ملف خاص: السرطان

مات ماكاليستر، رئيس تحرير مجلة نيوزويك السابق.

تسللت زوجتي خلسةً إلى جناح والدها في وحدة الرعاية الفائقة حيث كان يُعالَج من السرطان في صيف عام 2006. كانت ساعات الزيارة قد انتهت، وغادر معظم أفراد العائلة والأصدقاء في ذلك اليوم؛ لذا كان المكان هادئاً.

جلست زوجتي بجوار والدها، وتحدثا بهدوء، وقال لها: “لا أريد أن أموت. من اللطيف جدّاً أن أجلس هنا معك لنتحدث”.

لكنه تُوُفِّي بعد فترة وجيزة، وفطر موته قلب زوجتي التي لا تزال تذرف الدمع على الأب الذي كانت تستشيره دائماً عندما تحتاج إلى نصيحة، والذي ألقى خطبة في زفافنا قبل وفاته ببضعة أشهر.

لطالما كنت أفكر في والد زوجتي وتمسكه الشديد بالبقاء على قيد الحياة، في الوقت الذي كان فيه فريق عمل نيوزويك يكتب عدده السنوي عن مكافحة السرطان. لقد ركزنا هذا العام على مَن ندعوهم “المتمردون على السرطان”، وهم النساء والرجال حتى الأطفال الذين يَتَحَدُّون الأعراف السارية، ويرفضون الاستسلام للمرض.

ومن بين هؤلاء المتمردين العَالِم الذي يتحدَّى الفهم العلمي السائد للمرض وعلاجه، والمريض الذي كرَّس نفسه لمساعدة المرضى الآخرين على المشاركة في التجارب السريرية الرائدة التي قد تُطيل فترة حياتهم، على الرغم من خطورتها، وآخرون يرفضون الاستسلام للدمار الذي سبَّبه علاج السرطان لحياتهم الجنسية، ويستعيدون الفرح البدائي، ويمتنعون عن الصمت إزاء ما كان يعتبر في كثير من الأحيان موضوعاً مُحرَّماً. والبعض يقول فليذهب القانون والعقيدة الطبية إلى الجحيم، ويعطون أطفالهم المرضى الماريجوانا الطبية.

يقول أحد المُتخصِّصين البارزين لنيوزويك: “لقد فشلنا كأطباء للأورام؛ لأننا لم نستطع أن نُحدِث تأثيراً كبيراً في مكافحة هذا المرض اللعين”.

قد يكون هذا الرأي شديد القسوة؛ فالأطباء والباحثون قد خطوا خطوات هائلة، ولكن يرى كثير من الذين يتعايشون مع المرض أو يعملون على هزيمته أن تقليص الهُوَّة بين ما تم التوصُّل إليه وبين ما نريد الوصول إليه يحتاج إلى أن نحاول اتباع نُهُجاً جديدةً، وأن نرفض الوضع الراهن.

ولا يمكنني التفكير في أي شيء جيد كي أقوله عن السرطان، ولكن سأسرد بعض القصص الرائعة عن الذين تمردوا على هذا المرض.

الثورة في تطور المرض والعلاج

بقلم جسيكا وابنر، نيوزويك

يعلم بول ديفيس أن مشكلة أبحاث السرطان تكمن في بذل الكثير من الأموال والقليل من الدراسة المتعمقة!

على الرغم من استثمار مليارات الدولارات في محاربة هذا المرض، فإنه ما يزال عدواً غامضاً.

يقول ديفيس: “هناك اعتقاد سائد أن بإمكانك حَلَّ أي مشكلة بإنفاق المال عليها، وأن عليك أن تنفق كلَّ ما لديك للوصول إلى حَلٍّ”.

ويدَّعي ديفيس، عالم الفيزياء النظرية في جامعة ولاية أريزونا، ولذا فهو متطفل نوعاً ما في مجال السرطان، أن لديه فكرةً أفضل.

“أعتقد أن عليك أن تبذل كل ما بوسعك من أجل الوصول إلى حَلٍّ”.

على مدى سنوات عديدة من تأمل مرض السرطان، استنبط ديفيس منهجاً أساسيّاً لفهم المرض.

وبحسب نظرية ديفيس، إن السرطان عودة إلى وقتٍ سابقٍ من التطور قبل ظهور الكائنات المعقدة.

ويتصوَّر ديفيس أنه عندما يُصَاب أحد بالسرطان، فإن خلاياه تتراجع عن حالتها الحالية المعقدة والمُرَكَّبة لتشبه أكثر حياة الخلية الواحدة التي كانت سائدةً منذ مليار سنة مضت.

في حين أن بعض الباحثين مفتونون بنظرية الارتداد التطوري، أو ما يُعرَف بالأتافيزم (التَأَسُّل الرجعي)، إلا ن الكثير منهم يعتقد أنها نظرية سخيفة.

وتشير هذه النظرية إلى أن خلايانا تعُود فيزيائيّاً من شكلها الحالي -قطعة معقدة حتى في أكثر الألغاز تعقيداً التي تُكوِّن الكلية أو الرئة- إلى حالة بدائية أقرب إلى الطحالب أو البكتريا؛ وهي فكرة تبدو للكثير من العلماء منافيةً للعقل.

ومع ذلك، تظهر الأدلة تدريجيّاً على أن ديفيس قد يكون مُحِقّاً.

وإذا كان فعلا مُحِقّاً-إذا كان السرطان حقّاً مرضاً تتصرف خلاله خلايانا مثل سلفها أحادية الخلية منذ عصور مضت، فحينئذ قد يكون نهج العلاج الحالي نهجاً خاطئاً بالكامل.

الخطر الأساسيُّ

لم يفكر ديفيس من قبل في البحث عن مرض السرطان عندما تلقى مكالمةً من عالمة الأحياء آنا باركر في عام 2007.

كانت باركر في ذلك الوقت نائبة مدير المعهد الوطني للسرطان، وأخبرت ديفيس عن مبادرة جديدة هناك تسعى إلى جلب المعرفة والرؤى من العلوم الفيزيائية والكيمياء والجيولوجيا والفيزياء وما شابه ذلك إلى أبحاث السرطان.

