منظمة التعاون الاسلامي: 48 عاماً من العطاء

في ذكرى تأسيسها الثامنة والأربعين

أكبر منظمة إسلامية في العالم تنفذ برنامجها العشري الثاني للتحديث

مها عقيل*

خاص نيوزويك الشرق الأوسط

احتفلت الشهر الماضي منظمة التعاون الإسلامي، ثاني أكبر منظمة حكومية دولية في العالم، بالذكرى السنوية الثامنة والأربعين لتأسيسها.

وتمثل منظمة التعاون الإسلامي، التي تضم في عضويتها 57 دولة إسلامية، سدس مساحة العالم وحوالي ربع سكانه.

ولا يخفى على أحد أنه بعد مرور 48 عامًا، تواجه مناطق المنظمة تحديات جسيمة، سواء من حيث البطالة أو عدم المساواة بين الجنسين أو الأزمات البيئية، حيث أضحت أجزاء من العالم الإسلامي هي الأكثر عرضة للاضطراب في العالم، إلا أن هذه التحديات قد تشمل فرصًا في الوقت ذاته.

ولهذا السبب، قبل أشهر قليلة من الذكرى السنوية الثامنة والأربعين، وضعت منظمة التعاون الإسلامي اللمسات النهائية على برنامج عملها الرائد للعالم الإسلامي الذي يضم مجموعة سياسات جريئة لمعالجة الفقر، ودحض التطرف، واستعادة حقوق المرأة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز التجارة الإقليمية، ووضع الدول الأعضاء على طريق التقدم المستدام.

ويهدف هذا البرنامج، الذي اعتمدته جميع الدول الأعضاء في المنظمة، إلى تحديث العالم الإسلامي وهو النسخة المحدثة لبرنامج تحديث عشري مماثل دشنته المنظمة عام 2005 وانتهى عام 2015.

تواجه مناطق المنظمة نموًا سكانيًا سريعًا يمثل الشباب الجزء الأكبر منه في ظل استمرار النمو البطيء للاقتصادات.

وقد حققت هذه المرحلة الأولية بعض المنجزات الهامة، مثل إنشاء هيئة دائمة مستقلة لحقوق الإنسان، وهي هيئة استشارية تُعنى بالنهوض بحقوق الإنسان والحريات الأساسية في الدول الأعضاء؛ وإنشاء عدة مبادرات للمرأة لتعزيز المساواة بين الجنسين، مثل منظمة تنمية المرأة.

وتهدف الخطة العشرية الجديدة إلى الانتقال بهذه الإنجازات إلى المستوى التالي، لا سيما في ظل وجود تحد كبير يتمثل في ترجمة الالتزامات التي وقعت عليها الدول الأعضاء في المنظمة على المستوى الحكومي الدولي، إلى إجراءات ملموسة في مجال السياسات على المستويات الوطنية، حيث لا يزال هذا الأمر بحاجة إلى تطوير عميق.

تقع بعض أجزاء العالم الإسلامي على الخطوط الأمامية للكوارث، التي يعتبر سرطان الإرهاب، المتمثل في انتشار جماعات مثل تنظيمي داعش والقاعدة، الكارثة الأبرز بينها، ولكن يتداخل هذا بالطبع مع قضايا حرجة أخرى مثل التوترات الدينية أو الطائفية، فضلا عن العنف ضد المرأة.

كما تواجه مناطق المنظمة نموًا سكانيًا سريعًا يمثل الشباب الجزء الأكبر منه في ظل استمرار النمو البطيء للاقتصادات، مما يُنبئ بأن خطر البطالة -التي وصلت بالفعل إلى مستويات قياسية -قد يسوء. هذه المشاكل، بطبيعة الحال، لها عواقب أوسع نطاقا على الرفاه الاجتماعي في مجالات الصحة والتعليم والثقافة، التي يمكن أن تصب بدورها في تكريس نقاط الضعف التي ينتهزها المتطرفون.

