم من التحسن الذي طرأ، إلا أنّ الوضع لا يزال بحاجة إلى المزيد من العناية، فالأمراض  منتشرة بين قاطني المخيم خاصة تلك المتعلقة بالأمراض التنفسية المعدية، وأمراض الإسهال والأمراض الجلدية —وجميعها ذات صلة بالظروف المعيشية. 

ويجب التنويه أن المرض والعدوى ليسا مصدر القلق الوحيد للروهينغا، فالكثيرون منهم بحاجة للعلاج أيضاً من الضرر النفسي البالغ الأثر، حيث شهد العديد منهم موت فرد على الأقل من أفراد الأسرة وبطريقة عنيفة. 

يحمل الكثير من اللاجئين آثاراً بدنية وجروحاً غير ملتئمة من عنف تعرضوا له. لقد شهدوا أصنافاً شتى من الاعتداءات: تعرضوا لإطلاق النار والطعن والاغتصاب والضرب والتعذيب وحتى الاعتداء بالسيوف، وهم بالتأكيد بحاجة لرعاية طبية متواصلة. ومع ذلك تبقى المشاكل الطبية العديدة الأخرى التي تترافق مع الحياة اليومية، والتي لا يمكن أن تتوقف بسبب وجود أية أزمة. فالنساء الحوامل في المخيم يحتجن للعلاج والرعاية المستمرين، والأطفال والبالغين في المخيم يحتاجون توفر المرافق الطبية والكوادر الطبية.

بالطبع لا بد من حل سياسي إذا ما أردنا رؤية تغيير دائم في وضع الروهينغا، لكن ما يشغلني هو المشاكل المباشرة التي يمكن معالجتها أثناء وجود الروهينغا في مخيم اللاجئين، خاصة مع احتمال أن يبقى الوضع قائماً لسنوات، وليس لأشهر. لعلّي الآن قد تحدثت بإسهاب عن القضايا الطبية التي تحتاج إلى عناية، لكن هناك أمراً آخر لم أتحدث عنه بعد، وقد يكون بذات الأهمية بالنسبة لمقدم العلاج الطبي –ألا وهو حق الكرامة. 

لاجئون روهينجا ينتظرون في حقل الأرز بعد عبورهم الحدود إلى بنغلاديش وينتظرون الضوء الأخضر للتوجه نحو مخيمات اللاجئين في كوكس بازار، هرباً من موسم الأمطار. – الصورة من أطباء بلا حدود

في العام 2013، وصفت الأمم المتحدة أقلية الروهينغا بأنها واحدة من أكثر الأقليات اضطهاداً في العالم. هو تصريح قوي بلا شك، لكن في اعتقادي أننا نحتاج إلى فعل أكثر من مجرد تقديم بيانات الإدانة التوصيفية، والسكان العالقين في جحيم ذلك الوضع المريع لم يشهدوا الكثير من الفوائد الملموسة لتلك البيانات. 

لا أقول أنه يجب علينا تجاهل القضايا السياسية التي تعتبر السبب الكامن وراء هذه الأزمة، لكنني أطلب أن نوجه تركيزنا فوراً على البشر الذين عانوا الكثير، وأن نضافر الجهود لتقديم ما يفي باحتياجات هذه الفئة من الناس. 

يحتاج الروهينغا إلى الرعاية الطبية العاجلة، ولديهم الحق بالحصول على ظروف معيشية كريمة، ولهم علينا أن نهتم بهم كأفراد لديهم احتياجات فردية، لا أن ننظر إليهم كعالة على البشرية. وجميع هذه الأمور تقع ضمن نطاق استطاعتنا، إذا ما توفرت الإرادة والتوافق لتحقيقها. 

Facebook Comments

Leave a Reply