من يرمي النفايات المشعة في بحر لبنان؟

مصطفى رعد

خاص نيوزويك الشرق الأوسط

لم يتمكن اللبنانيون من التقاط أنفاسهم بعد خبر العثور على حاوية حديدية تبين أنها تحمل مواد مشعة، وجدت أمس الثلاثاء على شاطئ منطقة الأوزاعي، جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. وقام فوج الهندسة في الجيش اللبناني، بإحكام طوق أمني حولها، حيث تم نقلها لاحقاً إلى الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية تمهيداً لمعالجتها وخزنها بطريقة آمنة ومأمونة لحماية المواطنين اللبنانيين.

العثور على الحاوية التي تحمل نفايات مشعة، تركت أثراً بشعاً لدى اللبنانيين الذين لا يزالون يعانون من أزمة النفايات الصلبة التي ضربت لبنان منذ العام 2015، ولا تزال تلقي بثقلها على صحتهم وصحة أولادهم.

هل نحن في خطر؟

يقول الدكتور بلال نصولي، رئيس الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية إن الحاوية التي وجدت يوم أمس الثلاثاء على شاطئ الأوزاعي تستعمل في الصناعات النفطية التي يطلق عليها تسمية well logging أي حفر الآبار النفطية، وتحتوي على مواد مشعة، تصنف خطرة، وتستعمل من أجل فحص كثافة الهيدروجين الموجودة في البئر وكميتها وعمقها.

ويضيف نصولي أنها مصدر للنيترونات، وتحمل تصنيف مواد خطرة، ولكنها موجودة بغلاف تدريعي، ولم تتسرب المواد الاشعاعية من الغلاف المحكم، وهي تصدر اشعاعات يمكن قراءتها من خلال الأجهزة الخاصة للكشف الإشعاعي، ولكن ذلك لا يعني أن المواد المشعة قد تسربت إلى الخارج وأحدثت تلوثاً اشعاعياً.

ويشير نصولي إلى أن هذه المادة غير مسجلة لدينا ضمن إطار الرقابة الإشعاعية التي تقوم بها الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية في لبنان، وليست موجودة ضمن المنشآت التي تخضع للرقابة الإشعاعية، وهي مرتبطة حصراً بالصناعات النفطية، غير الموجودة في لبنان، لذلك لم يتم شرائها بطريقة عبر القنوات الرسمية اللبنانية.

وهذا ما يضعنا أمام احتمالين بحسب نصولي:

  •  أولاً:

قد تكون هذه الحاوية قد دفعتها الأمواج البحرية من الدول المجاورة التي يشهد بحرها عمليات التنقيب عن النفط، ولكن هذا الاحتمال لا يتعدى كونه تحليلاً، وذلك نظراً لحجم ووزن الحاوية التي تم العثور عليها، والتي قد تغرق في المياه.

  • ثانياً:

يطرح الاحتمال الثاني إمكانية دخولها عبر المعابر غير الشرعية، من خلال الركام المعدني، وهذا الموضوع محط متابعة من الدولة اللبنانية منذ نحو 10 سنوات، بحيث يقوم المهربون بتهريب  الركام المعدني عبر المعابر الحدودية غير الشرعية التي قد يحتوي على نفايات مشعة ، نظراً لكونهم يتعهدون على سبيل المثال بإزالة الحديد من المستشفيات المدمرة أو ربما من المنشآت النفطية، ويقومون بتهريبها إلى لبنان وقد بلغ حجم الركام المعدني  المصدر من   لبنان  حجماً  كبيراً مقارنة بالدول الصناعية الأخرى، خصوصاً أن لبنان لا يعتبر دولة صناعية.

على ماذا عثر الجيش اللبناني؟

الحاوية الحديدية التي عثر الجيش اللبناني عليها، تحمل لوحة مطبوعة مكتوب عليها “US DOT 7A” ويعود مركز تصنيعها إلى شركة gamma industries الموجودة في ولاية تكساس، في الولايات المتحدة الأميركية.

اللوحة الموجودة على الحاوية الحديدية التي عثر عليها على شاطئ الاوزاعي، جنوب العاصمة اللبنانية بيروت. الصورة من الوكالة الوطنية للإعلام.

وتفسيراً للكلمات التي وجدت مطبوعة على الحاوية، تنص وزارة النقل الأميركية على عدد من الإجراءات لنقل المواد الخطرة ذات الفئة السابعة. ويشير البند 49 من قانون الولايات المتحدة للوائح الاتحادية (49CFR) المعروف أيضا باسم لوائح سلامة الناقلين الاتحادية (FMCSR) إلى ضرورة استخدام لافتات المواد الخطرة عند شحن المواد الخطرة من الولايات المتحدة وكندا والمكسيك والعديد من البلدان إلى الدول الأخرى.

أما كلمة type A فتعني أنه يمكن تحميل أسمدة نترات الأمونيوم أو تخزينها داخل مستوعبات محكمة الاغلاق.

