من سيحكم ليبيا؟

هل يمكن لمؤيدي القذَّافي العودة إلى مركز الصدارة في ليبيا؟!

يبدو أن هناك من يؤمن حقاً بذلك.

بقلم جنة لوبراس
خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

حاول أنصار مُعمّرالقذّافي لسنواتٍ عديدة تنظيم أنفسهم سِرّاً؛ لاكتساب الثِقْة مرةً أخرى على الساحة السياسية في ليبيا. وبعد أنباء الإفراج عن سيف الإسلام، صاروا مقتنعين أن عودتهم وشيكة ولا مفر منها.

كان ذلك في يونيو/ حزيران الماضي في ضواحي القاهرة.

فندق فاخر، وموسيقى تصدح في مكانٍ ما، وعصائر طازجة تُوَزّع، واجتماع غير رسمي لشخصيات من النظام السابق، والجيش، ومؤيدين لمعمر القذَّافي ممن وجدوا أنفسهم في المنفى.

يقول أحد المعارف المقربين من أقوى رجل في ليبيا سابقاً، والابتسامة على وجهه: “نحن نحتفل كما ينبغي لنا الاحتفال”.

ففي التاسع من يونيو/ حزيران، أَيْ الاجتماع ذلك بيومين، أصدر اللواء أبو بكر الصادق، وهو اللواء الذي كان يحتجز إبن القذَّافي المسجون منذ 2011، بياناً زعم فيه أنهم قد “أطلقوا سراح سيف الإسلام القذّافي وفقاً لقانون العفو الجديد”.

وهذا عفوٌ من حكومة ليبيا الشرقية برئاسة اللواء خليفة حفتر، المنافس لحكومة الاتفاق الوطني.

ابتهج مؤيدوه (القذّافي)، ولكن الإفراج الذي طال انتظاره لم يكن حقيقيّاً.

وبناءً على أقوال أقاربه، فإن سيف الإسلام، وباعتراف الجميع، قد تم إرساله إلى مدينة زنتان، إحدى أكبر مدن الشمال الغربي في ليبيا، وتقع جنوب غربيِّ طرابلس العاصمة.

ولكنه أصبح حُرّاً منذ العام 2015، حيث تزوج مرةً أخرى ورُزِق بطفلة في أوائل العام 2016.

يقول أحمد قذّاف الدم، وهو جنرال سابق في الجيش الليبي وابن عم القذّافي: “اجتمعنا كلنا لنحتفل ليس بإطلاق سراحه، لكن بحقيقة أن الفرصة من الناحية الأمنية باتت متاحة له ليغادر المدينة”.

وبعد الأنباء الزائفة عن إطلاق سراح سيف الإسلام، أعرب العديد من مؤيدي النظام السابق، الذين كانوا حتى ذلك الوقت منقسمين على شرعية ابن القذّافي، عن تأييدهم له بالرغم من ذلك.

سيف الإسلام القذّافي في أثناء محاكمته وقبيل اختفائه.

وكان “القذّافيون” قد انقسموا على مدار السنوات الست الماضية إلى ثلاث مجموعات مختلفة، كل مجموعة منهم تتهم الأخرى بخيانة البلاد.

فهناك مؤيدو سيف الإسلام الذين يرونه وسيطاً بين السلطة السابقة وطموح الانفتاح الاقتصادي للشعب الليبي.

وهناك الانتهازيون الداعمين للواء خليفة حفتر.

وهناك أيضاً الجماعات المتطرفة التي تسعى لاستعادة الجماهيرية الليبية (اسم الدولة التي أنشأها القذّافي بعد الإطاحة بمملكة ليبيا في العام 1969).

لكنهم الآن جميعاً يقولون إن كل التوترات قد أصبحت من الماضي: “نَسِي الجميع الصراعات؛ فقد سوَّى سيف (الإسلام) النزاع بينهم”.

الصمت الذي أثار التساؤلات

وعلى الرغم من مرور أربعة أشهر على إطلاق سراحه الرسمي، لم يُعطِ سيف الإسلام بعد أيَّ إشارة حياة، فلم يتحدث إلى الصحافة، أو يُصدِر أي بيانات.

