ملوك العصر المُخَدَّر: السباق ضد المخدرات

جوني ماغدالينو

نيوزويك

هرب الرجال الأربعة عبر الغابة وهم منهكون، وينزفون من جراح متعدّدة؛ وعندما خرجوا من بين الأشجار في تلك الليلة الصيفيّة الجافّة في العام 2016، رأوا منزلاً على مسافة منهم، فركضوا نحو البيت وطرقوا على الباب، ثم طلبوا المساعدة بلغة إنجليزية ركيكة، وهم مسعورون.

استدعى صاحب المنزل الشرطة، وعندما وصلت النجدة، روى الرجال قصة مروّعة عن تعرّضهم للضرب على يد حرّاس مسلّحين في مزرعة مخدرات غير قانونيّة، وأنهم قد هربوا لإنقاذ حياتهم. وصف الرجال، الذين كانوا من أصل لاتينيّ، للشرطة مكان وجود المزرعة، خارج منطقة الغابات الكثيفة في مقاطعة كالافيراس في كاليفورنيا، وسرعان ما أرسلت السلطات فريقاً لمداهمة المزرعة. واكتشف الفريق أكثر من 23,000 نبتة ماريجوانا تنتج حشيشاً بقيمة أكثر من 60 مليون دولار، وعثروا أيضاً على امرأتين يُعتقد أنهما تبيعان الماريجوانا لعصابات المخدّرات المكسيكيّة.

تصدّرت عمليّة القبض على تجّار المخدّرات العناوين المحليّة في مقاطعة كالافيراس، وهي منطقة ريفية محافِظة تقع على بُعد 125 ميلاً تقريباً شرق سان فرانسيسكو.

لكن السلطات الفيدراليّة تقول: إن عصابات المخدّرات المكسيكيّة تدعم مزارع الماريجوانا مثل هذه المزرعة في السوق السوداء في جميع أنحاء شمال كاليفورنيا. منذ أكثر من 160 سنة، تدفّق المهاجرون، وكبار رجال الأعمال، والسماسرة إلى سفوح تلك التلال على طول سلسلة سييرا الجبلية بولاية نيفادا للتنقيب في حوافّ التلال، وغور الجداول؛ بحثاً عن الذهب. وفي الوقت الحالي، أصبح تدفّق الناس على الحشيش مثل تدفّقهم على الذهب المُكتشف حديثاً، ويسعى إنفاذ القانون لإبقاء الكارتلات خارج اللعبة، برغم أن الماريجوانا الترفيهيّة أصبحت قانونيّة في كاليفورنيا بدءاً من 1 من يناير/ كانون الثاني، وسُمح بالماريجوانا الطبيّة منذ عام 1996.

ولأكثر من عقد من الزمن، كانت عصابات المخدرات المكسيكيّة تزرع الحشيش بصورة غير مشروعة في غابات الولايات المتحدة، وقد حقّقت الوكالات الاتحادية درجات متفاوتة من النجاح في تدمير هذه المحاصيل غير المشروعة.

وفي الوقت الحاضر، تعتبر كاليفورنيا مركزاً لزراعة الماريجوانا في السوق السوداء في الولايات المتحدة؛ حيث يوجد أكثر من90% من مزارع الماريجوانا غير القانونيّة في البلاد. وتقول السلطات: إنهم يعثرون على المخدّرات الخاصّة بالعصابات، مزروعة على الأراضي المملوكة للحكومة في ولايات أوريغون، ويوتاه، وواشنطن، ونيفادا، وأريزونا، وكلها ولايات تسمح بشكل من أشكال الماريجوانا الطبيّة، وقد ازدادت المشكلة سوءًا، حتى إنه في عام 2016، عقدت ولاية كولورادو شراكة مع القنصليّة المكسيكيّة للقبض على تجّار المخدرات غير الشرعيّين.

اليوم يقاوم الناشطون في مقاطعات كاليفورنيا مثل كالافيراس، في محاولة لحظر مزارع القنب لوقف الإمدادات عن الكارتيلات.

ويقول الناشطون: إن مهربي المخدّرات يستوردون أسلحة أوتوماتيكية، ويستخدمون مبيدات الآفات شديدة السميّة التي تقتل حيوانات الغابات، وتسمّم مصادر المياه العذبة. “نحن لن نأتي بنتيجة أبداً”. وكما يقول ريك ديباسيليو، مأمور مقاطعة كالافيراس: “لن تتحسن الأمور أبداً”.