مصادر يتيمة؟

المادة المشعة التي وجدت أمس على شاطئ الأوزاعي، لم يتم معرفة الجهة المستوردة لها، ونظراً لأن المادة لم يتم استيرادها إلى لبنان ضمن إطار الرقابة الاشعاعية المعتمدة، تدخل هذه المواد ضمن مصطلح المصادر اليتيمة (orphan source)، على الرغم من معرفة منشأ الحاوية، ولقد وضع الجيش والهيئة اللبنانية للطاقة الذرية اليد عليها، من أجل سحبها إلى مركز الهيئة، وسحب المواد المشعة منها وتخزينها بطريقة آمنة وسليمة وفق معايير وكالة الطاقة الذرية.

مافيات تهريب الركام المعدني الملوث اشعاعياً!

خلال السنوات العشر الأخيرة، ضبطت الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية 140 حالة تصدير لركام معدني ملوث بمصادر مشعة، وفق ما أعلنه الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة ومدير الهيئة الدكتور بلال نصولي.

الرقم المذكور مرتفع جداً، وخصوصاً أن كميات الركام المصدرة هي ذات أوزان ضخمة، ولا يمكن أن تكون من داخل لبنان، الأمر الذي يعني أن عمليات التهريب قائمة بنسبة عالية. وفي حديث صحافي مع صحيفة الأخبار في العام 2015، يؤكد نصولي أنّ 90% من هذه الحالات أتت إثر تدمير العراق وكانت تحوي نسبة كبيرة من الإشعاعات نتيجة تدمير المستشفيات أو المختبرات التي تضم أجهزة ومواد مشعة. معظم الركام المعدني الذي يخرج من لبنان يُصدّر الى الهند والصين وبنغلادش وغيرها من الدول لإعادة التدوير والتصنيع.

ويلفت نصولي إلى أن الهيئة تجد كل فترة مادة مشعة داخل الركام المعد للتصدير، فتقوم بسحب الكميات وتخزينها في مستودعاتها لمنع التاجر من رميها أو استخدامها في لبنان، على أن تقوم بمعالجتها. في الوضع الحالي، لا تشكّل هذه المواد خطراً، لكن تفاقم عمليات التهريب يمكن أن يؤدي الى مشكلة.

وفي 5 كانون الثاني 2015، كشف وزير المال علي حسن خليل عن ضبط معدات صناعية وأوان منزلية مطبخية في مرفأ بيروت ومطار بيروت الدولي، مستوردة من الهند، تحوي إشعاعات خطيرة جداً من مادة الكوبالت المشعCO 60.

لبنان الأكثر انضباطاً بالمراقبة الاشعاعية

وفي حديث صحافي سابق مع صحيفة الأخبار في العام 2015، رأى الأمين العام للمجلس الوطني للبحوث العلمية الدكتور معين حمزة أن لبنان يتّبع الآلية الدولية لضبط الإشعاعات ويعدّ من أكثر الدول انضباطاً، “ليس لدينا أي شكوك في فعالية الآلية، وخاصة إذا كانت جميع البضائع تمر على الحدود الشرعية، أما البضائع المهربة فلا أحد يمكنه أن يعرف ما إذا كانت تحوي إشعاعات أو لا، نحن بحاجة الى ضمانات بشأن عدم حصول تهريب”.

وقال حمزة إنه تم تركيب بوابات الكشف الإشعاعي على الحدود البرية، البحرية والجوية بالتعاون مع دول أوروبية والوكالة الدولية للطاقة الذرية منذ العام 2005.

وأضاف حمزة أن “نسبة كبيرة من البضائع المستوردة تمر عبر هذه البوابات والكواشف للتحقق من خلوها من الإشعاعات، إلا أن المشكلة هي في تفاقم كميات الخردة المعدنية المهربة إلى لبنان والتي تحوي مصادر مشعة أو ملوثة بمواد مشعة”. إذا تبيّن لعناصر الجمارك وجود قراءات عالية من الإشعاعات يقومون بسحب البضاعة واستدعاء مفتشي الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية للتأكد من القراءات وأخذ عيّنات لتحليلها ومعرفة نوعية الإشعاع. بناءً على نتيجة الفحوصات، تعطي الهيئة توصياتها للجمارك بإدخال البضاعة أو إعادة تصديرها.

لا يقتصر عمل الهيئة على الكشف على البضائع، إنما هناك شبكة رصد مبكر للإشعاع، مؤلفة من 21 محطة موزعة على المناطق الساحلية والجبلية الحدودية، وبشكل كثيف في الجنوب والبقاع الغربي، وتقوم الشبكة برصد نسبة الإشعاعات في الهواء وتحدد نقاط الغبار الإشعاعي ونوعيته ونسبة الخطورة. تدخل هذه الشبكة كجزء من خطة الرد في حالات الطوارئ غير الاعتيادية التي أقرها مجلس الوزراء عام 2011.