ويهدف برنامج العمل 2025 إلى تمكين الدول الأعضاء من التصدي لهذه التحديات من أجل خلق مستقبل مختلف وأكثر إشراقًا.

التطرف والعنف

يعتبر التصدي للتطرف من بين الأولويات الرئيسية للبرنامج الجديد، حيث يزداد عدد الدول الأعضاء في المنظمة التي تقع ضحية لهجمات إرهابية، حتى في الوقت الذي يزداد فيه النظر إلى المسلمين في جميع أنحاء العالم بشك وعداء تكتنفه روح الإسلاموفوبيا. ويقترح برنامج عمل المنظمة البناء على مسارات العمل الحالية في هذه المجالات لوضع برامج جديدة لمكافحة الإيديولوجية المتطرفة، بما في ذلك تعزيز شراكات المنظمة بشأن مكافحة التطرف العنيف مع الهيئات الحكومية الدولية الأخرى، ومن بينها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا.

وافقت الدول الأعضاء على زيادة موارد مبادرات التعليم الديني لأن استمرار جماعات مثل تنظيمي داعش والقاعدة يرتكز على الطائفية، مما يؤثر على حقوق الأقليات بشكل عام.

وفي هذا السياق، وافقت الدول الأعضاء على زيادة موارد مبادرات التعليم الديني لأن استمرار جماعات مثل تنظيمي داعش والقاعدة يرتكز على الطائفية، مما يؤثر على حقوق الأقليات بشكل عام، بما في ذلك الجماعات الدينية غير الإسلامية. وبناء على ذلك، تقترح المنظمة عقد مبادرات حوار بين علماء الدين، تدعمها دولنا الأعضاء على الصعيد الوطني، من أجل تحقيق الانسجام والاحترام المتبادل بين مختلف الأديان وبين مختلف المدارس الفقهية داخل الإسلام. ومن الأهداف الرئيسية لهذا العمل تعزيز التسامح والانفتاح والتعايش السلمي مع غير المسلمين.

كما وافقت الدول الأعضاء على إنشاء وكالة جديدة تابعة للمنظمة، وهي مركز مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف، تنسق بروتوكولات الأمن السيبراني الدولية والوطنية، وتبحث بشكل خاص كيفية مكافحة تجنيد الإرهابيين وتمويلهم في الفضاء الإلكتروني.

التجارة والنمو

ومع ذلك، في حين يعتبر التصدي المباشر للتطرف عبر الحوار والتعليم وبناء القدرات أمرًا بالغ الأهمية، فإن معالجة الأسباب الأكثر تعقيدًا التي تكمن وراء التطرف من حيث المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الطويلة الأمد لا تقل أهمية.

وبينما نعلم أن الفقر لا يؤدي تلقائيًا إلى التطرف، فإننا نعلم كذلك أن العديد من أنصار داعش، وخاصة من جيل الشباب، واجهوا قضايا مشتركة من حيث الحرمان الاقتصادي والمظالم السياسية والشعور بالاغتراب الاجتماعي عن المجتمع الأوسع.

وقد حققت مبادرات المنظمة السابقة بعض التقدم، فانخفض عدد من يعيشون في فقر مدقع في بلدان المنظمة من 41.1% في عام 1990 إلى 22.4% في عام 2011، غير أن الفقر المستمر ظل عند مستويات مقلقة، لا سيما في بلدان المنظمة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وآسيا.

وفي عام 2014، كان متوسط ​​عدد العاطلين عن العمل في بلدان المنظمة 7.6% مقابل 5.1% في بلدان نامية أخرى. أما بالنسبة للشباب فالصورة أسوأ، حيث أن حوالي 15.6% منهم في المتوسط ​​عاطلون عن العمل في دول المنظمة مقابل 10.9% في بلدان نامية أخرى.