ومثَّلت الشبكة الناتجة التي يموِّلها المعهد الوطني للسرطان، والتي بدأت في عام 2009 وشملت 12 مؤسسةً، فرصةً للأشخاص الذين لا ينتمون لمجال أبحاث السرطان لتبادل وتوسيع الأفكار غير التقليدية حول المرض.

وتم اختيار اقتراح ديفيس بإنشاء مركز للتقارب بين العلوم الفيزيائية وعلم الأحياء السرطانية في جامعة ولاية أريزونا للشبكة.

قرَّر ديفيس -الذي اعتاد كغيره من علماء الفيزياء طرح أسئلة مثل: كيف بدأ الكون؟ وكيف بدأت الحياة؟ – أن يتبع الطريقة مع أكثر الأمراض التي تخشاها البشرية، فبدأ باستفسارين بسيطين: ما هو السرطان؟ ولماذا هو موجود؟

فعلى الرغم من مُضِيِّ عقود من البحث وأكثر من مليون ورقة بحثية عن عملية نمو الخلايا الغريب والجُنُونِيّ (خارج نطاق السيطرة) الذي نُسمِّيه السرطان، لم يستطع أحد حَلَّ هذه الألغاز الأساسية!

بالنسبة ديفيس، كانت أول فكرة لديه عن السرطان هي حقيقة أنه شائع في الحياة متعددة الخلايا، أَيْ أن كل كائن حي يتكون من عدة خلايا بدلاً من خلية واحدة فقط مثل البكتريا.

وتشير حقيقة إصابة الكثير من الأنواع/السلالات بالمرض إلى تأكيد تطوره قبل وقت طويل من وجود البشر.

يقول ديفيس: “يُعدّ السرطان جزءًا أصيلاً في تكوين الحياة متعددة الخلايا”.

على سبيل المثال، اكتشف فريق بحثي ألماني في 2014 بقيادة توماس بوش، عالم الأحياء التطورية في جامعة كيل، السرطان في نوعين من الهيدرا، وهي واحدة من أقدم الكائنات الحية التي تتطور من الأنواع البدائية ذات الخلية الواحدة.

وقال بوش في ذلك الوقت: “السرطان قديم قِدَم الحياة متعددة الخلايا على الأرض”.

والدليل على أن السرطان هو انحدار تطوري يتجاوز درجة انتشار المرض.

يقول ديفيس إن الأورام تتصرف مثل الكائنات ذات الخلية الواحدة. وعلى عكس خلايا الثدييات على سبيل المثال فإن الخلايا السرطانية غير مبرمجة على أن تموت، مما يجعلها عمليّاً خلايا خالدةً.

كما أن الأورام تبقى حيةً بكمية قليلة جدًّا من الأوكسجين.

وبالنسبة لديفيس وفريقه، الذي يضم تشارلز لاينويفر عالم الأحياء الفلكية الأسترالي، وكيمبرلي بوسي متخصصة المعلوماتية الحيوية في جامعة ولاية أريزونا، أن هذه الحقيقة تدعم فكرة ظهور السرطان منذ مليار إلى مليار ونصف سنة مضت، عندما كانت كمية الأكسجين في الجوِّ قليلة جدًّا.

وتقوم خلايا الأورام بعملية الأيض بشكل مختلف عن الخلايا العادية؛ فهي تُحوِّل السكر إلى طاقة بسرعة فائقة، وتُنتِج حمض اللاكتيك، وهو مادة كيميائية تَنتُج عادةً من عملية الأيض التي تحدث في غياب الأكسجين.

بعبارة أخرى، تختمر الخلايا السرطانية، ولا يعلم العلماء لماذا. وتُسمَّى هذه الظاهرة تأثير واربورغ؛ نسبةً إلى أوتو واربورغ، عالم الكيمياء الحيوية الألماني الفائز بجائزة نوبل عام 1931 لاكتشافاته حول الأكسجين وعملية الأيض.

وأظهر ما يصل إلى 80% من السرطانات تأثير واربورغ.

ويعرف الباحثون أن العديد من السرطانات تعتمد على تأثير واربورغ لبقائها، ولكنهم لا يعرفون لماذا.

بالنسبة لديفيس، فإن الطريقة الغريبة التي تقوم بها الخلايا السرطانية بعملية الأيض تشير أيضًا إلى ماضي السرطان القديم؛ فهي تتصرف كما لو أنه لم يكن هناك أي أكسجين متاح.

وتُنتِج الخلايا الخبيثة أيضًا حمضًا، كما يقول مارك فينسنت وهو مؤيد آخر لنظرية الأتافيزم، وهذا الحمض يخلق بيئة تُذكِّرنا بالغلاف الجوي في حقب الحياة الأولية عند بداية ظهور الحياة على وجه الأرض.

وقاد التشابه بين هاتين البيئتين -داخل الورم والكوكب القديم-فينست، وهو طبيب الأورام في مركز لندن الإقليمي للسرطان في أونتاريو، إلى التساؤل عما إذا كان إنتاج الأحماض “سِمة بدائية” للخلايا السرطانية. يقول فينسنت: “إنه أمر حقيقي أن الخلايا السرطانية تعتمد على هذه البيئة الخَلِّيَّة لبقائها، فيمكن أن تتسبب الخلايا السرطانية في تآكل خلايا جسمك باستخدام هذا الحمض”.

وهو ما يضفي مصداقيةً على النظرية القائلة بأن السرطان هو الانحدار التطوري.

ووجد ديفيد جود، عالم البيولوجيا السرطانية الحسابية في مركز بيتر ماكالوم للسرطان في أستراليا، وزملاؤه أن الجينات الموجودة في الكائنات وحيدة الخلية كمؤشر على الشيخوخة كانت متفشيةً في جينومات عدة أنواع من السرطان، في حين أن الجينات التي ظهرت لاحقًا كانت أقلَّ أهميةً لنمو السرطان ووظيفته.