كما ولم يظهر على الملأ، أو ينقل أي رسائل لمؤيديه.

أثار هذا الصمت الملحوظ التكهنات حتى قال البعض إنه “مات قبل عدة سنوات”. وهذه هي الشائعة التي انتشرت أكثر فأكثر، وفرضها الواقع.

تقول ماتيَّا توالدو، متخصصة في الشؤون الليبية في المجلس الأوروبي للشؤون الدولية: “لم يستطع أي مراقب مستقل أن يلتقي به منذ العام 2014”.

وأكد سلوك التعتيم المقصود للمتعاطفين معه الشكَّ الذي عبَّر عنه العديد من المراقبين، وهذا السلوك يتضح في بَثِّهم مقاطع فيديو قديمةً له؛ مُدَّعِين أنها مقاطع حديثة؛ لكن يُصِرُّ أقرباؤه أن هذه “شائعات”.

وفي تصريح تردَّد عن عدة مصادر مقربة وعن متخصصين مندمجين جيداً في ليبيا: “لقد تحدث إلينا، وهو في صحة جيدة وفي مكان سريٍّ. سوف يتحدث سيف عند الوفاء بالمتطلبات”. يقول دبلوماسيٌّ سابقٌ: “إنه حي. هو فقط يختبئ”.

ولكن ما هي تلك “المتطلبات” المزعومة لعودته؟

يرتبط صمت سيف الإسلام -إن ثبُت أنه على قيد الحياة- بقضايا أمنية.

يقول مصطفى فيتوري، وهو باحث ليبي ومحلل إستراتيجي: “إن نشوب أي حِراك من شأنه أن يزعزع الوضع الأمني في البلاد، خاصةً في المنطقة الموجود فيها (سيف الإسلام). إنه ما يزال مطلوباً من بعض أعدائه في ليبيا، وما زالت هناك مذكرة صادرة ضده عن محكمة العدل الدولية”.

لكن لهذا الصمت معنى آخر؛ فسيف الإسلام يتمتع بأهمية إستراتيجية.

فمنذ العام 2011، استعملت عائلة القذافي الفطنة. وهي تستخدم محادثاتها كوسيلة ضغط على المفاوضات لإطلاق سراح السجناء. فعائشة أخت سيف الإسلام، المنفية في عُمَان، ترفض على سبيل المثال أن تتحدث إلى أي شخص ما دام أخوها محتجزاً.

وعليه، فإن بقاء ابن الزعيم السابق مختفياً، قد يرجع إلى وجود مفاوضاتٍ من أجل إطلاق سراح شخصيات بعينها من نظام القذّافي السابق: من بينهم عبد الله السنوسي، وأحمد إبراهيم، ومنصور ضو، وبغدادي محمودي؛ وغيرهم.

ويقول مصدر ليبيٌّ مطلع، لم يرغب في الكشف عن هويته: “يقوم سيف الإسلام في الواقع بالمفاوضات لإطلاق سراح بعض الموظفين الكبار. وتسير هذه المفاوضات بشكل جيد جدّاً”.

ويضيف أن “بعضهم كان على وشك إطلاق سراحه قبل بضعة أيام، لكن تم تأجيل القرار في آخر لحظة”.

عائشة القذّافي، إبنة معمّر القذّافي التي تعيش في المنفى حالياً.

ويرى بعض المراقبين المستقلين أن هذه المعلومة معقولة.

تقول توالدو: “هذا له معنى كبير. فقد حصلت مفاوضات مثل هذه من قبل، وما زالت العائلة (القذافي) تتحكم في الكثير من المال، وما زالت قادرة على التفاوض ودفع الفدية”.

وأكدت معلومة دلالية أخرى أن المحادثات قد تكون قائمة بالفعل؛ فقد تحسَّنت أوضاع احتجاز كل من عبد الله السنوسي -رئيس المخابرات السابق في نظام القذّافي- وبغدادي محمودي -سكرتير سابق للجنة الشعبية العامة، وهو منصب موازٍ لمنصب رئيس الوزراء في حكم الجماهيرية الليبية- فقد تم نقلهم مؤخراً إلى سجن آخر في طرابلس، حيث يمكنهم استقبال الزوّار ومشاهدة التلفزيون والاطلاع على الجرائد.

