منطقة آسيا والمحيط الهادي: مرحلة جديدة كلياً بالنسبة للتنين الصيني

');

بقلم كاي فان بيترسن

رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي في آسيا لدى ساكسو بنك

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

شَهِد الاقتصاد الصيني ازدهاراً غير متوقع في الآونة الأخيرة؛ حيث واصل النموذج الاقتصادي القديم المساهمة في تحقيق أداءٍ جيّد، وقد ترافق ذلك مع تسجيل نتائج إيجابية بفضل النموذج الاقتصادي الجديد القائم على الخدمات. ومع ذلك، لا تزال هناك العديد من المشكلات الهيكليّة المتأصلة التي تتطلّب إيجاد حلولٍ مناسبة، وذلك وسط توقعات بأن يعلن الرئيس الصيني شي جين بينج عن تطبيق جملة إصلاحات سريعة خلال انعقاد الدورة الـ19 من المؤتمر الوطني للحزب الشيوعي الصيني.

ما مدى أهمية المؤتمر الـ19 للحزب الشيوعي الصيني للعالم؟
مع قرب انسدال الستار على العام 2017، يتم العمل على إرساء دعائم من أجل مرحلة جديدة ومختلفة كلياً في الصين، وهو ما سيتجسّد بوضوح في أعمال المؤتمر الوطني الـ19 للحزب الصيني الشيوعي. ويجمع هذا المؤتمر، الذي يُعقد مرّة واحدة كل 5 سنوات، بين النخبة الحاكمة في الصين بهدف إعداد خطة خمسية جديدة للإشراف على المسيرة الاقتصاديّة للبلاد وتطورها الاجتماعي وسياساتها على الساحة الدوليّة. وسيحظى المؤتمر القادم، الذي ستنطلق أعماله في منتصف شهر أكتوبر، بمتابعة لافتة أكثر من أي وقتٍ مضى نظراً لتصاعد مكانة الصين الاقتصاديّة على مستوى العالم. وعندما طلبت من السيد آندرو بريسلر، وهو زميلي لدى ساكسو بنك في سنغافورة، أن يلخّص الأهمية الهيكليّة للاجتماع المقبل، أشار إلى تصاعد تأثير الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني ورئيس البلاد شي جين بينج؛ حيث قال: “اتسمت فترة الأعوام الخمس الأولى من حكم الرئيس بينج ببناء قاعدته لتمديد فترة بقائه في السلطة. ومن خلال إطلاق حملة ضخمة لمكافحة الفساد، قام بينج بتنحية الشخصيات المتشددة في القيادة السابقة واستبدالهم بكبار المساعدين الموالين له، وذلك لتحقيق أهداف الرئيس في سيطرته على السلطة لخمس أو حتى لعشر سنوات. وسيتكشّف مزيد من المضامين التي تبرهن على ذلك خلال أعمال المؤتمر المقبل”.
وتميّز العام الماضي في الصين بتسجيل نموٍ اقتصادي تخطّى التوقعات؛ إذ أن الأعباء المتراكمة نتيجة توسّع مستويات الائتمان خلال عام 2016 والتأثيرات المعاكسة التي عصفت بالاقتصاد العالمي ساهمت في تدعيم النموذج الصيني القديم القائم على التصنيع والتصدير، وذلك بالتزامن مع تصاعد القوة المستمرة للاقتصاد الصيني مدفوعاً بالخدمات الاستهلاكيّة المحلية. وقد شكّل هذا النمو المرتكز على الديون مصدر قلق للمستثمرين والهيئات التنظيمية على حدٍ سواء. وكانت الوصفات الجاهزة لمؤتمر العمل المالي الوطني، الذي يُعقد كل 5 سنوات، قد أشارت إلى أن حقبة الرافعة المالية