إذا كان السرطان انعكاسًا من الحاضر إلى الماضي، فما الذي يسبب هذا التحوُّل؟ يعتقد ديفيس أن الانحدار يبدأ عندما يكون الجسم تالفًا أو مرهقًا، فيقوم الجسم بما يشبه الكمبيوتر الذي تعرَّض لعطل ما، فيبدأ في استخدام الوضع الآمن.

ويتَّبع السرطان النمط نفسه، أَيْ تحدث إصابة يعقبها استخدام الوضع الآمن للخلية الأحادية.

يقول ديفيس: “ولكنها بدأت على سبيل المثال بخطأ في تكرار الحمض النووي بدلاً من حدوث مشكلة عضوية؛ لأن السرطان آلية دفاع ذات جذور قديمة جدّاً”.

إن انتقال الخلايا السرطانية من ميتازون (الحيوان) إلى بروتوزون (الكائن الحي وحيد الخلية) “ليس نتيجة عرضية لتغيرات عشوائية”، كما يقول جود، ولكنها الحاجة إلى البقاء على قيد الحياة هي التي تدفع الخلايا السرطانية للتحول إلى جينومات أكثر بدائيةً.

يقول جود: “إن العودة إلى الحالة الأكثر بدائيةً تساعد الخلايا السرطانية ليس فقط على الانقسام بسرعة أكبر، بل أيضًا على التكيف مع الضغوط البيئية المستمرة التي تواجهها”.

ويختلف هذا الرأي اختلافاً جذريّاً عن النموذج الحالي للسرطان، الذي يعتقد أن السرطان مرض جيني.

إن التشوهات الموروثة أو التغيرات الجينية العفوية، التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي تَنتُج أحياناً عن المواد المسرطنة البيئية، تُنتِج نسخًا معدلة من الجينات التي تُسبِّب انحرافًا في العمليات الطبيعية داخل الخلية. ففي بعض الأحيان، لا يتوقف البروتين المسؤول عن إصدار إشارات الانقسام.

وفي أحيان أخرى، لا تصل إشارة موت الخلية أبدًا. وقد كشف العلماء عن عشرات المسارات التي انحرفت نتيجة مثل هذه الاختلافات الجينية.

وقد ركزت جهود تطوير الدواء في الفترة الأخيرة تركيزاً كبيراً على استهداف تلك المسارات لوقف انقسام الخلايا، وإجبارها على الموت أو وقف نمو الورم.

ولقد كانت النتائج متفاوتةً؛ فبعض هذه الأدوية أطالت الحياة مثل تلك الأدوية التي تستهدف طفرة HER2 في سرطان الثدي، وطفرة ALK في سرطان الرئة، وطفرة BRAF في سرطان الجلد.

ومع ذلك، كانت فوائد ما يسمى بالعلاج المُستهدِف ضئيلةً.

وعلى الرغم من انخفاض معدل الوفيات من السرطان بنحو 13% بين عامي 2004 و2013، وفقًا للمعهد الوطني للسرطان ما زالت الأرقام الإجمالية صاعقة.

ففي عام 2016، تم تشخيص ما يُقدَّر بـ 1,7 مليون حالة إصابة بالسرطان.

وتُوُفِّي ما يَقرُب من 600,000 فرد بسبب هذا المرض في الولايات المتحدة.

أصبحت تكلفة المحاولات الآن باهظةً؛ فقد زاد الإنفاق على رعاية مرضى السرطان أكثر من الضِّعْف منذ عام 1990، وهو يتجاوز حاليّاً 125 مليار دولار سنويّاً في الولايات المتحدة، ويُتوقَّع أن يصل إلى 173 مليار دولار بحلول عام 2020.

ويمكن أن تصل تكلفة العلاجات المُستهدِفة بسهولة إلى 65,000 دولار سنويّاً لكل مريض، ولكن لا تُطيل مثل هذه الأدوية الحياة إلا لبضعة أشهر.

يعتقد ديفيس أن التركيز المالي المحدود على العلاجات المُستهدِفة أمر مضلل؛ فهذه الأدوية الجديدة تركز على مهاجمة نقاط قوة السرطان بدلاً من نقاط ضَعْفه.

على سبيل المثال، قد تركز الأدوية المصممة لوقف البروتين غير الطبيعي، الذي يسمح للخلية بالانقسام دون توقف.

ويقول ديفيس “لكن طالما أن هناك انقساماً في الخلية؛ فهذا تهديد لها”، وأردف قائلاً “كان أمام الحياة 4 مليارات سنة لتطوير ردود على مثل هذه التهديدات”.

ولدى الأورام قدرة لا تُصدَّق على التكيف لمراوغة تأثير الأدوية الجديدة عن طريق تطوير تشوهات وراثية تحافظ على قدرتها على الانقسام. ويعرف مرضى السرطان هذه القوة جيداً؛ فمعظم العلاجات الفعَّالة تصبح عديمة الفائدة لأن خلايا الورم أصبحت تقاومها، وفي النهاية تستنفذ كل خيارات العلاج.

أما نظرية الأفاتيزم، فتعلن نهجاً جديداً حيث يمكن للأورام المُعالجَة بأقل جرعة ممكنة أن تمنع تطور المسارات المُقاوِمة للعلاج، والتي من ناحية أخرى تُمكِّن السرطان من الانتشار في جميع أنحاء الجسم. يقول ديفيس: “ليس عليك التخلص منه، بل كل ما عليك هو أن تفهمه وتتحكم فيه”.

يتصوَّر فينسنت استغلال الخصائص الأخرى للخلايا السرطانية مثل البيئة الحمضية التي تنتجها وتحملها لنقص الأكسجين.

على سبيل المثال: استهداف دواء نشط للخلايا السرطانية، وليس الأنسجة الطبيعية.

ويمكن أن يوفر تأثير واربورغ مساراً آخر للهجوم عن طريق استهداف القوى وراء استقلاب الخلايا السرطانية، وهو ما يختلف على نحو كبير عن العملية العادية.