ووفقاً للمصدر نفسه: “ما زالوا في السجن، ولكنهم يعيشون حياة مريحة. ويبدو أن إطلاق سراحهم وشيك”.

وعلى الرغم من ذلك، يعتقد البعض، ممن هم خارج دائرة القذّافيين، أنه مهما كانت هذه المحادثات السرية فاضحةً ومخزيةً، فإن سيف الإسلام قد يكون متردداً، وليس بالضرورة مستعدّاً للعودة إلى المشهد السياسي الليبي.

فليس هناك أي معلومة عن صحته الجسدية والعقلية منذ إطلاق سراحه بعد عدة سنوات قضاها في السجن، فيما الصور القليلة التي رشحت من ليبيا عنه منذ اعتقاله أول مرة تُظهر وبوضوح أنه كان مُصاباً ويفتقد لأحد أصابع يديه، والتي يؤمن كثيرون بأن ذلك الأصبع الذي استعمله سيف الإسلام خلال خطاباته في بداية الفوضى لتهديد الملحين، قد تم بتره قصداً.

وليس هناك ما يشير إلى الآن أنه يرغب في تحمل مثل هذه المسؤوليات.

وتتساءل توالدو: “ما الذي نعرفه عن مهاراته للقيام بدور القيادة بعد 4 سنوات على الأقل من الأسر؟ ما الضمانات التي نملكها عن سلامة عقله وعن تجاوزه لصدمة أحداث 2011؟”

اللواء خليفة حفتر… الرقم الصعب في المعادلة الليبية.

التسلل السياسي

يقول طاهر دهش، أحد أركان نظام القذّافي، ورئيس اللجنة الثورية الدولية (ICR) حاليّاً: “لن يُعطى (سيف الإسلام) أي خيار”.

وقامت المجموعة التي كانت تمثل الجزء الأكثر حيوية في أيدولوجية القذّافي بتجميع مؤيدي القائد.

وخطط أعضاؤها سرّاً منذ العام 2012 لعودة النظام القديم، وادعت أنها تضم نحو 30,000 عضوٍ ناشطٍ مقسمين إلى وحدات. ويشرح دهش: “تتضمن هذه المجموعة الشيوخ الذين ظلّوا مخلصين للقذّافي، واللجان الثورية، والخلايا الخفية. ومعظمهم من سكان القبائل”.

ومن القبائل التي تقف إلى جانبهم داخل ليبيا: وارشفانا، ووارفلّا، وطاحونة، والعوفية، وثوارجاس؛ ويُعتقد بأن لديها حوالي 400,000 من الحشود السرية.

وفي سبتمبر من العام 2015، اختار المجلس الأعلى للقبائل الليبية (CST)، الذي جمع القبائل التي ما زالت تُدين بالولاء للقذافي برئاسة علي قانا، الرئيس السابق للجيش الجنوبي، سيف الإسلام كممثل شرعيٍّ للبلاد.

وليس للمجلس وزن تأسيسي حقيقي، لكن له قوة رمزية قوية وتأثير كبير على سكان مناطق واسعة خاصةً منطقتي فيزان وتريبوليتانيا.

أما خارج ليبيا، فهناك جماعة الناشطون الخُضْر -تيمناً بلون الكتاب الأخضر الذي كتبه القذّافي ليعرض فيه فلسفته السياسية- والتي تدّعي أن لديها ما بين 15,000 و20,000 مؤيّد، وهم جاهزون للعودة بمجرد أن تلوح في الأفق أدنى بادرة إيجابية.

وبالإضافة إلى ذلك، من المفترض أن كتيبةً مكونةً من عدة آلاف من الرجال قد تم تجنيدها وتدريبها للتأكد من أن الجماعة سيكون لديها جيش مؤهل ومستعد لاستعادة السلطة في الوقت المناسب. ويقول أحمد قذّاف الدم في معلومة أخرى إن الحركة لديها الآن حواي 70,000 رجل مستعدين للخروج في أي لحظة.

وفي حين أن هذا الرقم يبدو مُبالغاً فيه بلا شك، فإن أرقاماً مماثلةً قد ذُكِرت على لسان زعيم قبيلة مهم سابق في المنفى، والذي ادّعى أنه كان مسؤولاً عن إقناع المجندين الجُدد.