ولكن يقول بعض المزارعين في المنطقة الذين يقومون بزراعة الماريجوانا بشكل قانونيّ: إن السلطات وحلفاءها يعطون المشكلة أكبر من حجمها الحقيقيّ، ويلعبون على الأفكار النمطيّة عن العرق والجريمة لغرس الخوف لدى السكان المحليّين. وكما يصوّر جاك نورتون، أحد مزارعي الماريجوانا بمقاطعة كالافيراس، الأمر قائلاً: إن رغبة رجل وابن عمه في زراعة نباتات الماريجوانا في الغابة لا يعني أنهم ينتمون إلى”عصابة إل تشابو”.

في مطلع يناير/ كانون الثاني، أعطت الحكومة الأمريكية للمدّعين العامين الفيدراليّين المزيد من الصلاحيات للسعي وراء صناعات الماريجوانا الحكوميّة التي لا تزال غير قانونية على المستوى الفيدراليّ، ولم يتّضح بعد كيف ستؤثر هذه الخطوة على ولاية كاليفورنيا. لكن في كالافيراس، يخشى المزارعون الذين يزرعون الماريجوانا بشكل قانونيّ أن يؤدي الحظر الشامل إلى تدمير الاقتصاد المحليّ، ومنع ملايين الدولارات من الضرائب من الذهاب إلى الجهات المحليّة لإنفاذ القانون. وفي العام الماضي، بدأ رجال الشرطة –بشكل جزئيّ- في كالافيراس استخدام هذا المال لشراء الخوذات، ودروع الحماية البالستية، وأجهزة تسديد تكتيكيّة للبنادق؛ لمواجهة استيلاء عصابات المخدّرات على السوق السوداء.

الحرب على المخدرات: غابرييل في إحدى مزارع الماريجوانا

“إنهم ليسوا بمضحكين”

بعد ظهر أحد أيام الأحد القريبة، غمرت الثلوج أشجار منطقة ماونتن رانش، وهي امتداد ريفيّ من التلال والأودية في وسط مقاطعة كالافيراس. وقبل عامين ونصف، كانت المنطقة مغطاة بالكامل تقريباً بالغابات المورقة، ولكن في سبتمبر/ أيلول 2015، قبل يومين من إصدار كاليفورنيا لنظام منح الترخيص للماريجوانا الطبيّة بالولاية، سقطت شجرة على خط كهرباء بالقرب من مدينة جاكسون، مما أدى إلى نشوب حريق بالغابة أحرق ما يقرب من 71000 فدان. اندلعت الحرائق بالجنوب، وطال الحريق مناطق كبيرة من كالافيراس. لا تزال بعض تلك التلال والأودية متفحّمة، إلا أن عملية الإزالة كشفت ما كان مخفياًّ منذ فترة طويلة؛ من أحواض بلاستيكية سوداء مليئة بشتلات الماريجوانا. وتُستخدم هذه الأحواض في مزارع الماريجوانا الصناعيّة المتطوّرة، والعديد منها يقع على بعد عشرين دقيقة بالسيّارة من وسط مدينة ماونتن رانش.

تقول كارين هاربر، وهي عضو في تحالف كالافيراس كانابيس أليانس (اتحاد قنّب كالافيراس)، الذي يحظى بتأييد قانونيّ، عن الأشخاص الذين يحصدون هذا المحصول: “إنهم ليسوا كسالى، بل يعملون بجدّ”.

بعد أشهر من اندلاع الحريق، أصدرت ولاية كالافيراس مرسوماً مؤقتاً لتنظيم مزارع الماريجوانا التجاريّة. وأدّى ذلك إلى تدفّق فيض من مستثمري القنب من جميع أنحاء البلد. وأدّى الضرر الناجم عن الحريق إلى تدمير للممتلكات في ماونتن رانش، وظهر المستثمرون بشكل كبير لشراء الأراضي من الأسر التي دُمّرت منازلها. ويقول بيل شميت، وكيل عقاري محلي: “نسميه الهجوم الأخضر”.

ووجدت دراسة أجرتها جامعة المحيط الهادئ في ستوكتون القريبة، أن أكثر من 740 من المزارعين التجاريّين في المنطقة أنتجوا ما يقرب من 400 مليون دولار من المبيعات ودخل العمالة في عام 2016.

