نقد كتاب: لو كليزيو و«سمكة الذهب»

 رانيا محيو الخليلي*

خاص بنيوزويك الشرق الأوسط

قد يستغرب البعض انتقادات تطال كاتبًا حصد جائزة نوبل، ورواية حازت على جائزين متتاليتن، لكن ما يحدث معي في أثناء القراءة أنني ألغي الجوائز من فكري وألتفت إلى العمل بتجرد عن هوية كاتبه وإنجازاته، ويبقى لكل قارىء رؤيته الخاصة في تلقف ما يقرأ وقبوله به.

أول رواية أقرأها للكاتب والروائي الفرنسي جان-ماري غوستاف لو كليزيو (من مواليد العام 1940، وحائزٌ على جائزة نوبل للآداب في العام 2008) كانت «سمكة الذهب». واختياري لهذا العمل الأدبي كان عن طريق الصدفة ودون أي تصور مسبق، لأكتشف لاحقًا أن هذه الرواية قد حازت على تكريمين: الأول في العام 1997 مباشرة عقب نشرها وهي جائزة «جان جيونو»، أما الثانية فكانت في العام 1998 وهي «جائزة أمير موناكو».

تجري أحداث الرواية على لسان ليلى، الفتاة المغربية التي اختُطِفت في سن السابعة وبيعت لسيدة يهودية في منطقة «الملاح» في مراكش وهي منطقة تعيش فيها مجتمعات مغربية عديدة بأكثرية يهودية. السيدة التي اشترت ليلى هي للا أسما، حرصت على تعليمها مبادىء القراءة والكتابة كما أخبرتها أن من اختطفها أتى بها من الجنوب والمنطقة هناك يعيش فيها مسلمون.

للا أسما أغدقت على ليلى بعاطفتها اهتمت بها وبتنشئتها بصورة لائقة كما حمتها من اعتداء ابنها  آبيل عليها وتسلط زوجته زهرة.

لكن بعد وفاة للا أسما لم تعد الأمور كما هي، لتهرب ليلى من مكان إلى آخر بحثًا عن أمنها واستقرارها؛ هي الطفلة التي خسرت سمعها في إحدى أذنيها بعد حادثة دهس تعرضت لها وهي تلعب خارج بيت الملاح.

وهنا يبدأ خيال لو كليزيو في تصوير الصور التقليدية لبيوت المغرب في الأحياء الفقيرة حيث تنزل ليلى في «foundouk»  أو فندق مهجور تعيش فيه بنات ليل وممرضة نسائية اسمها السيدة جميلة. ج

ميلة تهتم بليلى وتتكفل برعايتها حتى أنها تعمد لإرسالها عند مُعلمة تعطيها دروسًا تؤهلها لبلوغ مرحلة تعليمية وثقافية متطورة.

ومن للا أسما إلى السيدة جميلة ومن بعدها تسترجع ليلى السيدة زهرة (زوجة ابن للا أسما) وبعدها تغريد، ومن ثم حورية… وصولاً إلى بياتريس.

وفي هذه الرواية نجد نماذج أمومة بصور مختلفة بوعاطفة نبيلة آثرت ليلى البحث عنها، كما آثر لو كليزيو تردادها وذكرها. الصورة الذكورية الإيجابية الوحيدة في الرواية كانت صورة جد صديقها حكيم «الحدجي» (الحاج) المسلم الذي كافأها بعد وفاته بإعطائها جواز سفر حفيدته المتوفاة كي تتابع حياتها وهي تحمل هوية وجنسية فرنسية لن يسألها أحد فيها عن اختلاف الصورة، لأنها حسب وجهة نظر ليلى البيض يعتبرون أن أصحاب البشرة السوداء متشابهون.

وفي الرواية هناك إصرار على التذكير بذوي البشرة السوداء وما يعانون منه ويتعرضون له.