واستُدعِي رقم أقل مِن 15,000 شخصٍ، متمركزين في تونس ومصر، لكن كل من توجهنا لهم بالسؤال رفض التحدث عنهم أو إعطاء أية معلومات إضافية.

وبعد ثلاثة أعوامٍ من البحث، ما زلنا غير قادرين على رؤية هذه المعسكرات التدريبية أو مقابلة الجنود المشتركين فيها.

ومع ذلك، فإن وجود هذه الكتائب مؤكدٌ من بعض المتخصصين الذين يَطأون أرض الواقع بانتظام.

تقول كلوديا غازيني، المحللة في مجموعة الأزمات الدولية في ليبيا: “إن وجود المراكز التدريبية للقذّافيون مثبت، خاصةً في منطقة ديرنه. كما أنهم يتدربون أيضاً في مصر، وبعضهم عاد بالفعل إلى ليبيا”.

وتضيف غازيني: “هؤلاء الجنود اشتركوا على سبيل المثال في معركة سرت قبل إعادة توجيههم إلى الهلال النفطي (الذي استولت عليه قوات الجنرال حفتر”.

صورة أرشيفية تعود للعام 2012 لإمرأة ليبية تمرّ أمام جدارية للمعارضة تتهم فيها القذّافي وعائلته بالفساد.

أنصار القذّافي منبوذون؟

هذا أقل مما يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى.

فهم يدَّعون من واقع خبرتهم أنهم قادرون على أن ينخرطوا ويكونوا موجودين في كل الأطراف/الأحزاب في ليبيا.

وإذا كان الوجود القذّافي معروفاً جيداً في غرب وجنوب البلاد، فإن هذا التسلل يعمل خاصةً في الجانب الشرقيّ داخل قوات خليفة حفتر.

أما داخليّاً، فإن أنصار القذّافي غامضون في رؤيتهم عن الدعم والشرعية التي يعترفون بها لهذا اللواء (حفتر) المثير للجدل.

ففي حين يرفضه البعض تماماً كقائد محتمل، يدرك البعض الآخر الحاجة إلى التروِّي بشأن شخصية تزداد احتراماً وتقديراً.

وعلى الرغم من ذلك، لا يُقدم مؤيدو القذّافي دعمهم له علناً وبصورة رسمية.

وعُرف حفتر في البداية وقبل أن يصبح المنافس الشهير لحكومة الاتفاق الوطني، والذي استولى على الشرق بالقوة في العام 2015، بكونه رفيقاً لجيوش القذّافي في الستينات، ثم انشقَّ عنه، وحاول القيام بعدة انقلابات.

ويناصره اليوم عدد قليل من شخصيات القذّافي، لكن أغلبهم لم يغفروا له.

ويدرك حفتر أن هذا الاستياء ينتشر على نطاق واسع بين مؤيدي القذّافي، ويعمل على معالجته.

ويتفق معظم المحللين في الوقت الحالي أن مصير سيف الإسلام السياسي والقضائي ليس مستقلّاً عن مناورات حفتر.

إذ يحاول اللواء جاهداً إعادة توحيد تحالفه مع شبكات القذّافي لتقوية موقفه.

واعتمد برلمان طبرق في ربيع العام 2016 قانون عفوٍ كان من المفترض أن يستفيد منه سيف الإسلام.

وأعطى حفتر إشارةً إضافيةً في الآونة الأخيرة لفتح باب العودة لآلاف المؤيدين القدامى للقذّافي إلى ليبيا، وتعيين مبروك سهبان -وهو واحدٌ من أكثر القادة ولاءً ووضوحاً في حكم القذّافي- رئيساً لمركز العمليات الملحق بسرت لمحاربة مجموعات متمردة مختلفة في ليبيا بما في ذلك مصراته.

تقول توالدو: “إن المكان الذي سيحصل فيه مؤيدو القذّافي على قوة أكبر قد يكون في التحالف لمقاومة حكومة الاتفاق الوطني لحفتر، وهم يعلمون ذلك. وهذا التحالف قد يكون تحالفاً للراحة”. وهي أيضاً مقتنعة أنه من غير المحتمل أن يحدث المزيد من التعاون السياسي مع الوقت؛ فالموضوع حسَّاس وتختلف فيه الآراء بين الصفوف.