ولكن هذه الدراسة قد تقلّل من شأن التأثير الكليّ للمحصول. وتقدّر إدارة التخطيط بالمقاطعة أن هناك ما بين 700 إلى 1500 مزرعة غير مشروعة لزراعة الماريجوانا تنتشر عبر ممتلكات خاصة أو أراضي مملوكة للحكومة في كالافيراس.

إن مزارع المخدرات غير القانونيّة ليست أمراً جديداً على ولاية كاليفورنيا، فمنذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، التي أدّت الى تشديد السيطرة على طول الحدود الامريكيّة المكسيكيّة، ازدادت زارعة الماريجوانا في الغابات في الجزء الشماليّ من الولاية. وزادت هذه الموجة على مدى السنوات الثلاثة الماضية، واكتشف المحققون المزيد من المزارع غير القانونيّة في غابات ولاية كاليفورنيا. وفي العام 2014، أزال ستيفن فريك، الوكيل الخاص للدائرة الأمريكية لمستلزمات الغابات، وزملاؤه 671.000 نبتة من الغابات الوطنيّة في كاليفورنيا، وقد تضاعف هذا الرقم في عام 2016. والآن بعد أن قامت الولاية بتشريع الماريجوانا الترفيهيّة، انتقل المزارعون إلى المناطق الريفيّة في شمال كاليفورنيا لإقامة مزارع غير قانونيّة، وقد أعلنت مقاطعة أخرى “حالة الطوارئ” في سبتمبر/ أيلول الماضي بسبب ارتفاع عدد مزارعي السوق السوداء. ويعتقد فريك أنها لن تقل “تظهِر جميع المؤشرات في هذا العام حتى الآن أن [مضبوطات الزراعة غير القانونيّة] ستستمر في الزيادة”.

تقع غابة ستانيسلاوس ناشيونال شرق غابة ماونتن رانش، وهي من المواقع الرئيسية الأخرى لمزارع المخدّرات. واكتشف المحققون، من دائرة الأسماك والحياة البريّة في الولايات المتحدة في مكتب مأمور مقاطعة كالافيراس، مئات الآلاف من النباتات على تلك الأراضي المملوكة للحكومة، يشرف عليها عمال غير مسجّلين. ويقول فريك: “أكثر من 80% من الأشخاص الذين نلقي القبض عليهم في هذه المزارع متسلّلون بشكل غير قانونيّ من المكسيك”.

يقول: الكثيرون من ميشواكان، وهي ولاية مزّقتها حرب المخدّرات تقع في الجزء الغربيّ من البلاد. ويعتقد فريك والسلطات الأخرى أن العاملين في تجارة المخدّرات يستدرجون العمال عبر الحدود عبر إغرائهم بوظائف بأجرٍ مُجزٍ نظير حراسة الحقول وإنتاج المخدّرات على نطاق صناعيّ. ويقول آخرون: إنهم يُجبرون على ذلك، وإن أعضاء العصابة يهدّدون العمال تحت تهديد السلاح لرعاية المحاصيل، أو التهديد بقتل أفراد أسرهم في المكسيك إذا لم ينهوا الحصاد. ولأن العمال ليسوا مواطنين أمريكيّين، فإن العصابات متأكّدة من أنهم في الغالب لن يطلبوا المساعدة من الشرطة، ويخاف معظمهم من إخبار المحقّقين لصالح من يعملون، أو الإدلاء بشهادتهم باعتبارهم شهود. وقال أحد المزارعين لأحد ضبّاط إنفاذ القانون المتقاعدين في كالافيراس، والذي تحدّث شريطة عدم الكشف عن هويّته، لأنه يعتقد أن أعضاء العصابة يلاحقونه هو وزوجته: “إذا أخبرّتكم، فسوف يقتلونني”.

إستراحة قوات محاربة المخدرات

في كالافيراس، يقول المأمور ديباسيليو: إنه من الصعب جداً اعتقال الأشخاص الذين يقومون بالزراعة بشكل غير قانونيّ. ويقول: “لقد قمنا بمئات من الطلعات الجويّة” على مزارع المخدّرات بطائرات الهليكوبتر. “ولكن بمجرد سماع صوت الطائرة يقوموا بالفرار”. ويقول ديباسيليو: إن الغالبية العظمى من المزارعين الذين تمّ إلقاء القبض عليهم من غير المسجّلين.

