نساء عاملات

ارتفاع ريادة الأعمال الحرة النسائية في مصر

مي الحبشي

نيوزويك الشرق الأوسط

فاطمة الزهراء هي صاحبة إحدى وكالات الاتصالات في مصر. تجلس خلف مكتبها الكبير، حيث تتلقى المكالمات وتفوض المهام إلى الموظفين. في حين أن هذا المشهد من الريادة النسائية للأعمال قد يكون شائعاً في أجزاء كثيرة من العالم، إلا أنَّه ليس كذلك في مصر.

حيث تمثل الإناث 10٪ فقط من نسبة رواد الأعمال هناك، وذلك وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن شبكة مصر للتنمية المتكاملة.

وبناء عليه يمكن اعتبار فاطمة من الأقليات في هذا المجال.

لكن الزمن يتغير. وفي الوقت الحالي، تشهد ريادة الأعمال النسائية نمواً سريعاً في البلاد مقارنة بالوضع خلال الأعوام الثمانية الأخيرة، حين كانت وقتها نسبة النساء في ريادة الأعمال لا تتعدى 3٪ فقط. ويبدو أن ثورة 2011 أطلقت العنان لروح المبادرة النسائية في سوق مشاريع الشباب الناشئة في مصر.

لقد ازدادت وكالة اتصالات فاطمة قوة يوماً بعد يوم على الرغم من الاضطرابات التي هزت البلاد قبل ثماني سنوات. وقد فازت بعملاء يتمتعون بسمعة طيبة وهي تقدم خدمات الاتصالات عالية الجودة مما أهلها للفوز بجائزة وكالة التميز الأفريقية لمدة سنتين متتاليتين.

ولكن الصورة لم تكن دائماً وردية علي هذا النحو.

تقول فاطمة: “بدأت أعمالي من المنزل وصببت كل مدخراتي على هذا الأمر”. وأضافت: “أخذت أيضاً قرضاً مصرفيّاً كبيراً لتغطية تكاليف التشغيل لمدة ستة أشهر. كان الوضع صعباً في البداية؛ لأنني لم يكن لدي سوى عميل واحد ولم تؤيد عائلتي قراري لبدء شركتي الخاصة. لكنني كنت عازمة على تأسيس نشاطي التجاري”.

بعد فوزها بأول عميل لها، استمرت فاطمة في كسب المزيد من العملاء وخلق أرضية صلبة لنفسها. وفي هذه المرحلة أدركت أنها تحتاج إلى الاستثمار في تجهيزات مناسبة لشركتها بداية من العثور على مقر عمل جيد وصولاً إلى تنظيم أوراقها الرسمية وإيجاد الكوادر المناسبة.

“كانت إحدى أكبر التحديات التي واجهتني هي العثور على أشخاص مستعدين للعمل في شركة لم يسمع بها أحد من قبل، ولكنني كنت محظوظة؛ لأننى صادفت الأشخاص المناسبين” كما ذكرت.

على الرغم من نجاحها، لا تزال فاطمة محتفظة بتواضعها وهي تدعم رائدات الأعمال الشابات. “أؤمن بقوة المرأة. ومع زيادة عدد النساء اللواتي يصبحن رائدات أعمال، فإنهن سيؤثرن إيجابيّاً على الاقتصاد المصري ويخلقن مزيداً من فرص العمل “، وأضافت قائلة: “أنا فخورة أيضاً بأن شركتي تُدار بشكل كامل من قبل النساء”.

إحياء الفن المصري

هناء إبراهيم مؤسسة شركة “هناء ديزاينز”، وهي مثال آخر لرائدات الأعمال المصريات الشابات التي استطاعت إحداث فرق يلاحظه الجميع في مصر وعبر الشرق الأوسط.

أطلقت هناء، وهي تعمل في مجال تصميم الغرافيك، خطها الإبداعي الخاص في العام 2007 بعد أن أبدى أصدقاؤها وزملاؤها إعجابهم وتقديرهم بأعمالها الفنية. وكانت بداية الفكرة بطريقة غير متوقعة أبداً.

تقول هناء: “أحمل دائماً دفتر رسم معي أينما ذهبت؛ لأنني أحب أن أرسم. ولكن لم أجد قط دفتر رسم أحبه لذلك قررت إنشاء كراستي الخاصة “.

أحب الأصدقاء والعائلة كراسات رسمها لدرجة أنهم طلبوا منها أن تنفذ لهم بعض الكراسات أيضاً. وفي وقت قريب، بدأت مكتبة الديوان، وهي واحدة من أكبر المكتبات في مصر، وأم الدنيا، وهي مكتبة محلية تبيع أيضاً مشغولات محلية عالية الجودة في المتاجر وعلى الإنترنت، بعرض نماذج من دفتر الرسم الخاص بها جنباً إلى جنب مع أعمالها الفنية الأخرى.

تبيع هناء الآن الإكسسوارات المنزلية من اللوحات إلى الصواني والستائر والوسائد والدفاتر والصناديق الخشبية المصنوعة يدويّاً

على الرغم من حصول إبراهيم على التقدير محليّاً إلا أنها كانت تكافح من أجل إنشاء عمل مربح. “يُكلفني إنتاج 10 قطع المبلغ نفسه من المال الذي يكلفني إنتاج 100 قطعة. لا أزال أحتاج إلى دفع ثمن المستلزمات والحرفيين بغض النظر عن عدد القطع المطلوبة”. وأضافت: “المشكلة في مصر هي أن المتاجر تطلب فقط بضع قطع في كل مرة، الأمر الذي يجعل من الصعب الحفاظ على نشاطي التجاري. ولذلك قررت التسويق لعملي في الخارج”.