وبينما يعتقد البعض بضرورة توقيع اتفاقيات عسكرية وسياسية بين سيف الإسلام وحفتر، يرى البعض الآخر أنه من الأفضل استمرار التسلل داخل قوات حفتر ما دام حفتر يحقق المزيد من النجاح، والوصول إلى نتائج عكسية عندما يكون ذلك ممكناً.

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في صورة أرشيفية شهيرة عند تمزيقه ميثاق الأمم المتحدة في أثناء خطابٍ له أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك رفض فيه فساد المنظمة والتبعية للغرب.

يقول جليل حرشاوي، وهو باحث في جامعة “باريس 8” ومتخصص في التأثير الدولي للأزمة الليبية: “إن تصدُّع البلاد مشكلة حقيقية؛ فحفتر يريد أن يسيطر تدريجيّاً على كل البلاد. لذا، فهو مستعدٌّ -كمحاولة لإيجاد عنصر توحيد- أن يعطي أهمية لشخصيات قد تتحول في الغد ضده. وعلى الجانب الآخر، يعلم القذّافيون جيداً أن لديهم القدرة على زيادة الرهانات واللعب بها. ولا تستطيع أي من حكومتي السلطة إلى الآن أن تسيطر على الجنوب دون دعم القبائل. ويعتبر الجانب الموالي للقذّافي هو القوة الوحيدة القادرة على فعل ذلك، بينما تحتاج قوات حفتر لبعض المساعدة”.

وكشف مصدر ليبي مطلع لم يرغب في الكشف عن هويته أن بعض الشخصيات الكبيرة للنظام السابق، والتي لا تزال في السجن، ما زالت تشكل أركان حقيقية لخدمات المخابرات الليبية لكلا الجانبين.

يقول المصدر: “بعض القذّافيون المحتجزون، مع جبهة عبد الله السنوسي، يتعاونون مع خدمات المخابرات في الحرب ضد الإرهاب. وتشتهر الرتب العليا السابقة بتقنيات الاستجواب الخاصة بها، ومن ثم يقومون بانتظام باستجواب مسلحي الجماعات المتطرفة، بمن فيهم أسرى داعش في ليبيا؛ فهم يقومون بالاستجواب، وفي المقابل يستفيدون من ظروف الاحتجاز المريحة”.

ويشير إلى أنه قد يتم استخدام تأثير منصور الضو، قائد الأمن في حكم القذّافي، أيضاً لتسوية الصراعات المحلية في الجنوب.

الدعاية الدولية

لكن بما أن الأراضي الليبية متوترة جدّاً ومُقسَّمة وقوتها ما زالت مشتتة، فقد بدأ القذّافيون بنشر قوتهم وشرعيتهم خارج الحدود؛ ليس فقط عبر الطريق المؤدي إلى البلدان المجاورة، ولكن أيضاً إلى أوروبا وأفريقيا، وعلى طول الطريق إلى روسيا.

ويستخدمون شبكات غير رسمية من السياسيين الذين كانوا مقربين من القذّافي، والمؤيدين الأثرياء الموجودين في دول الخليج لتمويل أعمالهم وقد أنشأوا العديد من القنوات الإعلامية لنشر دعايتهم الخاصَّة.

وتقوم قنوات مثل غرين تي في، الجماهيرية تي في، ليبيا اليوم، ليبيا 24 أو ماثابا -أحدث القنوات التي تم إطلاقها- ببثِّ محتويات مشابهة لما يعتقده البعض أنه محاولة لجذب الآخرين عن طريق نشر نسختهم الخاصة من ثورة العام 2011.

وكان الهدف الأساسي هو إقناع الناس أنه قد تم التلاعب بها، وأنها استخدمت لمصلحة عليا بهدف إضفاء الشرعية على التدخل الأجنبي ومحاولة رفع الشعور المضاد للثورة بين الناس.

