نفايات صيدا… لا دخان بدون نار، ورائحة الفساد فاحت

مصطفى رعد

نيوزويك الشرق الأوسط- الصور من موقع saidaonline

لا تزال أزمة النفايات القديمة- الجديدة في مدينة صيدا، جنوب لبنان تتفاعل بعدما تركت ثقل سمومها يتكدس على أهالي المدينة والمدن المجاورة، وذلك بعد اشتعال جزء من جبل النفايات المتكومة خلف معمل صيدا لمعالجة النفايات الصلبة، بارتفاع يبلغ 12 متراً، وخصوصاً بعد الإعلان عن استحداث “مطمر صحي” في البحيرة الملاصقة لمعمل معالجة النفايات الصلبة.

لماذا اشتعل جبل النفايات مباشرة بعد الإعلان عن استحداث مطمر صحي على نفقة المعمل؟ يجيب مصدر متابع لملف المعمل، رفض ذكر اسمه، في حديث خاص إلى نيوزويك الشرق الأوسط أن إدارة المعمل تحاول التخفيف من كمية النفايات التي تكدست خلف المعمل وذلك عبر توكيل اشخاص بطريقة غير مباشرة بافتعال الحرائق، مشيراً إلى أن هناك أشخاص نافذين مدعومون من قبل شخصيات سياسية نافذة في صيدا يقومون بطمر النفايات فجراً في البركة المحاذية للمعمل.

اشتعال النفايات فجأة في جبل النفايات ترك بعض التساؤلات لدى فعاليات المدينة الجنوبية التي ضاقت ذرعاً بالروائح المقززة المنتشرة في أرجاء صيدا. فقد رأت “مجموعة الفعاليات الصيداوية” التي تتابع ملف معمل الفرز والمعالجة أن “في ذلك اقرار واضح بفشل ذريع وعجز ادارة المعمل عما كانت قد تعهدت فيه سابقاً بمعالجة تلك العوادم وتصريفها من دون تحميل المدينة اعباءها”.

هناك صفقة يجري التحضير لها، برعاية نائب صيداوي، تبلغ قيمتها 700 ألف دولار ستدفعها إدارة المعمل، بالاتفاق مع رئيس بلدية صيدا محمد السعودي، وشركة الجهاد للتجارة والمقاولات بشخص رئيسها جهاد العرب، وطبعاً من دون علم المجلس البلدي، تقضي بإنشاء مطمر “صحي” في المنطقة الفاصلة بين المعمل وبركة النفايات الشهيرة. الصورة من موقع saida online

ولهذه الغاية، يقول الصحافي وفيق هواري في حديث إلى نيوزويك الشرق الأوسط أن هناك صفقة يجري التحضير لها، برعاية نائب صيداوي له حيثية كبيرة في المدينة، تبلغ قيمتها 700 ألف دولار ستدفعها إدارة المعمل، بالاتفاق مع رئيس بلدية صيدا محمد السعودي، وشركة الجهاد للتجارة والمقاولات بشخص رئيسها جهاد العرب، وطبعاً من دون علم المجلس البلدي، تقضي بإنشاء مطمر “صحي” في المنطقة الفاصلة بين المعمل وبركة النفايات الشهيرة، الأمر الذي يعني أن معظم النفايات المتكومة خلف المعمل ستُطمر في البركة التي تبلغ مساحتها 560 ألف متر مربع.

ويضيف هواري أن أعضاء بلدية صيدا استاءوا لدى معرفتهم بهذه الصفقة وهددوا بتقديم استقالتهم، مع العلم أن إدارة المعمل تتعامل بازدراء مع الموظفين والإعلاميين وتمنعهم من التصوير، وتمنع دخول عدد من أعضاء البلدية، بالإضافة إلى منع دخول أي لجنة خبراء محايدة للكشف على التجاوزات التي تحصل داخل المعمل.

على الصعيد نفسه، تشير مجموعة الفعاليات الصيداوية إلى أن “المعمل يتقاضى 95 دولاراً عن كل طن نفايات بما فيها تكلفة التخلص من العوادم وصولا الى “صفر عوادم”، وذلك وفق مزاعم ادارة المعمل نفسها منذ العام 2015، إلا أن شيئاً من ذلك لم يتحقق وها هي العوادم تصبح جبلا وتتراكم وتتكدس فوق بعضها البعض وتنشر رائحتها الكريهة في سماء صيدا ومنطقتها كلما هبّ الهواء ووفق اتجاه الرياح”.