المفرطة انتهت حالياً لأنها تهدد استقرار الوضع المالي. وقد استجابت السلطات الصينية إزاء هذا الوضع عبر خفض مستوى السيولة في الأسواق النقدية، وبالتالي ارتفعت الأسعار وتزايدت أسعار المنازل. وبدأ العمل على نحو جدي لخفض قيمة المديونية للشركات المملوكة للدولة، خاصة وأن هذه الشركات تمثل أحد القطّاعات الاقتصادية التي تسهم بنسبة 30% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، كما أنها مسؤولة عن 70% من ديون البلاد.
ولو افترضنا أن الأعوام الخمسة الأولى من ولاية بينج اتسمت بتحقيق نمو اقتصادي مستقر إلى جانب تعزيز قاعدته في السلطة، فأننا نرجح أن يتم التمديد لقيادته مدّة 10 سنوات أخرى وليس 5 سنوات، كما نتوقع أن تكون السنوات الخمس المقبلة أكثر اضطراباً مقارنة بالدورة الاقتصادية التي شهدناها فعلياً.
بموازاة ذلك، سيضغط بينج بقوة لتطبيق جدول أعماله للإصلاح الاقتصادي، وسيبذل جهداً أكبر لخفض الرافعة المالية التي تعتبر محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمستثمرين الصينيين؛ وسوف يعمل على تطبيق هذه الخطوات في مرحلة مبكّرة عبر اتخاذ تدابير فعّالة وناجعة ودون الانتظار إلى وقتٍ لاحق.
ونعتقد أن ذلك سيتسبب بتباطؤ النمو الصيني أكثر مما تتوقعه الأسواق، كما سينطوي على عواقب وخيمة على بقية العالم. ولكن بنهاية المطاف، ستبرز الصين كاقتصاد عالمي مفتوح ومستقر ويرتبط بعلاقات تجارية راسخة مع الشرق والغرب.
في سياق متصل، يبدو أن نظام حكم الرئيس بينج عازمٌ على مواصلة الاهتمام بجودة النمو بدلاً من الكم، والسعي لإنهاء الاعتماد التاريخي للصين على الصادرات التي لا تزال تشكل جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي، إضافة إلى دعم قاعدة أكبر من الوظائف وفرص العمل (بما يُعرف بدعائم الاستقرار الاجتماعي). ومن المنطقي أيضاً أن يحتاج بينج إلى توطيد وتوسيع صلاحياته أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً وأن العقبة الأكبر التي تعرقل جهود الإصلاحات تكمن في الشركات المملوكة للدولة التي تمثل سلسلة من الإقطاعات القوية داخل الحزب الشيوعي الصيني.
ونرجح أن يُصاب بخيبة أمل أولئك الذين يتوقعون إقرار خططٍ ضخمة للإنفاق المالي، وتخفيف السياسات النقدية، وتعزيز فرص النمو بشكل عام. فهل يضعنا هذا أمام احتمال تحقق سيناريو الهبوط الحاد في الصين؟
وينبغي على كل شخص يدافع عن هذا الرأي أن يضع بالاعتبار أن الصين تعتبر دولة استبدادية بطبيعة الحال، ويمكنها تبني سياسة المد والجزر بشكل إرادي على المستويين المالي أو النقدي.
ورغم أن مراكز التداول التكتيكيّة قصيرة الأجل قد تكون نمطاً سائداً لفترة من الوقت، ولكن ينبغي تنظيم وإدارة مراكز التداول الهيكلية طويلة الأجل بعناية بالغة لتكون قادرة على مواكبة انفتاح أسواق رأس المال الصينية، وهو ما يمثل ورقة رابحة لطالما لوحّت بها الصين دائماً.