يقول أسامة إبراهيم، رئيس ليبيا 24 ومقرها لندن: “نبثُّ بشكل رئيسي لليبيا، وللشعب الليبي الذي يراقبنا من كل أنحاء العالم. نحاول أن نكون حيادين، ولكن بالطبع ندعم النظام السابق في عدة أمور. يلوم الناس النظام السابق، ولكنهم لا يملكون المعرفة الكافية؛ لذا نحاول أن نُعد التقارير لتقديم تفسير موجز لما يجري. ونحاول أن نجعل الناس على وعي بما يحدث ومتفهمين لحقيقة أن ذلك كان نوع من المؤامرة ضد ليبيا”.

وتمت تغذية هذه القنوات بالعديد من المواد الأرشيفية عن مجد القائد السابق، ولكن كان هناك أيضاً صور التقطت على أرض الواقع أرسلها “المراسلون”.

ولكن من أكثر الأمور التي اعتبرها الناشطون الخضر مَدعاةً للفخر “فتح جبهة جديدة في غرب أفريقيا”؛.

فهم يحاولون اجتياح 16 دولة، على أمل إنعاش الحنين إلى الوطن داخل الشعب الذي نَعُم في خير القذّافي في أثناء حكمه للبلاد.

يقول فرانك بوتشيارلي، المتحدث الفرنسي للجنة الثورية الدولية (IRC): “ما زال الناس هناك يطلقون عليه لقب “بابا”.

ويتمثل هدفهم في إظهار الشرعية القوية التي لا يزال يتمتع بها القذّافي للقادة الغربيين.

لقد قدّم الكثير لهذه الدول، وما زالت صورته قوية.

وهناك أيضاً أرض خصبة لنا في أفريقيا لشجب ممارسات المحكمة الجنائية الدولية (والتي تقاضي حاليّاً سيف الإسلام عن جرائم ضد الإنسانية)”.

سيف الإسلام في صورة أرشيفية عند القبض عليه وتبدو يده بأصابع مبتورة.

وما زالت هذه الشبكة ناشئة حتى الآن، ويتضح ذلك من خروج تجمعات صغيرة.

وهي لا تحشد عدداً كبيراً من الأشخاص، بضع عشرات فقط، لكنها “في زيادة مستمرة”.

وهذا ما يحاول المنسق الإقليمي لغرب أفريقيا أوسكار زومينو الموجود في بنين إقناعنا به.

يقول: “لا أستطيع أن أقول كم يبلغ عددنا، ولكن الدعم كبير؛ فنحن نتلقَّى طلبات عضوية كل يوم”.

يصعب تصديق هذا البيان؛ لأنه لا يوجد من بين الفروع تلك من يستطيع تقديم أرقام حقيقية لعدد المتعاطفين.

ومن المعتقد أنهم مجرد مئات قليلة من المؤيدين النشطين في الكاميرون وبنين، وحوالي 100 في السنغال أو في تشاد. وهي أرقام لا تشكل أهمية.

وبالرغم من قلة عدد المؤيدين هناك، فإنهم مقتنعون بأن عودة الجماهيرية لا ريب فيها وليبيا في طريقها لتحقيق ذلك، وأن فائدة هذا الأمر ستعم على جميع الأفارقة.

تقول ماليجا بولين، المسؤولة عن فرع الكاميرون: “لأنني لست ليبية، فأنا أشارك في هذه المعركة لأني أفريقية ومهتمة بالثقافة الإفريقية الشاملة. ليبيا هي قلب أفريقيا”.

وبالنسبة لها, فإن “تحرير سيف الإسلام كان بالنسبة لنا جميعاً فرحةً عارمةً؛ فهو أكثر الأشخاص شرعية، ومحل ثقة كل الشعوب الأفريقية التي تريده قائداً جديداً للجماهيرية”.

وتؤكد بولين أنه “لن يخيب أمل الأفارقة، وأنا أرفض تصديق ذلك. سوف يتبع خطوات القذّافي وسيحرر أفريقيا من البربرية الاستعمارية”.

وملأت العبارات نفسها شبكات التواصل الاجتماعي المخصصة لهذه الجماعات، حيث تُكتب العديد من كلمات الولاء للقائد والعديد من كلمات الهجوم المباشر للدبلوماسيين الغربيين.

لم يأخذ معظم المراقبين والدبلوماسيين الغربيين هذه الاستراتيجية بين مؤيدي القذّافي على محمل الجد.

