مقال رأي: لو كنت وزيراً للإعلام

عبدالله الجنيد*

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

كتبت على صفحة حسابي في تويتر مساء يوم الجمعة (٢٠ يناير) : قرارك الاول #لو_كنت_وزير_اعلام؛ ولاحقا كتبت “انا شخصيا أتمنى إلغاء هذه الوزارات لانها غير موجودة الا في عالمنا العربي “.

حقيقةً، ما هي أدوات قياس مدى حيوية اعلامنا في تقديم الرأي أو الرأي الاخر، أو في الترفيه، بل وحتى في إيصال المعلومة المعرفية؟

الإضافة النوعية الوحيدة في فضاء إعلامنا كانت في تبني دولة الامارات العربية المتحدة تعريب المحتوى العلمي والمعرفي لقناة نشيونال جيوغرافيك، و مسابقة المخترع العربي التي تبنتها احدى القنوات الخليجية. و حتى التلفزة بمفهومها القائم هي في الطريق الى الانحسار التدريجي بعد الصحافة الورقية.

وقد كتب الأخ و الأستاذ هاني الظاهري تغريدة جميلة حول ذلك الامر مفادها “لم يعد أحداً مرتبطاً بالتلفاز فقط لمتابعة الأحداث”.

وحتى ما نشاهد من تباكي على الصحافة الورقية المحتضرة ، هل يستطيع ايٍ من روؤساء التحرير بأن يصارحنا و قد انتقل العالم و نحن “منه” الان للاحتكام لقوانيين اقتصاد السوق! لماذا لم يتحضرو لمثل هذا اليوم؟ و بصراحة أكثر، ماذا يثقل كاهل هذه المؤسسات الصحفية؟
إعلام الفرد هو مارد حقبة ثورة الاتصال الذي أسقط كل جغرافيا الحدود السياسية ، لذلك يخاطب زعماء العالم هذا المواطن الكوني بكل اللغات و في كل شأن، في حين أن إعلامنا، منذ تأسس، يجتهد كل وزرائه العرب في إرضاء رؤسائهم و المقربين منهم.

والمؤلم ان بعض قنواتنا لا زالت تستخدم نفس الموسيقى التصويرية المصاحبة للأخبار منذ دخول اول تلفاز لبيتنا.

ولو قُيِّم ما قدمه الإعلام في أزماتنا الوطنية لاكتشفنا حجم الهدر الحاصل في الموارد (قيمة الوقت، وقيمة جهد الموارد البشرية و المالية).

فلنتناول أمثلة عن ذلك: الأزمة البحرينية، عاصفة الحزم، ومقاطعة قطر؛ كان أكثر من 95% من الجهد الإعلامي فيها موجهاً للداخل، في حين أن الداخل كان وطنيا ويقف مع كل ما تم اتخاذه من قرارات وكان تساءله الوحيد في أسباب التأخير .

وفي الوقت عينه كان أغلب المغردين يستثمر 70% من الوقت في احتواء و التصدي للحملات الممنهجة التي استهدفت دولهم.

العالم لا يمكن ان يثق في إعلامنا لان مرجعيته يا وجوه الخير وزراء اعلامكم؛ ووزير الإعلام موظف لدى الدولة.

ومهما بلغت شجاعة رؤساء التحرير إلا أنهم في نهاية المطاف معينون (حتى وإن انتخبتهم مجالس ادارة).

أما قنواتنا، حتى من حمل منها اسماء قنوات دولية، فقد أفقدتموها قيمتها المُضافة في الإضافة، فأنقذوها قبل أن تتحول لجرائد رسمية.

ولنتصور، ولو للحظة، استلام وزراء الاعلام  في صبيحة أحد الأيام قراراً بفصل كل من لا يستحق منصباً في المؤسسات الاعلامية، أعدكم ان أول اتصال سيقوم به الوزراء الأفاضل سيكون لوزراء الداخلية في بلدانهم متسائلين عن الأعداد الواجب إعادتها لهم.

دولنا لن تسقط بخسارتنا لوزارات الاعلام ولكن المجازفة بفقدان ثقة المواطن ببرامج دولنا في الاصلاح المالي والسياسي فيما نحن نمر بأهم مراحل الانتقال ــوعلى كل الصعد سياسياً و اجتماعياً و اقتصادياًــ يُعد مغامرةً و كلفةً كان من الممكن توفير معاناتها؛ و إليكم مثالين على ذلك: الضريبة القيمة المُضافة ورفع الدعم عن بعض السلع والخدمات.

الإشكالية ليست في تطبيق ضريبة القيمة المُضافة او رفع الدعم بل في تسمية البرامج المصاحبة لها. ولو أرادنا إيصال برنامج الإصلاح المالي والإداري إلى نتيجته النهائية المرجوة وبأقل كلفة اجتماعية أو سياسية، فليتم تطبيق قانون الحد الادنى للأجور و فوراً. عندها سنجد أن اولادنا سيقدمون على الإنخراط في برامج التأهيل المهني والصناعي بدل تكديسهم في الجامعات التي باتت مصانع لانتاج موظفين.

عندما يجد هذا الشاب و الشابة أن العمل في الزراعة أو الصناعة أو في قطاع الصيد البحري، فإنهم سيتجهون للعمل في تلك التخصصات أو المهن و الحرف، وعبر ذلك سنوفر على اقتصاداتنا الوطنية هجرة عشرات المليارات من الدولارات في شكل أجور و مرتبات شهرياً.
توطين المهن يستوجب تعديل تكافؤ الفرص في سوق العمل، ووزراء إعلامنا لن يستضيفوا من يقول لدولنا او حكوماتهم ذلك.

إن تعظيم دور اعلامنا، وكله في حقيقته رسمي، لن يُقدِّم الا اجتراراً لواقع لا ينتمي للمستقبل؛ و أتمنى أن نجرب الحياة ولو لمرة واحدة بدون وزارات إعلام.

كتب أحد المغردين: ” أتعرفون لماذا يبني الغرب بيوتهم بأسقف مثلثة؟ لكي لا يتسنى لأولادهم بناء أدوار علوية على السطح. كل الحكمة الواجب اتباعها هي في تلك التغريدة، و يجب أن لا نخشى تجربة التجديد بدل البناء على الأطر القائمة.

كاتب ومحلل سياسي بحريني*

Facebook Comments

Leave a Reply