هذه الأرقام ليست مفاجئة نظرًا لأن دول المنظمة لا تساهم إلا بنسبة 11.2% من إجمالي الناتج المحلي العالمي، على الرغم من أنها تمثل ما يقرب من ربع سكان العالم.

ومن بين المبادرات التي اعتمدتها دول المنظمة في إطار برنامج العمل العشري الجديد تعزيز مناطق التجارة الحرة الإسلامية الإقليمية بما يشمل تنفیذ نظام الأفضليات التجارية للمنظمة لتسھیل الاستثمارات الإسلامية البینیة، بما في ذلك تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من القطاعين العام والخاص.

توجد إمكانات هائلة غير مستغلة في قطاع التمويل الإسلامي.

وقد ازدادت التجارة الإسلامية البينية خلال العقد الماضي، ولكنها زيادة دون المتوقع فقد كانت 15% من إجمالي تجارة المنظمة في عام 2005 ونمت في عام 2013 لتصبح 18.7% -وبالتالي يظل نطاق النمو هائلاً.

كما توجد إمكانات هائلة غير مستغلة في قطاع التمويل الإسلامي، فعلى الرغم من أن مجموع التمويل الإسلامي يزيد عن 2 تريليون دولار أمريكي، فلا يزال يشكل جزءًا صغيرًا للغاية من النظام المالي العالمي. ومع ذلك فقد استمر في النمو دون انقطاع بمتوسط 20 % سنويًا، حتى في ظل الاضطرابات المستمرة في الأسواق المالية العالمية.

الفقر المدقع

وبالإضافة إلى الجهود الرامية إلى زيادة التجارة والنمو بشكل مباشر، وافقت الدول الأعضاء في المنظمة على تنفيذ نظم حماية اجتماعية ملائم على الصعيد الوطني للفقراء والضعفاء بحلول عام 2025 مقرونة بحلول جديدة للتمويل متناهي الصغر على المستوى الوطني لتمويل المشاريع الصغيرة وتحفيز خلق فرص العمل.

وبحلول عام 2025، تهدف المنظمة إلى الحد من الفقر المدقع، الذي يعرف بأنه العيش على أقل من 1.25 دولار في اليوم، بمقدار الثلثين في جميع أنحاء العالم الإسلامي.

وفي السياق نفسه، نسعى إلى تعزيز ثقافة حماية العمال من خلال إنشاء مركز عمل للمنظمة في باكو، أذربيجان يعمل مع الحكومات الوطنية في جميع أنحاء العالم الإسلامي للتوعية بالحاجة إلى توفير ظروف عمل لائقة، وأجور معقولة، ووقت عمل عادل، وسلامة مهنية مستدامة، من بين أمور أخرى.

الصحة والتعليم

وثمة هدفان من أهم أهداف برنامج العمل 2025 يتعلقان بالتعليم والصحة فقد اتفقت الدول الأعضاء في المنظمة على هدف توفير فرص حصول جميع النساء والرجال على تعليم عالي الجودة بأسعار معقولة وصولاً إلى المستوى الجامعي.

وتتمثل إحدى الطرق التي ستدعم بها المنظمة الحكومات الوطنية في هذا المسعى في توسيع برنامج المنظمة للتبادل الأكاديمي لتوفير عدد أكبر من المنح الدراسية الجامعية في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والهندسة والطب والعلوم.

وافقت الدول الأعضاء على تعزيز المساواة في الحصول على الرعاية الصحية، مع التركيز على تحسين حرية الحصول على الخدمات الصحية الأولية من أجل بلوغ الهدف النهائي المتمثل في توفير التغطية الصحية الشاملة للجميع.

كما ستكلف المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي بتعزيز عمليات أكثر صرامة لضمان الجودة والاعتماد في التعليم العالي.