فقد كان حكمهم عليهم “أشخاص غير جديرين بالثقة”.

ومع ذلك، ألقى خبير على دراية بالموضوع بظلال رأيه: “قرون الاستشعار الأفريقية هذه موجودة منذ وقت طويل؛ فقد وضع القذّافي الكثير من المال في أفريقيا، وما زال لديه الكثير من الشبكات. وليس من الصعب إعادة تنشيطهم”.

ومع ذلك، فإن “استعادة السلطة لا يمكن أن تعتمد فقط على شبكات أفريقيا”.

ويضيف: “لقد استخدموا كل الطرق لتحقيق غايتهم، ولديهم تأثير معين أكثر اعتدالاً بكثير مما يقولون”.

سيف الإسلام القذّافي الذي يرى فيه بعض الليبيين صورة لقائدئهم القادم. وهو مختفٍ عن الأنظار منذ عامين تقريباً.

تخفيف الخناق

الحنين إلى الوطن هو رصيد تجارة القذّافيين الذين أسعدهم الفشل المتكرر للسلطات المختلفة التي تولّت حكم البلاد منذ 2011. وهي هزيمة كبيرة اعترفوا أنهم تورطوا فيها، مُدَّعين مسؤوليتهم عن بعض التخريبات وزعزعة الاستقرار المحليّ. وتساعدهم الفوضى الليبية التي يحكمونها ويحكمون عليها على استعادة الدعم الأخير من الأشخاص الذين كانوا يدعمون الثورة، ولكن يندمون الآن على الحياة الهادئة التي كانوا ينعمون بها في حكم العقيد رغم قساوته.

يقول حرشاوي: “دون المبالغة وتعظيم الأمور، لا شك أن حركة القذّافي الآن أكثر أهمية مما كانت عليه قبل عام أو عامين. لقد تعب الليبيون من الحرب الأهلية، خصوصاً الرفض المزمن لمَن يرونهم النخبة منهم للوصول إلى أدنى تسوية ممكنة. وفي هذا السياق، تبدو الشخصيات المألوفة قبل عام 2011 مثل سيف الإسلام جذّابة مرة أخرى؛ لأن “الرؤساء الجدد” الذين سيطروا على المشهد السياسي منذ أكتوبر 2011 لم يتمكنوا من تقديم طريقة مقبولة للحكم أو للحياة الاقتصادية”.

ومع ذلك، إذا ازداد عدد الأشخاص الذين أدركوا أن الإطاحة بالقذّافي كان خطأ، فما زال من الصعب التعهد بصورة واضحة بالولاء للعلم الأخضر، بعكس ما يقوله المؤيدون.

إن منظر المدينة الصاخبة مدهش من الطابق السادس من مبنى متهالك في ضواحي القاهرة.

يضع أحمد يديه في جيبي بدلته الزرقاء متأملاً المنظر الطبيعي، ويقول: “لا تقولي شيئاً عني، ولا أين أعيش، ولا من أين أتيت، ولا ماذا فعلت. هذا الاجتماع الوحيد قد يعرضني للخطر، لكن بالأخص عائلتي الذين ظلّوا هناك. إن عرفوا أني على قيد الحياة، فسوف يهاجمونهم”. كان أحمد رجل أعمال يعمل في صناعة النفط لحساب النظام ومُقرَّباً من القذّافي، وأصبح جزءاً من كتيبة خميس –قوات الجيش الليبي التي ظلت موالية للنظام في العام 2011– عندما بدأت الثورة، وحارب حتى سبتمبر 2011 قبل فراره إلى مصر.

“اليوم لا يمكنني العودة. صحيح أن الوضع بدأ في التحسن، ويعيش بعضهم حياة طبيعية تقريباً؛ فقد خفَّ الخناق، لكننا ما زلنا في خطر. نحن لسنا خائفين من السلطات إن كان هناك أي شيء، بل نحن خائفون من المليشيات”.