ولم تحصل سلطات كالافيراس على اعتراف من أيّ من المزارعين المعتقلين المرتبطين بعصابات المخدّرات المكسيكيّة. إلا أن فريك ومكتب المدّعي العام بولاية كاليفورنيا يعتقدان أن زراعة المخدرات غير المشروعة تتمّ على مستوى البلاد في خطوط أنابيب بالتنسيق مع منظمات مثل: عصابة سينالوا، ولا فاميليا ميتشواكانا. ودليل واحد على ذلك؟! هو المكالمات الهاتفية والتحويلات المالية التي تُرسل جنوباً إلى الحدود.

أيضاً يشير فريك وسلطات أخرى إلى التماثيل التي كثيراً ما يجدونها في مزارع المخدرات. ويقول ضابط إنفاذ القانون المتقاعد في كالافيراس أنه اعتاد هو وزملاؤه العثور على تماثيل خيسوس مالفيردي، وهو ما يسمى قدّيس المخدرات من ولاية سينالوا المكسيكية، في مزارع غير قانونيّة في مقاطعة كالافيراس بعد المداهمات. وتتلخص أسطورة مالفيرد في أنه كان يشبه شخصية روبن هود خلال القرن التاسع عشر. واستخدمت العصابات صورته لأول مرّة في الثمانينيّات باعتبارها جزءاً من حملة ماكرة للإشارة إلى أن إمبراطوريّتهم الإجراميّة بُنيت لتوفير الفرص الاقتصادية لفقراء البلاد. ولكن ذلك لا يعني أن كل أتباع مالفيردي مجرمون، ولكن في سلطات الولايات المتحدة يرونه شعاراً لتجارة المخدّرات المكسيكيّة. فعندما أوقف رجال شرطة شيكاغو سيارة تحمل ما قيمته 19 مليون دولار من الكوكايين في عام 2010، قالوا: إنه تمثال مالفيردي الموجود على لوحة القيادة، وهو الذي لفت انتباههم.

وعندما بدأت جهات إنفاذ القانون في التحقيق مع الرجال الأربعة الذين تعرضوا للضرب، والذين هربوا من مزرعة المخدّرات لبيعها بالسوق السوداء في مقاطعة كالافيراس، قاموا بزيارة عناوين المنازل المرتبطة بالمرأتين المشتبه في إدارتهما للمزرعة. وفي أحد المنازل، وجدوا ضريحاً لقديس فولكلوري مكسيكي آخر مرتبط عموما بتجّار المخدّرات: وهو ملاك الموت – إسكو سانتا مورت. (اكتشف أعضاء إنفاذ القانون هذا الشكل عندما اعتقلوا مهربي المهاجرين وعمليّات عصابات إم أس- 13 وحلقات العصابة على طول الحدود الأمريكية المكسيكيّة).

ولكن ما عثروا عليه في المزرعة هو ما كان أكثر إثارة للقلق من هذه التماثيل الفولكلورية: أكوام من القمامة، والأغطية السوداء القذرة، ومقصورة كابينة خشبية مؤقتة؛ حيث يعيش الرجال الأربعة في ظروف قاتلة. وكان هؤلاء المزارعون يلوّثون الغابة في الوقت نفسه الذي يجنون فيه أرباحاً هائلة – مقايضة تحدث في المزارع غير القانونيّة في جميع أنحاء شمال كاليفورنيا.

في غابة بلوماس الوطنية، تم اكتشاف نبتة الماريجوانا هذه.

عادة ما تنجو بعض نبات المخدرات من التدمير الواسع الذي تقوم به القوات الحكومية وقوات مكافحة المخدرات

14.000 رطل من مبيدات القوارض

على بُعد ساعات شمال مقاطعة كالافيراس، في عمق الغابات العامة على طول الحدود بين كاليفورنيا وأوريغون، يوجد 12 طناً من القمامة البلاستيكيّة، وآلاف الأرطال من الأسمدة، وأكثر من 80 رطلاً من مبيدات القوارض السامّة ومبيدات الحشرات متناثرة بين أشجار الصنوبر والبلوط الشاهقة. لقد تحوّلت هذه الجنة إلى مكبّ للنفايات.