نفايات مشعة: لبنان لا ينسى النفايات المشعة في منتصف الثمانينات!

فعلياً لم يتعافَ لبنان من تاريخ النفايات المشعة التي دخلت لبنان في نهاية العام 1980، بعدما قبضت الميلشيات اللبنانية نحو 100 مليون دولار ثمن دفن شحنة نفايات مشعة في الأراضي اللبنانية آنذاك. وقد نشرت مجلة نيوزويك الشرق الأوسط، على علاف عددها الصادر في 20 سبتمبر 2017 تحقيقاً بعنوان “تسونامي النفايات” الذي ألقى الضوء على مكب برج حمود، شمال بيروت، السيء الذكر، وتطرق الكاتب إلى صفقة النفايات التي أدت إلى طمر النفايات المشعة في عدد من المناطق اللبنانية ابان الحرب الأهلية اللبنانية والتي أدت إلى موت عدد كبير من الناس والحيوانات على السواء.

هل تقوم إسرائيل برمي النفايات المشعة في البحر؟

اعتماداً على الفرضية التي تشير إلى أنه من المحتمل أن تكون الحاوية قد وصلت إلى الشاطئ اللبناني عبر البحر، اعتبر مصدر بيئي رفض ذكر اسمه لنيوزويك الشرق الأوسط أن إسرائيل تعمل منذ فترة طويلة على رمي النفايات النووية والسامة في البحر الأبيض المتوسط. وأضاف أنه من المرجح أن هذه الحاوية قد جرتها التيارات المائية من الجنوب إلى الشمال ووصلت إلى شواطئ الاوزاعي.

وفي العام 2015 اعتقلت السلطات الإسرائيلية ناشطان بيئيان من منظمة السلام الأخضر، بعدما أوقفا سفينة إسرائيلية كانت تحاول التخلص من النفايات السامة والنووية في البحر. وقد ادعت المجموعة البيئية انتصارها بعد توقف دام أربع ساعات عندما عادت السفينة “أريبل” الى الشاطئ.

وكان الهدف من العملية في العام 2015، التخلص من حمولة تبلغ وزنها 290 طن من بقايا الطين المتبقي من إنتاج حامض الفوسفوريك والكادميوم المسبب للسرطان ومواد كيميائية أخرى مستخدمة في تصنيع الأسمدة في مصنع حيفا للمواد الكيميائية، وذلك على بعد 20 ميلاً من الشاطئ.

نيوزويك الشرق الأوسط تواصلت مع منظمة السلام الأخضر ولكن الأخيرة رفضت التعليق على الموضوع، كون السلطات اللبنانية تتابع بكافة أجهزتها مصدر الحاوية.

هل يمكن تسفير المواد للخارج؟

يقول نصولي أن هذه المواد- يتيمة المصدر- لا يمكن تسفيرها إلى الخارج، كونها تعتبر نفايات مشعة محظر إستيرادها أو تصديرها وفقاً للمعاهدات الدولية المبرمة.

ويوضح نصولي أن الهيئة اللبنانية للطاقة الذرية عملت في العام 2009 على إخراج 36 مصدراً من Cobalt 60 من مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية إلى خارج لبنان، بتمويل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وفي العام 2011 عملت على إخراج مصدر واحد من المركز الطبي التابع للجامعة الأميركية في بيروت،  وتم إخراج مصدرين من مستشفى سيدة المعونات في جبل لبنان ومستشفى رزق في بيروت في العام 2015، وقد استغنت المستشفيات عن مادة الكوبالت للعلاج الكيميائي لمرضى السرطان، واستبدلتها بالمسرعات الخطية، ويجري العمل على إخراج المصدر الأخير من الكوبالت في نهاية العام 2018.

ولكن السؤال الأهم يبقى: كيف دخلت هذه الحاوية إلى لبنان؟

بدوره، أعلن المكتب الاعلامي في وزارة البيئة ” أن وزير البيئة طارق الخطيب فور تبلّغه بوجود نفايات نووية على شاطئ الاوزاعي توجّه الى المنطقة مع فريق من وزارة البيئة، وتبيّن أن الموضوع يتعلق بقارورة تحتوي مواد مشعّة. وقد أجرى وزير البيئة اتصالات سريعة… مطمئناً أن هكذا نوع من المواد يمكن احتواء خطره ولا داعي للهلع “.

وبحسب نصولي، سيتم متابعة الموضوع من الناحية الأمنية والقضائية علماً أن لدينا العشرات من المصادر المشعة اليتيمة والقطع الملوثة إشعاعياً والتي عملنا على ضبطها ومعالجتها وخزنها بطريقة آمنة ومأمونة.

وتتمتع الهيئة بالخبرات والتجهيزات اللازمة وهي المؤسسة المرجعية للوكالة الدولية للطاقة الذرية والتي تستفيد من جدارة خبرائها.

Facebook Comments

Leave a Reply