وكل يوم، تزداد الأدلة على إمكانية تعرض السرطان لمثل هذه الطريقة. ومؤخراً أنشأ كريج تومبسون، الرئيس والرئيس التنفيذي لمركز ميموريال سلون كيترينج للسرطان، شركة أجيوس للأدوية، التي تختبر الأدوية التي تعمل ضد الإنزيمات المُتحوِّلة، والتي تُحرِّك عملية التمثيل الغذائي في سرطان ابيضاض الدم النقوي الحادِّ.

وقد عمل الباحثون أيضاً على مسألة نقص الأكسجين ضد الأورام، وأظهرت دراسة على فئران مصابة بالسرطان النقيلي (هجرة الخلايا السرطانية) أن الأكسجين النقي مع حِمية غذائية مرتفعة الدهون وقليلة جدًّا في الكربوهيدرات تزيد وقت البقاء.

وقد أظهرت العديد من الدراسات أيضًا الاستفادة من العلاج بالأكسجين النقي، ولكن المعلومات الأولية ليست حقيقيةً بعدُ، ولا يزال هذا النهج يُمثل علاجاً بديلاً يفتقر إلى أدلة سريرية دقيقة.

ولم تبحث أي دراسات علمية استغلال البيئة الحمضية داخل الورم كعلاج، كما أن نظرية أتافيزم جديدة جدّاً على أن تُترجَم كتقدم ملموس في رعاية المرضى.

إفساح الطريق للتجديد

لا يعتقد علماء الأورام أن السرطان سيبقى إلى الأبد، وأطلق عالم الأحياء التطوري في جامعة شيكاغو، تشونغ-وو، على نظرية الأتافيزم “الموقف المتطرف جدّاً”.

وانتقد العلماء أيضاً ديفيس في إشارته إلى نظرية “التجسيد” غير الموثوق فيها، والتي تقول إن الأجنة البشرية تطور أعضاءً مؤقتةً، لا وظيفية مثل الخياشيم والذيل وكيس الصفار؛ دعماً لنموذج أتافيزم.

يقول ديفيس: “لقد سخر مني مجتمع علم الأحياء!”

ووجدت التحاليل الوراثية التي أجراها عالم الأحياء زيونجلي وزملاؤه، في جامعة صن ياتسن في الصين، أن انتشار السرطان في جميع أنحاء الجسم يحدث عندما تفقد جينات الخلايا المتعددة وظيفتها.

وحينها تتجرَّد وتصبح معقدةً بحيث تشبه الأورام الكائنات وحيدة الخلية، ولكن أكد المؤلفون في دراستهم نايتشر كوميونيكيشن ستدي على أن الخلايا السرطانية لن تكون “بدائيةً مثلما كان سلفها” منذ أكثر من 600 مليون سنة مضت.

ومصطلح “التطور العكسي” كما يقولون، هو مجرد إطار عام، وواحد فقط من العديد من العمليات ذات الطبقات التي تُحفِّز تطور ونمو السرطان.

ويستشهد وو بهذا العمل باعتباره دراسةً أكثر “احترامًا” من الدراسات التي أجراها ديفيس وفينست.

لم يأبه ديفيس بالانتقادات التي تعرَّض لها، فيقول: “أقول لنفسي: مَن يهتم؟ أدركت الفكرة من الخارج وأعطيت منظوراً جديداً”.

ويرى ديفيس أن الانتقاد مُتأصِّل بشكل كبير في الشؤون المالية والإقليمية.

فقد “كان السرطان صناعة مليارات الدولارات التي استمرت لعقود. وهناك الكثير من المصالح المكتسبة هناك”.

وبعد خمس سنين من العمل لصالح المعهد الوطني للسرطان، يحصل ديفيس الآن على تمويل من شركة نانتسوركس، وهي شركة رعاية صحية خاصة واسعة الانتشار يملكها العالم والمستثمر الملياردير باتريك سون شيونغ (الذي منح ثروته لإعادة تشغيل عقار باكليتاكسيل لسرطان الثدي ليصبح أكثر فعاليةً) لاستكمال عمله في تطوير نموذج الأتافيزم.

وأشار مارك راتين، وهو طبيب أورام ركز على علاجات جديدة في جامعة شيكاغو، إلى أن معظم العلاجات الحالية هي علاجات سامَّة جدّاً ومكلفة للغاية، ولا تحقق تقدماً حقيقياًّ.

وأنشا راتين مؤخرًا جمعية رعاية سرطان غير هادفة للربح؛ لاختبار نظم جديدة من الأدوية التي من شأنها تقليل تكلفة رعاية السرطان.

يقول راتين: “علينا أن نفسح الطريق للأدوية والأفكار الجديدة”.

ويتابع فينست، صاحب أول رؤية لنظرية الأتافيزم مع ديفيس تقريبًا، النظرية أيضًا.

واتخذ فينست ظاهرة الخلية الواحدة كخطوة لما هو أبعد من ذلك؛ معتقدًا أن السرطان قد يكون له أنواعه الخاصة.

والفرق الواضح بين الخلايا السليمة لدينا والخلايا السرطانية يشبه القفز من شجرة التطور بدلاً من القفز إلى غصن آخر.

يقول فينسنت: “يبدو لي أنه شكل آخر من أشكال الحياة. طفرات الحمض النووي غالباً ما تُسبِّب السرطان، ولكن النموذج الجيني غير كامل تماماً!”

وبصرف النظر عما إذا كان نموذج أتافيزم يُحسِّن في النهاية حياة المرضى، يرى العديد من الخبراء أن كسر الحواجز النفسية التي تحيط بالسرطان أمر في غاية الأهمية.

يقول ديفيد أجوس، الذي يدير معهد لورانس ج. إليسون للطب التحويلي في جامعة جنوب كاليفورنيا: “لقد فشل أطباء الأورام أمثالي”. كما شارك أيضًا في إعداد ورقة مع ديفيس حول الحاجة إلى رؤى جديدة حول السرطان.

ويضيف: “نحن لم نصنع حقّاً ذلك التأثير الواضح في هذا المرض المُفزِع”.