وقد عثر مراد غابرييل، أخصائيّ أمراض الحياة البريّة، الذي يدير مركز بحوث البيئة المتكاملة، لأول مرة على مزرعة الماريجوانا التي تُباع في السوق السوداء في عام 2015. ووصف ظروفها النتنة في أبحاث داخلية غير منشورة سُمح لي بالاطلاع عليها. ووفقاً لتقديرات غابرييل فإن المنظّمات الإجراميّة تصبّ كل عام 14 ألف رطل من مبيدات القوارض و750.000 رطل من الأسمدة الكيماويّة القابلة للذوبان في الماء في التربة على الأراضي التي تحميها الحكومة. وتستند هذه التقديرات إلى عمله الميداني على أكثر من 120 مزرعة لزراعة الماريجوانا بشكل غير مشروع في الغابات العامة عبر سبع مقاطعات في شمال كاليفورنيا.

في هذه المواقع، وجد غابرييل أيضاً جثث دببة، وغزلان، وثعالب، وقوارض مسمّمة، وأنواع معرّضة للخطر مثل أسد الجبال. واحدة من المواد الكيميائيّة التي قتلت هذه الحيوانات هي الكربوفوران، وهو مبيد يحظر القانون استخدامه في المحاصيل في الولايات المتحدة، على الرغم من أنه لا يزال متاحاً للشراء عبر الإنترنت. و”غالباً ما يقوم المزارعون بتخزين الدواء الذي يشبه العلكة ولونه وردي في زجاجات الصودا، ومشروب الطاقة”. ويقول غابرييل وزملاؤه في مقال نُشر مؤخراً عن مجلة الحياة البريّة المهنيّة (والدلايف بروفيشونال ماغازين): “إن قطرة واحدة كافية لقتل إنسان بالغ”.

وتحدّث مع الرجال الذين يقومون برعاية مزارع الماريجوانا غير المشروعة الذين تمّ القبض عليهم لمعرفة سبب نشرهم هذه المواد الكيميائية القويّة لحماية محاصيلهم!. كنت أسأل: “أين تعلمتم هذه الأساليب لتسميم الحياة البريّة؟” وكانوا يقولون: “هذا ما نفعله في الوطن”- في المكسيك.

جزء من حجة التشريع هو أن تنظيم الماريجوانا وفرض دفع الضرائب يمكن أن يمنح وكالات الإنفاذ بولاية كاليفورنيا الأموال التي يحتاجونها للقضاء على المزارع غير المشروعة. ولكن غابرييل يعتقد أن الأمر سيستغرق سنوات قبل أن تتمكن جهات إنفاذ القانون من إحداث تأثير على المزارع غير القانونيّة التي تظهر بالمئات كل عام حسب تقديره. ويشير إلى مقاطعة همبولدت، التي تقع على بعد حوالي خمس ساعات شمال غرب مقاطعة كالافيراس؛ حيث تقوم السلطات بالتمشيط عبر 2300 طلب للمزارعين الذين يرغبون في بدء البيع في السوق الترفيهيّة في ولاية كاليفورنيا. ولكن يوجد أيضاً ما يقدّر بنحو 12,700 مزرعة غير قانونيّة في المقاطعة.

لا يدين جميع هؤلاء المزارعين بالولاء لعشائر تجارة المخدرات في المكسيك، ولكن ما يثير قلق غابرييل بشكل أكبر، بالإضافة إلى الأضرار البيئية، هو عدد الأسلحة الناريّة المتزايد. وفي عام 2012، قال: إنه تعرّض للتهديد بالسلاح في اثنين من 20 مزرعة غير مشروعة للماريجوانا أثناء قيامه بالتحقيق فيها. أما الآن، فيقول: إنه يجد الأسلحة في كل موقع يمرّ عبره تقريباً. يقول غابرييل: “هذه ليست عائلة تقليديّة تعيش في المزرعة…، إنها منظمات الاتجار بالمخدرات التي توجد هناك لحماية استثماراتها”.