الاقتصاد الكلي العالمي: أفكار حول مراكز التداول
من المرجح أن تحدد الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة فيما إذا كانت موجة التوتر في شبه الجزيرة الكورية ستخبو أم ستبلغ مستويات لم تشهدها في الآونة الأخيرة. ويطرح السيناريو الوارد أدناه- والمُستمد من جلسات يوم الاثنين حول الاقتصاد الكلي عبر الأصول- بعض الأفكار حول مراكز التداول والمسارات الثلاثة المحتملة حتى نهاية العام الحالي ووصولاً إلى الربع الأول من عام 2018.
لم تتغير تحليلاتي بشأن بقية الآراء بشكل جذري، وأقصد بذلك وجهات النظر التضخميّة في عالم يسوده الكثير من حالات الانكماش (التي بدأت تتكشف فعلياً)، وهو أمر يبرهن على الحاجة الماسة لمزيدٍ من الانكشاف الهيكلي فيما يخص:

مراكز التداول المفتوحة قصيرة الأجل:
• تطوير استراتيجية خاصة بفترات التداول في السوق، وربما زيادة احتمال تطبيق استراتيجية التداول الأفقي في المنحنى الكندي؛ أي في البداية الأمامية القصيرة للمنحنى والجزء الخلفي منه، وذلك فيما يخص العوائد الأمريكيّة لأجل عامين و10 سنوات.
• قياساً بالأيام الماضية، تبدو مراكز التداول القصيرة للعقود الآجلة لمجلس الاحتياطي الفدرالي (المستحقة في يناير 2019) بوضعٍ جيّد في الوقت الراهن؛ كما أن نتائج الربع الثالث من العام وفرت بعض نقاط الدخول المرنة التي ساعدت على تأسيس هذا الخط الهيكلي لأنشطة التداول القصيرة. ويرتكز ذلك على قناعة راسخة؛ خصوصاً حال عودتنا إلى استراتيجية التسعير في السوق، وتسجيل ارتفاعٍ في فترة قريبة، وصولاً إلى تحقيق توازن في عام 2017 وعام 2018 بأكمله. ونعتقد أن هذا النمط من التداول غير المتماثل هو الذي نفضله من حيث الحجم.
• تقلّب مراكز التداول قصيرة الأجل نتيجة ارتفاع ’مؤشر فيكس للتقلبات‘ إزاء خيارات المراكز المفتوحة طويلة الأجل، وذلك على غرار عمليات بيع مؤشر (SVXY) وفروق أسعار العرض والطلب لعمليات البيع التي شهدناها خلال الربع الثالث من العام، والتي حققت عوائد بلغت +188% ونسبة +118% فيما يتعلق بعلاوات التداول. وفي هذا السياق، لا نفضل التركيز على خيارات التداول المفتوحة وقصيرة الأجل أو العقود الآجلة لمؤشر فيكس للتقلبات؛ كما لا نحبّذ التوجّهات الهبوطيّة غير المحدودة ونفضل الاهتمام بالاتجاهات الصاعدة غير المحدودة.