ويعتقد ديفيس أن مستقبل السرطان قد يعتمد على وجهة النظر القديمة هذه، فيقول: “الحقيقة هي أننا لم نصل إلى شيء”.

خلايا سرطانية تم تكبير صورتها

أسئلة وأجوبة خاصة
بقلم جسيكا فيرغر، نيوزويك

إن السرطان في المقام الأول هو أحد أمراض الشيخوخة، إلا أنه يصيب الكثير من الشباب كذلك! وفقاً للمعهد الوطني للسرطان، يتم سنويّاً تشخيص إصابة نحو 70 ألف شخص بالسرطان في الولايات المتحدة، وتتراوح أعمارهم بين 13 و39 عاماً.

يدرك ماثيو زاكاري، المؤسس والرئيس التنفيذي لمنظمة ستوبيد كانسر-وهي منظمة تناصر وتدعم مرضى السرطان ومَن تعافوا منه من الجيل إكس (مواليد أوائل الستينات حتى أوائل الثمانينات) وجيل الألفية (مواليد الستينات حتى بداية الألفية)-جميع التحديات الفريدة التي يواجهها الشباب عند تشخيص إصابتهم بمرض السرطان.

كان زاكاري، الذي يبلغ من العمر 43 عاماً، عازف بيانو مُدرَّباً بشكل كلاسيكي، في سنته الأخيرة في الجامعة عندما توقفت يده اليسرى عن العمل. وسَرْعان ما اكتشف الأطباء إصابته بورم في المخ، وقالوا إنه لن يعيش أكثر من ستة أشهر. وحتى يومنا هذا، لا يزال زاكاري يكافح التأثير البدني والنفسي للمرض وعلاجه منه، ولكن الأهم من ذلك أنه لا يزال يتذكر شعوره بالوحدة.

وهذا العام، يَمُرُّ عِقد من الزمن على تأسيس زاكاري، الذي يصف نفسه بأنه “ازدرائي باحترام وفوضوي بشكل إستراتيجي”، لمنظمة ستوبيد كانسر التي توفر للشباب مصادر على الإنترنت، وتنظم فعاليات تجمعات مناسبة للأعمار المختلفة.

وتستضيف المنظمة أيضاً معرضاً تجاريّاً سنويّاً يُعرَف باسم كانسركون، حضره حوالي 8000 من المرضى والناجين على مدى السنوات العشر الماضية.

وقد التقت نيوزويك بزاكاري لمناقشة لماذا يحتاج الشباب إلى مكان آخر غير “اجتماع المائدة المستديرة مع كبار السِّنِّ”؛ لكي يستطيعوا تنظيم الفوضى التي يُحدِثها مرض السرطان، كأن يجلسوا في حانة محلية يحتسون البيرة.

لماذا يجب أن يكون هناك للشباب منظمة خاصة بهم معنيّة بمرضى السرطان؟

نحن مختلفون لأسباب واضحة؛ فنحن في سنوات شبابنا نكون في المدارس، أو في بداية حياتنا المهنية، أو تزوجنا حديثاً، أو قد بدأنا إنجاب الأطفال.

منذ عشرة أعوام، لم يكن الناس يأملون شيئاً سوى الذهاب إلى واحدة من المنظمات المعنية مثل لايف سترونج والجمعية الأمريكية للسرطان، أو إلى المنظمات الخاصة بأنواع محددة من المرض، مثل جمعية اللوكيميا وسرطان الغدد اللمفاوية.

والآن، هناك جيش من الشباب في سِنِّ المراهقة وفي العشرينات والثلاثينات من عمرهم الذين يقولون: “أنا غاضب، وأنت غاضب، وهذا جيد؛ لأن بإمكاننا أن نكون غاضبين معاً”. وأنا لم أدرك أنني كنت وحدي إلا بعد أن أسَّست هذه المنظمة.

ماذا كانت ردة الفعل الأوّلية لمجتمع السرطان؟

معظم الناس كانوا يقولون: “الحمد لله! أين كنتم عندما احتجنا إليكم؟” ولكن في الوقت نفسه، كانت هناك ردود أفعال أخرى مثل: “السرطان ليس أمرًا جيدًا وأنت في الاربعينات أيضًا، يا صديقي”. فقلت: “أتعرف! أنا آسف لذلك، فهذا ما نحن عليه الآن، وكل ما فعلناه في السنوات العشر الماضية يستند إلى بيانات من المعهد الوطني للسرطان، ويعتمد على نتائج حول الجيل إكس وجيل الألفية”. ذات مرَّة، أشار لنا أحدهم في الصحافة بأننا “مثل فستيفوس”. إننا مجموعة السرطان التي لا تتعلق بالرياضة، وليست ذات أشرطة وردية (نسائية) أو تستهدف العلاج.

ما الذي يجعل تجربة السرطان مختلفة بالنسبة للشباب؟

وفقاً لتقرير المعهد الوطني للسرطان، لم تتحسَّن معدلات شفاء الشباب طوال 40 عاماً، مقارنةً بالفئات العُمْرية الأخرى. فإذا كنت مصاباً بالسرطان وعمرك بين 15 و39 عاماً، فإنك تعاني أكثر وتفلس أكثر؛ لأنك لن تصبح عضواً مُنتِجاً في المجتمع، ولا تتمتع بثمار عملك في العشرينات والثلاثينات من عمرك؛ وهذا غير مقبول. لذا، يتعلق الأمر بتحقيق جودة النتائج على أساس عمرك، والأمر يتعلق بمدى جودة الحياة التي يمكنك أن تعيشها، وأن تتعافى، وأن تبني لنفسك الحياة التي تستحقها؛ لأنك لم تطلب أن تكون مريضاً.