سكوت الأغلبية الرزينة؟

يقول الناشطون المناهضون لزراعة المخدرات في مقاطعة كالافيراس: إن تدفّق الأسلحة الناريّة والتلوّث بالمواد السميّة يعتبر سبباً كافياً لمنع وقوع هذه الصناعة كلها، وإن معظم أعضاء الحكومة المحافظة التي يسيطر عليها المحافظون تدعم قضيّتهم. في يوم الأربعاء في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، احتشد أكثر من 40 شخصاً في اجتماع حكومة مقاطعة كالافيراس الصغيرة؛ حيث عمل مجلس تخطيط المقاطعة على طرح مقترح لتقليل مزارع الماريجوانا التجارية إلى 50 مزرعة فقط. وإذا تحوّل هذا المقترح إلى قانون، فسوف يؤدي إلى طرد ما يقرب من 150 مزارعاً ممن سبق وبدأوا بعمليات ماريجوانا قانونيّة، ولكنهم لم يقتربوا من أكثر من 700 إلى 1500 من مزارعي السوق السوداء في مقاطعة كالافيراس.

وظهر الانقسام في الاجتماع سريعاً، ففي الوقت الذي وقف فيه مزارعو الماريجوانا والنشطاء المناهضون لزراعة الماريجوانا، وعبّروا عن آرائهم حول القرار، قام الأشخاص بالسخرية والاستهجان بالهسهسة عبر الممرّ، وصرخوا في المتكلمين للجلوس، وصاحوا باستهجان على المسؤولين أثناء تعليقهم لصالح المقترح أو ضده. وصاح أحد مزارعي الماريجوانا: “احمونا!” في مرحلةٍ ما خلال الجلسة التي امتدت لثماني ساعات. وردّاً على ذلك صاح الناشطون لمكافحة زراعة الماريجوانا: “احمونا!”.

وفي زاويةٍ بعيدة، بين الناشطين المناهضين لزراعة الماريجوانا، جلس بيل مكمانوس، وهو رجل سمين وقصير القامة، متشدّق قليلاً، وشاربه الأبيض ملطّخ بدخان التبغ الأصفر والبنيّ. كان هو وزميله ديفيد تونو القادة الفعليّين للحركة المضادّة لزراعة الماريجوانا في هذه الجلسة. وأطلقوا على أنفسهم أبطال “الغالبية الصامتة” التي تريد التخلّص من زراعة الماريجوانا. وفي العام الماضي، جمعوا أكثر من 5000 توقيع على عريضة احتجاج لاقتراح حظر زراعة الماريجوانا، وهو ما كان كافياً لترجيح الأمر أمام مشرفي المقاطعة. ويقول تونو: “إن هذا العدد كان يمكن أن يكون أعلى بكثير، وأن الكثير من هؤلاء الأشخاص كانوا خائفين جداً، ولم يكن لديهم رغبة في مساعدتنا. فهم لا يرغبون في ارتباط اسمهم بقضيتنا”.

حشد تونو ومكمانوس الدعم من خلال ما أطلقوا عليه “قصص الحرب” المحليّة – وهي قصص يرويها سكان مقاطعة كالافيراس أثناء القيادة عن طريق الخطأ في مزرعة غير قانونيّة وغير مأهولة، حيث ينزل رجال مسلحون على سياراتهم، ويهددونهم بأنهم سيعرفون أين يعيشون إذا لم يعودوا من حيث جاؤوا.

أو مُربّي الماشية الذين يقومون بدوريات لحراسة أراضيهم مرتدين سترات الكيفلار مربوطة عبر صدورهم؛ وذلك لأنهم يخافون أن يقابلهم طاقم مسلّح أثناء دوريّة الحراسة. ويقول مكمانوس: “لا يمكنك أن تتمتع بممتلكاتك، أو أن تخرج للتنزه، ولا تستطيع أن تعلّم أحفادك ركوب الجياد، أو الدراجات، أو الدراجة البخارية، ولا يمكنك أن تفعل ذلك بعد الآن؛ لأنه أمر خطير جداً”.

ولا يقتصر مطلب إغلاق السوق السوداء على معسكر مكافحة زراعة الماريجوانا فحسب. يدعي بورش شوفيلدت، أحد مزارعي الماريجوانا المسجّلين، أنه كان قد عانى من متاعب مع المزارعين التابعين للعصابة بالقرب من ممتلكاته. وأخذني لرؤية بقايا ما يدّعي أنه كان مزرعة تابعة للعصابات في غابة ستانيسلاوس، وهي مساحة ممتلئة بالأواني، والمقالي، والأسمدة الكيماويّة، والأشجار المقطّعة، والخراطيم السوداء، وأخذني إلى قمة جبليّة عشبيّة فوق مقصورته المعزولة حيث بالكاد توجد بها خدمة الهاتف المحمول. ويقول: “كنت تأتي لتصرخ في ساحة التل، وستجد سلم تسلّق الأسوار الضخم موجوداً هنا”.