مراكز التداول المفتوحة طويلة الأجل:
• عادةً ما تتمتع الأسهم بأداء إيجابي في السوق. ونعتقد أن موجة الركود ستتسبب بهبوط تتراوح نسبته بين 20-30%، ولكن الخطر الأبرز يكمن في احتمال تسجيل ارتفاع تتراوح نسبته بين 30-50-100% مجدداً قبل أن ندخل في موجة ركود عالميّة. ويبدو أن أنشطة الأشهر الـ12-18 المقبلة ستكون قوية وسليمة إلى حدٍ ما من منظور النمو العالمي. من جهة ثانية، تلتزم البنوك المركزية بمنهج غير متشدد وغير متفائل في آن معاً، وذلك وسط انتشارٍ واسعٍ لتداول الخيارات الثنائيّة (دلتا). علاوةً على ذلك، تبدو التقلبات منخفضة جداً، وسيكون من قبيل التضحية عدم توافر حماية ضد الجوانب الهبوطيّة والسلبيّة (يرجى النظر إلى الهيكليّات والمخططات الواردة في منشوراتنا للربع الثالث). في الوقت نفسه، سيكون من المجدي على صعيد التكلفة الانكشاف على المسارات الصعودية؛ ونركز بهذا السياق على استكشاف مكامن القيمة في قطاع الطاقة، والذي لا يزال يواجه تراجعاً على مستوى النفط.
• تمثل السندات السياديّة ذات العوائد المرتفعة في الأسواق الناشئة وسوق الفوركس الوجهة الأساسيّة لمراكز التداول الهيكليّة طويلة الأجل بالنسبة للسوق الهندية.
• بالنسبة لقطاع العملات المشفرة (المُعمّاة)، نوصي بالتحلّي بالدراية الكافية إزاء الرؤية المتعلقة بسلة العملات المُشفرة لأجل 5-10 سنوات. سيتواصل نشاط هذه العملات على أساس أسبوعي أو حتى ربع سنوي؛ ولكن التركيز على هذه الجانب سيمثل ضربة حظ قد تصيب أو تخطئ.
• نوصي بالتركيز على السلع ونعتقد أننا في طور عملية تبلور لكسرٍ هيكليّ يمهد الطريق لبلوغ أعلى مستويات الارتفاع في عدّة سنوات. وينبغي التذكّر جيداً بأننا نشهد أفضل نمو عالمي منذ ما يزيد عن 10 سنوات فيما يتعلق بالتحكم بمستويات النمو المتماثل والسيطرة على التضخم. وهو ما يمثل سيناريو معتدل باعتقادنا.
• ندرك أن النفط يتمتع بأرضية متينة طالما أن النمو العالمي صامد وآخذ بالارتفاع، كنا نعتقد بأن حكومة المملكة العربية السعودية بحاجة إلى طرح أسهم شركة ’أرامكو” العملاقة للاكتتاب. من جهة ثانية، نعتقد أن الذهب والفضة يشهداً كسراً هيكلياً، كما نعتقد أن شركات التنقيب عن المعادن (الفضة والذهب: SIL & GDX) هي المؤهلة للاستفادة من ذلك؛ حيث من المحتمل أن تحقق أسهم الفضة عوائد غير متماثلة، ناهيك عن انخفاض مراكز تداوله المفتوحة مقارنة بالذهب.
• سوق الفوركس تبدو أكثر صرامة وتشدداً من منظورٍ عام. ونؤيد صعود سعر الدولار مقابل الفرنك السويسري (USDCHF)، وكذلك الأمر ينطبق على مراكز التداول الأفقية طويلة الأمد للجنيه الإسترليني لأجل 3-5 سنوات، والتي أثمرت عن نتائج إيجابيّة (مقابل الفرنك السويسري، اليورو، الين الياباني). ونعتقد أن الإخفاق في فهم طبيعة الإجراءات وردة الفعل ستكون السمات المميزة لكل من يتخيّل أن استفتاء ’بريكست‘ يمثل معادلاً لقيام المملكة المتحدة بتخطي الحواجز والعقبات وترقب الاحتمالات والفرص الممكنة. وستبذل المملكة المتحدة (القراءة الخاصة بسوق لندن) ما بوسعها لإعادة إرساء دعائهما الاقتصاديّة. وندرك جميعاً حجم الصعوبات المرتبطة باستفتاء ’بريكست‘، ولاسيّما تحوّل بريطانيا إلى ملاذ ضريبي عالمي جديد. حيث انخفض الجنيه الإسترليني وغيره من العملات الرئيسية إلى أدنى المستويات قبل أكثر من عامٍ مضى؛ وبحلول وقت نشر هذا التقرير في السوق، سيكون الاسترليني عُرضة لمزيد من التأثيرات. ولا نزال نفضل العملات ذات الأداء المتباين والتي أشرنا إليها عدّة مرات في تقريرنا المُعتاد أيام الاثنين حول الاقتصاد الكلي، ومنها الروبل الروسي، والبيزو المكسيكي، والروبية الهندية، والريال البرازيلي، والروبيّة الإندونيسية. ونتساءل هنا هل تبدو مراكز التداول المفتوحة الطويلة للجنيه لأجل عدة سنوات معقدة إلى حد كبير؟

Facebook Comments

Post a comment