ماذا عن البالغين الناجين من سرطان الأطفال؟

هناك مئات الآلاف من الناجين من سرطان الأطفال على المدى الطويل في الولايات المتحدة، وهم من الشباب الذين كانوا مصابين بالسرطان قبل سِنِّ 18 عاماً. وتتراوح معدلات الشفاء من السرطان لدى الأطفال في المتوسط بين 90 و95٪. وهناك فجوة هائلة في فهم الانتقال من سرطان الأطفال إلى الرعاية الأولية للكبار؛ فأنت لا تتذكر ماذا كان العلاج الذي تناولته؛ لأنك كنت في الثالثة من عمرك. ولديك الآن اعتلال في عضلة القلب، أو انقطاع للطمث في سن مبكرة، أو مصاب بمرض السكري، أو عرضة لأنواع أخرى من السرطانات، أو تعاني من قلة العظام أو هشاشة العظام. وبالرغم من ذلك، لا يزال لديك احتياجات فريدة من نوعها في سِنِّ العشرين، إن كانت إصابتك بالسرطان في سِنِّ المراهقة أو في سِنٍّ أقلَّ من 10 سنوات. نحن الآن تقريباً مستودع لكل هؤلاء الذين يصل عددهم إلى نصف مليون أمريكي يحتاجون إلى مجتمع يضمهم؛ لأنهم طردوا من طبِّ الأطفال، وليس هناك معيار طويل الأجل في جميع أنحاء البلاد لكيفية قياس تأثير “عدم الوفاة”.

مريض بالسرطان يتلقى العلاج

تجارب مخبرية في العيادة

بقلم ستاف زيف، نيوزويك

كان توم يعلم أنه سيلجأ في نهاية المطاف إلى تجربة سريرية. تقُوم هذه التجارب على اختبار سلامة وفعالية علاجات تجريبية جديدة مقارنةً بالعلاج التقليدي، ولكن هذا النوع غير متاح لجميع المرضى؛ بسبب توفر فرص علاج جيدة لبعض أنواع السرطان، يُحتمَل أن تساهم في تحقيق نتائج قوية. وقد أظهرت النتائج الأولية للتجارب السريرية التي أجراها مارسيليي 1,200 نتيجة. يقول مارسيليي: “مع الآمال التي كان يعلقها المرضى، لم يكن لديَّ أدنى فكرة من أين يجب أن أبدأ. أؤكد لكم أنه لا يوجد 1200 تجربة سريرية “تستحقُّ أن تؤخذ بعين الاعتبار”. أدركت كم كنت محظوظاً للغاية من ناحية الخلفية العلمية الخاصة بي، ولا أعرف كيف يمكن لشخص لا يتمتع بخلفية علمية أن يُقدِم على فعل أمر كهذا. إن الأمر في غاية التعقيد”.

كان مارسيليي قد تولى العناية بوالدته قبل وفاتها نتيجة الإصابة بسرطان البنكرياس، كما عايش نضال العديد من أفراد أسرته ضد مرض السرطان.

وقد درس الكيمياء الطبية، وأصبح باحثاً في علم الأورام واكتشاف العقاقير بشركة نوفارتس، وكان عمله الأساسي يتعلق بسرطان الرئة؛ حيث ساعد مارسيليي في تصميم وتركيب علاج لسرطان الرئة.

وفي حزيران/يوينو 2012، قدَّم زملاؤه بياناتهم الخاصة في المرحلة الأولى من التجارب السريرية في الاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريرية.

يقول مارسيليي: “لقد بدا الأمر كأننا وجَّهنا صفعةً للسرطان”. ولكن بعد مرور ست ساعات، عاد المرض ليهجم من جديد!

كان مارسيليي، البالغ من العمر 40 عاماً، قد خضع لتنظير القولون، وتم تشخيص حالته بأنه مصاب بالمرحلة الثالثة من سرطان القولون والمستقيم. وبعد يومين، خضع مارسيليي لجراحة؛ فقد تحوَّل المُعتنِي بمرضى السرطان إلى باحث سرطان، ثم فجأةً صار مريض سرطان. وبعد ذلك بفترة وجيزة، سيصبح أيضاً ناشطاً في مجال السرطان، فسيساهم في واحد من أكبر الحلول للتحدي المثير الذي يواجهه العديد من المرضى، وهو العثور على التجربة السريرية التي تتيح لهم أملاً حقيقيّاً.

لقد بدأ مشروعه بجدول بيانات وضعه لتقليل قائمة توقعاته إلى قائمة ذات حجم معقول، وعمل على تحليل البيانات وإجراء البحوث الأسبوعية للتجارب السريرية الجديدة. ولقد تطوَّر مشروعه ليتحوَّل إلى مكان مخصص لإجراء التجارب السريرية، وهو Late-Stage MSS-CRC Trial Finder، الذي افتُتِح في أيار/مارس بالشراكة مع المنظمة المناصرة فايت سي آر سي (Fight CRC)، وشركة الرعاية الصحية التكنولوجية فلاتيرون هيلث (Flatiron Health). ويقدم المكان للمرضى ومقدمي الرعاية الصحية قائمةً محددةً للتجارب التي قد يكونون مؤهلين للاشتراك بها، بناءً على المعايير نفسها التي استخدمها مارسيليي لوضع جدول بياناته، مثل: هل هذه التجربة متاحة للتطوع بها، وما إذا كان يمكن تطبيقها على مرضى سرطان القولون والمستقيم، واحتمالية إفادتها لمرضى المرحلة المتأخرة، وأيضاً مخاطر فشلها.

إن هذه التجارب مخصصة لأشخاص مثل أم مارسيليي وأي شخص آخر لا يخضع للعلاج بمركز سرطان رئيسي؛ فالمكان يتميز بإجراء مطابقة بين المرضى وأحدث التجارب أو أي شخص يجد المصطلحات الطبية لمعلومات التجارب السريرية مبهمةً وغامضةً. وتحتفظ المكتبة الوطنية لعلم الطب، التابعة للمعهد الوطني، بقاعدة البيانات الأشمل عن التجارب السريرية على موقع ClinicalTrials.gov، وأصبح الموقع متاحاً للعموم في 29 شباط/فبراير عام 2000. ووُصِفت قاعدة البيانات حينها بأنها: “قاعدة البيانات الصديقة للمستهلكين”، وفازت بجائزة الحكومة الأمريكية في الابتكارات في عام 2004.