الكاتب والروائي الفرنسي جان-ماري غوستاف لو كليزيو

 تجدر الإشارة إلى أنّ لو كليزيو متزوج من مغربية، واربما هذا ما أثر على معرفته بتفاصيل دقيقة عن الحياة المغربية التي نقلها بتقارب كبير، مع نقله لمرادفات عربية صحيحة حتى بترجمتها للفرنسية. وسرده لقصة تحرير النبي محمد للمؤذن بلال، وهو أسود البشرة ومن أصول أفريقية كان بموقعه وظهر جليًّا تأثره بهذه القصة.

أسلوب لو كليزيو سلس وقراءته ممتعة؛ لكن القارىء يصل معه إلى مرحلة ملل حيث تتابعت قصص الهروب دون وصول آمن. فكلما وجدت ليلى منفذًا آمنًا حدث أمر ما يجرحها، إما بالتعدي عليها بالضرب أو بالاعتداء الجنسي. وبقي الكاتب يحوم في دائرة الهروب والاعتداءات في هذه الرواية.

ومن الثغرات التي يلحظها القارىء هي عدم تحديد المدة الزمنية التي جرت فيها أحداث الرواية.

فمثلاً أتت ليلى فجأة على ذكر حرب فيتنام بعد تبني بياتريس للرضيعة ماغدة. لنجد أنها في نهاية الرواية تصف أسلوب مغنية أنه قريب من جانيت جاكسون، على الرغم من أن الفارق الزمني كبير بين مرحلة حرب فيتنام والأجواء الجاكسونية.

كما أنّ الكاتب حدد في نهاية الرواية أن ابتعاد ليلى القسري عن أهلها حدث خلال خمسة عشر عامًا. والفارق الزمني هنا ليس منطقيًّا نظرًا إلى كل ما مرت به وعانت منه، فيُخيل للقارىء أنها وصلت إلى عقدها الثالث.

ومن النقاط الفارقة في الرواية ظهور أبيل ابن للا أسما في حياتها فجأة، وفي باريس ليغتصبها فقط ثم يفر.

هذا المشهد الفجائي بحد ذاته لم يكن له أي داعي ولا مبرر. حتى أن القارىء قد يتساءل فجاة «من أين ظهر لها هذا؟».

ومن الصور غير المتجانسة ظهور جد حكيم بعد موته مكفنًا بثيابه على السرير، مع العلم أن المسلمين يكفنون بكفن خاص وليس بثياب.

أما الإنتقال بالأحداث الدرامية فجاء متسارعًا، وما من تمهيدٍ منطقي مسبق لها. فالطفلة المختطفة بعمر السابعة  بإمكانها على الأقل معرفة اسمها واسم أهلها وعائلتها وحتى اسم قريتها. لكن كل ذلك كان ممسوحًا من ذاكرة ليلى، وحدها حلي الهلال التي كانت معلقة في أذنيها وقت اختطافها كانت الذكرى  المتبقية لها.

أضف إلى كل ذلك أنه يبدو للقارىء أن لو كليزيو هو الذي يسرد الأحداث وليس ليلى الفتاة البريئة المعنفة وبعدها الشابة ثم المرأة؛ فكان نفس الكاتب الروائي حاضرًا في كل تفصيل. وبالنسبة لتعداده أسماء مؤلفات أدبية وفلسفية كان في بعض الأحيان كان مبالغًا في الرواية وأتى خارج السياق.

الثغرات في الرواية كانت كثيرة، لكن بعض المحطات الكتابية المؤثرة، ومحاولة ليلى إيجاد موطء وطن يشعرها بالأمان غطى على كل هذا الضعف في التأليف.

أماّ النهاية الموضوعية التي جعلت ليلى تعود إلى جذورها، فكان محاولة لولادة جديدة تمنحها فرصة حياة ثانية، وكانت عاملاً مهمًا عوّض من خلاله القارىء بعضًا مما فقده في سياق السرد.

وما يشفع للو كليزيو عن كل تلك الثغرات، أنه أراد من خلال هذه الرواية تسليط الضوء على قضية اللجوء ومعاناة اللاجئين، مع الدعوة إلى عدم استغلالهم واستعبادهم.

*رانيا محيو الخليلي

روائية وناقدة لبنانية

Facebook Comments

Leave a Reply