وقال المزارعون الستة المسجلون الذين قابلتهم لكتابة هذه القصة: إنهم يعتقدون أن العصابات المكسيكيّة أو الشركات التابعة لها تنشط في مقاطعة كالافيراس، ولكنهم يريدون الحفاظ على زراعة الماريجوانا القانونية، وذلك لا يقتصر على كونها مصدر رزقهم، بل لأن الضرائب التي يدفعونها تساعد على مكافحة المزارع غير المشروعة.

فيبي، وهي ضابط شرطة في فئة الكلاب المدربة قد نجحت خلال مسيرتها في سلك مكافحة المخدرات من الإمساك والكشف عن عدد لا بأس به من مزارعي ومزارع الماريجوانا

ويقول كاس توماسوسكي، المدير السابق لتحالف الحشيش في كالافيراس: “توجد سوق سوداء قويّة تضمّ مجرمين منظّمين. وبعد ذلك هناك مزارعون لديهم أطفال يقومون بذلك هنا لسنوات”.

ويقول: إن الحظر التام والكامل على مزارع الماريجوانا سيؤدي إلى إعاقة الاقتصاد المحليّ، ويمكن أن يؤدي إلى المزيد من العنف المرتبط بالمخدّرات. فعدم وجود القنب التجاري يعني عدم وجود حصيلة ضريبيّة بملايين الدولارات التي هي نعمة للمقاطعة، ولموظفي إنفاذ القانون في المقاطعة، الذين يستخدمون أموال الضرائب من الماريجوانا لمداهمة ما يقرب من أربعين مزرعة غير قانونيّة والاستيلاء على ما يقرب من 30,000 نبته حشيش في العام 2017.

ويقول هاربر، من تحالف المؤيّدين للزراعة الشرعيّة للقنب في مقاطعة كالافيراس: “نحن محظوظون، فلا يوجد أحد يريد أن يعيش في هذه المقاطعة “ وأضاف: “إنهم يريدون وقف شيء يوفّر ملايين الدولارات”.

وبصرف النظر عما سيحدث لدفع إدارة ترامب لإنفاذ قوانين الماريجوانا الفيدراليّة، فإن المقاطعة لديها فرصة حتى فبراير/ شباط 2018، عندما ينتهي مرسوم مزارع الماريجوانا الحالي، لتحسم قرارها. وبعيداً عن اجتماع التخطيط بالمقاطعة، تحدث مكمانوس ومجموعة صغيرة من الناشطين المناهضين لزراعة الماريجوانا عن الخطوة التالية في حملتهم المستمرّة منذ سنوات.

سيقومون بإغراق طرق المقاطعة بلافتات مكافحة زراعة الماريجوانا، وحضور المئات من اجتماعات الأشراف بالمقاطعة، وزيارة المتاجر التي تخدم صناعة الماريجوانا؛ لضرب أصحاب الأعمال. وتتمثّل خطتهم الآن في الجلوس والمشاهدة. مثل كولورادو، يقول مكمانوس: كاليفورنيا ستدرك أن التشريع والمزيد من الضرائب ليس أمراً كافياً للقضاء على السوق السوداء. “أعتقد أن الأمر سيسوء قليلاً قبل أن يتحسّن بالولاية”.

فتحت إحدى الناشطات في مكافحة زراعة الماريجوانا تجلس بجانبي مكاناً في حقيبتها اليدويّة في محاولة منها لتريني أول مسدس في جرابه تحمله على الإطلاق. وبصرف النظر عن قرار المقاطعة، تخبرني هذه المجموعة بأن خيارها الوحيد هو حماية نفسها من مُزارعي المخدّرات المسلّحين الذين يقطنون بجوارهم الآن.

ويقول أحد مربي الماشية الذي طلب عدم الكشف عن هويّته خوفاً من المزارعين المجرمين: “نحن نتسلح، ونعمل جميعاً على شراء أسلحة أكبر، ولدينا جميعاً كلاب كبيرة، ولدينا جميعاً بوابات كهربائيّة أكبر”.

Facebook Comments

Leave a Reply