تقول أنجيليكا دبفيس، رئيسة منظمة فايت سي آر سي، إنه بالرغم من أن قاعدة البيانات لا تزال تُشكِّل “مورداً شاملاً وضخماً، لا يزال الأمر صعباً على المرضى، وذلك يرجع إلى صعوبة فهم الفروق الدقيقة بين التجارب السريرية، وخاصةً في أثناء العلاج”؛ فالأمر قد يُشكِّل صراعاً لمجرد معرفة ما إذا كانت التجربة متاحةً للتطوع بها، ناهيك عن ثقل جميع العوامل الأخرى.

وطوال العقدين الماضيين، أطلقت الهيئات الحكومية والمجموعات المناصرة، وغيرها من الشركات الربحية وغير الربحية، خدمات وأدوات تلائم التجارب السريرية؛ لمحاولة تحسين التجربة التي يخوضها جميع المرضى، أو من أجل المجموعات الفرعية المشخصة بأمراض مُحدَّدة. ويتوفر لدى آي بي إم برنامج واتسون لمطابقة العلاجات السريرية. كما تحظى شركة باشينس لايك مي -شبكة صحية شخصية وشركة بحوث أبرمت شراكات مع شركات أدوية ومؤسسات أكاديمية وجهات غير ربحية- بأداة بحث. أما مؤسسة مايكل جاي فوكس لأبحاث مرض باركنسن، فلديها برنامج فوكس ترايل فايندر. وهذا بالإضافة إلى قيام الجمعية الأمريكية للسرطان وستاند أب تو كانسر بتقديم خدمات مماثلة، وهناك عدد كبير من تلك الخدمات مخصص لأنواع محددة من السرطان.

ولا يزال أقلُّ من 5% من مرضى السرطان البالغين يشاركون في التجارب. وصرَّح بول ويكس، نائب رئيس باشينس لايك مي للابتكار، بأن هناك عدداً من الحواجز، منها نقص الوعي والفهم، وبُعْد المسافة الجغرافية عن مراكز التجارب، إلى جانب الشروط الصعبة والالتزام بوقت طويل للغاية. وقد توصلت دراسة أُجرِيت في عام 2008 إلى أن أكثر من 20% من التجارب التي يرعاها المعهد الوطني للسرطان فشلت في ضمِّ أي مشارك، ولم تجد سوى نصف عدد المرضى المطلوبين لتحقيق نتائج مجديّة. ولسنوات، لم يجد المرضى أو يشاركوا في التجارب التي قد تساهم في مساعدتهم، كما صارع الباحثون في استقدامهم.

يقول وارن كيب، مدير مركز معهد السرطان الوطني للطب الأحيائي وتكنولوجيا المعلومات: “من الصعب وضع أداة عامة تُسهِّل على الجميع العثور على ما يبحثون عنه”. لقد استمرَّ معهد السرطان الوطني طويلاً في جمع المعلومات عن التجارب السريرية الخاصة بالسرطان. وفي هذا الصدد، أعلن جو بادين، نائب الرئيس الأمريكي آنذاك، في قمة مونشوت للسرطان الصيف الماضي أن معهد السرطان الوطني لم يطلق فقط أداة بحث، بل أطلق أيضاً واجهة برمجة بإمكان أي شخص أن يستخدمها لبناء تطبيقات جديدة، ولتحقيق التكامل، ولبناء أدوات بحث ومنصات رقمية: “أعتقد أن هناك قيمةً حقيقيةً في تخصيص تلك التجربة”.

ولأن مارسيليي يجمع بين صفة المريض والعَالِم، فإن ذلك يؤهله ليكون في مكانة مثالية لتأدية هذا العمل لصالح مرضى سرطان القولون والمستقيم؛ ولكنه لم يتحوَّل على الفور إلى ذلك الناشط الذي هو عليه حاليّاً. وطوال السنوات القليلة الأولى بعد تشخيصه الأوَّلي، لم تظهر على مارسيليي أي أعراض؛ لأنه كان يمارس وظيفته بدوام كامل، ويخضع للعلاج والفحص، وكان لا يزال يَجرِي حوالي 20 ميلاً أسبوعيّاً. ولكن في عام 2015، بدأت الأعراض لديه تظهر وتتطور، وبدأ حينها في الانضمام إلى مجموعات الدعم عبر الإنترنت، التي شارك فيها بجدول بياناته. ثم أطلق مدونته الخاصة، التي كان يَهدِف منها إلى إتاحة آخر المستجدات المحمية بكلمة مرور أمام العائلة والأصدقاء، لكن بينما كان يعمل على أول إدخالاته، فكَّر في المدونة التي ساعدته بعد تشخيص إصابته بالمرض، وفكَّر أيضاً في منظوره باعتباره يجمع بين كونه مريضاً وباحثاً. يقول مارسيليي: “لقد قرَّرت في قلق بالغ أن أجعل مدونتي متاحةً للجميع”. وعلَّل ذلك بأنه كان مُنطوِياً على نفسه معظم حياته، فيقول: “من السهل أن تكون مُنطوِياً خلف لوحة المفاتيح”.

وتتضمن المدونة التي تحمل اسم “مغامرات في العيش متفائلاً وأنت مَيْؤُوس من شفاءك” منشورات شخصية وأخرى علمية. وقد حققت المدونة رواجاً أكثر بكثير مما كان متوقعاً؛ فقد حصد كلُّ منشور ما يزيد عن 10,000 مشاهدة في 150 دولة، وتُرجِمت أجزاء منه لسِتِّ لغات. وقادت المدونة أيضاً إلى نشر عمود له في موقع فايت سي آر سي، يحمل عنوان “العالم المصاب بمرض عُضَال في الوقت الحالي”، بالإضافة إلى الكتابة في جريدة فيلادلفيا إنكوايرر. وفي صيف عام 2015، ساعد مارسيليي أيضاً في تأسيس قولون تاون كلينك لمرضى القولون، وهي مجموعة فرعية لمجتمع قولون تاون على الإنترنت، يُدِيرها علماء يمكنهم تقديم المساعدة للمرضى ومقدمي الرعاية؛ لفهم التجارب السريرية.