تصدّر إبراهيم الآن أعمالها الفنية إلى المملكة العربية السعودية وقطر والبحرين ولبنان وفرنسا.

قالت هناء: “إنه عمل شاق، ولكنه يستحق كل هذا العناء”.

وتُعد أبرز المحطات في مسيرة هناء المهنية هي اختيارها كواحدة من أفضل سبع سيدات أعمال ناجحات من مختلف أنحاء الشرق الأوسط من قبل وزارة الخارجية الأمريكية. أضافت هناء قائلةً: “سافرت إلى الولايات المتحدة وتحدثت عن عملي. في هذه اللحظة، شعرت بالفخر جداً بنفسي، وبكل ما أنجزته”.

التغلب على المشاكل الوطنية والتحديات الثقافية

على الرغم من أن فاطمة وهناء تمكنتا من النجاح في إطلاق أعمالهما في مصر، إلا أن البلاد لا تزال تفرض تحديات كثيرة على رواد الأعمال.

وفقاً لمؤشر ريادة الأعمال العالمية، تحتل مصر المرتبة 81 بين دول العالم من حيث ريادة الأعمال. ويرجع ذلك جزئيّاً إلى أن البلد مُقيد بمستوى عالٍ من البيروقراطية الحكومية والروتين الإداري.

أدى التعويم الأخير للجنيه المصري في العام 2016 إلى إلحاق الضرر بريادة الأعمال في البلاد.

تقول فاطمة: “مع انخفاض قيمة الجنيه، ارتفعت الأسعار في مصر بشدة “. “هذا أثر على عملي من نواحٍ كثيرة. كان علي زيادة الرواتب ودفع المزيد من الأموال للحفاظ على تشغيل المكتب ونتيجة لذلك زادت رسوم خدمتي للتعويض عن الخسائر”.

كذلك شعرت هناء بتأثير خفض قيمة العملة على عملها. وقالت: “إزدادت الآن التكلفة لشراء المستلزمات ولا يزال من المتوقع أن تزيد الأسعار مرة أخرى”. وأضافت: “يجب أن أكون حذرة جدًا عند استخدام المستلزمات كما يجب أن أعمل بجهد أكبر للعثور على عملاء في الخارج”.

على الرغم من هذه التحديات، لا تزال مصر مركزاً جذّاباً لإطلاق المشاريع في الشرق الأوسط. ومع ازدهار السكان البالغ عددهم أكثر من 90 مليون نسمة، منهم 28 مليون شاب، يُحدث الشباب التغيير ويحولون أفكارهم إلى أعمال تجارية مربحة.

تعتقد رانيا أيمن، مؤسسة منظمة إنتروبنيل، وهي منظمة تدعم الشركات الناشئة التي تديرها النساء، أنه على الرغم من الازدهار الذي تشهده الأسواق الناشئة في البلاد، تضطر النساء إلى مواجهة تحديات فريدة عند بدء أعمالهن الخاصة.

أحد هذه التحديات هو التمويل. تقول رانيا: “تواجه النساء رائدات الأعمال وقتاً أصعب في الحصول علي التمويل للمشاريع المبتدئة مقارنة بالرجال، على الرغم من كونهن متفانيات جداً وملتزمات بنمو أعمالهن”.

وفقاً لدراسة أجرتها شبكة عرب نت عام 2015، فإن 12٪ فقط من رواد الأعمال الذين يحصلون علي تمويل لبدء أعمالهم في الشرق الأوسط هم من النساء. تقول أيمن: “نحن لسنا على مقربة من سد الفجوة بين الجنسين”. “يجب بذل المزيد من الجهود لدعم ريادة الأعمال النسائية في البلاد”.

وثمة تحد آخر تواجهه رائدات الأعمال آلا وهو التوقع الثقافي لدورهم في المجتمع. حتى لو كانت النساء يعملن خارج المنزل أو يديرن أعمالهن الخاصة، فإنهن ما زلن مسؤولات عن أداء واجباتهن كأمهات وزوجات.

تقول هناء: “عندما تم اختياري للسفر إلى الولايات المتحدة والتحدث عن فني، والدتي لم تكن مهتمة حقًا بعملي أو إنجازاتي. وقالت إنها لا تفكر بي إلا كزوجة وأم ولا شيء آخر”.

وفي بعض الأحيان، لا يكون أمام المرأة خيار سوى أن تصبح رائدة أعمال. واليوم، بلغت البطالة نسبة مذهلة حيث وصلت إلى 24٪، وفقاً لتقرير صادر عن شبكة مصر للتنمية المتكاملة لعام 2016. ومع الوضع الاقتصادي الحالي للبلاد وقلة فرص العمل، يتعين على بعض النساء أن يبدأن أعمالاً – مهما كانت صغيرة – لدعم أنفسهن وأسرهن.

تقول رانيا: “إن المرأة التي تبيع الجبن أو الطعام المنزلي أو الحرف اليدوية هي من رائدات الأعمال”.

بغض النظر عن نوع العمل الذي تختاره المرأة، فإن وظيفة رانيا هي أن تساعدها على النجاح كسيدة أعمال. تقول رانيا: “لا أستطيع تغيير الحضارة، ولكن ما يمكنني القيام به هو تأهيلها. يمكنني تغيير الفتاة نفسها “.

على الرغم من أن ريادة الأعمال تعتبر عملاً بطوليّاً بالنسبة للرجال أو النساء، إلا أنها لا تزال مرحلة مهمة بالنسبة للشباب، وخاصة النساء، ليتركوا بصماتهم في مشهد المشاريع الصاعدة في البلاد. وتقول رانيا وهي تشجع رائدات الأعمال النساء الأخريات على بدء أعمالهن الخاصة: “إنهن سيزددن قوة في السنوات المقبلة”.

Facebook Comments

Post a comment