وقد قام كغيره من المؤيدين للقذّافي في المنفى بإرسال تسجيلات فيديو لمسيرات ضخمة بعد أنباء الإفراج عن سيف الإسلام، وحشود قام المؤيدون بتصويرها من أرض الواقع، والتي شاركوها بحماس ونشروها على شبكات التواصل الاجتماعي وقنواتهم الإعلامية. وكان الرجال يُلوِّحون بالأعلام ويرتدون عمامات خضراء ويهتفون “القذّافي! القذّافي!” دعماً لسيف الإسلام! في غات، صبراتا، أوباري أو بني وليد. وهي مناطق ملتزمة تقليديّاً بولائها للعقيد، لكن كان مؤيدوها حتى وقت قريب خائفين من الانتقام.

ويشيد عبد الباسط بحماس بتصرّف المؤيدين.

وقد وجد الرجل القصير ذو الارتباطات المتشعبة واللهجة الليبية القوية، المنفى المناسب في مصر، ولكنه احتفظ بعلاقات قوية جدّاً مع مؤيدي النظام السابق داخل البلاد.

وقد كان أحد سماسرة مشروع سيف الإسلام السياسي قبل العام 2011؛ فقد كان أحد مستشاريه الإعلاميين ومتحدثيه، وأحد الأشخاص الذين لم يفارقوه حتى آخر لحظة قبل القبض عليه في أثناء هروبه من طرابلس في 19 نوفمبر 2011. ويتذكر قائلاً: “أتذكر قبل ذلك بأيام قلائل حين جمعنا سيف الإسلام وأخبرنا أننا بحاجة للتفكير بحلٍّ عاجلٍ لليبيا؛ فطرابلس على وشك الانهيار”.

يقول عبد الباسط: “كان سيف هو الخلف الثابت الظاهر طيلة ذلك الوقت، مستعدّاً لدخول لعبة التحول الديمقراطي والاستيلاء على الحكم من والده “ولم يتصور أنه قد يُعتقَل”، بل كان يظن أنه لا يمكن المساس به أبداً. لقد كان سيف محترماً لفترة طويلة، وخاصةً من القوى الأجنبية، وكان يعتمد على ذلك”. أما اليوم، فقد أسقطته الدبلوماسيات الأجنبية، ويقول كثير من الدبلوماسيين إنهم لا يقدمون ضمانة لمؤيدي القذّافي بعد الآن. ويؤكد أحدهم وهو قلق من إمكانية حدوث أمر ما: “إنهم غامضون، وقد يصبحون مصدر خطر إذا نجحوا في العودة”. ويحذّر عبد الباسط قائلاً: “يفرض المجتمع الدولي انسحابه، ولكن إن أرادت الأمة عودته، فلن يستطيع أحدٌ منعها”.

صحيح أن فرصة رجوع النظام ضئيلة جدّاً، ولكن المراقبين لا يرفضونها على أرض الواقع تماماً.

يقول فيتوري: “لقد طُويت صفحة كبار الموظفين بكل تأكيد، فلن يتمكنوا من العودة إلى مركز الصدارة قبل عدة سنوات. ولكن، على الرغم من ذلك، إن تمكن المؤيدون المنتظمون من تنظيم أنفسهم، فقد يتمكنون من فعل شيء؛ فما زال الدعم المحلي الداخلي كبيراً، ويحتاجون فقط إلى إعادة تنشيطهم باقتراح سياسي قوي. إن أُجريت انتخابات مع وجود شخصية مثل سيف الإسلام، فقد يتمكنون من الفوز”.

هل يمكن لمؤيدي القذَّافي العودة إلى مركز الصدارة في ليبيا؟!

وقال الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا غسان سلامة قبل بضعة أيام إن العملية السياسية لا بد أن تكون “مفتوحة للجميع، بما في ذلك المؤيدون السابقون للقذّافي”، مما يتيح فرصة أخرى لهم للاندماج في الحوار.

ولكن السؤال هو: هل هم قادرون على اغتنام هذه الفرصة في العلن بعد استخدام السرية لفترة طويلة؟

يُصِرُّ أحد المراقبين على قوله: “لا يمكن اعتبار القذّافي قوةً ثالثةً؛ فهم ليسوا منظمين جيداً، وليس لديهم بديل ليقدموه. لقد انتهى عصر الجماهيرية؛ فقد ماتت مع القذّافي!”

Facebook Comments

Post a comment