يوضح هواري أن المعمل يعالج 300 طن من النفايات المنزلية الصلبة بقدرته الاستيعابية الأقصى، ولكن يصل إليه يومياً نحو 600 طن من النفايات، من بيروت وصيدا وجزين، وبالتالي لن يستطيع المعمل معالجة النفايات، بعد توقف معمل البقاع الغربي عن استقبال العوادم، نظراً لانه لا يوجد أي قدرة على المعالجة الجدية.

وهذا ما يفسره هواري بأن الخرائط والمعلومات التي تقدمت بها إدارة المعمل لوزارة البيئة في العام 2002، تختلف كلياً عن الخرائط والتفاصيل التي بُني على أساسها المعمل حالياً، بحيث تم بناء المعمل بطريقة عشوائية، ومن بعدها اضطرت إدارة المعمل إلى شراء الآلات بعد فترة، بحيث تقتضي خطتهم بإنتاج صفر عوادم في العام 2015 بينما وصلت نسبة العوادم المتبقية يومياً إلى 35 في المئة بحسب المعلومات التي أدلى بها أحد موظفي المعمل، ولا يعرف القيمون على المعمل كيفية التخلص منها.

مشكلة أخرى يعاني منها المعمل بحسب هواري، بحيث يشير إلى أن النفايات التي تصل مضغوطة إلى المعمل وينفذ العمال عملية فرز جزئية وليست دقيقة، وهذا ما يؤدي إلى زيادة نسبة العوادم المحملة بالمواد العضوية، التي حاولت إدارة المعمل تسويقها، إلا أن لا أحداً يريد شرائها لانها ملوثة.

اشتعال الجبل فتح الباب أمام تدخل النائب العام الاستئنافي في الجنوب القاضي رهيف رمضان، بحيث استدعى القيمين على المعمل على خلفية الحريق، إلى قصر العدل في صيدا، واخضعهما للاستجواب والتحقيق، لمعرفة ما إذا كان الحريق مُفتعلاً أو بفعل الطبيعة. وقد كلف القاضي رمضان خبير حرائق للتأكد ما إذا كان الحريق مفتعل ام اشتعل من تلقاء نفسه.

وقد ترك القيمين على المعمل في حال سبيلهما إلا أن النيابة العامة أبقتهما رهن التحقيق، ولن يتم اقفال محضر التحقيق حتى معرفة سبب الحريق.

من جهته، علق امين عام التنظيم الشعبي الناصري الدكتور أسامة سعد على تويتر قائلاً: حريق في جبل الزبالة!!! تَراكَم الإنكار والكذب ومعهـما الزبالة، حتى باتوا جبلاً يُدارى بالحرق. شرهـم مستطير. أليس أعظم النار من مستصغر الشرر.

مضيفاً أن ثقافة الزبالة تتخايل وتتبختر… صفقة جديدة بين بلدية صيدا ومعمل النفايات… إنشاء مطمر لدفن زبالتهـم وفشلهـم معاً!

من جهته اعتبر الدكتور عبد الرحمن البزري، رئيس بلدية صيدا السابق، أن “الحريق في جبل النفايات الجديد في صيدا يُذكرنا بالأزمات البيئية التي عانت منها المدينة طوال عدة عقودٍ من الزمن”، موضحاً أن “صيدا تتحمل مشكلة نفايات عدة مناطق خارج نطاقها الاداري وصولاً الى العاصمة بيروت، وهذا ما يجعل المدينة معرّضة لتكرار الحوادث البيئية والضرر البيئي المستمر”. داعياً الى “العمل لإيجاد حلولٍ بيئية سليمة والتوقف عن ادخال النفايات الغير مصرح لها لاحتواء المشكلة الحالية ومنع تكرارها”.

وأكد البزري “أن المطمر الصحي المنوي اقامته خارج محيط مركز المعالجة سيؤدي الى حل المشكلة آنياً ومرحلياً.. مطالباً الحكومة اللبنانية بتحمل مسؤولياتها وإيجاد خطة وطنية شاملة، ومخططاً توجيهياً على المستوى الوطني لمعالجة النفايات، وإلاّ فإن صيدا وغيرها من المناطق معرضة لتكرار الحوادث البيئية”.

Facebook Comments

Post a comment