وفيما يتعلق بالصحة، وافقت الدول الأعضاء على تعزيز المساواة في الحصول على الرعاية الصحية، مع التركيز على تحسين حرية الحصول على الخدمات الصحية الأولية من أجل بلوغ الهدف النهائي المتمثل في توفير التغطية الصحية الشاملة للجميع. وبالإضافة إلى التوقع المتمثل في دعم الحكومات الوطنية لذلك من خلال مواردها الخاصة، تأمل المنظمة في تعزيز ذلك ببرامج تبادل المعارف الجديدة بين الدول الأعضاء.

وستعمل وكالات المنظمة، بما في ذلك الأمانة العامة، والبنك الإسلامي للتنمية، ومركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب (مركز أنقرة) مع منظمة الصحة العالمية والصندوق العالمي لمساعدة الدول الأعضاء على وضع سياسات وطنية للتغطية الصحية الشاملة. وينبغي أن يشمل ذلك تحسين تحصين الرضع والنساء في سن الإنجاب.

البيئة

وهناك أيضا حاجة ماسة إلى سياسات استباقية بشأن المياه والغذاء والبيئة. فالعديد من بلدان المنظمة معرضة بشكل خاص لندرة المياه بسبب الآثار الإقليمية لتغير المناخ، مما يؤدي بدوره إلى تقويض الإنتاج الزراعي.

وقد اعتمدت المنظمة في عام 2012 “رؤيتها المائية” لتحديد الفرص المتاحة للدول الأعضاء للتعاون في شأن الإنتاج المستدام وتقاسم المياه. وبموجب برنامج العمل 2025، ستنظم المنظمة مؤتمرًا إسلاميًا لوزراء البيئة كل سنتين للإشراف على التقدم المحدد في تنفيذ الرؤية، فضلاً عن تحقيق تقدم أوسع نطاقًا في أهداف الدول الأعضاء لتخفيف آثار تغير المناخ.

وسيشمل ذلك بذل المزيد من الجهود للانتقال نحو “الاقتصاد الأخضر” بحلول عام 2030. وفي عام 2015، كلفت المنظمة جامعة ماليزيا للتكنولوجيا بإكمال “مخطط التكنولوجيا الخضراء” للدول الأعضاء لدعم الانتقال منخفض الكربون، وهو المخطط الذي وافقت الدول الاعضاء في المنظمة على تنفيذه بموجب البرنامج العشري الجديد.

أهدافنا الجديدة في إطار برنامج عمل 2025 هي بلا شك طموحة، ولكننا مصممون على تحقيقها.

كما وافقت الدول الأعضاء في المنظمة على تخصيص 6% من ميزانياتها الوطنية للتنمية الزراعية المحلية وبرامج الأمن الغذائي لتحقيق هدف رئيسي يتمثل في زيادة الإنتاجية الزراعية وربحية النظم الزراعية، على أساس التنويع الزراعي، وحفظ المياه، والاستخدام الأكفأ للأراضي. كما سيشمل هذا زيادة الدعم المقدم إلى صغار المزارعين لزيادة فرص حصولهم على الأراضي والموارد المائية ورأس المال.

إن أهدافنا الجديدة في إطار برنامج عمل 2025 هي بلا شك طموحة، ولكننا مصممون على تحقيقها. سوف نعمل على مدى السنوات العشر القادمة بشكل وثيق مع دولنا الأعضاء للإشراف على تنفيذ هذه الأهداف من خلال سياسات وطنية محددة.

وإذا فشلنا في هذا المسعى، فلا شك في أن مستقبل العالم الإسلامي يبدو قاتمًا. ولكن إذا نجحنا، نأمل أن يمهد نجاحنا الطريق لنهضة حقيقية تجعل هذه المناطق أرضًا حقيقة ومستدامة للفرص.

مها عقيل، مديرة قسم الإعلام في منظمة التعاون الإسلامي، ثاني أكبر منظمة حكومية في العالم بعد الأمم المتحدة وتضم في عضويتها 57 دولة عضوًا. وهي كاتبة وصحافية سابقة.

Facebook Comments

Post a comment