وفي نهاية عام 2016، سألت إحدى زميلات مارسيليي الناشطات من الأرجنتين عما إذا كان يرغب في أن يُحوِّل جدول بياناته إلى تطبيق. لم تكن تلك الناشطة مُبرمِجةً، ولكنها كانت قادرةً على إنشاء نسخة اوليّة باستخدام برنامج آب شيت. لم تكن النتائج باهرةً، ولكنها كانت تحمل جميع الأساسيات. بعد ذلك، تواصل مارسيليي مع فايت سي آر سي، التي كان يرغب في أن تكون المَقرَّ الرئيسي للأداة، وتوصَّل إلى فلاتيرون هيلث. تقول فينيتا أجاروالا، مدير المُنتَج في فلاتيرون: “كل حديث تُجرِيه مع مارسيليي هو حديث غاية في الإلهام”؛ فقد تحدثا عبر الهاتف، وكان من الواضح أن إعادة بناء تــريــال فايندر ستكون مشروعاً مجانيّاً مثاليّاً للهاكاثونات (حدث لتطوير البرمجيات) في الفترة الفصلية المقبلة للشركة.

لم يخطط مارسيليي لحضور الهاكاثون في مدينة نيويورك؛ فقد أخبر الفريق في البداية أنه لن يستطيع أن يسافر تلك المسافة بعيداً عن منزله في سان دييجو، ولكن في الشهر السابق للحدث، استعدَّ للمرة الثانية لبدء تجربة سريرية، ثم ظهر التصوير المقطعي المُحوسَب الأساسي، الذي تحدث عنه قائلاً: “لقد تحوَّل مرض السرطان الذي كنت أعانيه من مرحلة الهدوء إلى مرحلة العدوانية الشديدة”، بالإضافة إلى ظهور عدد كبير من الأورام في الكبد. لذا، قرَّر مارسيليي هو وطبيب الأمراض لديه تأجيل التجربة والعودة إلى العلاج الكيميائي؛ لإخراجه من الوضع الذي يُشكِّل خطورةً على حياته. ولذا، توجَّه مارسيلي إلى مدينة نيويورك لطلب مشورة طبيب آخر في حالته، بمركز ميموريــال سلون كيتيرنغ للسرطان. في المرة الأولى التي كان فيها على أعتاب بدء تجربة سريرية عام 2015، اكتشف الطبيب إصابته بالمرحلة الأولى من سرطان الجلد. وعلى الرغم من أن نسبة الشفاء بلغت 98%، منع سرطان ثانوي مشاركته هذه المرة، مما يعني أن مؤيد التجارب السريرية الغيور ما زال ينتظر فرصته للمشاركة في إحداها.

وفي خضم اضطرابات علاج مارسيليي، وصل إلى بهو فلاتيرون هيلث، ثم صعد الطابق العلوي وأطلق الهاكاثون بخطابه، ثم انضمَّ إلى مجموعة أصغر من الموظفين للحديث عن تريال فيندر. يقول مارسيليي: “لم تكن المقاعد كافيةً للجميع. وعند مرحلة ما، كان توم جالساً على الأرض في الزاوية مع مهندسَيْنِ يلتفَّان حوله”. وقالت أغاروالا: “حاولوا معرفة كيف قام دماغه بعملية معالجة البيانات!” كان المبرمجان يرغبان في ترجمة الأسئلة التي طرحها مارسيليي والقرارات التي اتَّخَذها إلى عملية آلية، مثل تحديد ما الدراسات التي تُعَدُّ تجارب علاج مناعي ومتى تم تحديثها. إن الكود الخاص بهم يطرح الأسئلة على قاعدة بيانات ClinicalTrials.gov وينشر النتائج تلقائيّاً، ولكنه يسمح للجانب البشري بمراجعتها وإضافة المعلومات إليها قبل عرضها على الجميع. وبإمكان المستخدمين طباعة القوائم لعرضها على أطبائهم. إن التكرار المهني المُشفَّر لبرنامج Late-Stage MSS-CRC Trial Finder، الذي أُتِيح للاستخدام من خلال الموقع الإلكتروني لفايت سي آر سي في شهر أيار/مايو، بعد إجراء تعديلات واختبارات إضافية عليه بعد الهاكاثون، يقتصر استخدامه على التجارب الخاصة بمرضى سرطان القولون والمستقيم في المرحلة الرابعة، ممَّن تعرَّضوا لأورام ذات (ثبات ميكروستالايت) مثل مارسيليي. بعبارة أخرى، هذا البرنامج خاصٌّ بمجموعة محددة جدّاً من المرضى، وأيضاً بإعداد قائمة محددة بدلاً من قائمة نتائج شاملة. ومنذ إطلاق البرنامج، قضى مارسيليي وقته بين مواعيد جلسات العلاج الكيماوي والتركيز على مشروعين رئيسيين، هما: تدريب مناصرين آخرين للإشراف على عملية معالجة البيانات، وتنفيذ النموذج نفسه على أنواع السرطان الأخرى.

يقول مارسيليي: “لا يوجد على الإطلاق شيء محدد يتعلق بالمنهجية الأساسية، فيمكن تطبيقها على أي نوع من أنواع السرطان؛ فالمرضى حقّاً أكثر تمكُّناً الآن؛ لأنهم قادرون على أداء دور أكبر في خطط علاجهم”. وقد عزا مارسيليي الفضل في جزء كبير من هذا التقدم إلى التكنولوجيا المتطورة والتواصل الاجتماعي؛ فأدوات المطابقة الخاصة به والأدوات الأخرى جعلت العملية أكثر قابليةً للإدارة.

يقول مارسيليي: “لا يمكنني أن أتخيَّل أني مريض سرطان منذ 20 سنةً. إن المرضى ليسوا أغبياء؛ فهم لديهم أكبر قوة دافعة في العالم للعمل بجدٍّ لفهم الأشياء، وذلك لأن حياتهم على المَحَكِّ!”

Facebook Comments

Leave a Reply